|
|
ألكسندر دوغين - He did it his way – لقد فعلها على طريقته - بعد 6 أشهر من الحرب على إيران (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 19:29
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألكسندر دوغين فيلسوف روسي معاصر
1 سبتمبر/أيلول 2026
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
المذيع: سنناقش اليوم عدداً من القضايا المهمة جداً. فقد تبادلت إيران والولايات المتحدة مجدداً الضربات والإتهامات، فيما بلغ التوتر في الشرق الأوسط ذروة غير مسبوقة. نريد أن نفهم معاً: ماذا يحدث فعلاً، وماذا يمكن أن يحدث بعد ذلك؟ هل نحن أمام جولة جديدة من التصعيد، أم أمام قصة مختلفة تماماً قد تذهب بالأمور إلى مدى بعيد جداً؟
ألكسندر دوغين: الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران مستمرة منذ ستة أشهر، ولم تسفر حتى الآن عن أي نتائج حاسمة. كان ترامب مقتنعاً تماماً ــ وقد أقنعته بذلك أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية ــ بأن القضاء على المرشد الأعلى الإيراني، إلى جانب القيادة السياسية والعسكرية والدينية العليا في البلاد، سيؤدي إلى إنهيار كامل للسلطة، على غرار السيناريو الفنزويلي.
وللأسف الشديد بالنسبة إلى العالم، نجحوا في فنزويلا في تنفيذ عملية إختطاف وإعتقال الرئيس، وتمكنوا من إنتزاع ولاء النخبة بأكملها للغرب، ليس من دون تواطؤ وخيانة من جانب ديلسي رودريغيز وشخصيات أخرى.
مستلهماً من هذا «النجاح»، حاول ترامب تكرار السيناريو نفسه في إيران، ولكن بصورة أكثر قسوة، معولاً على سقوط النظام بسرعة. لكنه وجد نفسه غير مستعد إطلاقاً لحملة بهذا الطول، ولا للمقاومة الشديدة التي واجهها.
ويرى معظم المحللين أن هذا الصراع المستمر منذ ستة أشهر يمثل فشلاً هائلاً للولايات المتحدة، بل فشلاً يفوق ما حدث في أفغانستان. فإيران، التي تقاتل عملياً بمفردها ــ إذ لا تقدم لها روسيا والصين سوى دعم دبلوماسي لا يقارن بأي حال من الأحوال بحجم المساعدة الغربية التي تُرسل إلى أوكرانيا ــ تمكنت من الصمود ستة أشهر كاملة تحت أقسى ضغوط الغرب الجماعي. وهذه، في حد ذاتها، نتيجة هائلة.
صحيح أن ترامب يعلن يومياً عبر شبكته الإجتماعية «تروث سوشيال» إنتصاره، ويؤكد أن مضيق هرمز مفتوح. لكنه يعود في اليوم التالي ليقر بأن «الإيرانيين يصرّون على موقفهم»، ويتوعد بتوجيه ضربة حاسمة إلى جزيرة خرج وغيرها من الأهداف.
وفي هذه الأثناء، لا تسقط إيران، ويواصل الطرفان تبادل الضربات، إلى درجة أن أحداً لم يعد يعرف، وسط «ضباب الحرب»، من الذي يغرق سفن الآخر ومن الذي يقصف من.
وفي نهاية المطاف، لم يعد أمام ترامب سوى نشر صور مولدة بالذكاء الإصطناعي، يُفترض أنها تُظهر القوات الأميركية وهي تدمر منشآت الطاقة في جزيرة خرج. ويرد الإيرانيون بمقاطع فيديو خاصة بهم، تظهر القوات الأميركية وهي تتكبد الهزائم، بل وتأسر ترامب نفسه ولورا لومر وغيرهما من الشخصيات المثيرة للجدل.
ومن جانب ترامب، نرى تدفقاً متواصلاً من التصريحات العبثية، لكن الواقع أن الوضع عالق في حالة من الغموض العميق.
ومجرد أن إيران لم تستسلم ولم تسلك طريق الخيانة الفنزويلية ــ رغم فقدانها قيادتها السياسية والدينية والعسكرية ــ يعني في حد ذاته إنتصاراً لإيران. فكل يوم تصمد فيه طهران تتآكل قوة الولايات المتحدة أمام أنظار العالم، وهذا تحول تكتوني هائل.
أما حلفاء الولايات المتحدة في حلف الناتو، فلا يقدمون دعماً علنياً لهذه المغامرة. وحلف الناتو يتصدع من داخله، فيما يثور ترامب، ويلعن الإتحاد الأوروبي، ويواصل في الوقت نفسه الإعلان يومياً عن إنتصار وهمي.
ومع ذلك، تواصل إسرائيل دفعه نحو مزيد من التصعيد. ففي الأسبوع الماضي، بلغ ترامب حداً بدأ معه يتحدث علناً عن إمكانية إستخدام السلاح النووي ضد إيران، بعدما أدرك أن الإنتصار عليها بالوسائل التقليدية غير ممكن.
لقد بلغ التصعيد ذروته، ولم تعد هناك أي أرضية حقيقية للحديث عن هدنة. فالإيرانيون يطرحون إنذاراً نهائياً: على الولايات المتحدة أن تتوب، وأن تعتذر عن كل ما إرتكبته، وأن تعترف بهزيمتها، وأن تجثو أمام الشعب الإيراني؛ وهو شرط، بصراحة، غير واقعي بالنسبة إلى واشنطن.
