أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - فرج الحطاب - لماذا أصبحت إيران وجهة للدراسات العليا العراقية؟















المزيد.....


لماذا أصبحت إيران وجهة للدراسات العليا العراقية؟


فرج الحطاب
كاتب وباحث

(Faraj Hattab Hamdan)


الحوار المتمدن-العدد: 8822 - 2026 / 9 / 8 - 14:01
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


يوم أمس، تعرض طلبة عراقيون في محافظة سمنان الإيرانية إلى اعتداء عقب مشادة وقعت قرب سكنهم، ثم تطور الأمر إلى تجمعات واشتباكات استدعت تدخل السلطات الإيرانية والسفارة العراقية. وتضاربت بعض الروايات حول أسباب الحادث وتفاصيله، فيما أعلن القضاء الإيراني فتح تحقيق واستدعاء عدد من المتورطين، وتحركت السفارة والملحقية الثقافية العراقية لمتابعة أوضاع الطلبة.

من الطبيعي أن يثير الحادث القلق على سلامة الطلبة العراقيين، وأن يتركز الاهتمام في البداية على ما جرى ومن يتحمل مسؤوليته. لكن شيئاً آخر في الخبر يستحق التوقف عنده. فوجود طلبة عراقيين في سمنان ليس حالة منفردة، بل جزء من حضور عراقي واسع في الجامعات الإيرانية، يمتد إلى مدن وجامعات كثيرة ويقدر بعشرات الآلاف. وهنا أخذت المسألة بالنسبة لي اتجاهاً آخر. كم طالباً عراقياً يدرس في إيران؟ وأين يدرسون؟ وماذا يدرسون؟ ولماذا اختار هذا العدد الكبير منهم الجامعات الإيرانية؟ قد تبدو الإجابة الأولى سهلة. إيران بلد مجاور، والدراسة فيها أقل كلفة من بلدان كثيرة، والوصول إليها والعودة منها أيسر على العراقي. لكن الأرقام التي تظهر عند البحث تجعل هذه الإجابة وحدها غير كافية، وتفتح أسئلة أبعد من الجغرافيا والكلفة، تتعلق بالدراسات العليا نفسها، وشروط القبول، ومستوى الجامعات، والإقامة، والاعتراف بالشهادات، وبما يريده العراق أصلاً من هذا العدد المتزايد من حملة الماجستير والدكتوراه. والغريب أن السؤال الأبسط بينها، كم عراقياً يدرس في إيران، لا نجد له جواباً واحداً.

دفعني الموضوع إلى البحث عن معلومات، فوجدت أرقاماً وتصريحات متفرقة، لكنها لم تقدم أجوبة شافية. ففي سنوات متقاربة صدرت عن مسؤولين عراقيين وإيرانيين تقديرات متفاوتة بصورة لافتة. إذ تحدث وزير التعليم العالي العراقي نعيم العبودي عام 2024 عن نحو مئة ألف طالب عراقي يدرسون في إيران. وفي مطلع عام 2025 تحدث المستشار الثقافي العراقي في طهران عن أكثر من ثمانين ألفاً. وفي تشرين الأول من العام نفسه تحدث مسؤول في منظمة شؤون الطلبة الإيرانية عن نحو 27 إلى 28 ألف طالب عراقي. ثم أعلن وزير العلوم الإيراني حسين سيمائي صراف، في 5 آب 2026، أن أكثر من خمسين ألف طالب عراقي يدرسون في الجامعات الإيرانية التابعة لوزارتي العلوم والصحة.

