جدعون ليفي
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 12:13
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
الجيش الإسرائيلي اعتقل فتى فلسطينيا سليما في السادسة عشرة من عمره بتهمة «رشق أشياء». والآن خضع لعمليتين جراحيتين في القلب المفتوح، وبُتر جزء من إحدى ساقيه — وكل ذلك بسبب حرمانه من العلاج الطبي المناسب في السجن
بُترت ساق محمد سليمان فوق الركبة في عيد ميلاده السادس عشر. أُجريت العملية في 13 أغسطس/آب، لكن الفتى لا يزال لا يعرف ما الذي حدث له. وهو يرقد حاليا في وحدة العناية المركزة التابعة لقسم جراحة القلب والصدر في مركز شعاري تسيديك الطبي في القدس، ولم يبدأ إلا الآن في الاستجابة لما يحيط به.
يوم الاثنين الماضي، أُزيل عنه جهاز التنفس الاصطناعي. وقبل ذلك بثلاثة أيام، خضع لعملية قلب مفتوح استغرقت ساعات، وكانت ثاني عملية لاستبدال أحد صمامات قلبه. فقد أُصيب الصمام بالعدوى نتيجة مرض الجرب، وهو مرض جلدي طفيلي كان محمد قد أُصيب به سابقا في السجن.
ولأن هذا المرض الجلدي المروّع لم يُعالج في حينه بالشكل المناسب، انتشرت العدوى في أنحاء جسد محمد، وهاجمت في البداية الجهاز البولي، ثم قلبه وساقه، ويبدو أنها أصابت دماغه أيضا. كان شابا سليما حتى اعتقاله, يحلم بأن يصبح طبيبا بيطريا، ويحب ركوب الخيل ويعشق الحيوانات. أما الآن فهو مبتور الساق ومعاق، يتعافى من عمليتين قلبيتين معقدتين، ويواجه احتمال إصابته باضطراب إدراكي ومستقبلا شديد الغموض.
أمضى أسابيعه الأولى في المستشفى وثلاثة من أطرافه مقيدة بالأغلال، فيما كان أربعة من حراس السجن يراقبونه. وظل مقيدا إلى سريره حتى عندما نُقل إلى غرفة العمليات، بعد أن تدهورت حالته، وحتى عندما كان تحت التخدير وموصولا بجهاز التنفس الاصطناعي.
في البداية مُنع والداه من زيارته، وعندما أبلغهم أطباء مستشفى شعاري تسيديك أخيرا بحالته، غضبت سلطات مصلحة السجون الإسرائيلية بشدة ووبّخت إدارة المستشفى. ولم يكن أمام مصلحة السجون، على ما يبدو، سوى أن تخشى الأمر عندما وصلت القضية إلى المحكمة العليا, فأعلنت الإفراج الفوري عن الفتى من الاحتجاز. ومنذ ذلك الحين، ظل والداه إلى جانبه في المستشفى، لكن ليس واضحا من سيتحمل تكاليف علاجه.
يبذل رئيس القسم الذي يُعالج فيه محمد، الدكتور دانيال فينك، كل ما في وسعه لضمان استمرار حصوله على الرعاية المناسبة، وكذلك لتأمين تمويل لساق اصطناعية له. وهو وزميله المتفاني، البروفيسور دان تورنر، نائب رئيس المركز الطبي للبحث والتطوير والابتكار، مصممان على مساعدة الفتى على التعافي. بل إن فينك قال هذا الأسبوع إنه لن يسمح بخروج محمد من قسمه قبل العثور على مؤسسة يستطيع فيها الخضوع لإعادة التأهيل.
والدا محمد، موسى، البالغ من العمر 50 عاما، وشريفة، البالغة 45 عاما، موجودان الآن إلى جانبه ليلا ونهارا، ويخشيان أن يُعاد ابنهما إلى الضفة الغربية بهذه الحالة، حيث لا توجد مؤسسات طبية مجهزة لمعالجة حالته بالشكل المناسب.