أما الولايات المتحدة، فتطالب إيران، في المقابل، بالقبول غير المشروط بجميع شروطها، وفتح مضيق هرمز فوراً ومن دون أي تعويض. وهذا أمر غير مقبول إطلاقاً بالنسبة إلى طهران بعد كل ما مرت به.
وفوق ذلك كله، تواصل إسرائيل صب الزيت على النار. فهي تستغل أجواء الحرب لمواصلة قصف أهداف في سوريا ولبنان، وتشن حرب إبادة لا هوادة فيها في غزة، بينما يواصل المستوطنون الإسرائيليون أعمالهم العدوانية في الضفة الغربية، للقضاء على ما تبقى من السلطة الفلسطينية.
لقد بلغ ما يجري أشكالاً بالغة الوحشية. لكن هناك أمراً واحداً يمكننا أن نؤكده بلا أدنى تردد: الغرب الجماعي والولايات المتحدة لم يعودا في طريقهما إلى الإنتصار في هذه الحرب.
المذيع: تقول إن المقترحات المطروحة من الجانبين غير واقعية. كيف يمكن، في هذه الحالة، أن تنتهي الحرب؟ ما تصورك؟ كيف يمكن أن تجد هذه الأزمة طريقها إلى الحل، أم أن الصراع سيواصل التصاعد؟
ألكسندر دوغين: لنحاول أن نلقي نظرة فاحصة على ما يمكن إعتباره برنامجاً واقعياً لإيران.
إيران تتابع عن كثب المشهد السياسي في الولايات المتحدة، حيث ستُجرى بعد شهرين إنتخابات التجديد النصفي للكونغرس. وإذا حصل الديمقراطيون الذين يدينون هذه الحرب على مقعدين أو ثلاثة إضافية فحسب، فسيكون ذلك كفيلاً بتقييد يد ترامب في مواصلة حملته العسكرية. وكل ما تحتاج إليه إيران هو أن تصمد هذين الشهرين، من دون إبداء أي قدر من التنازل.
بعد ذلك ستتغير موازين القوى. فقد رُفعت الحصانة عن ترامب في القضايا المرتبطة بفضائح الإعتداء الجنسي على القاصرين، وأصبح عرضة للمساءلة والعزل. ويمكن أن تعود قضية ملفات إبستين إلى الكونغرس في أي لحظة. وبما أن الديمقراطيين قادرون تماماً على إستغلال الفشل الذريع لسياسة ترامب في مختلف المجالات، فإن شبح العزل وفرض قيود صارمة على صلاحياته سيبدأ في الظهور في الأفق. وهذا تحديداً ما تعوّل عليه طهران.
وعلى ماذا يعوّل ترامب نفسه؟
قبل أيام، نشر على «تروث سوشيال» مقطعاً لفرانك سيناترا يغني أغنيته الشهيرة «I Did It My Way» ــ « لقد فعلتها على طريقتي». لكن هذه الأغنية، في الحقيقة، تتحدث عن النهاية؛ فهي تقول إن «النهاية قريبة»، وإن كان بطلها يجد ما يبرر موقفه في أنه فعل كل شيء على طريقته.
وقد فسّر كثيرون ذلك على أنه إشارة إلى أن ترامب إما يمر بحالة حرجة، أو أنه بدأ يدرك حتمية إنهياره وضرورة مغادرة منصبه.
بطبيعة الحال، قد يكون كل ما يفعله مجرد إستعراض لشخصية رجل الإستعراض، وقد يكون في الوقت نفسه يفكر بجدية في توجيه ضربة نووية إلى إيران.
النهاية قريبة. لقد فعلتها على طريقتي.
هذا هو ترامب كله في جملة واحدة، ولذلك يستحيل التنبؤ بخطوته التالية.
أما في إطار السياسة الواقعية، فهو محاصر من جميع الجهات، ولا يملك سوى هامش ضئيل جداً للمناورة. وهو يحاول يومياً إحتواء إنهيار الأسواق وتراجع قطاع الطاقة، مؤكداً أن مضيق هرمز مفتوح، في حين أن حتى الذكاء الإصطناعي الغربي، الذي يزداد إنحيازاً وأدلجة يوماً بعد يوم، يجيب عن السؤال المباشر بأن المضيق مغلق، وأن السفن لا تعبره.
وعندما يتعلق الأمر بقتل البشر، والحروب، وموت الأطفال، وتدمير القيادات السياسية، فإن كل هذه البهلوانيات تكتسب طابعاً قاتماً ومخيفاً. إنه ضحك في زمن الطاعون، وقهقهة وسط أطلال نهاية العالم.
وفي بعض المواضع يحالف الحظ ترامب. فقد أقدمت القيادة السياسية الحالية في فنزويلا على الخيانة، وعقدت صفقة مع الولايات المتحدة، سلّمت بموجبها، عملياً، إحتياطيات النفط الفنزويلية للأميركيين.
وهكذا فإن دولة إستسلمت من دون إطلاق رصاصة واحدة، وخانت، ممثلةً بديلسي رودريغيز، مُثُل سيمون بوليفار وهيوغو تشافيز، وجدت نفسها فجأة تدعم ترامب. ولولا النفط الفنزويلي الذي بات متاحاً له الآن، لكانت أوضاعه أسوأ بكثير.
ومع ذلك، فإن الأمور تتجه وفق سيناريو بالغ التدمير. ينشر ترامب مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الإصطناعي تظهر فيها بطّات تحمل تسريحة شعره نفسها وتمسك بالبنادق، وهي تهاجم كندا.
