|
|
يوجين أونيل بين البحر والمسرح، رحلة المأساة بحثًا عن الإنسان.
هاشم معتوق
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 18:51
المحور:
الادب والفن
يوجين أونيل حين يصبح البحر أفقًا، والحياة مسرحًا، والمأساة بحثًا عن الإنسان
في السادس عشر من أكتوبر عام 1888، وُلد يوجين غلادستون أونيل في نيويورك، في مدينة كانت أمريكا الحديثة تتشكل فيها بسرعة مذهلة الصناعة تتوسع، والهجرة تغير وجه المجتمع، والموانئ تضج بالبحارة والعمال، والمسرح يتحول إلى صناعة وجمهور وثقافة. لم يولد أونيل في بيت أرستقراطي يمنحه المسافة الآمنة عن العالم، ولم يولد في قاع الفقر أيضًا، بل جاء من عائلة ارتبطت بالمسرح ارتباطًا مباشرًا كان والده جيمس أونيل ممثلًا معروفًا، فعاش الطفل سنواته الأولى في عالم المسرح المتنقل، ورافق والده في جولاته قبل أن يدخل المدارس الداخلية الكاثوليكية. لكن خلف الستارة كان هناك مسرح آخر؛ أب ممثل أمام الجمهور، والكحول يطارده خلف الستار، وأم هي إيلا عانت من إدمان المورفين الذي كانت قد تلقته مسكنًا للألم عند ولادته. ومنذ طفولته وجد أونيل نفسه داخل بيت تتجاور فيه المحبة والألم، الشهرة والضعف، المظهر والحقيقة. كان المسرح إذن أول مدرسة للحياة، ولم يكن الدرس الذي تلقاه الطفل درسًا في التمثيل بقدر ما كان درسًا في الإنسان فالإنسان قد يظهر أمام الآخرين بوجه، ويخفي خلفه وجهًا آخر، وسيعود هذا الاكتشاف بعد عقود في معظم مسرحه. تلقى أونيل تعليمه في مدارس كاثوليكية، والتحق بجامعة برنستون عام 1906، لكنه لم يبق فيها طويلًا، إذ كانت المؤسسات التعليمية أقل قدرة على احتواء قلقه من الحياة نفسها. خرج إلى التجربة، وعمل في وظائف متفرقة، وسافر، وعاش فترة في بوينس آيرس، وخاض تجارب شاقة، وعمل في البحر. وفي تلك السنوات لم يكن يبدو ككاتب كبير في طريقه إلى المجد كان شابًا مضطربًا، يميل إلى التمرد، ويعيش على حافة الاستقرار، وقد قادته حياته إلى الكحول والعمل البحري والموانئ والطرق والمدن البعيدة. لكن اختزال تلك المرحلة في التسيب والضياع سيكون ظلمًا لشخصيته، لأن خلف الفوضى الخارجية كان هناك خيط داخلي أكثر صلابة جدية لا تظهر بسهولة، وقلق لا يتركه، وحاجة إلى معرفة ما وراء التجربة. كان يمكن للكحول أن يصبح قدره، ويمكن للتمرد أن يتحول إلى هوية، ويمكن للبحر أن يكون هروبًا دائمًا من اليابسة، لكن شيئًا في داخله ظل يدفعه نحو شيء آخر. لم يكن يعرف اسمه بعد، لكنه سيعرفه لاحقًا؛ الكتابة. وكان البحر من أهم العناصر التي دخلت في تكوين أونيل، لكنه لم يكن مجرد مكان للعمل أو المغامرة، بل كان أفقًا، والأفق هو الشيء الذي لا تصل إليه مهما اقتربت منه. كلما ابتعدت السفينة عن الشاطئ تراجع العالم المألوف، وبدأ عالم آخر لا تعرف حدوده. لهذا كان البحر قريبًا من الحلم؛ السفينة تترك اليابسة، والإنسان يترك وراءه ما يعرفه، ويمضي نحو مكان لم يره. والبعيد يولد التفكير بالمستقبل. كان أونيل يرى في البحر البحارة والعمال والموانئ والمهاجرين والسكارى، لكنه كان يرى أيضًا شيئًا أكبر إنسانًا يعيش أمام المجهول. وهنا يمكن أن نفهم البحر بوصفه عنصرًا من عناصر تكوين