حميد كوره جي
(Hamid Koorachi)
الحوار المتمدن-العدد: 8815 - 2026 / 9 / 1 - 12:57
المحور:
التحزب والتنظيم , الحوار , التفاعل و اقرار السياسات في الاحزاب والمنظمات اليسارية والديمقراطية
لا يمكن فهم أزمة التجديد التي تعيشها الأنظمة الحزبية التقليدية، ولا سيما تلك التي نشأت على إرث «المركزية الديمقراطية»، بمعزل عن الظروف التاريخية والمادية التي صنعت هذه البنية في الأصل. فالصراع الحالي حول تمديد ولاية «السكرتير» أو تعديل قواعد الحياة الداخلية بما يضمن بقاءه في موقعه لا يبدو مجرد خلاف إجرائي، بل يكشف عن أزمة أعمق تتصل ببنية الحزب نفسها، وبقدرته على التكيف مع التحولات التي طرأت على المجتمع والتكنولوجيا وأشكال العمل السياسي.
يبدأ الاغتراب التنظيمي عندما يتحول الحزب من وسيلة لتحقيق التغيير إلى غاية قائمة بذاتها، وعندما تصبح المحافظة على النظام الداخلي أهم من الكفاءة والقدرة على المبادرة. عندها ينفصل التفكير الخلاق عن أدوات الفعل السياسي، ويجد أصحاب الأفكار الجديدة أنفسهم أمام منظومة تكافئ الامتثال أكثر مما تكافئ المبادرة. والنتيجة غالبًا واحدة: ينسحب أصحاب الكفاءة، يتراجع التجدد، ويبدأ الحزب تدريجيًا في فقدان صلته بجمهوره.
ولم يكن نموذج «السكرتير العام» شديد القوة وليد الصدفة. فقد ارتبط تاريخيًا بظروف العمل السري، والصراعات الوجودية، ومتطلبات الحرب الباردة، وهي ظروف جعلت تركيز القرار والانضباط الصارم وسيلتين لحماية التنظيم وضمان تماسكه. لكن المشكلة بدأت عندما تغيّرت الظروف بينما بقيت البنية التنظيمية على حالها.
فمع انتقال الأحزاب إلى العمل العلني، وتغير طبيعة الصراع السياسي، وتطور وسائل الاتصال والمشاركة، كان من المفترض أن تتطور معها قواعد العمل الداخلي. إلا أن كثيرًا من هذه التنظيمات احتفظت بهياكل صُممت لعصر مختلف تمامًا. وهكذا أخذت «المركزية الديمقراطية» تفقد مضمونها تدريجيًا، لتتحول في بعض الحالات إلى مركزية بيروقراطية تحافظ على مواقعها من خلال ضبط القواعد، وتضييق مساحة المنافسة، وإقصاء الأصوات التي تطالب بالتغيير.
ومن هنا، فإن أزمة التجديد ليست في جوهرها مشكلة أشخاص فقط، حتى لو اتخذت شكل صراع حول ولاية شخص بعينه؛ إنها مشكلة نظام تنظيمي لم يعد قادرًا على إنتاج التجديد من داخله. وحين تصبح القواعد وسيلة لحماية القيادة بدل أن تكون أداة لتنظيم التداول والمساءلة، يتحول الحزب شيئًا فشيئًا من تنظيم يسعى إلى تغيير الواقع إلى مؤسسة منشغلة بالحفاظ على ذاتها.
إن الإصرار على إبقاء قيادة استنفدت دورتها التاريخية، عبر عمليات جراحية مشوهة للنظام الداخلي، يذكرنا بتحليلات مدرسة فرانكفورت حول الكيفية التي تتحول بها أدوات التحرر إلى أدوات للهيمنة. وفي هذه الحالة، تصبح القيادة هيمنة داخلية تخنق أي حراك قاعدي، وتُفرغ الحزب من طاقته الثورية النقدية، ليتحول إلى مجرد آلة إدارية تدير الأزمة ولا تحلها، أو في حالتنا العراقية يجري التماهي مع الأزمة والتكيف معها.
