|
|
الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8825 - 2026 / 9 / 11 - 21:05
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في 11 سبتمبر 2026، انتهت جلسات الاستماع أمام محكمة العدل الدولية في القضية التي رفعتها نيكاراغوا ضد ألمانيا بشأن مسؤوليتها الدولية في سياق ما يجري في فلسطين . لكن ما جرى في لاهاي لا ينبغي أن يقرأ باعتباره مجرد مواجهة قانونية بين دولتين، ولا باعتباره حلقة أخرى في مسلسل الدعاوى القضائية المرتبطة بحرب غزة . خلف اللغة القانونية الباردة توجد مسألة أكثر عمقا : كيف تعمل الإمبريالية عندما لا تسقط القنبلة من طائرة الدولة نفسها، لكنها لا تستطيع أن تسقط لولا المصنع والمال والصفقة والقرار السياسي الذي سبقها؟ هذا هو السؤال الذي يجعل القضية أكبر من ألمانيا . وأكبر من فلسطين، من دون أن تكون فلسطين قابلة للاختزال في أي قضية أخرى . لأن غزة لا تكشف فقط عن وحشية الحرب . إنها تكشف عن البنية التي تجعل بعض الحروب ممكنة، وبعض الدول قادرة على ارتكاب ما تعجز دول أخرى حتى عن التفكير فيه، وعن شبكة المصالح التي تجعل قتل البشر قابلا للاستمرار رغم معرفته . في القراءة الليبرالية، تبدو المسألة أحيانا بسيطة : هناك دولة ترتكب الانتهاكات، وهناك دول أخرى تساعدها، والمطلوب أن تلتزم هذه الدول بالقانون الدولي . لكن القراءة المادية تبدأ من مكان آخر . تسأل : من ينتج السلاح؟ من يملك الشركات؟ من يربح من العقود؟ من يموّل الصناعة العسكرية؟ من يملك البنوك التي تموّلها؟ من يحتاج إلى استمرار أسواق السلاح؟ ومن يملك الدولة التي تمنح كل ذلك غطاءه السياسي والقانوني؟ هنا ندخل إلى قلب التحليل الطبقي للإمبريالية . فالإمبريالية ليست شتيمة سياسية، وليست مجرد وصف للدول التي تتدخل في شؤون غيرها . في التقليد الماركسي، من لينين إلى روزا لوكسمبورغ الى تروتسكي، ومن هاري ماغدوف إلى سمير أمين، الإمبريالية مرتبطة ببنية الرأسمالية نفسها : تراكم رأس المال، البحث عن الأسواق، تصدير رأس المال، السيطرة على الموارد، التنافس بين المراكز الرأسمالية، واستخدام الدولة وقوتها العسكرية والسياسية لحماية هذه المصالح . حين كتب لينين عن الإمبريالية بوصفها "أعلى مراحل الرأسمالية"، لم يكن يتحدث فقط عن جنرالات يحتلون البلدان . كان يتحدث عن مرحلة يصبح فيها رأس المال المالي والاحتكارات والدولة والقوة الدولية متشابكة إلى درجة يصعب معها الفصل بين الاقتصاد والسياسة الخارجية . وهنا تصبح صورة غزة أكثر وضوحا . فالطائرة التي تقصف ليست مجرد طائرة . إنها منتج صناعي . والقنبلة ليست مجرد قنبلة . إنها سلعة . والصفقة ليست مجرد ورقة . إنها جزء من دورة تراكم رأسمالي . والدولة التي تصدر السلاح ليست مجرد جهاز إداري محايد . إنها، في لحظة معينة، تصبح الضامن السياسي لمصالح قطاعات كاملة من رأس المال الصناعي والعسكري والمالي . وهذا لا يعني أن كل عامل ألماني يستفيد من قصف فلسطيني، ولا أن كل مواطن ألماني مسؤول عن قرارات حكومته . وهنا تحديدا يجب أن يكون التحليل الطبقي دقيقا . ليس هناك شيء اسمه "ألمانيا" ككتلة اجتماعية متجانسة . هناك دولة . وهناك طبقات . وهناك شركات . وهناك عمال . وهناك رأس مال صناعي . وهناك مجمع عسكري ـ صناعي . وهناك بيروقراطية سياسية . وهناك مصالح مالية . وهناك ملايين الناس الذين قد يعارضون الحرب ولا يملكون أي قدرة فعلية على تغيير قرار حكومتهم . حين نقول "ألمانيا تسلح إسرائيل"، ينبغي ألا نضع العامل الألماني الذي يكافح من أجل أجره في المصانع نفسها، في الكفة الأخلاقية ذاتها مع مجالس إدارات شركات السلاح، أو مع المسؤولين الذين يتخذون قرارات التصدير . فالطبقية تبدأ من هنا أيضا : من رفض تحويل الدولة الرأسمالية إلى شخص أخلاقي واحد . الدولة ليست الشعب . والحكومة ليست الطبقة العاملة . والشركة ليست العامل . وهذه التفرقة ضرورية إذا أردنا أن يكون تضامننا مع فلسطين تضامنا أمميا لا قوميا . لأن العامل الألماني والفلسطيني، في النهاية، لا يملكان الطائرة التي تقصف غزة . ولا يملكان شركة السلاح . ولا يملكان القرار السياسي . ولا يوقعان عقود التصدير . الذين يملكون ذلك هم آخرون . وهؤلاء الآخرون يعيشون داخل بنية طبقية محددة . إن الرأسمالية لا تحتاج إلى أن يكون كل رأسمالي مؤمنا بالحرب حتى تستفيد من الحرب . يكفي أن تكون هناك صناعات تحتاج إلى الطلب . يكفي أن توجد شركات تتوسع عندما تتوسع ميزانيات الدفاع . يكفي أن تصبح الحرب سوقا . وهنا تصبح العبارة القديمة "الحرب تجارة" أقل مجازية مما نتصور . فكل صاروخ له سعر . وكل طائرة لها عقد . وكل منظومة دفاع لها شركة . وكل صفقة لها مستفيدون . وفي عالم تتضخم فيه ميزانيات الدفاع، تصبح الجغرافيا السياسية جزءا من اقتصاد الربح . لهذا فإن الحديث عن "الأمن" يحتاج دائما إلى سؤال إضافي : أمن من؟ أمن العامل الذي لا يستطيع دفع إيجاره؟ أم أمن الشركة التي وقعت أكبر عقد عسكري في تاريخها؟ أمن الطفل الذي يعيش تحت القصف؟ أم أمن الدولة التي تبيع له السلاح؟ أمن الشعوب؟ أم أمن النظام الرأسمالي العالمي الذي يحتاج إلى مناطق نفوذ وأسواق وتحالفات عسكرية؟ هنا يصبح سمير أمين مفيدا بصورة خاصة . فقد رفض النظر إلى العالم من خلال فكرة الدول المتساوية، وشرح كيف تشكل الرأسمالية العالمية مركزا وأطرافا، وكيف تنتج علاقات التبادل غير المتكافئ تبعية مزمنة، بحيث لا تكون الدول الطرفية متأخرة بالصدفة، وإنما نتيجة تاريخ طويل من اندماجها في النظام الرأسمالي بشروط غير متكافئة . وفلسطين واحدة من أكثر الحالات قسوة في هذا النظام . فهي ليست فقط شعبا محروما من دولته . إنها شعب يقع في نقطة تقاطع بين الاستعمار الاستيطاني والرأسمالية العالمية والإمبريالية العسكرية . وهذا ما يجعل القضية الفلسطينية مختلفة عن مجرد نزاع حدودي . هناك أرض . وهناك قوة استعمارية . وهناك اقتصاد . وهناك موارد . وهناك سوق . وهناك قوة عسكرية . وهناك شبكة دولية تحمي بنية السيطرة . ولذلك فإن تحرير فلسطين، من منظور يساري جذري، لا يمكن أن يكون مجرد استبدال علم بعلم . إنه سؤال عن تفكيك علاقات القوة التي جعلت الاحتلال ممكنا واستمراره مربحا ومحميا . وهنا تحديدا ينبغي أن نفهم لماذا تبدو بعض الحكومات الغربية مستعدة لتحمل كلفة سياسية ضخمة من أجل استمرار دعم الكيان الصهيوني . ليس لأن كل سياسي غربي "شرير" . التفسير الأخلاقي وحده ضعيف . المسألة أكثر مادية . هناك تحالفات استراتيجية . هناك صناعات عسكرية . هناك مصالح استخباراتية . هناك تكنولوجيا . هناك شركات . هناك استثمارات . هناك نفوذ سياسي . هناك مؤسسات ضغط . وهناك، قبل كل شيء، موقع