ليس ضرورياً أن يكون أحد هذه الأرقام خاطئاً. فقد تكون كل جهة تحصي فئة مختلفة، كالجامعات الحكومية دون جامعة آزاد، أو جامعات وزارة العلوم دون بعض المؤسسات الأخرى، أو الطلبة المسجلين فعلياً دون المنقطعين أو المتخرجين، وربما تشمل بعض الأرقام مؤسسات وفئات لا تدخل في إحصاءات أخرى. لكن الفارق بين أقل من ثلاثين ألفاً ومئة ألف ليس تفصيلاً صغيراً يمكن المرور عليه دون أن تستوقفنا علامات الاستفهام. إنه يقود إلى سؤال أبسط من كل ما سيأتي بعده: كم عراقياً يدرس في إيران فعلاً؟ وهل توجد لدى العراق قاعدة بيانات موحدة ومحدثة تتضمن أسماء هؤلاء الطلبة وجامعاتهم وتخصصاتهم ومراحلهم الدراسية وتاريخ بدء دراستهم وطبيعة تمويلهم ومدة إقامتهم الفعلية؟ وهل توجد في إيران قاعدة موحدة تشمل الطلبة العراقيين في أنظمة التعليم المختلفة، أم أن كل وزارة ومؤسسة تحصي من يقع تحت إشرافها فقط؟

لم أعثر على قاعدة بيانات عامة موحدة تستطيع تفسير هذا التضارب الكبير. وهذا لا يعني الجزم بعدم وجودها لدى الجهات الرسمية، لكنه يجعل اختلاف الأرقام نفسه جزءاً من القضية. غير أن العدد، على ضخامته، ليس أكثر ما يلفت الانتباه. ففي التصريح الذي أدلى به وزير العلوم الإيراني حسين سيمائي صراف في آب 2026، قال إن نحو 96% من أكثر من خمسين ألف طالب عراقي الذين تحدث عنهم يدرسون في الدراسات العليا. وإذا أخذنا الرقم كما أُعلن، فنحن نتحدث عن أكثر من 48 ألف عراقي في الدراسات العليا ضمن الجامعات التي يشملها تصريح الوزير.

ولكي ندرك حجم الرقم، يمكن وضعه إلى جانب رقم عراقي رسمي آخر. فقد أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن خطة القبول في الدراسات العليا في الجامعات الحكومية العراقية للعام الدراسي 2026-2027 وفرت 33,073 مقعداً موزعة على 2,604 برامج للدراسات العليا، تقدم للتنافس عليها 42,179 متقدماً. أي أن عدد العراقيين الذين قد يكونون في الدراسات العليا في إيران في وقت واحد، وفق الرقم الإيراني الأخير، يفوق عدد المقاعد التي يوفرها العراق داخل جامعاته الحكومية للدراسات العليا في سنة كاملة. صحيح أن المقارنة هنا بين عدد قائم من الطلبة ومقاعد قبول لسنة واحدة، لكنها تكشف مع ذلك ضخامة الظاهرة. وهنا لا يعود السؤال لماذا يدرس العراقيون في إيران، وإنما لماذا يذهب هذا العدد الكبير منهم إلى هناك للحصول على الماجستير والدكتوراه تحديداً؟

هناك أسباب يمكن فهمها بسهولة. إيران بلد مجاور، والوصول إليها أسهل وأقل كلفة من الوصول إلى أوروبا أو الولايات المتحدة أو أستراليا. يستطيع الطالب العراقي العودة إلى أسرته بصورة متكررة، وهي ميزة مهمة خصوصاً للمتزوج والموظف. وكلفة المعيشة والدراسة أقل من بلدان كثيرة، ولا سيما لمن يأتي بالدينار العراقي أو بعملة أجنبية في ظل انخفاض قيمة الريال الإيراني. وهناك أيضاً أثر الشبكة البشرية التي تكونت عبر السنوات. فعندما يوجد في مدينة أو جامعة مئات العراقيين، سوف يعرف القادم الجديد ممن سبقوه كيف يقدم، وأين يسكن، وكيف يتعامل مع إجراءات الجامعة والإقامة والترجمة. ومع الزمن تصبح تجربة الدراسة هناك أكثر وضوحاً للقادم الجديد، وقد يختارها لأن زميلاً أو قريباً سبقه إليها.

وهناك عامل آخر لا يمكن تجاهله يتعلق بكلفة الدراسة وتمويلها. ففي مطلع 2025 قال المستشار الثقافي العراقي في إيران إن نحو 95% من الطلبة العراقيين يدرسون على نفقتهم الخاصة. وفي تصريح إيراني لاحق في العام نفسه، قال عباس قنبري باغستان، نائب شؤون المنح والطلبة في منظمة شؤون الطلبة، إن أكثر من 99% من الطلبة العراقيين يدفعون الرسوم الدراسية، وإن ما بين 70 و80% منهم يدرسون في مرحلتي الماجستير والدكتوراه.

