أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين No Kings - Yes! Jokers - ! صراع على مستقبل الغرب وعودة روسيا إلى التاريخ (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)















المزيد.....



ألكسندر دوغين No Kings - Yes! Jokers - ! صراع على مستقبل الغرب وعودة روسيا إلى التاريخ (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8826 - 2026 / 9 / 12 - 17:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر

12 أيلول سبتمبر 2026


إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف


1.....ترامب بين إرادة الرئيس وشبكات الدولة العميقة

المذيع: الخبر الأبرز في الأيام الأخيرة، والذي يحظى بإهتمام واسع على جانبي المحيط الأطلسي، هو محاولة جديدة من جانب الوسطاء السياسيين لتسوية الأزمة. فقد زار المبعوثان الخاصان للرئيس الأمريكي، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، موسكو، حيث إلتقيا فلاديمير بوتين، ثم توجها إلى كييف. وبما أن الوفد كان يرأسه رسمياً ستيف ويتكوف، وليس كوشنر وحده، يرى كثير من الخبراء أن الأمر يتعلق أساساً بقصة سياسية كبيرة، وليس بمجرد مصالح تجارية. كيف تقيّمون هذه الجولة المزدوجة للنخبة السياسية الأمريكية؟ وما هي، في رأيكم، المصالح الحقيقية لدونالد ترامب في هذه العملية؟ من الصعب الإعتقاد بأن الأمر يتعلق حصراً بالعمل الإنساني وصنع السلام.

ألكسندر دوغين: أعتقد أن ترامب لم يعد لديه الكثير من الخطوط السياسية المتماسكة التي يمكن الحديث عنها. فهو تخلّى إلى حد كبير عن برنامجه الإنتخابي، لكن ينبغي، مع ذلك، الإعتراف بواقع موضوعي مهم: موقفه من روسيا لم يتغير من حيث الجوهر.
ترامب لم يعتبر هذه الحرب معنا ــ وهي الحرب التي يخوضها ضدنا، والتي ورثها، بالمناسبة، عن الإدارة السابقة ــ أولوية رئيسية بالنسبة إليه. إنه يدعم أوكرانيا، ويعتبرها طرفاً من أطرافه، ويحاربنا، لكن هذه القضية ليست في صدارة إهتماماته.
وهنا تحديداً يمكن القول إنه ظل متسقاً مع نفسه. فإذا كانت هناك سمة تميز سياسة ترامب عن سياسات أسلافه، إلى جانب مظهرها الخارجي المثير للجدل، فهي الإصرار على دفع الصراع الأوكراني نحو مرتبة ثانوية. وقد أظهر ترامب ذلك منذ البداية، بدءاً من أنكوريج، وعلى إمتداد هذا العام، وصولاً إلى الزيارتين الأخيرتين لويتكوف وكوشنر. فهو يقول، عملياً: أوكرانيا لا تعنيني كثيراً؛ ما يهمني أساساً هو الشرق الأوسط، ونصف الكرة الغربي، وأنا لا أعتزم التورط بعمق في هذه الحرب، ولا الدخول في تفاصيلها، ولذلك فلننتهِ منها بأسرع ما يمكن.
وعندما يرسل كوشنر وويتكوف ــ وهما من أقاربه وشركائه في الأعمال وأفراد دائرته العائلية ــ فإنهما ينقلان تحديداً ما يريده ترامب من هذه المسألة. هو لا يريد الحرب، ولا تهمه هذه القضية. وبالطبع، لا يعني ذلك أنه مستعد للتخلي عن أوكرانيا من دون مقابل، فإدارته تواصل تقديم المساعدة العسكرية لها. لكن عندما يأتي جون راتكليف إلى موسكو بصفته مدير وكالة الإستخبارات المركزية، فنحن أمام قصة مختلفة تماماً. هنا نتعامل عملياً مع الدولة العميقة، التي لا ترى في ترامب سوى رئيس مؤقت. لقد هدد ترامب بأنه سيواجه الدولة العميقة، لكنه لم يتمكن من ذلك، وهذا واضح. ولهذا كان الحوار مع راتكليف مختلفاً كثيراً في لهجته عن الحوار مع ويتكوف وكوشنر.
نحن أمام مؤسستين مختلفتين تماماً. الأولى هي وكالة الإستخبارات المركزية والمجمع الصناعي العسكري الأمريكي والدولة العميقة، وهي التي تخوض الحرب ضدنا حتى النهاية، وصولاً إلى هزيمتنا الإستراتيجية. أما الثانية فهي ترامب، الذي يرسل أشخاصاً يثق بهم، وممثلين مفوضين عنه، وشركاء في عالم الأعمال، وأفراداً من دائرته العائلية، يحملون فهماً خاصاً به للسياسة الداخلية، وينقلون رسالة مختلفة تماماً.
ومن خلال المقارنة بين الرسائل التي بعث بها راتكليف من جهة، وويتكوف وكوشنر من جهة أخرى، تستخلص قيادتنا الإستنتاجات الصحيحة تماماً.
كان علينا، قبل كل شيء، أن نوصل إلى ترامب الرسالة الأساسية: نحن مستعدون لإنهاء هذا الصراع بصورة كاملة، وهذا تحديداً هو الجواب الذي يريد ترامب سماعه. لقد أرسل ويتكوف وكوشنر، في المقام الأول، للحصول من الكرملين على إجابة بشأن مدى إستعدادنا لإنهاء المواجهة. وقد حصل عليها.
وفي الوقت نفسه، تتفق التعليقات الغربية كلها تقريباً ــ وهي التعليقات التي لا تحظى بإهتمام كبير عندنا ــ على أن مطالب فلاديمير بوتين ستزداد كلما حققنا مزيداً من النجاحات على الجبهة. وهذا ما يحدث بالفعل. فقد أصبحت الشروط اليوم أكثر تشدداً، ويتفق على ذلك جميع المعلقين الغربيين تقريباً، سواء بالغوا في تقدير هذا التشدد أم لم يبالغوا. هكذا تسير الأمور في السياسة.
وعلى المستوى الإعلامي، يمكن قراءة زيارة ويتكوف وكوشنر على النحو الآتي: ربما أرسل ترامب ممثليه في محاولة لتخفيف اللهجة الإنذارية الصريحة التي عبّر عنها راتكليف، والتي تمثل الخط الأطلسي. فترامب لا يسيطر على كثير من الأمور داخل الولايات المتحدة ــ الدولة العميقة هي التي تحكم هناك ــ لكنه أرسل رجاله لمناقشة السبل الممكنة لوقف الصراع، وحصل من موسكو على الإجابة التي كان يريدها.
بعد ذلك، توجّه الرجلان إلى كييف. وهناك كانا يبتسمان، لأن المسألة، في نظرهما، مجرد عمل وصفقة تجارية، لا شيء شخصياً فيها ولا علاقة لها بالجغرافيا السياسية. لقد كانا يستمتعان بوقتهما في قصر ماريينسكي، الذي شيدته، بالمناسبة، الإمبراطورية الروسية العظمى، وحمل إسم إمبراطوريتها، وهو أمر رمزي للغاية أيضاً.
أما زيلينسكي، فهو يدرك كل ذلك جيداً. إنه يراهن على الدولة العميقة في الغرب، منتظراً إنتهاء ولاية ترامب أو تقييد يديه وقدميه بعد إنتخابات التجديد النصفي، التي باتت على الأبواب.
ولهذا تحديداً يعمل زيلينسكي على كسب الوقت. فهو يقول للأمريكيين: «نعم، نعم، أنا مستعد أيضاً»، حتى لا يغضب ترامب، لكنه سرعان ما يطالب بإشراك نظرائه الأوروبيين.