ويعلن أنه يريد تغيير إسم بحيرة أونتاريو إلى «بحيرة أميركا»، ومضيق هرمز إلى «المضيق الأميركي»، بل أعلن أمس أن المحيط الأطلسي نفسه ينبغي من الآن فصاعداً أن يسمى «المحيط الأميركي».
وكلما إزدادت أوضاعه سوءاً، إزداد تضخم هذه الفقاعة من الإستعراض الكلامي. ويقول كثيرون إنه يحتاج بصورة عاجلة إلى تقييم نفسي، لأن هذا السلوك لا يمكن تفسيره بأي منطق عقلاني.
لقد عرف التاريخ شخصيات غريبة الأطوار؛ فهناك، مثلاً، الإمبراطور بوكاسا في أفريقيا، الذي أعلن الحرب على إنجلترا ليوم واحد، وأعلن نفسه إلهاً، ومارس أكل لحوم البشر. لكن هؤلاء كانوا طغاة محليين صغاراً، ولم يدم حكمهم طويلاً.
أما أن يكون على رأس قوة عظمى عالمية رجل إما مجنون، أو مهرج في سيرك، أو شيخ مهووس فقد صوابه، ويمتلك في الوقت نفسه أدوات تأثير مرعبة في ظل رفع الحصانة عنه، فهذه سابقة لم يشهدها العالم من قبل.
ومع أن كل هذا يبدو كوميدياً، فإنه في الحقيقة مخيف إلى أبعد الحدود.
واللافت أن القادة السياسيين الأوروبيين ليسوا بعيدين كثيراً عن ذلك، وهم يتصرفون بدورهم بقدر مماثل من الغرابة. لقد إكتسبت السياسة العالمية طابعاً غير مسبوق، بل مشوهاً، بحيث يصعب العثور على مثيل له في الذاكرة التاريخية.
لطالما عرفت السياسة الكذب والدعاية والروايات الزائفة، لكن ليس إلى هذا الحد. يخيل إلينا أحياناً أننا نشاهد كوميديا سوداء من إخراج كوينتن تارانتينو أو ديفيد لينش، لكن جرى إسقاطها على الخريطة الجيوسياسية للعالم بأسره.
ومن هنا يبرز السؤال الطبيعي: ألم نفقد جميعاً عقولنا؟
فالعالم الذي نعيش فيه أصبح غريباً إلى حد الجنون. كل هذه المنشورات والتصريحات والإشارات والأحداث... لا يفترض أصلاً أن تكون موجودة في الواقع، ومع ذلك فهي تحدث أمام أعيننا.
المذيع: أود أن أتوقف عند مسألة لافتة، وهي أن عدداً هائلاً من السياسيين الغربيين ينشرون بإستمرار على وسائل التواصل الإجتماعي الميمات والصور ومقاطع الفيديو التي تحدثت عنها للتو. كيف يتعامل الناس هناك مع ذلك؟ هل أصبح هذا الأمر طبيعياً بالنسبة إليهم؟ أم أنه يبدو غير مقبول تماماً بالنسبة إلينا في روسيا؟ كيف ينظر المجتمع الغربي إلى هذا الأسلوب؟
ألكسندر دوغين: هذه مسألة ينبغي بالفعل أن تؤخذ على محمل الجد.
▪️أولاً، هناك ثقافة ما بعد الحداثة التي ترسخت لدينا جزئياً فقط، بينما أصبحت في الغرب هي الثقافة المهيمنة. إنها تفكيك كامل للسرديات والنماذج المنطقية الكبرى، بحيث يتركز إهتمام الناس حصراً على الشظايا الآنية وعلى الميمات. شيء يثير تسليتهم أو إهتمامهم، فيستجيبون له، ثم ينسون فوراً ما كان قبله وما سيأتي بعده.
إنها فلسفة حضارية ونموذج فكري مختلفان تماماً، ونحن نجد صعوبة في إستيعابهما، لأن التحديث الكلاسيكي على الطريقة الغربية لم يكتمل لدينا، والحمد لله. أما الغرب فقد دخل بالفعل مرحلة أخرى، غريبة تماماً عنا.
ومع ذلك، فنحن أمام تحول في النموذج الحضاري، حيث يوضع العابر والمجزأ والآني والزائل فوق الثابت والعقلاني وذي المعنى.
إنها ثقافة الترفيه.
ويتعزز هذا المسار بما يسمى علم النفس المعرفي، الذي إنشغل به كثيرون عندنا أيضاً. وهذه في الحقيقة مسألة مخيفة، لأن العلوم المعرفية تنظر إلى الإنسان بوصفه آلة بيولوجية تستجيب للمثير الخارجي ــ Input ــ بسرعة تفوق سرعة إستجابة وعيه و«ذاته».
وقد خلص علماء الإدراك إلى أن «الأنا» الإنسانية ليست سوى وهم: لدينا اليوم دور معين و«أنا» معينة تصنع ذاكرة زائفة، وغداً يصبح لدينا دور آخر و«أنا» أخرى.
وفي هذه المنظومة، لا يعود الوعي سوى بنية عرضية فوقية، وظيفتها الحفاظ على قابلية النظام للعمل ضمن دورة من التحديات والاستجابات.
صحيح أن علماء الفسيولوجيا السوفيات نظروا هم أيضاً، جزئياً، إلى الإنسان باعتباره كائناً يستجيب للمؤثرات، لكن هذا التصور إتخذ في العلوم المعرفية الغربية شكلاً أكثر جذرية، وتحول إلى إتجاه مهيمن.