إذن نحن، في القسم الأكبر من هذه الظاهرة، لا نتحدث عن بعثات عراقية ترسل فيها الدولة مجموعة مختارة من الطلبة إلى مراكز بحثية محددة. نحن أمام سوق تعليمية واسعة يدفع فيها الطالب العراقي مقابل الدراسة. وهذا لا يعني، في حد ذاته، أن التعليم رديء أو أن الشهادة سهلة الحصول. فالطالب الدولي الذي يدفع الرسوم ظاهرة مألوفة في معظم جامعات العالم. لكن عندما تقترن الأعداد الكبيرة بالحاجة الاقتصادية للجامعات، يصبح من المشروع السؤال عن العلاقة بين استقطاب الطلبة والمحافظة على المعايير الأكاديمية.

والمسؤولون الإيرانيون أنفسهم لا يخفون أهمية التعليم الدولي. فقد تحدث مسؤولون في منظمة شؤون الطلبة عن القيمة الاقتصادية لاستقطاب الطلبة الأجانب وعن وجود مقاعد فارغة في الجامعات والحاجة إلى جذب المزيد من الطلبة الدوليين. كما أن العلاقات الجامعية بين العراق وإيران أصبحت واسعة، وتحدث وزير العلوم الإيراني في آب 2026 عن نحو 180 اتفاق تعاون علمي بين جامعات البلدين دخلت مراحل مختلفة من التنفيذ. إذن وجود العراقيين بهذا الحجم في إيران ليس نتيجة الجغرافيا وحدها، فهناك أيضاً سياسة إيرانية واضحة لتدويل الجامعات وجذب الطلبة، والعراق يمثل سوقاً قريبة وكبيرة.

لكن هذا كله لا يفسر الرقم الأكثر غرابة، أعني وجود 96% من الطلبة العراقيين في الدراسات العليا. فلو كان القرب ورخص الكلفة هما العاملين الأساسيين، لكان من الطبيعي أن نجد أعداداً هائلة أيضاً في الدراسة الجامعية الأولية. أما أن تكون الغالبية الساحقة في الماجستير والدكتوراه، فذلك يدفع إلى البحث عن عوامل أخرى. ثم ما الذي يجعل إيران جذابة بصورة خاصة للعراقي الذي يريد شهادة عليا؟ الإجابة عن ذلك تحتاج إلى معرفة شروط القبول والمعدلات المطلوبة والامتحانات التنافسية ومتطلبات اللغة، وما إذا كانت هناك فروق بين قبول الطالب الإيراني والطالب الأجنبي. كما تحتاج إلى معرفة مدة الدراسة ومتطلبات البحث والنشر، والمدة التي ينبغي أن يقيمها الطالب فعلياً في إيران، ومقدار حضوره في الجامعة. ليس لدينا دليل يسمح بالقول إن الجامعات الإيرانية عموماً تمنح العراقيين شهادات سهلة، ولا يصح أصلاً التعامل مع التعليم العالي الإيراني كتلة واحدة. ففي إيران جامعات بحثية قوية ومعروفة دولياً في الطب والهندسة والعلوم والإنسانيات، مثل جامعة طهران وشريف وأمير كبير وتربيت مدرس وعدد من الجامعات الطبية الكبرى. ومن غير المنصف وضع هذه الجامعات في مستوى واحد مع كل جامعة إقليمية أو فرع جامعي آخر.

لذلك فإن المسألة ليست في الحكم على الجامعات الإيرانية بأنها جيدة أو سيئة، وإنما في معرفة الجامعات التي يذهب إليها عشرات الآلاف من العراقيين، ونسبة من يدرسون منهم في الجامعات البحثية الكبرى مقارنة بالجامعات المتوسطة أو ضعيفة التصنيف، والتخصصات التي يتوزعون عليها. ويضاف إلى ذلك عدد طلبة الدراسات العليا لكل أستاذ، ومستوى الأطروحات والمجلات التي يُقبل النشر فيها، ونسب الرسوب والانسحاب، والمدة الفعلية التي يستغرقها الحصول على الماجستير أو الدكتوراه.