وماذا سيفعل هؤلاء الأوروبيون؟

سيعملون فوراً على تشديد جميع شروط المفاوضات، بحيث تنهار العملية برمتها.
وهذا تحديداً هو ما يريده زيلينسكي.



2.... الملك الروسي والجوكر الأمريكي

المذيع: دعنا ننظر إلى هذه الأحداث من زوايا أخرى أيضاً. يقول كثيرون إن الولايات المتحدة، عبر الشركات العابرة للقوميات ــ مثل مونسانتو وبلاك روك وغيرها ــ تمتلك أصولاً مهمة في أوكرانيا، وإن زيارة كوشنر وويتكوف تحمل، من هذه الزاوية، دلالة إقتصادية مهمة. أي أنها محاولة لحجز هذه الأصول وتثبيتها لمصلحة رأس المال الأمريكي تحسباً لإنتهاء الحرب وفق شروطنا. ومن هذا المنظور، هل يزوران موسكو وكييف أيضاً لأن علاقات ترامب بهذه الشركات العابرة للقوميات بالغة الأهمية بالنسبة إليه، ولأنه ملزم بحماية مصالحها التجارية في إطار التسوية؟

ألكسندر دوغين: لا يمكن إستبعاد هذا الإحتمال أو تجاهله، وإن كنت لا أعتقد أن العامل الإقتصادي هو العامل الأساسي هنا. وفي رأيي ــ وقد أكون مخطئاً ــ أننا نبدي قدراً هائلاً من المرونة في هذا الجانب. نحن نقول للأمريكيين: أعيدوا لنا أوكرانيا، وإقبلوا شروطنا، ومن الناحية الإقتصادية نحن مستعدون للحوار.
فروسيا قوية ومقتدرة، إذا فرضت سيطرتها على ذلك «الحقل الفوضوي» غير القابل للتنبؤ، والمليء بالفوضى والنازية، الذي تشكّل في أوكرانيا، ستكون شريكاً أكثر موثوقية وإستقراراً بالنسبة إلى قطاع الأعمال الأمريكي. وسنكون قادرين على ضمان تنفيذ الإتفاقات وأمن جميع الأصول.
إذا كان ترامب يفكر بعقلية رجل أعمال براغماتي، فعليه أن يدرك أن روسيا أكثر فائدة له من هذه الناحية بكثير. فنحن، أولاً، نشعر بمرارة وغضب شديدين إزاء السياسة التدميرية للإتحاد الأوروبي، ويمكننا هنا أن نصبح حلفاء للولايات المتحدة في معاقبة البيروقراطيين الأوروبيين.
وبمجرد إنتقال الأراضي إلى سيطرتنا، يمكننا بالتأكيد إسقاط جميع إلتزامات أوكرانيا تجاه أوروبا. أما تجاه الشركات الأمريكية، فإذا أبدت واشنطن قدراً من المرونة، فنحن مستعدون لتطبيق معايير مختلفة تماماً.
ومع ذلك، من الواضح أن مواقفنا التفاوضية أصبحت أكثر تشدداً بصورة ملحوظة. والجميع يتساءل الآن: هل سيُعقد لقاء كامل بين فلاديمير بوتين وترامب ــ وهو لقاء يبدو أن التحضير له كان جارياً أيضاً ــ أم سيستمر الحوار حصراً عبر المبعوثين الخاصين؟
لكننا نتحدث مع أمريكا، بصورة متزايدة، من موقع شروطنا نحن. وهذه الشروط تتمثل في التنفيذ غير المشروط للأهداف التي حُددت منذ بداية العملية العسكرية الخاصة.
وسأكرر للمرة المليون أمراً يفلت، لسبب ما، بإستمرار من بؤرة التحليل الدولي: لا يمكن تحقيق الأهداف المحددة من دون فرض سيطرة عسكرية وسياسية كاملة ومباشرة على كامل أراضي أوكرانيا.
لا يمكننا أن نعوّل على أن يقوم طرف آخر بنزع سلاح هذا النظام، في الوقت الذي يخوض فيه الغرب الحرب إلى جانبه بصورة علنية. ولا يمكننا أن نعوّل على أن يأتي طرف آخر ليغيّر أجندته الأيديولوجية المعادية للإنسان.
وإنطلاقاً من أهداف العملية العسكرية الخاصة، ومن الثمن الباهظ الذي دفعناه، ومن إستحالة حل المسألة بإجراءات مبتورة أو أنصاف حلول، تتشكل مواقفنا الثابتة التي لم تتغير.
إذا كنا، في أكثر اللحظات صعوبة، قد تركنا الباب مفتوحاً أمام بعض التسويات والتنازلات، فإننا اليوم، ومع تزايد نجاحاتنا، أصبحنا أقل إستعدادًا بكثير للتراجع.