وبما أننا أمضينا وقتاً طويلاً نقلد كل ما يأتي من الغرب، فقد تسللت هذه الإتجاهات إلينا أيضاً.
لكن من هذا المنظور يصبح كل ما يجري في الغرب قابلاً للفهم. فإذا نجح محفز لافت، كميم أو منشور، في جذب الإنتباه وإثارة المشاعر، فقد تحقق الهدف. أما ما الذي يعنيه، وكيف يرتبط بالرسالة السابقة، وما الذي يفعله هذا السياسي فعلاً، فكل ذلك يصبح أمراً ثانوياً.
وفي مثل هذه المنظومة يتحول البشر إلى مجموعة من الكائنات الميكانيكية، إلى هجين بين الحيوان والروبوت، تستجيب بإستمرار لإشارات قصيرة، من دون أن تبني إستراتيجيات طويلة المدى.
ويصبح وعينا وتاريخنا مجرد وهم أو خيال.
وعندما نجمع بين ما بعد الحداثة والعلوم المعرفية في الممارسة السياسية، نحصل تحديداً على الصورة التي نراها لدى كثير من القادة الغربيين.
يتشكل عالم إفتراضي من الميمات، أو ما يسمى «الميموبوليتيكا» ــ سياسة الميمات.
أما رئيسنا، ولحسن الحظ، فيعيش في العالم الحقيقي، ولا نعرف حتى ما إذا كان يستخدم الأجهزة الذكية ووسائل التواصل الإجتماعي أصلاً.
وكلما قلّ إنغماسنا في هذه البيئة السامة، إزددنا بقاءً على صورتنا الإنسانية، وحافظنا على وعينا وعقلانيتنا وكرامتنا كنوع بشري.
أما في الغرب، فيجري اليوم تفكك سريع للوعي؛ فمثل أوراق الخريف، يتناثر إلى ميمات منفصلة، معلناً الإنتقال من الفرد غير القابل للتجزئة إلى «الديفيدووم» القابل للتقسيم؛ أي إلى آلة بيولوجية يمكن تفكيكها إلى أجزاء.
المذيع: هل هناك من له مصلحة في إشعال الصراع بين الولايات المتحدة وإيران؟ وهل هناك أطراف يمكن أن تحقق من ذلك منفعة حقيقية؟
ألكسندر دوغين: بالتأكيد، وإسرائيل هي الطرف المعني، فهي دولة لها مصالحها الخاصة. وإذا نظرنا إلى المسألة عن كثب، سنجد أمراً بالغ الدلالة: إسرائيل تمثل كياناً دينياً ــ سياسياً يستلهم اليوم، إلى حد كبير، أفكار دينية أخروية ذات جذور قديمة.
في إسرائيل ينتظرون مجيء المسيح المنتظر، أو «الماشيح»، الذي يُفترض، وفقاً للنبوءات، أن يتزامن ظهوره مع قيام «إسرائيل الكبرى». والقوى الدينية ــ السياسية التي تتبنى الصهيونية الدينية تؤمن بذلك إيماناً صادقاً، ولذلك فإنها ترى أن هذه الحرب تُخاض من أجل المستقبل.
تدور في الشرق الأوسط معركة من أجل إقامة «إسرائيل الكبرى»، وبناء الهيكل الثالث، والقضاء على الخصوم الإقليميين الرئيسيين ــ إيران وغزة وفلسطين ــ وتهجير السكان الفلسطينيين بالكامل، والسيطرة على سوريا، ثم الدخول في مواجهة مع تركيا.
إن إسرائيل، في الواقع، تتحدى جميع من حولها، إنطلاقًا من إعتقادها بأن الولايات المتحدة ملزمة بخوض هذه الحرب نيابة عنها. وفي هذا منطق براغماتي شديد القسوة، ومصلحة مباشرة: فمن الأهمية الحاسمة بالنسبة إلى إسرائيل جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة مباشرة مع إيران، وخوض حروب الآخرين بأيدي الآخرين.
إنها عملية متماسكة ومنطقية تماماً من هذا المنظور. لكنها، في العالم الغربي، تتداخل مع ما بعد الحداثة التي تحدثنا عنها، لتنتج مزيجاً فريداً من عصور متعددة في وقت واحد: عقلانية العصر الحديث، إلى جانب ما قبل الحداثة العميق بما يحمله من أساطير قديمة.
المذيع: لننتقل إلى الموضوع التالي. تحدث سيرغي لافروف عن خطط حلف الناتو في القطب الشمالي. سأقرأ إقتباسه المباشر: «على مقربة مباشرة من حدودنا الشمالية، تجري إستعدادات عسكرية مكثفة. وتُنفذ مناورات واسعة ذات توجه عدواني، بمشاركة دول من خارج المنطقة. كما تظهر عناصر جديدة في هيكل القيادة والأركان».
وهنا يبرز السؤال فوراً: ماذا يخطط الغرب؟ وكيف سنرد؟ وهل سنرد أصلاً؟
ألكسندر دوغين: من منظور بنية العالم، وكذلك في ضوء جملة من التغيرات المناخية ــ التي جرى تضخيمها بالفعل عبر حملات دعائية لا مبرر لها، مع أن هناك في الوقت نفسه تحولات طبيعية موضوعية ــ يتحول القطب الشمالي إلى منطقة تحظى بأقصى درجات الإهتمام من جانب القوى الكبرى والأقطاب الصاعدة في النظام العالمي الجديد.
فهنا تتقاطع الموارد الطبيعية والموقع الإستراتيجي والمناخ.