والجانب العراقي نفسه يدرك أن الجامعات الإيرانية ليست كلها في مستوى واحد. ففي السنوات الماضية أعادت وزارة التعليم العالي النظر في الجامعات الأجنبية المقبولة ضمن مسارات الابتعاث والدراسة، وأخرجت في إحدى المراجعات عدداً من الجامعات الإيرانية من قائمة الجامعات المعتمدة للابتعاث وفق معايير التصنيفات الدولية. وينبغي هنا التفريق بين إخراج جامعة من قائمة الابتعاث الحكومي وبين القول إن كل شهادة صادرة عنها غير معترف بها، فهما أمران مختلفان.

وفي تشرين الأول 2023 ناقش وفد رسمي من وزارة التعليم العراقية مع ممثلي وزارة العلوم الإيرانية ما وصفته الوزارة نفسها بـ"التحديات" التي تواجه الطلبة العراقيين في عدد من الجامعات الإيرانية، وشدد على ضرورة مراعاة المتطلبات العلمية الرصينة في قبول الطلبة.
وهذا يعني أن السؤال عن المستوى الأكاديمي ليس اتهاماً نطلقه من الخارج. إنه ملف تتعامل معه المؤسسات الرسمية نفسها.

وهناك مسألة ربما تكون أكثر حساسية من تصنيف الجامعة، وهي الإقامة الدراسية. القانون العراقي لا يعتبر حصول الطالب على شهادة من جامعة أجنبية كافياً وحده لمعادلتها، بل توجد متطلبات تتعلق بالدراسة الحضورية والإقامة. وقد عادت وزارة التعليم العراقية خلال 2026 إلى مناقشة ملف إقامة الطلبة العراقيين الدارسين في دول الإقليم، وأصدرت توضيحات بشأن مدة الانقطاع وإمكان تعويضها وفق الضوابط.

وهنا نسأل مرة أخرى لماذا تصبح الإقامة قضية بهذا الحجم؟ وكيف يدرس الموظفون العراقيون المسجلون في برامج الماجستير والدكتوراه في إيران وهم مرتبطون بوظائف داخل العراق؟ هل يحصلون على إجازات دراسية كاملة ويقيمون في إيران طوال المدة المطلوبة؟ أم أن بعضهم يتنقل بين البلدين؟ وكم يقضي الطالب فعلياً في الجامعة؟ وكيف تتحقق الجهات العراقية من ذلك؟ هذه ليست أسئلة بيروقراطية عن ختم دخول وخروج. إنها تمس معنى الدراسات العليا نفسها.

أعرف ذلك أيضاً من تجربتي الشخصية. حين التحقت ببرنامج الدكتوراه في جامعة أريزونا (University of Arizona)، استغرق حصولي على الدكتوراه ست سنوات من الدراسة بدوام كامل. ولم تكن السنوات الست مجرد مقررات دراسية تنتهي بامتحانات، ثم بحث يكتب ويناقش للحصول على الشهادة. كانت عملية تأهيل طويلة تبدأ بالدراسة المنهجية والتعمق في حقل التخصص، وتمر بالقراءة والبحث والامتحانات والتفاعل المستمر مع الأساتذة والباحثين، والمشاركة في مؤتمرات علمية رصينة خارج الجامعة، وتنتهي بأطروحة يفترض أن تضيف شيئاً إلى المعرفة في مجالها، لا أن تكون غايتها الأخيرة الحصول على الشهادة. صديق لي ما زال يدرس الدكتوراه في جامعة أمريكية، وقد مضت ست سنوات ولم يحصل على الدرجة بعد. فشهادة الدكتوراه تستحق كل هذا الوقت والبحث والكتابة لتحقيق درجة علمية مرموقة، ولم تكن يوماً طريقاً للحصول على وظيفة أو ترقية في السلم الوظيفي فقط.