الفنان، كما كانت الأنهار والجبال والسفوح والغابات والطرق والصحارى محركات داخلية في تجارب أدباء وفنانين كثيرين فالنهر صورة للجريان والزمن، والجبل صورة للصعود والمقاومة، والطريق صورة للمستقبل والاحتمال، والبحر صورة للرحيل والمجهول والامتداد. البحر لا يقدم جوابًا، إنه يفتح السؤال. وربما كان هذا أحد أسباب حضوره العميق في عالم أونيل فقد علمه أن العالم أكبر من المكان الذي وُلد فيه، وأن الإنسان يستطيع أن يغادر اليابسة دون أن يعرف تمامًا إلى أين سيصل. ومن هنا يولد سؤال آخر إذا كانت حياة الإنسان محدودة، فما الذي يمكن أن يبقى منه؟ الذكرى؟ الحب؟ الأبناء؟ الفن؟ أم شيء يتجاوز حياته؟ لم يكن الشاب أونيل يملك إجابة، لكنه كان يقترب من السؤال. وفي عام 1912 أصيب أونيل بالسل ودخل مصحة للعلاج، وكانت هذه واحدة من أهم نقاط التحول في حياته. الرجل الذي اعتاد الحركة وجد نفسه أمام السكون، والبحار الذي عرف الموانئ أصبح في مكان مغلق، والرجل الذي اعتاد الهروب وجد نفسه أمام نفسه. وهنا بدأ يقرأ بكثافة. قرأ المسرح الأوروبي الحديث، وتأثر بإبسن وسترندبرغ وتشيخوف، وانفتح على الفلسفة والفكر الحديث، وبدأت التجارب التي عاشها بصورة غريزية تتحول إلى أسئلة واعية. لم يعد السؤال لماذا أنا ضائع؟ بل لماذا الإنسان ضائع؟ ولم يعد السؤال لماذا عائلتي مضطربة؟ بل لماذا يستطيع الحب نفسه أن يتحول إلى ألم؟ ولم يعد السؤال لماذا يشرب الإنسان؟ بل لماذا يبحث الإنسان عن شيء يخدر وعيه؟ هنا تحولت الحياة إلى مادة للتفكير. المصحة لم تصنع الكاتب من العدم، لكنها أوقفته بما يكفي لكي يسمع ما كان يتحرك داخله. كان البحر إبحارًا خارجيًا، والمصحة بداية الإبحار الداخلي. بدأ أونيل الكتابة المسرحية في العقد الثاني من القرن العشرين، وكانت أعماله الأولى مرتبطة ارتباطًا واضحًا بتجربته البحرية. في Bound East for Cardiff وThe Long Voyage Home وغيرها من الأعمال المبكرة، وضع البحارة والموانئ والعمال والهامشيين في قلب المسرح. لم يكن يكتب عنهم من بعيد لقد عاش بينهم، وعرف رائحة الميناء، وتعب البحار، والخوف من الموت، والوحدة، والكحول، والعلاقات العابرة، وانتظار العودة. لكن الأدب لا يكتفي بأن يقول هذا ما حدث، بل يسأل ماذا يعني ما حدث؟ وهنا بدأ أونيل يتحول من الرجل الذي يعيش التجربة إلى الكاتب الذي يفكك معناها. في عام 1920 جاءت ما وراء الأفق، وفاز عنها أونيل بجائزة بوليتزر. العنوان نفسه يحمل روح الرجل الذي عاش البحر ما وراء الأفق، ما وراء ما نراه، ما وراء الحياة الحالية. لكن أونيل يضع الحلم أمام امتحان الواقع. فالإنسان قد يحلم بحياة لا تناسبه، وقد يصل إلى ما أراده ثم يكتشف أنه لم يكن يريدها حقًا. وهنا يضع أونيل إحدى أفكاره المركزية ليس الألم دائمًا نتيجة فشل الحلم قد يكون نتيجة تحققه. وفي *آنا كريستي* يعود البحر، لكن موضوعه يتغير، إذ يصبح الماضي جزءًا من الصراع. الشخصية تريد بداية جديدة، لكن الماضي لا يغادر الإنسان بمجرد أن يغير المكان. وهذه إحدى أهم خصائص أونيل؛ أنه لا يحاكم شخصياته من الخارج، بل يحاول فهمها. فالخطأ لا يلغي الإنسان، والسقوط لا يلغي الرغبة في