الكيان الصهيوني داخل النظام الإمبريالي الغربي في منطقة شديدة الأهمية من العالم . الكيان الصهيوني ليست مجرد دولة تتلقى السلاح . في نظر القوى الإمبريالية، هي أيضا قاعدة متقدمة للقوة والتكنولوجيا والاستخبارات والتحالفات في الشرق الأوسط . ولهذا يصبح الدفاع عنها جزءا من الدفاع عن ترتيب إقليمي أوسع . من هنا يمكن فهم أحد أعمق أبعاد القضية المعروضة أمام محكمة العدل الدولية . إنها لا تضع فقط سؤالا أمام ألمانيا : هل ساعدتم دولة متهمة بارتكاب إبادة؟ بل تضع، بصورة غير مباشرة، سؤالا أمام النظام الرأسمالي الدولي : ما حدود مسؤولية المركز الإمبريالي عن الجرائم التي يرتكبها حلفاؤه في الأطراف؟ وهذا سؤال خطير . لأنه إذا أصبح القانون قادرا على النظر إلى السلاح والتمويل والتسهيلات باعتبارها أفعالا يمكن أن تنشئ مسؤولية، فإن شبكة الحماية التي تعتمد عليها الحروب الإمبريالية تصبح أكثر عرضة للمساءلة . والإمبريالية، في جوهرها، تحتاج إلى إخفاء هذه الشبكة . تحتاج إلى أن تبدو الحرب وكأنها شأن محلي . تحتاج إلى أن يظهر الجندي في الصورة، لا المصنع . والصاروخ، لا الشركة . والجبهة، لا مجلس الإدارة . والديكتاتور، لا الدولة التي تموله. والاحتلال، لا الشركات التي تستثمر في اقتصاده . إن أعظم خدعة أيديولوجية في الحرب الحديثة هي أن نجعل كل جريمة تبدو وكأنها بدأت عند لحظة إطلاق النار . بينما تبدأ الجريمة أحيانا قبل ذلك بسنوات، في عقود التجارة، وفي التحالفات، وفي الاستثمارات، وفي صفقات السلاح، وفي بناء القدرات العسكرية . ولهذا كان ماركس محقا حين جعل فهم البنية الاقتصادية شرطا لفهم السياسة . فالسياسة ليست طافية في الهواء . لها قاعدة مادية . ومن دون فهم هذه القاعدة سنظل نتساءل لماذا تفشل الحكومات الغربية في وقف حرب تدينها شعوبها . قد يكون الجواب أبسط مما نعتقد : لأن الدولة ليست مرآة للرأي العام دائما . إنها أيضا جهاز يحمي علاقات القوة القائمة . وهذا لا يعني أنها آلة ميكانيكية تعمل دائما وفق أوامر رأس المال . الدولة أكثر تعقيدا من ذلك . لكن من الصعب فهم سياساتها الخارجية من دون فهم المصالح الطبقية والاستراتيجية التي تتحرك داخلها . ومن هنا أيضا تأتي أهمية مقاطعة الشركات، وحركات النقابات، والاحتجاجات داخل الجامعات والموانئ والمصانع. لأن المقاومة لا ينبغي أن تبقى أخلاقية فقط . حين يقول عامل في ميناء أوروبي : لن أحمّل سفينة تحمل أسلحة إلى حرب إبادة، فهو لا يكتب بيانا تضامنيا فقط . إنه يتدخل في السلسلة المادية للجريمة . حين يرفض عمال في مصنع إنتاج أجزاء السلاح الذي سيذهب إلى فلسطين، تتحول الأخلاق إلى فعل طبقي . حين تقطع نقابة علاقاتها مع شركات مرتبطة بالاحتلال، تصبح فلسطين جزءا من الصراع الاجتماعي داخل المركز نفسه . وهنا تتجاوز الأممية مجرد رفع الأعلام . الأممية تعني أن العامل في برلين يستطيع أن يرى في الطفل الفلسطيني الذي تحت الركام جزءا من إنسانيته، وأن يدرك في الوقت نفسه أن المصنع الذي يعمل فيه قد يكون جزءا من القوة التي تقتله . هذه هي الأممية التي كان يحلم بها اليسار حين قال ماركس : "يا عمال العالم، اتحدوا ." لكن الوحدة هنا لا تعني أن العامل الألماني يتحمل ذنب حكومته . بل تعني أن يعرف أن مصالحه ليست بالضرورة مصالح الطبقة التي تحكم باسمه . وهذه