ولا أورد هذين المثالين للقول إن ست سنوات هي المدة التي يجب أن تستغرقها كل دكتوراه، أو إن النموذج الأميركي هو المعيار الوحيد للحكم على برامج الدراسات العليا في العالم. تختلف الأنظمة والاختصاصات والجامعات، وقد تكون برامج الدكتوراه أقصر في بلدان كثيرة. لكن التجربة توضح شيئاً أعمق. فالدكتوراه ليست مجموعة دروس وامتحان ورسالة ومناقشة تنتهي بلقب يضاف إلى الاسم. إنها، في أصل فكرتها، عملية تكوين طويلة للباحث داخل تخصصه. وحتى تسمية PhD، أي Doctor of Philosophy، تحمل شيئاً من هذا المعنى، فالمقصود ليس أن يكون كل حامل للدكتوراه متخصصاً في الفلسفة، وإنما أن يبلغ مستوى من الاستقلال الفكري والقدرة على البحث وإنتاج المعرفة في حقله.

ولهذا فإن المدة التي يقضيها الطالب العراقي فعلياً في جامعته الإيرانية لا تتعلق بالإقامة وحدها. الأهم هو مقدار ما عاشه داخل بيئة أكاديمية، وما قرأه وناقشه وبحثه، وطبيعة علاقته بمشرفه ومشاركته في حلقات البحث والندوات، أو عمله في المختبر إذا كان تخصصه علمياً. ويبقى السؤال الأهم: ما الذي تغير في قدرته على التفكير والبحث بين اليوم الذي دخل فيه البرنامج واليوم الذي خرج منه حاملاً الدكتوراه؟

القيمة الحقيقية للدكتوراه لا تقاس بعدد السنوات وحدها، مثلما لا تقاس بعدد صفحات الأطروحة أو بعدد المواد التي نجح فيها الطالب. ما ينبغي النظر إليه هو ما إذا كانت تلك السنوات قد صنعت باحثاً مستقلاً قادراً على طرح سؤال جديد، واختيار أدوات مناسبة لدراسته، ومناقشة المعرفة الموجودة في حقله، ثم إضافة شيء إليها. وإذا غابت هذه العملية، فقد تبقى الشهادة صحيحة من الناحية الإدارية، لكن السؤال عن قيمتها الأكاديمية يظل قائماً.

وهنا نعود مرة أخرى إلى العراق. ففي العام الدراسي 2026-2027 تقدم أكثر من 42 ألف شخص للتنافس على نحو 33 ألف مقعد للدراسات العليا في الجامعات الحكومية العراقية. هناك إذن طلب داخلي كبير على الماجستير والدكتوراه، ولا تستطيع المقاعد المتاحة استيعاب جميع المتقدمين. ومن الطبيعي أن يبحث بعض من لا يحصلون على مقعد عن جامعة خارج العراق، وهذا يحدث في بلدان كثيرة. لكن المسألة تصبح مختلفة إذا كانت الدراسة في الخارج توفر طريقاً أقل تنافساً من الدراسة في الداخل، ثم يعود صاحبها بشهادة تمنحه الحقوق الوظيفية والاجتماعية نفسها تقريباً. وهنا يبرز سؤال حساس لا ينبغي الهرب منه، هل تحولت الدراسة في الخارج، وفي بعض دول الجوار تحديداً، إلى مسار موازٍ للحصول على الشهادة العليا لمن لم يتمكن من الحصول عليها داخل العراق؟

لا يمكن تعميم الإجابة بالطبع، ولا يجوز افتراض أن كل من ذهب إلى الخارج فعل ذلك لهذا السبب، لكن حجم الظاهرة يجعل السؤال مشروعاً. ويزداد الأمر أهمية عندما يكون الطالب موظفاً في الدولة، فالشهادة العليا في العراق ليست دائماً مجرد مشروع معرفي، وإنما قد ترتبط باللقب العلمي والترقية والمكانة المهنية والاجتماعية، وبمزايا وظيفية أخرى. وعندما تكون للشهادة عوائد تتجاوز المعرفة التي تمثلها، يصبح الطلب عليها أكبر.