انهار عالمهما قبل ستة أشهر بالضبط
خلال حديثنا مع والدي محمد هذا الأسبوع في المستشفى، كانا يواصلان إطلاعنا على صور ابنهما — شاب قوي البنية، لم يكن قد مرض يوما، قبل أن تحل به الكارثة. ها هو على ظهر حصان، وهذه صورة له قرب غزال صغير، وأخرى وهو بين ذراعي والده موسى. وقبل ساعات قليلة من اقتحام الجنود الإسرائيليين منزلهما وانتزاعه من سريره، كان والداه قد التقطا صورة للفتى، الذي كان يدرس في الصف العاشر، وهو يحمل كتابا دراسيا كان قد راجعه استعدادا لامتحان العلوم في اليوم التالي، وهو الامتحان الذي لم تتح له فرصة خوضه قط.
موسى عاطل عن العمل. وله ولشريفة ستة أبناء، من بينهم محمد، ويعيشون في قرية تقوع الفلسطينية، بالقرب من بيت لحم، في الضفة الغربية.
في 25 فبراير/شباط، أُوقظت العائلة في منتصف الليل على نحو قاسٍ: فقد اقتحم جنود من الجيش الإسرائيلي منزلهم. طلبوا رؤية بطاقات هوية أفراد الأسرة، ثم أشاروا إلى اسم محمد، الظاهر على بطاقة والده. لقد جاؤوا من أجله.
وكانت تلك آخر مرة يرى فيها والداه ابنهما واقفا على ساقيه. أرادت أمه أن تعطيه سترة تحميه من البرد، لكن الجنود لم يسمحوا لها بذلك.
نُقل محمد إلى سجن عوفر، بالقرب من رام الله. ولم يكن والداه يعرفان لماذا أُخذ ابنهما أو إلى أين نُقل — فلم يخبرهما أحد بأي شيء، بطبيعة الحال — فسارعا إلى توكيل محامٍ.
مر شهران قبل أن يعرفا مكان وجوده ويتمكنا من رؤيته، للمرة الأولى منذ اعتقاله، للحظات عابرة عبر شاشة فيديو، عندما سُمح لموسى بحضور الإجراءات في المحكمة العسكرية داخل السجن. وهناك علما أنه متهم بـ«رشق أشياء»، ولم يُسمح لهما بالتحدث إليه.
في ذلك الوقت، لم يكن محمد قد بلغ السادسة عشرة بعد. وبحسب ما استطاع والداه ملاحظته، بدا في حالة صحية معقولة. وحددت جلسة الاستماع التالية بعد شهرين.
في 25 يوليو/تموز، يقول لنا والداه، عندما التقينا في مقهى بالطابق الواقع أسفل الجناح الذي يُعالج فيه محمد، اتصل المحامي وطلب منهما توقيع وثيقة. كانت الوثيقة موافقة على خضوع ابنهما لعملية قلب مفتوح في مركز شعاري تسيديك.
حتى تلك اللحظة، لم يكونا يعرفان شيئا عن حالة محمد. ثم أصيبا بالذهول عندما علما أنه كان مكبلا بالأغلال أثناء نقله إلى غرفة العمليات.
ليس من الصعب أن نتخيل ما كان يدور في ذهنَي موسى وشريفة، اللذين كانا يبعدان عن ابنهما مسافة لا تتجاوز نصف ساعة بالسيارة، بينما كان يخضع لعملية جراحية خطيرة، ولم يكن مسموحا لهما بأن يكونا إلى جانبه عندما فتح عينيه.