تدخل الأزمة بُعداً أكثر تعقيداً عند مقاربة مفهوم "القيادة" في عصر الفضاء المفتوح. في الماضي، كان السكرتير ومكتبه السياسي يمتلكان ميزة "احتكار المعلومات"، ومن خلالها يتم توجيه القاعدة الحزبية. أما اليوم، في عصر العمل العلني والشفافية المطلقة التي تفرضها شبكات التواصل، سقطت أسوار المعرفة الحصرية.
لم يعد بإمكان القائد الفرد أن يدّعي امتلاك الرؤية الكلية بمعزل عن الجماهير والقواعد الحزبية. فالعمل العلني يفرض قواعد اشتباك سياسي جديدة تعتمد على الإقناع المفتوح، المحاسبة الآنية، وسرعة الاستجابة، وهي أدوات تتناقض كلياً مع عقلية "المؤتمرات المغلقة" وتعديل اللوائح في الغرف المظلمة.
نحن نعيش الثورة الرقمية، وتحليل البيانات الضخمة، والأنظمة الشبكية اللامركزية. هذه التقنيات لم تغير شكل الاقتصاد والإعلام فحسب، بل غيرت البنية التحتية للعقل البشري وطرق اتخاذ القرار.
في هذا العصر، لم يعد من الواقعي افتراض أن شخصاً واحداً، مهما بلغت قدراته وخبرته، قادر على الإحاطة وحده بهذا الكم الهائل من المتغيرات السياسية والتنظيمية والمعرفية المتسارعة. المشكلة هنا ليست في كفاءة الفرد بقدر ما هي في حدود أي فرد أمام واقع أصبح أكثر تعقيداً من أن يُدار بعقل واحد.
لذلك، ربما آن الأوان لمراجعة فكرة «السكرتير العام» بصيغتها التقليدية، والانتقال إلى نموذج قيادة جماعية يعمل بمنطق الشبكة أكثر مما يعمل بمنطق الهرم. في مثل هذا النموذج، تتوزع المسؤوليات أفقياً، وتصبح عملية اتخاذ القرار أكثر اعتماداً على النقاش وتعدد الخبرات، بدلاً من تركيز النفوذ في موقع واحد. ولا يعني ذلك إلغاء القيادة أو إضعافها، بل إعادة تعريفها على نحو يجعلها أكثر مرونة وأقل عرضة للاحتكار الشخصي.
وفي الوقت نفسه، لم تعد الكثير من المهام الإدارية والتنظيمية التي كانت تستنزف وقت القيادة تحتاج إلى تدخل بشري دائم. يمكن للأنظمة الرقمية وأدوات الإدارة الحديثة أن تتولى جانباً واسعاً من هذه الأعمال، من تنظيم المعلومات ومتابعة الملفات إلى قياس الأداء وتوثيق القرارات. وبذلك يتاح للكادر القيادي أن يركز على ما يفترض أن يكون جوهر دوره: تطوير الأفكار، قراءة التحولات السياسية، وبناء الصلة الفعلية مع القواعد والواقع الميداني.
بل إن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تُستخدم، إذا وُضعت لها ضوابط واضحة، في بناء آليات داخلية أكثر شفافية لتقييم الأداء ومراجعة القرارات ومتابعة تنفيذ المسؤوليات. الفكرة ليست استبدال السياسة بالخوارزميات، فهذا سيكون خطأً آخر، وإنما استخدام التكنولوجيا لتقليل مساحة المحاباة والولاءات الشخصية، وجعل المعلومات التي تُبنى عليها التقييمات متاحة وواضحة قدر الإمكان. عندها يصبح من الأصعب أن تتحول العلاقات الشخصية إلى معيار للترقية أو الإقصاء، أو أن تستمر الشللية باعتبارها بديلاً عن الكفاءة.