وهذا ما بدأ الجميع يدركه بوضوح، بما في ذلك الولايات المتحدة.

أما فيما يتعلق بمصالح الشركات العابرة للقوميات، فيمكننا، لأسباب تكتيكية بحتة، أن نتظاهر بأننا نأخذ مخاوف ترامب في الإعتبار، وأننا نفهم شهية رأس المال الكبير. نحن بحاجة إلى تحقيق النصر، وكل ما يقربنا من هذه اللحظة يجب أن نستخدمه.
وبقدر ما أستطيع أن أحكم من خلال التعليقات المتزنة لمساعدي الرئيس، مثل يوري أوشاكوف، فإن قيادتنا تتمسك تحديداً بهذا الخط البراغماتي والحازم.
إن كل المحاولات للتعويل على صفقات خلف الكواليس، أو تنازلات، أو آمال زائفة في التوصل إلى تسوية، لا تؤدي إلا إلى إضعاف موقفنا الصارم الذي لا تشوبه شائبة.

نحن لا نتفاوض، بل ننتصر.

وإذا كان ويتكوف وكوشنر، من خلال زياراتهما، سيساعداننا على تقريب هذا النصر، حتى لو كان لكل منهما مصالحه الخاصة، فأهلاً وسهلاً بهما.
أما إذا كان هدفهما إبعادنا عن النصر، فإن أي إتفاقات مشبوهة ستُلغى ببساطة بواسطة حجتنا الرئيسية: النصر في ميدان المعركة.

المذيع: لقد أشرت إلى قرب يوري أوشاكوف وسيرغي لافروف من الرئيس، وإلى دقة تعليقاتهما. وأود أن أتناول المسألة من زاوية ثالثة، هي تقييم دور الشخصية في السياسة الكبرى.
كثيراً ما يقال إن الإتصالات الشخصية بين ترامب وبوتين، والإحترام المتبادل للبعد الشخصي لدى الزعيمين، يؤديان دوراً مهماً، ولا سيما بالنظر إلى نظرة ترامب إلى بوتين بوصفه قائداً قوياً، وهو أمر أكده ترامب مراراً.
ومن المفترض أن يلتقيا ــ أو على الأقل هناك إمكانية لذلك ــ في قمة أبيك يومي 18 و19 نوفمبر، وقد صرح يوري أوشاكوف بأن مثل هذا اللقاء ممكن.
وبالنظر إلى ما نعرفه عن موقف ترامب الشخصي من زيلينسكي، والذي ظهر بوضوح منذ اللقاء في المكتب البيضاوي وما تلاه، هل يمكن القول إن ترامب، إذا جاز التعبير، يجد التعامل مع بوتين أكثر راحة من التعامل مع زيلينسكي، من حيث الثقة والفهم وعمق الشخصية؟

ألكسندر دوغين: أعتقد أن الأمر كذلك تماماً، بلا شك.
لكن بوتين خصم جاد، بينما زيلينسكي مجرد سوء تفاهم. إنه سوء تفاهم خلّفته الإدارة السابقة والعولميون؛ شخص شديد الوقاحة، جريء إلى حد الإستفزاز، عديم الكفاءة، فاسد، وببساطة يقف في طريق ترامب ويعوقه.
إنهما ينتميان إلى فئتين مختلفتين تماماً.
روسيا قطب مستقل بذاته. وقد لا يحبنا ترامب ــ وبالمناسبة، لماذا ينبغي له أن يحبنا؟ ــ لكنه يدرك أننا قوة، وهو يحسب حساب القوة.
أما زيلينسكي، فجوهره الأول هو الوقاحة. ومع الوقاحة تحديداً، يملك ترامب كل القدرة على عدم الإكتراث بها.

لكن دعونا نسمِّ الأشياء بأسمائها: كل شيء عندنا يعتمد على شخص واحد. لدينا مَلَكِيَّةٌ في هذا البلد. مَلَكِيَّةٌ ديمقراطية، ومَلَكِيَّةٌ ذات توجه إجتماعي، بكل سمات الديمقراطية، لكنها في نهاية المطاف مَلَكِيَّةٌ؛ لأن هذا النمط كان موجوداً لدينا في العهد السوفياتي، وفي الحقبة الليبرالية، وفي العهد القيصري أيضاً.
نحن مجتمع ملكي، وكل شيء عندنا يعتمد على الشخص الأول. ولذلك فإن رأس دولتنا يتمتع بسيادة حقيقية.
الأمر مختلف تماماً عما نراه اليوم في الولايات المتحدة.
الكثير يعتمد على ما يحبه بوتين أو لا يحبه. يمكنه أن يقول: «أنا أثق بهذا الشخص، وسأفعل الأمر بهذه الطريقة»، فيجيبه الجميع: «أمرك». أما الذين لديهم رأي مختلف، فقد يهمسون هنا أو يتذمرون أو يتأففون أو يسعلون، لكن ذلك لا يغير شيئاً.

في أمريكا الأمر مختلف تماماً.

ترامب قائد قوي، لامع، كاريزماتي، ومثير للجدل. لكنه، بالطبع، لا يحكم أمريكا؛ وهذا هو ما أريد قوله. إنه يحكم حسابه على وسائل التواصل الإجتماعي.
صحيح أنه يريد أكثر من ذلك بكثير. وهو يستخدم مقاربة ما بعد حداثية، وحوّل شبكته الإجتماعية «تروث سوشيال» إلى نوع من النظير للحكومة الأمريكية. إنه يؤثر في الأسواق، وفي تدفقات المعلومات، وفي جدول الأعمال السياسي من خلال منشوراته.
وهذا تأثير جدي، ولا ينبغي لي التقليل من شأنه، لكنه في نهاية المطاف ليس أمريكا.
فعندما تظهر الدولة العميقة، وعندما تظهر جماعات الضغط ذات النفوذ، يصبح ترامب عاجزاً.
هو، بطبيعة الحال، يكتب على وسائل التواصل الإجتماعي: «أنا كذا، وفعلت كذا، وأنا رجل عظيم»، لكن الواقع الذي يجري من خلفه يكشف عمليات مختلفة تماماً.