ومن هنا تظهر مسألة أخرى تتعلق بحاجة العراق الفعلية إلى هذه الأعداد من حملة الماجستير والدكتوراه، والتخصصات التي يحتاج إليها سوق العمل والجامعات ومراكز البحث. ولا تقل أهمية عن ذلك معرفة ما يحدث بعد الحصول على الدرجة، وعدد من يستمرون في البحث والنشر، أو يعملون في تخصصاتهم، أو ينخرطون في مختبرات ومراكز ومشاريع علمية، مقابل من تنتهي علاقته الفعلية بالبحث بمجرد حصوله على اللقب. وعندها يصبح السؤال أكثر عمقاً، هل أصبح العراق ينتج طلباً على "الشهادة" أكثر مما ينتج طلباً على الباحث والمتخصص؟

إذا كانت الدولة لا تعرف بدقة حاجتها إلى حملة الدكتوراه، وفي أي تخصصات وبأي أعداد، فقد يتحول التعليم العالي من وسيلة لإنتاج المعرفة والخبرة إلى نظام لإنتاج الألقاب. وهنا ربما تكون إيران جزءاً من المشكلة وليست أصلها. فالعراق هو الذي ينتج الطلب الهائل على الشهادات العليا، فيما توفر إيران عرضاً مناسباً لهذا الطلب. فهي بلد قريب، كلفته أقل، ويمتلك عدداً كبيراً من الجامعات التي تسعى إلى جذب الطلبة من الخارج، كما ترتبط مؤسساته الجامعية بعلاقات واسعة مع نظيراتها العراقية.

لكن ذلك لا يعفي العراق من مسؤولية الرقابة. إذا كان عشرات الآلاف من مواطنيه يدرسون في الخارج للحصول على درجات ستدخل لاحقاً في نظامه الجامعي والوظيفي، فمن حق المجتمع أن يعرف أين يدرسون، وفي أي تخصصات، وكيف قُبلوا، وكم أقاموا، وكيف أنجزوا بحوثهم، وما مستوى البرامج التي تخرجوا منها. ومن واجب الدولة أن تكون قادرة، قبل كل شيء، على الإجابة عن سؤال يبدو شديد البساطة، كم طالباً عراقياً يدرس في إيران؟ إذا كانت التقديرات الصادرة عن مسؤولين في البلدين خلال سنوات متقاربة تتراوح بين أقل من ثلاثين ألفاً ونحو مئة ألف، فكيف يمكن بناء سياسة تعليمية أو نظام رقابة على أرقام لا نعرف حدودها بدقة؟

حادثة سمنان ستنتهي على الأرجح، وستظهر نتائج التحقيق، ويعود الطلبة إلى دراستهم أو ينتقل بعضهم إلى أماكن أخرى، وستختفي الصور ومقاطع الفيديو من التداول. لكن ما كشفته الحادثة سيبقى أكبر منها. فالقضية لم تعد مقتصرة على كيفية حماية الطلبة العراقيين في إيران، مع أهمية ذلك، وإنما تمتد إلى هذا العدد الكبير من العراقيين في جامعاتها، وغالبيتهم في الدراسات العليا، وإلى أسباب اختيارهم إيران، ومستوى الجامعات والبرامج التي يدرسون فيها، وطبيعة مشاركتهم في الحياة الأكاديمية، وقدرة الدولة العراقية على التمييز بين شهادة نتجت عن تكوين علمي حقيقي وأخرى استوفت المتطلبات الشكلية للحصول عليها.

وهناك جانب اقتصادي لا ينبغي أن يغيب عن النقاش. فحتى إذا كان معظم هؤلاء الطلبة يدرسون على نفقتهم الخاصة، فإن الأموال التي ينفقونها على الرسوم والسكن والمعيشة والسفر تخرج في النهاية من الاقتصاد العراقي. ومن ثم لا يعود الأمر متعلقاً بمن يدفع، الحكومة أم الطالب، وإنما بما يعود على العراق من هذا الإنفاق الكبير حين يرجع أصحابه بالشهادات التي حصلوا عليها.