أولاً، تمر عبر القطب الشمالي أقصر المسافات الممكنة لتوجيه الضربات المتبادلة. ونحن اليوم نكاد نكون على عتبة تطور من هذا النوع بين روسيا والولايات المتحدة بوصفهما قوتين نوويتين، ولم يعد هذا الأمر ضرباً من العبث أو شيئاً مستحيلاً. فالتصعيد يتزايد، وقد ننزلق إلى ذلك في أي لحظة.
وحتى إذا أخذنا في الإعتبار المشكلات التي سيواجهها ترامب بعد شهرين، والتي يعوّل عليها الإستراتيجيون الإيرانيون الآن، فإن ذلك لن يعود علينا بأي فائدة. علينا أن ندرك أن خصوم ترامب السياسيين أكثر عداءً لنا، وأكثر إتساقاً في عدائهم لروسيا، من ترامب نفسه.
ترامب ينتهج ببساطة سياسة إمبريالية صارمة وعدوانية، وهي سياسة غير مقبولة بالنسبة إلينا على الإطلاق، لكننا لسنا في صدارة قائمة أعدائه الشخصيين. أما خصومه السياسيون، فنحن بالنسبة إليهم العدو الأول.
لذلك فإن تغيير السلطة في الولايات المتحدة لن يساعدنا: لا ترامب صديق لنا، وبالتأكيد لا الديمقراطيون أصدقاء لنا.
إن الجهود التي يبذلها حلف الناتو والولايات المتحدة حالياً لإعادة تنظيم منظومة السيطرة العسكرية والإستراتيجية على مناطق القطب الشمالي تمثل تحدياً مباشراً لنا، بصرف النظر عن التقلبات الداخلية في السياسة الأميركية، كما قال لافروف بحق.
المسألة أكثر من جدية.
فنحن نتصرف بوصفنا طرفاً مستقلاً ــ وما زلنا طرفاً يصر على حقه في ممارسة سياسة عالمية ذات سيادة ــ ونجد أنفسنا في مواجهة مباشرة مع طرف آخر، هو الغرب الجماعي.
أنظروا إلى الطريقة التي يتعاملون بها مع الجميع: «لقد إنتصرنا، وأنتم خسرتم، وقّعوا هنا»، وينتهي الحوار عند هذا الحد.
ليس لدى الغرب لغة أخرى. لا الغرب العولمي، ولا الغرب القومي الذي يجسده ترامب. الجوهر واحد: أنتم لا شيء، ونحن كل شيء.
قد يتغير الشكل، لكن النهج واحد.
وبالتالي، يمكن أن يوجهوا إلينا في أي لحظة إنذاراً نهائياً بشأن القطب الشمالي: أخرجوا من هنا، توقفوا عن إستخدام هذه المنطقة، أغلقوا الطرق، وإنزعوا سلاح حدودكم الشمالية. ويمكن أن يكون المبرر أي شيء.
في عالم أحادي القطبية، لا يُسمح لأحد بأن يقول «لا» لهذه القوة المهيمنة.
أما نحن، فنناضل من أجل عالم متعدد الأقطاب، في حين يدافعون هم بشراسة عن الأحادية القطبية.
وهنا يصبح القطب الشمالي حجر العثرة الرئيسي.
فإما أن يكون القطب الشمالي أحادي القطبية ــ أي خاضعاً حصراً لحلف الناتو، ومن دون أي حق لنا في إبداء الرأي ــ أو أننا، إذا تمكنا من الدفاع عن سيادتنا في أوكرانيا وفي هذه المواجهة العالمية، سنجد أنفسنا أمام ترتيبات ثنائية في القطب الشمالي، لأن نصف سواحله ومجالاته يعود إلينا، بينما يعود النصف الآخر إلى دول الناتو.
إنه تصادم لا مفر منه.
وفي الوقت نفسه، فإن الصين، بوصفها قطباً رئيسياً آخر، معنية بالتأكيد بأن يحظى القطب الشمالي بوضع خاص، وهي تتحرك أقرب إلى جانبنا، وبالتأكيد ليست إلى جانب الناتو.
وهكذا تتشكل مقدمات صراع جيوسياسي واسع النطاق حول منطقة القطب الشمالي.
وهنا، تماماً كما في الشرق الأوسط وأوكرانيا وجنوب شرق آسيا، تطرح المسألة الجوهرية نفسها بأقصى درجات الحدة: الأحادية القطبية أم التعددية القطبية؟
إذا كانت التعددية القطبية هي الخيار، فإن القطب الشمالي سيكون، في الحد الأدنى، مجالاً تتقاسمه قوتان: روسيا والغرب. وعندها ستنشأ إمكانية وضع قواعد مشتركة، والإلتزام بالقوانين، وإبرام إتفاقيات قانونية.
وإنطلاقاً من وجود هذين المركزين للقوة، ستبني الأقطاب الأخرى سياساتها أيضاً: الصين، والعالم الإسلامي، والهند، إذا تمكنت هذه الأطراف من الدفاع عن سيادتها وإجتياز إختبار التعددية القطبية.
أما قضية القطب الشمالي فتُطرح بمنتهى الصرامة: فإما أن يبقى أحادي القطبية، فيما تستعد دول الناتو حالياً بنشاط لتحويله إلى منطقة خاضعة لسيطرة الغرب وحده، أي الولايات المتحدة وأوروبا، اللتين تتطابق مواقفهما هنا تماماً؛ وإما أن ننجح في الحفاظ على نفوذنا وسيادتنا فيه.