ليس لديهم مَلَكِيَّةٌ هناك.

وليس من قبيل المصادفة أن يخرج ملايين الأمريكيين في مظاهرات مناهضة لترامب تحت شعار واحد: «لا ملوك»؛ أي لا ملوك، ولا مَلَكِيَّةٌ.

إنها جمهورية، لكنها في جوهر الأمر أوليغارشية.
عليك أن تراعي الأغنياء، وأن تراعي المنظمات السرية التي تدير أمريكا، وأن تراعي جماعات الضغط، وأن تراعي الدولة العميقة.
وهكذا يصبح ترامب ملك وسائل التواصل الإجتماعي، وملك تدفق المعلومات، لكن إلى أي حد يحد ذلك من صلاحياته الحقيقية!

قد يتعاطف بوتين مع ترامب أو لا يتعاطف، لكن ترامب يقود أمريكا، وإن لم يكن ملكاً. إنه ليس المَلِك.
أما بوتين فهو المَلِك. بوتين هو المَلِك الروسي، القيصر الروسي. إنه يدير بلادنا مستنداً إلى إرادته، وإلى فاعليته السياسية المستقلة، وإلى وعيه.
وإذا كان يتعاطف مع ترامب، فيمكن إستخلاص إستنتاجات سياسية حقيقية من ذلك.
أما تعاطف ترامب مع بوتين، فلا يضمن أي إستنتاجات نهائية أو بعيدة المدى، لأن وراءه راتكليف ومن يقفون وراء راتكليف، وأولئك الذين يجنون الأرباح من هذه الحرب، ويتصرفون وفق مصالح الأطلسية المرسومة في كتب الجيوبوليتيك.

ترامب عنصر حر طليق.

بوتين مسؤول عن كلماته، أما ترامب فلا يتحمل المسؤولية بالدرجة نفسها.
بوتين هو السلطة العليا التي تتخذ القرارات باسم روسيا، أما ترامب فليس كذلك.
وهذا لا يعني أن بوتين يتصرف إعتباطاً؛ فهو يأخذ مصالح الشعب والدولة في الإعتبار. إنه شخصية تاريخية.
أما ترامب، فيجد نفسه مضطراً في سياسته إلى إتخاذ خطوات تتعارض مباشرة مع برنامجه نفسه ومع ميوله المعلنة بوضوح.
وعندما خرجت المظاهرات في أمريكا ضد الملكية، كتب هو بنفسه: «نعم، أنتم ضد الملوك، وأنا أيضاً لست ملكاً».

وفعلاً، هو ليس مَلِكاً.

وعلينا أن ندرك أن قيصرنا يتحدث مع رجل ليس ملكاً، لكنه يقف وراءه كامل ثقل القوة الغربية.

إن ملكنا يدرك أهمية الغرب ككل، لكنه يدرك جيداً أيضاً حدود القوة الفعلية التي يمتلكها ترامب داخل هذه المنظومة.

3..... حين يصبح «المنطق السليم» تطرفاً في أوروبا

المذيع: لنواصل تناول الشأن الدولي. لدينا موضوعان كبيران في النصف الثاني من الحلقة. شهدت ألمانيا حدثاً بالغ الدلالة والأهمية: فقد حقق حزب «البديل من أجل ألمانيا» للمرة الأولى في تاريخه فوزاً في إنتخابات إحدى الولايات الإتحادية، وحصل على الأغلبية في ولاية ساكسونيا أنهالت بشرق ألمانيا. صحيح أن اليمين يحظى تقليدياً بشعبية أكبر في شرق البلاد مقارنة بغرب ألمانيا الإتحادية السابقة، لكن ما حدث يمثل منعطفاً تاريخياً، وقد جرى بالفعل ترشيح شخصية من حزب «البديل من أجل ألمانيا» لمنصب رئيس حكومة الولاية.
ومن المعروف أيضاً أن برنامج الحزب يتضمن إستعادة علاقات براغماتية مع روسيا. كيف تنظرون، من منظور تاريخي، إلى أهمية هذه اللحظة؟ وهل يمكن التعامل معها بتفاؤل في ما يتعلق بإمكانية إستعادة العلاقات مع ألمانيا مستقبلاً، إذا وصل حزب «البديل من أجل ألمانيا» إلى السلطة على مستوى البلاد؟

ألكسندر دوغين: أعتقد أن هذا حدث مهم جداً، بل بالغ الأهمية. وهو أكبر بكثير من مجرد أن حزباً ما حصل على الأغلبية في إحدى الولايات وشكّل حكومة هناك. فلو لم يكن هذا الحزب شيئاً إستثنائياً، لما كان للأمر كل هذه الدلالة.
هذا الحزب يمثل حركة شعبوية، أي حركة شعبية موجهة ضد النخب الليبرالية والعولمية. إنه الحزب الذي أُقيم حوله ما يسميه السياسيون «جدار النار»، أي أنه موضوع خلف حاجز سياسي يمنع الإقتراب منه، ويُعامل بإعتباره حزباً «منبوذاً».
فوفقاً للسياسة الليبرالية العولمية الرسمية، هذا حزب متطرف ينبغي حظره وإبعاده عن الانتغخابات، ولا يجوز التصويت له. إنه من المحظورات، ومن الهامشيين الخطرين المعادين للمجتمع، لأنهم يشككون في كل ما تعتبره هذه المنظومة أساسياً: قضايا المثليين والمتحولين جنسياً، التي تحظرها روسيا الإتحادية، والهجرة بلا حدود، والعولمة، وتراجع الأسرة، والحرب مع روسيا، والدعم غير المشروط لأوكرانيا.
كل ذلك يرفضه حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو يرى أن ألمانيا يجب أن تكون مجتمعاً جيداً وطبيعياً وسليماً.
هؤلاء ليسوا متطرفين على الإطلاق؛ لأن التطرف في أوروبا المعاصرة بات يعني، في نظر هذه المنظومة، أن تدافع عن الأسرة، وأن تحب الأطفال، وأن ترفض إجراء عمليات تغيير الجنس للقاصرين، وأن تمنع بعض المسيرات البالغة الفجاجة والإنحراف، لا أن تحشد الجميع للحرب ضد روسيا، وتموّل تفجير خطوط أنابيب الغاز التي تعود ملكيتها، من بين جهات أخرى، إلى ألمانيا نفسها، ثم تصفق لذلك وتطلق سراح مرتكبي الجريمة.
هذه هي «الصوابية السياسية». وكل من يعارضها يصبح متطرفاً.