أما محاولة الحفاظ على البنية القديمة من خلال إعادة توزيع المواقع بين الوجوه نفسها، فلن تكون في الغالب سوى تأجيل للمشكلة. تغيير اسم السكرتير أو استبدال شخص بآخر، مع إبقاء الآلية ذاتها، لا يصنع تغييراً حقيقياً. المطلوب أعمق من ذلك: إعادة النظر في البنية نفسها، وفي الطريقة التي تُوزع بها السلطة والمسؤولية، وفي العلاقة بين القيادة والقاعدة.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى تجاوز «صنم السكرتير» لمصلحة هيئة قيادية أكثر مرونة وتنوعاً، قادرة على الاستفادة من أدوات العصر من دون أن تتحول إلى أسيرة لها. هيئة لا تُقاس قوتها بمدى تماسك مركزها، وإنما بقدرتها على استيعاب الاختلاف، وتجديد كوادرها، والاستماع إلى قواعدها، ومساءلة نفسها بصورة دورية. وهذا، في النهاية، هو الطريق الأقرب إلى إعادة بناء تنظيم ديمقراطي يستطيع أن يعيد للكادر، بما فيه الكادر المغترب، صوته ودوره وشعوره الحقيقي بأنه شريك في صناعة القرار، لا مجرد متلقٍ له.
وهذه المعضلة ليست جديدة تماماً في تاريخ الحركة اليسارية. فقد ظهرت بصورة واضحة في الاتحاد السوفييتي خلال ما عُرف بـ«حقبة الجمود»، ولا سيما في سنوات قيادة ليونيد بريجنيف خلال السبعينيات والثمانينيات.
فسياسة «استقرار الكوادر»، التي قُدمت في بدايتها بوصفها وسيلة لضمان الاستقرار والاستمرارية، تحولت تدريجياً إلى عائق أمام التجديد. ومع مرور الوقت، ترسخت داخل الحزب قيادة متقدمة في السن وبيروقراطية أكثر اهتماماً بالحفاظ على مواقعها من فتح المجال أمام أجيال جديدة. وهكذا نشأت حالة من «الجيرونتوقراطية»، أي هيمنة كبار السن على مواقع القرار، وأصبح الولاء للمركز في كثير من الأحيان أكثر أهمية من القدرة على التفكير النقدي أو تقديم أفكار جديدة.
المشكلة في تلك التجربة ليست أن القادة كانوا كباراً في السن بحد ذاتهم، بل أن النظام التنظيمي أصبح عاجزاً عن تجديد نفسه. وعندما يفقد أي تنظيم قدرته على إدخال دماء جديدة، ومراجعة أفكاره، ومحاسبة قياداته، فإن الاستقرار الذي يسعى إلى حمايته يمكن أن يتحول تدريجياً إلى جمود، ثم إلى أزمة بنيوية يصعب علاجها بالترقيع.
كانت النتيجة المباشرة لهذا التكلس التنظيمي اتساع الفجوة بين الخطاب الذي يصدر عن القيادة وبين الواقع الذي كانت الجماهير تعيشه وتتغير داخله. ومع اتساع هذه الفجوة، بدأ التنظيم يفقد قدرته على الاستجابة، وتحولت المركزية من وسيلة لتوحيد الإرادة إلى عامل من عوامل شللها. ومع الوقت، نشأت حالة من الاغتراب بين القواعد والقيادة، بحيث لم يعد التنظيم يرى الواقع من موقع القاعدة، ولا القاعدة ترى نفسها ممثلة فعلياً في قرارات القيادة. وعندما جاءت لحظة الاختبار التاريخي، ظهر حجم هذا الانفصال بصورة أكثر وضوحاً، ولم تعد البنية قادرة على الصمود أمام الضغوط المتراكمة.