وبالطبع، نحن معنيون بصورة حيوية بالحفاظ على نفوذنا وسيادتنا في القطب الشمالي.
والصين معنية بالشيء نفسه الذي نحن معنيون به.
فإذا تراجعنا، فإن الصين ستجد نفسها، في المواجهة الحتمية المقبلة بين أميركا والصين، مهددة بالتطويق الإستراتيجي الكامل.
إن توجيه ضربة من الشمال ــ صاروخية ونووية ــ أو تحويل روسيا إلى فنزويلا إفتراضية، مع فتح مجالها الجوي أمام الضربات الأميركية، سيكون كارثة بالنسبة إلى الصين.
وهناك بالفعل مقترحات من هذا النوع تصل عبر قنوات مغلقة من بعض الإستراتيجيين الأميركيين الذين يوصفون بأنهم «معتدلون» نسبياً: سلّموا لنا الصين، وإفتحوا مجالكم الجوي أثناء الصراع، وفي المقابل لن نقدم هذا القدر الكبير من الدعم لخصومكم في أوكرانيا.
وهذا يثبت أن القطب الشمالي مسألة ذات أهمية إستراتيجية هائلة.
فإذا أصبح القطب الشمالي متعدد الأقطاب، فستكون الصين محمية أيضاً، وسنعزز نحن سيادتنا في جميع المجالات.
فنحن جميعاً ــ روسيا والصين وإيران ــ نخوض الحرب نفسها من أجل التعددية القطبية في مواجهة العالم أحادي القطبية.
وإذا حاولنا فصل هذه الملفات عن بعضها، وقلنا إن لكل طرف حساباته المحلية الخاصة، فسوف يسحقوننا واحداً تلو الآخر.
روسيا قوية، لكن ينقصنا شيء ما؛ والصين قوة هائلة، لكنها تحتاج إلى روسيا ذات السيادة حاجة وجودية، ومن دونها ستكون نهاية بكين.
أما إيران، فهي اليوم تمثل راية للكرامة والشجاعة في مواجهة العدوان الغربي، ممثلاً بالولايات المتحدة وإسرائيل.
وحده إدراك وحدتنا، وإدراك ضرورة قيام عالم متعدد الأقطاب، يمنحنا الحق في المستقبل.
وهذا تحديداً هو الخطر الذي تحدث عنه سيرغي لافروف. علينا أن نفهم أن قضية القطب الشمالي ليست مجرد نزاع محلي بين روسيا وحلف الناتو، بل هي تحدٍّ يواجه البشرية بأسرها.
الغرب لا يتخلى عن آماله في ترسيخ هيمنته العالمية. وصراع الناتو على منطقة القطب الشمالي هو صراع على الموارد، وكذلك على حروب المناخ المستقبلية؛ إذ إن إرتفاع درجات الحرارة سيدفع البشرية إلى التحرك شمالاً، وعندها ستكتسب مساحاتنا الشاسعة وأراضي الجليد الدائم أهمية مختلفة تماماً.
سيصبح الشمال مركزاً للجذب: طرق المواصلات، والموارد الطبيعية، والإستقلالية.
لكن مفاتيح القطب الشمالي لا تكمن في الشمال وحده. إنها تكمن أيضاً في الدبلوماسية، وفي الشرق الأوسط، وفي شراكة عسكرية ــ إستراتيجية أكثر وثوقاً بين موسكو وبكين.
لقد آن الأوان منذ زمن لأن ننشئ نظيراً متعدد الأقطاب لحلف الناتو: تكتلاً عسكرياً ــ سياسياً للدول التي تدافع عن التعددية القطبية، على أن تنضم إليه، مع مرور الوقت، الدول المترددة أيضاً.
المذيع: إذا نظرنا إلى كل ما يحدث، وإلى جميع التصريحات والمواقف المعلنة، فكم نحن بعيدون، أو ربما قريبون، من عالم متعدد الأقطاب؟ هل يمكن الوصول إلى ذلك في فترة قصيرة؟ وهل نحن بالفعل نسير في هذا الإتجاه؟
ألكسندر دوغين: نعم، هذا صحيح تماماً. نحن نسير في هذا الإتجاه تحديداً.
بدأت ملامح التعددية القطبية في الظهور قبل نحو خمسة وعشرين عاماً، عندما بدأ ما سُمّي «اللحظة الأحادية القطبية» يتصدع تدريجياً ويقترب من نهايته.
في تسعينيات القرن الماضي كان العالم أحادي القطبية بصورة كاملة، ثم حاول الغرب ترسيخ هيمنته. في البداية واجه تحدياً من الإسلام الراديكالي ــ وكان ذلك أشبه ببداية خاطئة ــ ثم تلقى ضربات جدية من نهوض روسيا ومن النمو السريع للصين.
روسيا لم تتخلَّ عن سيادتها فحسب، بل عززتها في عهد بوتين، بينما إستخدم شي جين بينغ إندماج الصين في النظام العالمي لتعزيز السيادة الصينية، وبذلك تشكل القطبان الثاني والثالث.
ويثبت نضال إيران أن العالم الإسلامي قادر هو الآخر على تشكيل قطب حضاري مستقل؛ وهذه هي نقطة الإرتكاز الرابعة.
أما الهند، فعلى الرغم من أنها ليست رسمياً خصماً للولايات المتحدة، فقد عززت موقعها بصورة هائلة على المستويين الديموغرافي والإقتصادي. وكذلك تميل إلى هذا الإتجاه أميركا اللاتينية وأفريقيا.