وبالمناسبة، من الجيد جداً أيضاً عودة «تحالف سارة فاغنكنشت». فهذا حزب يساري، وليس حزباً يمينياً على الإطلاق، ولا هو حزب محافظ، بل حزب ذو توجه إجتماعي. لكنه بدوره يتحدى هذه الأجندة الحمقاء للنخب العولمية الشمولية.
كانت شعبية الحزب قد تراجعت في الفترة الماضية، لكنه حصل الآن على مقاعد في برلمان ساكسونيا أنهالت. وبمعنى أوسع، فإن أولئك الناخبين ــ وهم ما يقارب نصف الناخبين، وإن كانوا أقل بقليل ــ الذين صوتوا لحزب «البديل من أجل ألمانيا»، وكذلك الذين صوتوا لسارة فاغنكنشت، قالوا شيئاً واحداً: «لا تعجبنا هذه المصحة العقلية التي أصبحت عليها أوروبا المعاصرة. نحن نريد أوروبا طبيعية.»
وهذا أصبح في حد ذاته نوعاً من التطرف.
أن تكون طبيعياً أصبح تطرفاً.
أي أن تحكم الأقليات، وأن يغمر المهاجرون السكان الأصليين ويقضوا عليهم، وأن يجري تحويل الجميع أو إخصاؤهم أو تغيير جنسهم قسراً، وأن يُطلب من كل مؤسسة وكل منطقة أن تضع عمودها الخاص في مسيرة فخر المثليين، المحظورة في روسيا الإتحادية.
وهذا كله يسمى اليوم سياسة التيار السائد.
أما إذا قلت إن علينا أن نحارب روسيا، وأن نُلحق بها هزيمة إستراتيجية، وأن على الجميع أن يذهبوا إلى الحرب، وأن يركضوا إلى الجبهة، فأنت تستطيع أن تكون أي شيء تشاء، ولن يصفك أحد بالمتطرف ما دمت مؤيداً لأوكرانيا.
لكن إذا دافعت عن الأسرة التقليدية، فستُتهم بأنك نازي جديد.
إذا قلت إن الأسرة الطبيعية تتكون من رجل وامرأة وأطفال ــ وكل هذا، نعم، حتى لو كانوا من لون آخر ــ فإنك تصبح في نظرهم نازياً حقيقياً ينبغي سجنه وحظره.
هذه هي الأوضاع التي وصلوا إليها.
والآن بدأ الأوروبيون العاديون، لا المتطرفون من أقصى اليمين ولا الوطنيون المتشددون، بل الناس العاديون الذين سئموا كل ذلك، ينهضون ضد هذه الأوضاع.
بدأوا في ألمانيا بالتصويت لحزب «البديل من أجل ألمانيا»، ولليسار، ولسارة فاغنكنشت.

وفي فرنسا يصوتون لمارين لوبان الأكثر محافظة، التي تتصدر جميع إستطلاعات الرأي بفارق واضح؛ فهي، وفق هذه الاستطلاعات، تتغلب منذ الجولة الأولى أو الثانية على أي مرشح آخر. أما الذين يعارضون ماكرون من اليسار، فيصوتون للمرشح الثاني، أي لحزب ميلانشون.
وهكذا، في فرنسا وألمانيا ــ وهما، في نهاية المطاف، دولتان أوروبيتان كبيرتان ــ يحقق الإتجاه المناهض للعولمية تقدماً واضحاً.
لكن النخب العولمية لا تنوي الإستماع إليهم. بل تواصل إقامة «جدار النار» حولهم: لا يمكن تشكيل إئتلافات سياسية مع لوبان، ولا يمكن تشكيل إئتلافات سياسية مع حزب «البديل من أجل ألمانيا».
لقد أصبحوا منبوذين لأنهم يدعون إلى العودة إلى الوضع الطبيعي: إلى سياسة أوروبية طبيعية، وثقافة طبيعية، وتعليم طبيعي، وأسرة طبيعية، وعلاقات طبيعية مع العالم الخارجي.
وبالمناسبة، فإن حزب «البديل من أجل ألمانيا» يدعو إلى تحالف مع ألمانيا وإلى تحالف مع روسيا. فأوروبا لها مصالحها الخاصة، ولها مواقفها الخاصة، ولا تتعارض هذه المصالح والمواقف مع أحد.
وأليس فايدل لا تصر على وسائل متطرفة أو راديكالية؛ إنها ببساطة تصر على العودة إلى المنطق السليم.
إنه حزب المنطق السليم. ليس حزباً متطرفاً، ولا يمينياً ولا يسارياً؛ إنه ببساطة حزب المنطق السليم.