ولم تكن هذه التجربة حكراً على الاتحاد السوفييتي. ففي العقود الأخيرة من القرن العشرين، ومع دخول العالم مرحلة سياسية واجتماعية جديدة، بدأت البنى التقليدية لعدد من الأحزاب اليسارية والاشتراكية الديمقراطية في أوروبا تفقد الكثير من نفوذها. وكان الحزب الشيوعي الإيطالي أحد أبرز الأمثلة، إلى جانب التراجع الذي أصاب الأحزاب الكلاسيكية في فرنسا ودول أوروبية أخرى.
وقد أظهرت هذه التحولات أن المشكلة لا تتعلق فقط بتراجع شعبية حزب أو سوء أداء قيادة بعينها، وإنما بقدرة التنظيم نفسه على إعادة إنتاج أدواته وأساليب عمله بما يتناسب مع مجتمع يتغير. فالأحزاب التي بقيت أسيرة التسلسلات الهرمية الصلبة، والمركزية المفرطة، وشخصنة القرار، وجدت نفسها تدريجياً أقل قدرة على التواصل مع الحركات الاجتماعية الجديدة، وأبطأ في التعامل مع بيئة سياسية أصبحت فيها المعلومة أسرع انتشاراً، والمساءلة أكثر حضوراً، والسلطة أقل قابلية للاحتكار.
ومن هنا بدأت تظهر، داخل تجارب اليسار الأوروبي وخارجه، محاولات للبحث عن أشكال تنظيمية مختلفة. لم يكن الانتقال من «الحزب الهرمي» إلى «الحركة الشبكية» وصفة جاهزة أو ناجحة دائماً، لكنه عبّر عن حاجة حقيقية إلى تجاوز التنظيم الذي يدور حول مركز واحد، والبحث عن صيغ أكثر أفقية، تسمح بتوزيع المسؤوليات وتعدد مراكز المبادرة، وتمنح القواعد قدرة أكبر على التأثير في القرار. وفي أفضل صورها، تسعى هذه النماذج إلى تقليص الشخصانية السياسية، بحيث تصبح المؤسسة أقوى من الأشخاص، ويصبح الأداء القيادي خاضعاً للمراجعة والمساءلة بدلاً من أن تحميه المكانة التنظيمية.
وهنا تبرز مسألة «المركزية الديمقراطية» التي احتلت موقعاً مركزياً في الفكر اللينيني. ففي صيغتها النظرية، تقوم الفكرة على الجمع بين مساحة واسعة للنقاش الداخلي ووحدة في الفعل بعد اتخاذ القرار. لكن المشكلة تبدأ عندما يُنتزع هذا المفهوم من سياقه التاريخي والمادي، ويُعامل باعتباره نموذجاً تنظيمياً ثابتاً لا يحتاج إلى مراجعة مهما تغيرت الظروف.
عندها يمكن لمفهوم كان يفترض أن ينظم العلاقة بين النقاش والوحدة أن يتحول إلى أداة لتقييد النقاش نفسه. فبدلاً من أن تكون المركزية نتيجة لنقاش ديمقراطي سابق عليها، تصبح هي نقطة البداية، ثم يجري استخدام الانضباط التنظيمي لإغلاق النقاش بحجة حماية الوحدة. وبذلك ينقلب التوازن الأصلي بين الديمقراطية والمركزية تدريجياً لصالح المركزية وحدها.
وهذا هو الخطر الحقيقي: أن تتحول أداة تنظيمية صُممت في سياق تاريخي محدد إلى عقيدة مغلقة. فعندما تفقد «المركزية الديمقراطية» جانبها الديمقراطي، لا تعود وسيلة لحماية التنظيم من الضغوط الخارجية بقدر ما تصبح آلية للسيطرة عليه من الداخل. وعندما يصبح الاختلاف شبهة، والنقد تهديداً للوحدة، والتجديد خروجاً عن الخط، يبدأ التنظيم في استنزاف قدرته على تصحيح أخطائه بنفسه.
ملاحظة: هذا المقال موجّه إلى جميع الأحزاب الشيوعية في الشرق الأوسط، التقليدية منها وغير التقليدية.
مالمو
2026-90-01
#حميد_كوره_جي (هاشتاغ)
Hamid_Koorachi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