ربما كانت أهمية ما حدث في سمنان أنه جعلنا نرى، ولو للحظة، ظاهرة تجري أمامنا منذ سنوات. عشرات الآلاف من العراقيين يعبرون الحدود بحثاً عن شهادات عليا، فيما لا نزال بحاجة إلى معرفة أعدادهم الحقيقية، وأماكن دراستهم، ومستوى ما يدرسونه، والقيمة العلمية والمهنية لما يعودون به. ويبقى السؤال الذي ربما يسبق ذلك كله، ماذا يريد العراق من الماجستير والدكتوراه أصلاً؟ فالمسألة في النهاية ليست كم شهادة يعود بها العراقيون من إيران، وإنما ماذا تضيف هذه الشهادات إلى العراق.



#فرج_الحطاب (هاشتاغ)       Faraj_Hattab_Hamdan#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل ما زال تأليف كتاب يستحق العناء؟
- مئة عام من العزلة: ماكوندو من الرواية إلى الشاشة
- متى تتحول المعرفة إلى تعلّم؟
- أصوات الحصار: مختارات من قصيدة النثر التسعينية في العراق (1) ...
- القمح مقابل الكتب
- الانتخابات العراقية… بين مهرجان السخرية وجدية الأمل
- من هو المثقف العراقي الوطني؟
- كتاب -في اليُتْم الوجودي-: جمال علي الحلاق يتأمل الكتابة كنا ...
- البحث عن الذات المحضة في مجموعة (النوم في محطة الباص) لعبد ا ...
- أسلوب المناجاة في مجموعة (مرد روحي) للشاعر عباس اليوسفي
- حرية الذات ومفهوم السعادة المطلقة في نظرية المعرفة الصوفية ع ...
- داعش ودولة الخلافة الإسلامية :آخر نتاجات الحرب الباردة
- النظريات الحديثة لدراسة علم الأديان (3)
- النظريات الحديثة لدراسة علم الأديان (2)
- النظريات والمناهج الحديثة لدراسة علم الأديان (1)
- الهوية المحلية في شعر بدر شاكر السياب


المزيد.....




- السفارة الروسية في كوبنهاغن تقدم مذكرة احتجاج للخارجية الدنم ...
- موسكو: -أساطير- التهديد الروسي المزعوم غطاء لزيادة الدعم الأ ...
- قبل هجوم 7 أكتوبر .. هل تجاهل نتنياهو تحذير محمد بن زايد؟
- بعد موافقة الرياض.. مشروع فضائي مصري سعودي ضخم يدخل مرحلة ال ...
- الخارجية الإماراتية تصدر بيانا ردا على تقارير إسرائيلية حول ...
- -عار عليك-.. وعد رئيسة المفوضية الأوروبية الجديد لزيلينسكي ي ...
- الجامعة العربية تصعد ضد الحوثيين.. ماذا قالت عن أمن السعودية ...
- لافروف: بوتين قبل مبادئ التسوية الأمريكية كما نقلها ويتكوف د ...
- الدفاع المدني السعودي يطلق الإنذار المبكر في 3 مناطق
- لافروف: أوروبا تفضح نفسها بالحديث عن حماية كييف لـ -القيم ال ...


المزيد.....

- التخطٌط ودوره في استثمار صحراء البصرة لتنمية السياحة البيئي ... / سيف سعد سلمان
- التربية الرقمية للكاتبة د-انتصار الخشت / انتصار كامل جفلان الخشت
- الكنز المخفي / انتصار كامل جفلان الخشت
- فشل سياسات الاصلاح التربوي عربيا : تونس نموذجا / رضا لاغة
- العملية التربوية / ترجمة محمود الفرعوني
- تكنولوجيا التدريس / ترجمة محمود الفرعوني
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الأول] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- تقييم القراءة من النظريات إلى الفصول الدراسية [الجزء الثاني] ... / ترجمة / أمل فؤاد عبيد
- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - فرج الحطاب - لماذا أصبحت إيران وجهة للدراسات العليا العراقية؟