والأمر نفسه ينطبق على فرنسا.
وبصورة عامة، تنشأ في أوروبا الآن وضعية سياسية جديدة: صراع حتى الموت بين حزب المنطق السليم ونخب مهووسة فقدت صوابها تماماً.
إنها نخب تصر على الإنحرافات والحروب والجرائم وإنعدام الأخلاق والخطايا، رغم إرادة شعوبها نفسها.
ولهذا فإنها تعمل بصورة متزايدة على تقليص الديمقراطية، وتلصق أوصافاً مرعبة بكل من يحترم المنطق السليم، وتشن عليهم حرباً حقيقية أشبه بالحرب الإرهابية.
هذا هو الواقع الذي نراه في أوروبا.
ولذلك فإن ما حدث، رغم كل هذه الظروف، في ولاية ألمانية إتحادية واحدة، حيث إنتصرت ــ أو بالأحرى سُمح لها بالإنتصار ــ قوى اليمين التي تمثل المنطق السليم، له أهمية هائلة.
وهناك أيضاً يسار يمثل المنطق السليم في صورة سارة فاغنكنشت، وإن كان أقل تنظيماً في الوقت الراهن.
أما بقية القوى السياسية، فهي تمثل تطرفاً مطلقاً: مجانين ليبراليون مثل الحزب الإشتراكي الديمقراطي، ومجانين من حزب الخضر، أشخاص فظيعون تماماً وفاقدون للإتزان.
إنهم ببساطة مجانين.
وبين هؤلاء الخضر من يؤيدون أكثر الأمور إثارة للإشمئزاز؛ إنه إنحراف حقيقي للنخبة.
أما القوى السليمة ــ يميناً ويساراً ــ فإنها تنهض الآن معاً.
وأعتقد أن هذا أمر بالغ الأهمية.
لكن، بطبيعة الحال، لا ينبغي لنا أن نبالغ في تقدير أحزاب المنطق السليم هذه.
ففي أمريكا فاز فريق ترامب، ولم تكن رائحة المنطق السليم تفوح منه في البداية.

وفي إيطاليا، صوّت الناس لجورجيا ميلوني بإعتبارها ممثلة لليمين الذي يدافع عن المنطق السليم، لكن سياستها كرئيسة للوزراء لا تختلف كثيراً عن سياسة أسلافها.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى تستطيع هذه الأحزاب، عندما تصل إلى السلطة على المستوى المحلي أو الإتحادي، أن تطبق سياستها فعلياً؟
فالغرب اليوم تحكمه، في رأيي، نخب مهووسة وشيطانية صراحة؛ إنها حضارة إبستين.
ومعظم السكان، سواء في أمريكا أو أوروبا، لا يوافقونها الرأي إطلاقاً.
أنصار حركة «لنجعل أوروبا عظيمة مجدداً» وأنصار حركة «ماغا» الأمريكية يشعرون بالإرتباك أمامها، لكن سيطرة هذه النخب على الغرب، وعلى المجتمع، ووسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية، والعلم، والفلسفة، والإقتصاد، هائلة، ولا ينبغي الإستهانة بها.

المعركة بين الشعوب والنخب بدأت للتو.

وهما الآن في حالة مواجهة كاملة.
أما الأحزاب التي تعبّر عن المنطق السليم لدى الشعوب، فتتعرض لقمع حقيقي من جانب النظام الشمولي للنخبة الليبرالية ــ العولمية ــ الأطلسية؛ تلك الدولة العميقة العابرة للحدود والقوميات، التي ستبحث عن كل الوسائل الممكنة لوقف هذا المد الوطني.


المذيع: سؤال قصير في الموضوع نفسه، وبعده ننتقل إلى شأن داخلي روسي بالغ الأهمية، وأود أن أسمع تعليقكم المفصل بشأنه.
هناك نقطتان. يرى كثيرون أنه، في ظل تدهور النخب الأوروبية، كان يفترض بها، في ظروف أخرى، أن تعترف بالهزيمة بدلاً من الدخول في مواجهة حادة، وأن تحاول مع مرور الوقت تخفيف حدة الخلافات. لكنها، بدلاً من ذلك، تمضي نحو التصعيد وتشدد قبضتها أكثر فأكثر.
فهل يمكن إفتراض أن القوى الوسطية أو اليسارية، مثل سارة فاغنكنشت وميلانشون في فرنسا، تدرك ذلك، ولذلك ستنضم إلى اليمين، إدراكاً منها أن البديل هو أن يجري القضاء عليها وإغلاق الطريق أمامها؟ فكل قوة المؤسسة الحاكمة الحالية موجهة لمحاربتهم.

ألكسندر دوغين: أولاً، أستبعد تماماً إمكانية أن تقوم النخب الحاكمة بتصحيح عقلاني لمسارها. هؤلاء مجانين.

أنظروا إلى وجوههم: فون دير لاين، وكالاس، وبيربوك. إنهم خارج كل المعايير الأنثروبولوجية، أشخاص منحطون أوصلتهم ضآلة قدراتهم الفكرية إلى هذه المناصب. وهم غير قادرين على إعادة النظر في مواقفهم.
لقد جرى وضعهم في الواجهة حصراً من أجل دفع التوتاليتارية الليبرالية ــ العولمية نحو مزيد من التطرف. وعليهم أن يواصلوا هذا الخط بحزم، ولن يقدموا أبداً على تصحيحه.
لقد أتيحت لهم مليون فرصة لفعل ذلك، لكنهم لم يفعلوا مرة واحدة، بل واصلوا تشديد قبضتهم.
وأعتقد أن إنفجاراً وإندلاع حرب أهلية سيحدثان قبل أن تقدم هذه النخب العولمية على تصحيح مسارها.
أما الحاجز القائم بين الشعبويين اليمينيين واليساريين، فإن تجاوزه يعني نهاية النظام، ولهذا سيقاتلون لمنع حدوثه حتى النهاية.
لقد رأينا ذلك في إيطاليا، عندما كاد «حركة خمس نجوم» أن يتحالف مع «رابطة الشمال» للوصول إلى السلطة. عندها دفعت المنظومة بجورجيا ميلوني، بإعتبارها شخصية أكثر قابلية للضبط، للحيلولة دون قيام هذا التحالف بين الشعبوية اليسارية والشعبوية اليمينية.
مع أن إيطاليا، في الواقع، تتكون بنسبة خمسين في المئة من الشعبويين اليمينيين وخمسين في المئة من الشعبويين اليساريين، بينما لا يمثل القطاع الليبرالي فيها سوى شريحة ضئيلة للغاية.
لقد سنحت لهم فرص الوصول إلى السلطة بالطرق السلمية مرات عديدة، لكن المنظومة تفعل كل ما في وسعها لإحباط أي محاولة من هذا النوع، سواء من جانب لوبان أو من جانب ميلانشون.
وميلانشون، بصفته ماسونياً، لديه إلتزامات تجاه إخوانه في «الشرق الأكبر». وكلما إقترب من تحالف منطقي مع لوبان، تلقى فوراً أشد أنواع اللوم والتوبيخ من المحفل.
أما لوبان، فيُمارس عليها الضغط بوسائل أخرى. فما إن تبدأ في تبني سياسات يسارية، ويبدأ رصيدها بين العمال والناس العاديين في الارتفاع، حتى تتعرض فوراً لتأثير مناهض لليسار مصدره الأوساط البرجوازية الكبرى.
وسيحدث الأمر نفسه في ألمانيا.
صحيح أن سارة فاغنكنشت، خلافاً لليسار التقليدي المتمثل في حزب «اليسار» الألماني، قالت إنهم لم يصلوا بعد إلى مرحلة تشكيل إئتلاف سياسي مع حزب «البديل من أجل ألمانيا»، لكنها أضافت أن التعاون معه في قضايا محددة أصبح ممكناً.
وهذه أول ثغرة في الجدار.
قد تكون مواقع حزب سارة فاغنكنشت محدودة في الوقت الراهن، لكن هذا يكشف عن إستعداد أولي لدى الشعبويين اليساريين للتعاون مع اليمين في ملفات محددة.
ولو أمكن إزالة جدار النار هذا بين الشعبويين اليساريين واليمينيين، فأعتقد أن الأوروبيين الطبيعيين سيصلون إلى السلطة في جميع البلدان الأوروبية في الدورة الإنتخابية المقبلة.
أما الآن، فالحكم هناك بأيدي أناس غير طبيعيين تماماً، وهذه هي المشكلة كلها.