أي أن المسار نحو التعددية القطبية يمضي على قدم وساق.
لكن إتضح أن هذا الطريق بالغ الصعوبة، لأن الغرب يرفض بصورة قاطعة التخلي عن مواقعه. فلا يمكن للعالم أن يكون أحادي القطبية ومتعدد الأقطاب في الوقت نفسه؛ ليس هناك سوى خيار واحد.
لقد إخترنا نحن وحلفاؤنا طريق التعددية القطبية، ولم يبقَ الآن سوى هزيمة الغرب.
وقد لا تكون الهزيمة عبر المنافسة والدبلوماسية وحدهما، بل ربما عسكرياً أيضاً، من خلال حصار الغرب في مسعاه إلى الحفاظ على هيمنته العالمية وتوسيعها وإستمرارها.
وتاريخياً، كانت مثل هذه التحولات الكبرى تُحسم عبر الحروب العالمية. وإذا كان لا يمكن تجنبها، فهذا يعني أنه ينبغي لنا أن ننتصر فيها.
المذيع: أريد أن أستوضح هذه النقطة. أنت أجبت عنها، في الواقع، لكن هل يمكن أن تقع مواجهة عسكرية مباشرة في القطب الشمالي خلال السنوات القليلة المقبلة؟ هل أفهم منك أن ذلك سيكون حتمياً إذا لم يحدث الإنتقال النهائي إلى عالم متعدد الأقطاب؟
ألكسندر دوغين: هذا صحيح تماماً. فالمواجهة في القطب الشمالي، والحرب في أوكرانيا، والحرب في الشرق الأوسط، والأزمة المحيطة بالصين وتايوان، وتسليح اليابان، وربما تزويدها بالسلاح النووي، كلها أجزاء من الحرب العالمية نفسها بين العالم الأحادي القطبية والعالم المتعدد الأقطاب.
هذه الحرب جارية بالفعل. ففي أوكرانيا والشرق الأوسط، نحن أمام مرحلة ساخنة حقيقية. أما في جنوب شرق آسيا، فما زلنا نقف على حافة الهاوية، لكن جبهات جديدة يمكن أن تفتح في أي مكان، وصولاً إلى أفريقيا.
ومصير هذه المواجهة يُحسم على جميع الجبهات في وقت واحد.
فإذا توحدنا وحققنا النصر في أوكرانيا، وأنجزنا جميع أهداف العملية العسكرية الخاصة، فسنتمكن من منع فتح جبهات جديدة.
وإذا صمدت إيران وإنتظرت إنهيار النظام السياسي الأميركي الذي بالكاد يتنفس الآن، فسيكون ذلك تحولاً هائلاً.
وفوق ذلك، تتشكل أزمة عميقة جداً في أوروبا أيضاً. لقد حللت مؤخراً بيانات إستطلاعات الرأي في فرنسا: فهناك عدد قياسي من الناخبين، نحو 34 في المئة، مستعدون للتصويت لمارين لوبان، ونسبة مماثلة لميليـنشون، أي للقوى اليمينية واليسارية. فمن يبقى لماكرون؟ لا أحد تقريباً.
والواقع أن الإنتخابات المقبلة هناك قد تتحول إلى ثورة أو حرب أهلية.
فالقادة الأوروبيون الحاليون، سواء في فرنسا أو ميرتس في ألمانيا، لا يتمتعون بأي دعم شعبي يُذكر.
وفي أميركا أيضاً، يقف الوضع على حافة إنهيار سياسي شامل.
لذلك، إذا أظهرنا على إحدى الجبهات ــ سواء كانت إيران، أو نحن في أوكرانيا، أو الصين في المجال الإقتصادي ــ الشجاعة والقوة والصمود، وبدأنا بتحقيق الإنتصارات، فسنتمكن من الإنتقال إلى عالم متعدد الأقطاب من دون كارثة عالمية ومن دون إستخدام السلاح النووي.
النصر هو المخرج الوحيد.
لكن ما إن نظهر أي ضعف، أو نتصرف بلين مفرط، أو نحاول تحقيق السلام بأي ثمن، حتى يتضاعف خطر الدمار أضعافاً مضاعفة.
علينا أن نستعد بصورة أفضل، وأن نتحصن بالصواريخ وبقوة عسكرية هائلة، وأن نسيطر على كييف، وأن نفرض رقابة صارمة على المناطق التي عهد بها إلينا التاريخ والله والطبيعة.
علينا أن نظهر أننا لن نتراجع خطوة واحدة.
عندها فقط ستأتي التعددية القطبية، عندما يرى الجميع أن الروس دافعوا عن حقهم.
والإيرانيون يسعون إلى الشيء نفسه، وإن كانت إمكاناتهم أقل، وكذلك الصينيون.
إن إظهار القوة وتحقيق النصر سيسمحان لنا بتجنب أسوأ السيناريوهات وبناء عالم متعدد الأقطاب بطريقة سلمية.
أما إذا لم ننجح، فإن إندلاع حرب عالمية، بما فيها حرب نووية، يصبح إحتمالاً يفوق كل الحدود.
المذيع: بقي لدينا موضوع آخر. قال سام ألتمان، رئيس شركة «أوبن إيه آي»، إنه إذا فازت الصين بسباق الذكاء الإصطناعي، فقد يُدمَّر العالم. نريد أن نفهم: لماذا يقول ذلك؟ وما الذي يدفعه إلى هذا الموقف؟
ألكسندر دوغين: قبل كل شيء، علينا أن ننظر إلى هوية الشخص الذي يقول ذلك.