نقطة جوهرية . فالطبقة العاملة لا تصبح إمبريالية لأنها ألمانية، أو فرنسية، أو أمريكية . إنما يمكن جر جزء منها إلى الامتياز الإمبريالي حين تقنعها الطبقة الحاكمة بأن مصالحها مرتبطة بمشروع السيطرة الخارجية . وهذا ما حذرت منه روزا لوكسمبورغ حين ربطت الحرب بالرأسمالية وبالصراع بين القوى الكبرى، ورفضت أن يصبح العمال وقودا لمنافسات لا يملكون منها شيئا . اليوم، الفلسطيني هو الذي يدفع الثمن المباشر . لكن العامل في المركز الإمبريالي يدفع أيضا، وإن بطريقة مختلفة، حين تتحول ميزانيات الدولة إلى أسلحة بدلا من الصحة والتعليم والسكن والنقل والخدمات الاجتماعية . الرأسمالية تستطيع أن تقول للعامل : ليس لدينا مال للمستشفى . لكن لدينا مليارات للسلاح . ليس لدينا سكن اجتماعي . لكن لدينا عقد دفاع جديد . ليس لدينا ما يكفي للمدرسة . لكن لدينا ما يكفي لقنبلة أخرى . وهنا تلتقي فلسطين بالصراع الطبقي في أوروبا نفسها . فالمشكلة ليست فقط أن الأموال تُرسل إلى الخارج . المشكلة أن المجتمع نفسه يعاد تنظيمه حول الأولويات العسكرية . وهذه إحدى السمات التي تستحق أن يتوقف عندها اليسار : الإمبريالية لا تسرق فقط من الشعوب التي تقع تحت القصف، بل يمكن أن تعيد تشكيل الطبقات داخل المركز أيضا . إنها تخلق صناعة ومصالح ووظائف ومؤسسات وجماعات ضغط مرتبطة باستمرار التسلح . وبمرور الوقت، يصبح وقف الحرب أصعب، لأن هناك من أصبح يعتمد اقتصاديا وسياسيا على استمرار آلة الحرب . هكذا تتحول الحرب من قرار سياسي إلى بنية اجتماعية. وهنا تكمن خطورتها . لذلك فإن القضية التي تنظر فيها محكمة العدل الدولية ليست، بالنسبة إلى اليسار، معركة قانونية منفصلة عن الصراع الطبقي . إنها إحدى الساحات التي يمكن فيها إجبار الإمبريالية على الكشف عن نفسها . السلاح الذي كان مختبئا خلف كلمة "تعاون دفاعي" يظهر بوصفه سلعة . والدعم السياسي الذي كان يسمى "تحالفا استراتيجيا" يظهر بوصفه حماية لبنية قوة . والأموال التي كانت تسمى "مساعدات" يمكن أن تظهر، في بعض السياقات، باعتبارها جزءا من منظومة السيطرة . والدولة التي تتحدث باسم القيم يمكن أن تجد نفسها أمام سؤال بسيط : هل القيم التي تدافع عنها قابلة للتطبيق عندما يكون حليفك هو المتهم؟ هذه هي قوة فلسطين. أنها لا تسمح للغرب بأن يروي قصته عن نفسه دون مقاطعة . تقول له : تحدثتم عن حقوق الإنسان؟ إذن طبقوها هنا . تحدثتم عن القانون الدولي؟ إذن لا تستثنوا الكيان الصهيوني . تحدثتم عن ذاكرة المحرقة؟ إذن لا تجعلوا منها جدارا يمنعكم من رؤية ضحايا آخرين . تحدثتم عن الديمقراطية؟ إذن اسمعوا الشعوب التي تحتجون في شوارعكم . تحدثتم عن كرامة الإنسان؟ إذن لا تجعلوا الفلسطيني استثناء . ومن هنا تأتي المفارقة الألمانية بأشد صورها . التاريخ الألماني يجب أن يكون ذاكرة ضد الإبادة، لا أداة لإسكات النقد . إن أفضل وفاء لضحايا النازية ليس أن نمنح دولة ما حصانة دائمة، وإنما أن نقول إن الجريمة التي ارتكبت بحقهم لا يجوز أن تتكرر بحق أي شعب . فالذاكرة التي لا تتحول إلى مبدأ كوني تتحول بسهولة إلى ملكية قومية للضحية . وهذا خطر أخلاقي وفكري . فليس من حق أحد أن يحتكر الألم . ولا أن يحول ماضيه إلى صك براءة لحاضره . وفي هذه النقطة تلتقي الذاكرة مع الأممية . أن تقول : نحن لا نقارن الضحايا . نحن لا ننافس بينهم . نحن لا نقول إن جريمة تلغي جريمة . بل نقول إن كل إنسان يستحق الحياة . وهذه الجملة البسيطة هي، في عالم الإمبريالية، جملة ثورية . لأن النظام الإمبريالي قائم في جزء منه على توزيع غير متساو لقيمة الحياة . حياة المركز أغلى . وحياة المستعمرة أرخص . حياة الجندي الغربي خبرا عاجلا . وحياة الفلسطيني إحصاء . وهنا لا يعود السؤال : لماذا يموت الفلسطينيون؟ بل : لماذا يستطيع العالم أن يتعايش مع موتهم؟ الجواب، في جزء منه، طبقي وإمبريالي . لأن النظام العالمي لم يبن على المساواة بين البشر، بل على تفاوت القوة والثروة والقدرة على فرض الرواية . ولهذا فإن تحرير فلسطين لا يمكن أن يكون قضية جغرافية فقط . إنه قضية طبقية وأممية . وهو أيضا معركة ضد البنية التي تجعل شعوبا كاملة قابلة للإبادة أو التهجير أو الحصار بينما يبقى المركز آمنا . وقد كان فانون أكثر وضوحا من كثيرين حين كتب عن عالم الاستعمار بوصفه عالما مقسوما إلى مناطق، يكون فيها العنف موزعا جغرافيا وطبقيا . لكن فانون لم يتحدث فقط عن الضحية . كان يتحدث أيضا عن ولادة إنسان جديد . وهذا ما يجعل فلسطين قضية يسارية حقيقية: لأنها تجبرنا على تخيل عالم لا يكون فيه الإنسان قابلا للتسعير . لا كسلاح . لا كعامل . لا كمهاجر . لا كلاجئ . لا كفلسطيني . ولا كأي شيء آخر . إن مشاركة ـ القانون من أجل فلسطين - في الفريق القانوني الذي يمثل نيكاراغوا أمام محكمة العدل الدولية تكتسب، في هذا السياق، معنى يتجاوز المهنة . إنها جزء من معركة تجعل المعرفة القانونية نفسها أداة في مواجهة القوة . وفي المقابل، فإن مهمة اليسار ليست أن يستبدل المحامي بالمناضل أو المحكمة بالشارع . المطلوب هو الجمع بين الساحات . الشارع يضغط . والنقابة تعطل . والجامعة تقاطع . والصحفي يكشف . والمحامي يوثق ويقاضي . والعامل يرفض أن يكون ترسا في آلة الحرب . والفنان يحفظ وجه الضحية من النسيان . والشعب يرفض أن تتحول المأساة إلى خبر عابر . هكذا تصبح العدالة ممارسة اجتماعية، لا مجرد حكم يصدر من قاعة محكمة . وربما لهذا فإن السؤال الأهم الذي خرج من لاهاي في 11 سبتمبر 2026 ليس ما إذا كانت ألمانيا ستنتصر في اعتراضاتها أو ستُجبر القضية على المضي قدما . السؤال الأعمق هو : هل يستطيع القانون الدولي، ولو مرة، أن يقترب من رأس السلسلة؟ أن يصل إلى الدولة التي تسلح . إلى الشركة التي تنتج . إلى رأس المال الذي يربح . إلى المؤسسة التي تمول . إلى التحالف الذي يحمي . إلى الإمبراطورية التي تضع القواعد . أن يقول إن الجريمة ليست فقط في لحظة انفجار القنبلة، بل في شبكة القرارات التي جعلت الانفجار ممكنا . إذا حدث ذلك، فلن تكون فلسطين قد انتصرت في قضية واحدة فقط . سيكون العالم قد قطع خطوة صغيرة في اتجاه آخر : نحو قانون يرى القوة بدل أن يخدمها، ويرى الإنسان بدل أن يحصي خسائره، ويرى الطبقات بدل أن يتحدث عن "الدول" كما لو كانت كيانات متساوية . أما إذا بقي القانون عاجزا عن عبور هذه المسافة، فستظل الإمبريالية قادرة على ارتكاب جرائمها عن بعد . سيكون هناك دائما من يقصف، ومن يسلح، ومن يمول، ومن يحمي، ومن يقول : لم نكن نحن . لكن الطفل الفلسطيني الذي مات لن يعرف هذه المسافة . لن يعرف الفرق بين الصاروخ ومن باعه . ولا بين القاذفة ومن صنعها . ولا