4 ..... حين تستيقظ روسيا من سباتها

المذيع: سنخصص ما تبقى من الوقت لمسيرة الصليب العامة في موسكو. تختلف الأرقام المتعلقة بعدد المشاركين؛ فالأرقام الرسمية تتحدث عن نحو مئة ألف، فيما تصل التقديرات غير الرسمية إلى أربعمئة ألف شخص، ساروا من كاتدرائية المسيح المخلص إلى دير نوفوديفيتشي.

والسؤال هنا واضح: كيف تقيمون أهمية هذا الحدث؟ رغم الرياح القوية وسوء الأحوال الجوية، خرج هذا العدد الكبير من الناس. ماذا يعني ذلك لنا، ليس لموسكو وحدها، بل لروسيا كلها؟

ألكسندر دوغين: كما تعلم، كنت أنا نفسي مشاركاً في هذه المسيرة. كان عدد المشاركين بالتأكيد أكبر من مئة ألف، أما العدد الدقيق فمن الصعب تحديده. فقد كان كامل الكورنيش، من أوله إلى آخره، مكتظاً بالناس.
في تقديري، كان عددهم نحو نصف مليون، وربما إقترب من المليون. لكنني لا أريد الدخول كثيراً في مسألة الأرقام الدقيقة. المهم أن عدد المشاركين كان أكبر بكثير من مئة ألف.
لقد سبق لي أن نظمت بنفسي العديد من التجمعات في ظروف مختلفة ولأغراض مختلفة، سواء دعماً للسلطة في تسعينيات القرن الماضي أو في تجمعات معارضة، كما شاركت فيها وألقيت كلمات، ولذلك فأنا أعرف جيداً حجم الحشود.
كان هذا عدداً هائلاً من الناس خرجوا للتبرك بالذخائر المقدسة، وأظهروا حالتهم الروحية الحقيقية.
وفي الواقع، فإن هذا الحدث بالغ الأهمية؛ لأن مسيرة الصليب لم تكن حدثاً عادياً أو بريئاً كما قد تبدو للوهلة الأولى. لقد كانت مسيرة شعب روسي يستيقظ ويستعيد قوته الروحية.
وكان يسير في صفوفها، إلى جانب الرايات الدينية والأيقونات، ممثلون لأعراق وإثنيات روسية مختلفة.
وبالطبع كان الروس يشكلون الغالبية، فروسيا وطننا، ونحن هنا في وطننا.
لقد كان ذلك توحداً روسياً شاملاً، إجتمع فيه الناس حول مقدساتهم وإيمانهم وتاريخهم، وحول البطريرك والرعاة الروحيين ورجال الدين وآبائهم الروحيين.
وكان الكهنة والشمامسة يسيرون عملياً في مقدمة كل مجموعة. وكانت هناك جماعات رعية، إلى جانب أعداد هائلة من الناس العاديين.
لا أحزاب، ولا تقسيمات مصطنعة؛ بل كانت مسيرة حقيقية للشعب الروسي.
والأهم من ذلك أن الصف الأول كان يحمل الرفات المقدسة التي عُثر عليها حديثاً للأمير الأكبر دميتري دونسكوي، القديس الذي بدأ معه، تاريخياً، طريق التوجه إلى ميدان كوليكوفو وتحرير روسيا.
صحيح أن ذلك التحرير لم يحدث فوراً وإستغرق وقتاً، لكنه كان خطوة أساسية نحو إستعادة سيادتنا.
وكلمة «الرفات المقدسة» نفسها مرتبطة، من الناحية الإشتقاقية، إرتباطًا وثيقاً بمفاهيم القوة والإقتدار.
وكان الحضور غير المرئي للقديسين الروس الذين تصدروا هذه المسيرة محسوساً لدى جميع المشاركين.
لقد ظل شعبنا، لفترة طويلة، مكبوتاً ومكبلاً.
تعرض بصورة متواصلة لتأثير مختلف العقائد الأيديولوجية والنخب السياسية، التي كانت تجبره في كل مرة على النظر إلى نفسه بإعتباره طبقة، أو بروليتاريا، أو طبقة خاضعة للضريبة، أو فلاحي أقنان، أو مجتمعاً ليبرالياً مفككاً إلى أفراد معزولين.
وفي كل مرة، كانت هذه القوالب الأيديولوجية الغريبة عن طبيعته تحرمه قوته الحقيقية وسيادته وقدرته على إطلاق طاقاته التاريخية الخلاقة كاملة في بناء الدولة والحياة الإجتماعية.
حتى هذه الرفات المقدسة ظلت طويلاً «مكبوتة تحت الغطاء»، شأنها شأن رفات الأمير الأكبر.
وقد حالفني الحظ بأن أتمكن، بطريقة عجيبة، من التبرك بها إلى جانب قسطنطين مالوفييف ونيكيتا ميخالكوف، في اللحظة التي كانت فيها مكشوفة بالكامل.
وعندما تُكشف المقدسات للعالم، يتدفق الناس إليها بالمئات من الآلاف.
وهؤلاء ليسوا سوى سكان موسكو. فهي تجتذب الناس من أنحاء البلاد كلها، لأنها أميرنا، وكنيستنا، وديننا، وقديسونا.
وإذا كنا نؤمن بذلك، فهذا يعني أنهم لم يختفوا في أي مكان. إنهم معنا، ويهتمون بأمرنا، ونحن نحمل أمامهم مسؤولية.
وأمام هذه القوة المتيقظة للمبدأ الروسي، بدأ شعبنا يتخلص من القيود الأيديولوجية المفروضة عليه.