النهوض، والإنسان قد يكون مذنبًا وضحية في الوقت نفسه. وفي *الإمبراطور جونز* ينتقل أونيل من البحر والعمال إلى السلطة والخوف. يصبح رجل أسود حاكمًا مستبدًا، ثم يبدأ عالمه في الانهيار، لكن أونيل لا يهتم بالسلطة السياسية بوصفها مؤسسة فقط، بل يهتم بما تفعله السلطة في نفس صاحبها. الحاكم الذي يخيف الآخرين يصبح هو نفسه أسيرًا للخوف. ومن يملك السلطة ليس بالضرورة أكثر الناس حرية قد يكون أكثرهم خوفًا. وفي هذه المرحلة يوسع أونيل مسرحه من تجربة الفرد إلى المجتمع والسلطة والعرق، مع بقاء أعماله مرتبطة بأسئلة الإنسان الداخلية، وهو ما جعل مسرحه قادرًا على تجاوز الحدث السياسي المباشر إلى البحث في جذور السلوك البشري. وفي *القرد الأشعر* يضع أونيل العامل في قلب العالم الصناعي. لم يعد العامل يواجه الفقر فقط، بل يواجه فقدان الانتماء. يريد أن يعرف أين مكاني؟ أن يقول أنا هنا، لكن المجتمع الصناعي يحوله إلى جزء من آلة أكبر منه. وهنا تصبح السياسة عند أونيل سؤالًا إنسانيًا. لا يقول فقط إن العامل مستغل، بل يسأل ماذا يحدث للإنسان عندما يفقد إحساسه بأنه إنسان؟ فالاغتراب، والآلة، والعمل، والطبقة، وفقدان المعنى، كلها أسئلة ستظل حاضرة في الأدب الحديث. وفي *رغبة تحت أشجار الدردار* ينتقل أونيل إلى الأسرة والأرض والرغبة والملكية، لكن البيت ليس مكانًا للطمأنينة إنه مكان للصراع: الأب والابن، الزوج والزوجة، الرغبة والملكية، الماضي والمستقبل. وهنا تتضح حركة فنية مهمة كلما ابتعد أونيل عن البحر اقترب من البيت، وكلما اقترب من البيت وجد أن المأساة أعمق. لقد كان البحر المدى اللانهائي، أما الأسرة فأفق داخلي لا يستطيع الإنسان الإبحار بعيدًا عنه. وفي *الفاصل الغريب* يتقدم الكاتب خطوة أخرى نحو الداخل. لم يعد الحوار الخارجي كافيًا يريد أن يسمع ما تقوله الشخصية لنفسها. أصبح المسرح مساحة للوعي والذاكرة والرغبة والخوف. وهنا تظهر ثمرة القراءة التي بدأت في المصحة؛ قرأ المسرح الأوروبي، وقرأ الفلسفة، ثم عاد إلى التجربة الأمريكية. لم يكن يقلد الآخرين، بل كان يتعلم منهم لكي يصنع لغته الخاصة. وفي عام 1931 كتب أونيل *الحِداد يصبح إليكترا*، إحدى أكبر محاولاته المسرحية وأكثرها طموحًا. أعاد المأساة الإغريقية إلى أمريكا، لكن الآلهة القديمة لم تعد هي التي تطارد الإنسان؛ صار الماضي يطارده، والأسرة، والرغبة، والغيرة، والذنب، والذاكرة. وكأن أونيل يقول إن الإنسان الحديث لم يتخلص من المأساة القديمة؛ لقد غيّر ملابسها فقط. ومن هنا أثبت أن المسرح الأمريكي يستطيع أن يحمل المأساة الكبرى، لا بوصفها تقليدًا للإغريق، وإنما بوصفها تجربة أمريكية حديثة. كان أونيل في شبابه قريبًا من الأفكار الاشتراكية والفوضوية، وتأثر بالمناخ الفكري والسياسي المتوتر في بدايات القرن العشرين، لكنه لم يتحول إلى كاتب حزبي. السياسة عنده ليست منشورًا، إنها مصير. ماذا يفعل الفقر بالإنسان؟ ماذا تفعل السلطة؟ ماذا تفعل الطبقة؟ ماذا تفعل الصناعة؟ وماذا يحدث عندما يفقد الإنسان يقينه القديم؟ وهنا يأتي الدين؛ فقد ابتعد أونيل عن الإيمان التقليدي، لكنه لم يفقد حاجته إلى المعنى. فالإنسان يريد الخلاص، لكنه لا يعرف من أين يأتي، ويريد المعنى لكنه لا يجد جوابًا جاهزًا، ولهذا تظل شخصياته تبحث. وفي *رجل الثلج قادم* يضع أونيل مجموعة من الرجال والنساء في حانة، يحمل كل واحد منهم حلمًا أو وعدًا أو وهمًا. وهنا يصل إلى سؤال قاسٍ هل يستطيع الإنسان أن يعيش بالحقيقة وحدها؟ ربما يحتاج إلى حلم، وربما يعرف أن حلمه لن يتحقق لكنه يتمسك به لأنه يمنحه سببًا للاستمرار. وهنا يعود البحر من بعيد؛ الأفق حلم، والمستقبل حلم، والإنسان يحتاج أحيانًا إلى شيء أمامه كي يستطيع أن يمضي. لكن أونيل لا يقدم الحلم خلاصًا مضمونًا؛ قد يكون الحلم نجاة، وقد يكون خداعًا، وقد يكون الإنسان محتاجًا إلى الاثنين. في عام 1937 استقر أونيل في تاو هاوس في كاليفورنيا، وهناك كتب عددًا من أهم أعماله المتأخرة. كان قد قطع رحلة طويلة البحر صار ذاكرة، والعامل صار سؤالًا اجتماعيًا، والسلطة صارت سؤالًا نفسيًا، والرغبة صارت مأساة، والدين صار سؤالًا عن المعنى، والآن بدأ الكاتب يقترب من أكثر منطقة حساسية في حياته: العائلة. كتب *رحلة النهار الطويلة إلى الليل* بين عامي 1939 و1941، ولم تُنشر إلا بعد وفاته. إنها عائلته: الأب، والأم، والأخ، والإدمان، والمرض، والحب، والندم، والاتهام. لكنها ليست مجرد سيرة عائلية؛ لقد أخذ أونيل جرحه الخاص وحوله إلى مأساة إنسانية. الأم ليست أمه وحدها، والأب ليس أباه وحده، والابن ليس هو وحده، بل أصبحت العائلة صورة للإنسان عندما يعجز الحب عن إنقاذ من يحب. وهنا يبلغ أونيل ذروته نحن لا نعاني دائمًا لأننا لا نحب بعضنا أحيانًا نعاني لأننا نحب بعضنا ولا نستطيع أن ننقذ بعضنا. هذه هي المأساة التي ظل يبحث عنها منذ البحر والميناء والمصحة. لقد وجدها في البيت. وعندما ننظر إلى حياة أونيل من بعيد نرى دائرة مذهلة في المصحة أُجبر على الوقوف أمام نفسه، ثم خرج إلى العالم وكتب عنه، ثم عاد في النهاية إلى نفسه. الذات، ثم العالم، ثم العودة إلى الذات. لكن الذات التي عاد إليها لم تعد الذات القديمة لقد أصبحت أكثر معرفة، وأكثر قسوة، وأكثر رحمة. ولهذا لم تكن الكتابة عنده مجرد مهنة، بل كانت طريقة لفهم ما لا يستطيع الإنسان فهمه وهو يعيش. في عام 1936 حصل يوجين أونيل على جائزة نوبل في الأدب، اعترافًا بمكانته وقوة مسرحه وصدقه الفني وقدرته على بناء المأساة الحديثة. لكن قيمة نوبل هنا لا تكمن في الجائزة نفسها، بل في السؤال ماذا فعل أونيل ليستحقها؟ لم يكن يكفي أن يعيش حياة مضطربة فالمعاناة لا تصنع أدبًا وحدها، ولم يكن يكفي أن يكون أمريكيًا. جاءت الجائزة لأن أونيل استطاع أن يحول التجربة الخاصة إلى تجربة إنسانية عامة. أخذ البحر، والعامل، والحانة، والأسرة، والإدمان، والدين، والحلم، والفشل، والذنب، والخوف، ثم صنع منها مسرحًا. كتب أمريكا، لكنه وجد داخلها الإنسان. ولد أونيل عام 1888 وتوفي عام 1953. جاء بعد إبسن، الذي عاش بين 1828 و1906، وسترندبرغ 1849–1912، وتشيخوف 1860–1904، وبيرانديللو 1867–1936، وفي جيله اقترب من تحولات المسرح الحديث التي سيواصلها لاحقًا بريخت 1898–1956، ثم جاء بعده تينيسي وليامز 1911–1983 وآرثر ميلر 1915–2005، اللذان سيصبحان من أبرز