بين القرار السياسي والعقد العسكري . سيعرف شيئا واحدا فقط : أن القنبلة وصلت . وهذا يكفي . لأن الإنسان الذي يموت لا يهمه أين بدأت سلسلة الجريمة . لكن العدالة يجب أن تهتم . ولهذا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط أن نوقف اليد التي تطلق النار . بل أن نصل إلى اليد التي تجعل تلك اليد قادرة على إطلاق النار . وهناك، في قلب المصنع والبنك والشركة والدولة والتحالف العسكري، تبدأ المعركة الحقيقية ضد الإمبريالية . وهناك أيضا يبدأ الطريق إلى فلسطين حرة . لا كـ"قضية إنسانية" ينتظر العالم أن يشفق عليها، بل كقضية تحرر وطني واجتماعي وأممي؛ كقضية شعب يريد أن يستعيد أرضه، وعامله يريد أن يستعيد ثمرة عمله، وإنسانه يريد أن يستعيد حقه الأساسي في أن يعيش دون أن تكون حياته رهينة لمصالح رأس المال والإمبراطورية . فلسطين، في النهاية، لا تطلب من العالم أن يحبها . إنها تطلب منه شيئا أكثر صعوبة : أن يتوقف عن تمويل الذين يقتلونها . وأن يكتشف، وهو يفعل ذلك، أن تحرير فلسطين ليس فقط تحرير الفلسطيني من الاستعمار . إنه أيضا تحرير العالم من النظام الذي يحتاج إلى استعمار الآخرين كي يحافظ على امتيازاته .
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
-
حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا
...
-
المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .
-
الExtra-terrestre: الإنسان الذي جاء من خارج الأرض .
-
الفساد حين يأكل من لحم الناس .
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
-
الهجرة ليست هروبا ...
-
أمريكا اللاتينية ... القارة التي لم تتصالح مع الظلم ولم تتعل
...
-
من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عق
...
-
ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..
-
حين يصبح الخيال فائضا عن حاجة السوق .
-
مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي ح
...
-
ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .
-
الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
-
حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن
...
-
حين تتصافح المصالح
-
رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشر
...
-
اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة
...
-
التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة
...
-
من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية
...
المزيد.....
-
كاتب إسرائيلي: حمير يقودون الإسرائيليين إلى الهلاك
-
نيبينزيا: مكافحة الإرهاب يجب ألا تكون رهينة للصراع الجيوسياس
...
-
روسيا.. حادث سير مروع يسفر عن مقتل 13 شخصا والسلطات تفتح تحق
...
-
مصدر أمني عراقي: إغلاق منفذ الشلامجة الحدودي مع إيران بشكل م
...
-
ناسا تدرس تطوير تقنيات بناء قاعدة دائمة على القمر
-
عامل محتمل جديد يهدد صحة القلب
-
تكساس تدشن أولى رحلات اختبار التاكسي الطائر الكهربائي في الو
...
-
تأجيل الجولة المقبلة من المحادثات الإسرائيلية-اللبنانية إلى
...
-
فورين بوليسي: لماذا لا يزال هجوم 11 سبتمبر يحيرنا بعد 25 عام
...
-
-أثناء تعاطيه المخدرات-.. لبنان يعتقل أحد أقرباء بشار الأسد
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|