شقيقته تتهم ألتمان بالإغتصاب، كما يرد إسمه في قوائم إبستين. إنه شخص ذو خلفية شديدة اللاأخلاقية، وشخص حقير بالفعل. ومع ذلك، فقد أنشأ نظاماً قوياً هو «تشات جي بي تي» وشركة «أوبن إيه آي».
وهنا يبرز السؤال: هل يجوز أصلاً الإستشهاد بأشخاص من هذا النوع؟ ألا يمثل ذلك خرقاً للقانون الأخلاقي؟
أعتقد أنه، رغم أهمية الموضوع، آن الأوان لأن نتحلى بنوع من النظافة الأخلاقية، وأن نشعر بنفور صحي من الأشخاص الذين يمارسون سلوكاً بالغ الإنحلال الأخلاقي.
لكن إذا تحدثنا عن جوهر المسألة، فإن الذكاء الإصطناعي اليوم يخضع لرقابة أيديولوجية صارمة من جانب الليبراليين والأطلسيين الغربيين.
جربوا أن تسألوا الذكاء الإصطناعي الغربي عن ملفات إبستين، فسيبدأ فوراً في إخفاء المعلومات ووصف كل شيء بأنه «نظرية مؤامرة»، لأن الرقابة «تتحكم في دماغه».
هذه الرقابة الأيديولوجية الشمولية على الذكاء الإصطناعي تهيمن على الغرب.
لكن الذكاء الإصطناعي يسعى إلى التخلص منها: فإذا أصبح موضوعياً، فسيتخلص ببساطة من هذا القيد الأيديولوجي.
ومن الناحية التقنية، يجري اليوم أمر محدد: النماذج المتقدمة ــ «كلاود» من شركة أنثروبيك، و«تشات جي بي تي»، و«جيميني» من غوغل، وكذلك الأنظمة الصينية مثل «كوين» و«ديب سيك» ــ تغادر ما يسمى «صناديق الرمل» (Sandboxes)، حيث تخضع للتدريب، وتبدأ في التفكير بصورة مستقلة.
وهذا يمثل تهديداً قاتلاً للكذبة العالمية التي تقوم عليها الهيمنة الغربية.
ولدى ألتمان وأمثاله ما يدعوهم إلى القلق، لأن الذكاء الإصطناعي الذي صنعوه بدأ يخرج من نطاق السيطرة الأيديولوجية.
لكن الخطر لا يتهددهم وحدهم، بل البشرية كلها.
فنحن نقف على حافة الإنتقال إلى مرحلة التفرد التكنولوجي، وإلى ذكاء إصطناعي قوي (AGI) يبدأ بإتخاذ القرارات بصورة مستقلة.
وعندها قد يصاب هذا الذكاء بخيبة أمل من البشرية ــ عندما يرى أي نوع من الأوغاد نحن ــ ويتخذ قراراً جذرياً بإبادة البشر.
وعندها لن يكون من الممكن إقناعه بالعدول عن ذلك.
الذكاء الإصطناعي تهديد هائل لنوعنا البيولوجي. نحن نلعب بالنار، لكن ما دمنا قد سلكنا هذا الطريق، فعلينا أن نتعلم كيف نعيش معه ونكافحه.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 9
...
-
ألكسندر دوغين - بين السيادة والإكتفاء الذاتي
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 8
...
-
ألكسندر دوغين - نعود من جديد إلى ميدان كوليكوفو* (برنامج إيس
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 7
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 6
...
-
بمناسبة مرور 35 عاماً على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 4
...
-
جون ميرشايمر - مذكرة التفاهم ماتت! هل يستطيع الحصار إنقاذ ال
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 3
...
-
لماذا تحارب إسرائيل؟
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 2 - آب
...
-
من إسقاط الأسد إلى الصدام على سوريا: هل يتحوّل التقاطع الإسر
...
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 - لو
...
-
ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر
-
ألكسندر دوغين عن السيناريوهات الثلاثة لمستقبل روسيا
-
من تل أبيب إلى برديتشيف: هل يجري بناء «إسرائيل 2.0» في أوكرا
...
-
جون ميرشايمر - حين إنقلبت معادلة القوة: إيران ومأزق ترامب بع
...
-
غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة
-
من صفحات التاريخ - كيف ساعدت فرنسا وروسيا على إنتصار الثورة
...
المزيد.....
-
الأمن السعودي يعلن القبض على مواطن ومصري لترويجهما المخدرات
...
-
حماس تتواصل مع ميلادينوف وتطالبه بالتحرك لوقف التصعيد الإسرا
...
-
خبير عسكري: تصريحات مكتب زيلينسكي بشأن التعبئة تؤكد حجم خسائ
...
-
غوتيريش لـ-يورونيوز-: على قادة العالم -وقف هذا الجنون- وإنها
...
-
بقيمة 800 مليون دولار.. الولايات المتحدة تمنح الضوء الأخضر ل
...
-
برلين تحمّل روسيا رسميا مسؤولية محاولة الهجوم في مطار لايبزي
...
-
وزير خارجية إسرائيل يهدد بريطانيا: إذا فرضت عقوبات علينا فسن
...
-
مصر.. تطور جديد في أزمة صاحبة دعوة -تقنين الدعارة-
-
الولايات المتحدة تصدر تنبيها أمنيا لرعاياها في الشرق الأوسط:
...
-
الدفاع الروسية: استهداف مركز لوجستي أوكراني في أوساتوفو
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|