الأسماء في المسرح الأمريكي. لكن أونيل لا ينبغي أن يوضع في هذه الخريطة بوصفه تابعًا. إبسن فتح المسرح على المجتمع، وسترندبرغ دفعه إلى أعماق النفس، وتشيخوف اكتشف المأساة الكامنة في الحياة اليومية، وبيرانديللو زعزع مفهوم الهوية والقناع والحقيقة، وبريخت أعاد النظر في العلاقة بين المسرح والجمهور والسياسة، أما أونيل فكان من الذين جعلوا التجربة الأمريكية نفسها مادة للمأساة الحديثة. وهذا إنجاز تاريخي لا يقل أهمية عن أي إنجاز شكلي فقد منح المسرح الأمريكي ثقته بنفسه، وجعل الأسرة الأمريكية، والعامل الأمريكي، والبحار الأمريكي، والرجل الهامشي، قادرين على الوقوف في المكان الذي كان يحتله أبطال المآسي القديمة. بعد نوبل لم يتوقف أونيل عن الكتابة، لكن صحته أخذت تتدهور. وفي سنواته الأخيرة أصيب باضطراب عصبي شديد جعل الكتابة باليد صعبة جدًا. وهنا تقع مفارقة مؤلمة الرجل الذي استطاع أن يحول الفوضى إلى شكل، والذاكرة إلى أدب، والحياة إلى مسرح، أصبح جسده نفسه عائقًا أمام الكتابة. لكن العمل كان قد وصل إلى درجة من النضج جعلت أثره يتجاوز الجسد. في السابع والعشرين من نوفمبر 1953 توفي يوجين أونيل في بوسطن عن خمسة وستين عامًا، وكان قد ترك خلفه عالمًا مسرحيًا واسعًا وأعمالًا ستظل حاضرة في تاريخ المسرح العالمي. وكان قد كتب *رحلة النهار الطويلة إلى الليل* قبل سنوات من وفاته، لكنها ظهرت بعد موته. وهكذا جاءت واحدة من أعظم المفارقات في حياته الرجل الذي كتب عن عائلته في آخر الطريق لم يشهد العالم وهو يقرأ اعترافه الكامل. ثم فازت المسرحية بجائزة بوليتزر بعد وفاته، لتصبح من أشهر أعماله وأكثرها حضورًا على المسارح العالمية. كان قد غادر، لكن صوته بقي. وإذا أردنا أن نختصر الرحلة كلها، فلن يكون من العدل القول إن الفقر أو التمرد أو البحر أو المرض صنعوا أونيل وحدهم. كل واحد منها كان مادة، لكن ما صنع الكاتب الحقيقي كان القدرة على تحويل التجربة إلى معرفة. الفقر أعطاه القرب من الهامش، والبحر أعطاه الأفق، والتمرد أعطاه الرغبة في الخروج، والمصحة أعطته السكون، والقراءة أعطته الأدوات، والمسرح أعطاه الشكل، والعائلة أعطته الجرح، والزمن أعطاه المسافة، أما هو فقد جمع كل ذلك وصنع منه أدبًا. وهنا يظهر ذلك الخيط الذي لم ينقطع في شخصيته خلف الفوضى كانت هناك جدية، وخلف التمرد كان هناك بحث، وخلف الإدمان كان هناك خوف، وخلف البحر كان هناك حلم، وخلف الحلم كان هناك سؤال عن المستقبل، وخلف السؤال كله كانت رغبة في الوصول إلى شيء أبعد من الحياة اليومية. ولد أونيل داخل المسرح، وخرج منه إلى الحياة، ومن الحياة إلى البحر، ومن البحر إلى المصحة، ومن المصحة إلى الكتب، ومن الكتب إلى المسرح، ومن المسرح إلى العالم، ثم عاد في آخر الطريق إلى البيت. لكن البيت لم يعد البيت نفسه. فالرجل الذي عاد إليه كان قد رأى البحر، والموانئ، والعمال، والفقر، والسلطة، والرغبة، والإدمان، والدين، والحلم، والفشل، والموت. وحين عاد إلى عائلته لم يعد يراها بعين الابن وحده، بل بعين الكاتب الذي اكتشف أن جرحه الخاص يمكن أن يصبح جرحًا إنسانيًا عامًا. لهذا كان البحر مهمًا في حياته. لم يكن مجرد