واليوم، لا أحد يمنعنا من ذلك؛ وربما تكون هذه لحظة فريدة حقاً في التاريخ.
لقد حاولوا، على مدى قرون، أن يحشرونا في أطر محددة: مرة أبقونا في وضع طبقة خاضعة للضرائب، ومرة حرمونا من «يوم القديس يوري»، ومرة فرضوا علينا عقائد رأسمالية أو شيوعية صارمة.
وكان يُنظر دائماً إلى أن تكون روسياً أرثوذكسياً حقيقياً، وأن تكون ذاتك، بإعتباره أمراً يكاد يكون غير لائق.
أما صحافتنا، فهي تحاول الآن، بدافع الإرتباك والخوف الكامن من هذه القوة الروحية الهائلة، أن تقلل بصورة آلية من الأرقام الرسمية للمشاركين.
لكن المسألة ليست في الأرقام على الإطلاق، بل في النوعية.
لقد رأينا بالأمس صحوة واضحة ومضيئة لشعبنا، ولمجتمعنا الأرثوذكسي.
وهنا تجلت أمام أعيننا، بصورة ملموسة، تلك القيم التقليدية التي يتحدث عنها الرئيس، والتي كرست لها مراسيم الدولة، والتي يجري اليوم تحويلها إلى ممارسة فعلية داخل مؤسسات الدولة.
عائلات مع أطفال، وأناس يحملون الرايات الدينية، ورجال الدين يتقدمون الصفوف؛ كل ذلك يجسد المثال الأبدي لروسيا المقدسة.
الروح أولاً، والأخلاق، والمبادئ، والشرف، والأسرة، وحب الوطن، والوفاء للدولة، والإستعداد الكامل للدفاع، مهما كان الثمن، عن حريتنا وإستقلالنا وعظمتنا وكرامتنا.
هذا تحديداً هو ما ظهر أمامنا بكل قوته في مسيرة الصليب العامة في موسكو أمس.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نقطة التحول في الحرب: معركة سلافيانسك وكراماتورسك تعادل ستال ...
- «الحرب على الإرهاب» بعد ربع قرن: هل تحتاج أميركا إلى عدو دائ ...
- ألكسندر دوغين - لا يمكن التوصل إلى إتفاق مع الغرب، ولذلك على ...
- جون ميرشايمر: الوعد الكاذب للسلاح النووي التكتيكي... عندما ي ...
- ألكسندر دوغين - الإنسان المتفرد عند يوليوس إيفولا
- هل تتحول روسيا إلى «الشريك الأصغر» للصين؟
- الصهيونية الليبرالية في مرآة كيتلين جونستون
- من باب المندب إلى القطب الشمالي: حين تعود الجغرافيا لتصنع طر ...
- بين الحياد المستحيل و«إقتصاد الحرب»: لماذا يقترب رأس المال ا ...
- ألكسندر دوغين و«الحرب الحضارية» ضد الغرب
- تركيا بين الناتو وروسيا: حدود الإستقلالية الإستراتيجية وصراع ...
- ستة أشهر من الحرب على إيران: كيف إنقلب الرهان الأمريكي على إ ...
- ألكسندر دوغين - الحداثة المشوهة (الأركيومودرن)، النخب والعمل ...
- الولايات المتحدة الإسرائيلية؟
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 ...
- ألكسندر دوغين - He did it his way – لقد فعلها على طريقته - ب ...
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 9 ...
- ألكسندر دوغين - بين السيادة والإكتفاء الذاتي
- بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 8 ...
- ألكسندر دوغين - نعود من جديد إلى ميدان كوليكوفو* (برنامج إيس ...


المزيد.....




- اختفاء أم من منزلها تاركة هاتفها ومحفظتها وسيارتها في واشنطن ...
- ولي عهد أبوظبي يلتقي الرئيس الإيراني على هامش قمة -بريكس-
- ترامب يؤكد تحدثه مع بن سلمان ويقول: الحوثيون اتصلوا بنا ولا ...
- من التصعيد إلى طاولة الحوار.. لقاء إيراني إماراتي رفيع المست ...
- قتلى بشغب بسجن عين العرب/كوباني في سوريا .. اختبار للاندماج؟ ...
- الحوثيون ينشرون لقطات لقواتهم المنتشرة في باب المندب وآثار ا ...
- العراق يوافق على تحقيق مشترك مع إيران بشأن منصات المسيرات
- ترامب يتوقع اتفاقا تجاريا مع كندا -في وقت قريب إلى حد ما-
- -الملك كان سيتفهم الأمر-.. عازف الكمان يقدم اعتذاره بعد رنين ...
- ترامب: يمكنني تسوية النزاع بشأن جزر فوكلاند


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين No Kings - Yes! Jokers - ! صراع على مستقبل الغرب وعودة روسيا إلى التاريخ (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)