مكان ترك فيه شبابه، بل كان أول أفق واسع رأى فيه أن العالم أكبر من المكان الذي ولد فيه. وكان الحلم شبيهًا بالإبحار أن تترك اليابسة دون أن تعرف تمامًا ما ينتظرك. ثم أصبحت الكتابة إبحارًا آخر. كل مسرحية كانت سفينة، وكل شخصية كانت رحلة، وكل مأساة كانت محاولة للوصول إلى شيء خلف الأفق. ولهذا فإن أونيل لم يكن كاتبًا عن المأساة فقط، بل كان كاتبًا عن محاولة الإنسان أن يجد معنى لحياته، رغم معرفته بأن حياته محدودة وأن النهاية تنتظره. وهنا يلتقي الطفل الذي وقف خلف الستارة، والبحار الذي نظر إلى الأفق، والرجل الذي قرأ في المصحة، والكاتب الذي واجه عائلته، والمسرحي الذي وصل إلى نوبل. كلهم شخص واحد: يوجين أونيل. مات الإنسان عام 1953، لكن السفينة لم تتوقف. فما دام هناك إنسان يحب ويكره، يحلم ويفشل، يهرب ويعود، يتذكر ويندم، ويبحث عن معنى لا يجده كاملًا، فإن أونيل سيظل حاضرًا على الخشبة. وربما كان هذا هو الخلود الذي لم يعرف البحار القديم كيف يسميه: أن يختفي الإنسان، ويبقى الأفق الذي علّم الآخرين كيف ينظرون إلى البعيد.
#هاشم_معتوق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لويجي بيرانديللو القناع الذي يخفي الإنسان، والمسرح الذي يكشف
...
-
النغم الجليل المبارك
-
إيفان بونين أول روسي ينال نوبل، شاعر الزمن وذاكرة روسيا
-
لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار خارج مؤسساتها
-
من استبداد الأنا إلى عدالة القصيدة
-
عقلنة الكلمات
-
جون غالسورثي الرواية، الملكية، الطبقة، والإنسان
-
بيكاسو Pablo Picassop من هضم تاريخ الفن إلى اختراق الشكل
-
التشابه بلا وصايا
-
إريك أكسل كارلفلت Erik Axel Karlfeldt الشاعر الذي حفر عميقًا
...
-
سينكلير لويس Sinclair Lewis الكاتب الذي قرأ أمريكا وكتبها
-
توماس مان Thomas Mann ألمانيا في قلب الكاتب
-
سيغريد أوندست حين يتكلم التاريخ بلسان الإنسان والمكان
-
هنري برغسون الوعي الداخلي والتطور الخلاق
-
الحياة
-
غراتسيا ديليدا Grazia Deledda بعد مئة عام من نوبل، حين يتحول
...
-
الوطن ومحيطه والعالم مصلحة مشتركة ومسؤولية تجاه المستقبل.
-
جورج برنارد شو بين الأدب والسياسة ومواجهة الحياة
-
حين يصبح الوطن ضحيةً للهويات
-
فواديسواف ريمونت الجمال الكامن في الحياة
المزيد.....
-
من غزة إلى الأوسكار.. -المواطن أسامة- يمثل فلسطين في فئة أفض
...
-
زنازين صيدنايا تُبكي الممثلة السورية روزينا لاذقاني في معرض
...
-
طغاة في منتجع العزلة.. هشاشة الديكتاتور في رواية -خيط البارو
...
-
أم كلثوم في دمشق.. حفل نادر، وذكريات لا تُنسى.. حفل نادر تكش
...
-
الرواية الأمريكية تحت المجهر.. كواليس الضربة الأولى لصاروخ -
...
-
-حكم العدالة- يعود إلى الواجهة من بوابة معرض دمشق الدولي
-
وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا
...
-
-أرض اللبان- في مهرجان قازان.. رحلة سينمائية تكشف أسرار الشج
...
-
إدانة زعيم عصابة سابق بقضية مقتل مغني الراب توباك شاكور عام
...
-
جيجي لامارا يظهر في فيديو كليب أغنية نانسي عجرم الجديدة -اشه
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|