في 30 يوليو/تموز، كتب مدير القسم، الدكتور فينك، إلى نائب رئيس المستشفى، البروفيسور تورنر:
«أُدخل الفتى إلى مؤسستنا في 25/7 وهو في حالة طبية بالغة الخطورة، يعاني من التهاب شغاف شديد في الصمام التاجي... ومنذ وصوله كان مكبل اليدين والقدمين... حالته السريرية بعد العملية بالغة الخطورة, فهو في غيبوبة... كما أصيب بنقص تروية شديد في ساقه اليمنى، وهو مرشح لبترها.
«وغني عن القول إن حالته الراهنة لا تجعله يشكل خطرا أمنيا على الجمهور، فضلا عن أن تقييده في هذا الوقت يضر بالعلاج الطبي وبقدرته على إعادة التأهيل. وبرأيي، فإن تقييده عموما، وبالتأكيد في وضع كهذا، يشكل خطرا جسيما عليه، ولذلك أطلب فك قيوده فورا. ومن الجدير بالذكر أن أربعة من حراس السجن ظلوا يحرسونه طوال هذا الوقت. لا أفهم ما الخطر الذي يمثله، وإلى أين يمكنه أصلا أن يهرب!»
وقبل ذلك بوقت، دخلت منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» على خط القضية، فقدمت التماسا إلى المحكمة العليا ضد تقييد محمد بالأغلال، وضد منع والديه من التواجد في المستشفى, إذ كانت مصلحة السجون قد اعترضت على زيارتهما له وهو لا يزال قيد الاحتجاز، بحجة أن ذلك قد يخلق سابقة أمنية خطيرة.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول، لا يُسمح للعائلات الفلسطينية بزيارة ذويها المحتجزين.
وخلال جلسة المحكمة العليا في 30 يوليو/تموز، عندما أدركت الدولة أن القاضية دافني باراك-إيريز قد تسمح للوالدين بزيارة ابنهما، أعلن ممثل الدولة الإفراج النهائي عن المعتقل من الاحتجاز. وكانت العائلة قد أُبلغت قبل ذلك بأنه سيُفرج عنه في 20 سبتمبر/أيلول.
وفجأة، كان الخطر الأمني الذي كان يُفترض أن محمد يمثله قد زال, غادر الحراس، وأسرع والداه إلى المستشفى، حيث بقيا منذ ذلك الحين، ينامان على الأرض ويأملان في الأفضل.
هذا الأسبوع، قُدم التماس آخر، هذه المرة إلى المحكمة المركزية في القدس، بصفتها محكمة للشؤون الإدارية، لضمان السماح لموسى وشريفة بالبقاء في مستشفى شعاري تسيديك.
وقضى القاضي بأنه يجوز لهما البقاء ما دام محمد في المستشفى، لكنه لم يمنحهما تصريح دخول دائم إلى إسرائيل. ولذلك لا يجرؤان على العودة إلى المنزل، خشية ألا يُسمح لهما بالعودة. أما أبناؤهما الآخرون، فيبقون وحدهم في منزلهم في تقوع.
بدأت حالة محمد في التدهور بعد إصابته بالجرب
يتضح أن حالة محمد بدأت تتدهور في البداية بعد إصابته بالجرب في أبريل/نيسان. وفي 20 يوليو/تموز، ساءت حالته، فنُقل إلى قسم الطوارئ في شعاري تسيديك، حيث شُخصت إصابته بالتهاب في المسالك البولية.
وأُعيد إلى زنزانته بعد إعطائه مضادات حيوية, فقد رفضت مصلحة السجون إرساله إلى مستشفاها في الرملة، خشية أن ينقل عدوى الجرب إلى الآخرين.
وبعد أن لم تتحسن حالته، أُعيد إلى شعاري تسيديك بعد خمسة أيام وهو في حالة خطيرة. كانت العدوى قد انتشرت في أنحاء جسده ووصلت إلى أحد صمامات القلب، الذي كان لا بد من استبداله فورا.
وقال لنا طبيب كبير عالجه هذا الأسبوع إنه لم يرَ في حياته مريضا يعاني مثل هذا المستوى من الإهمال الطبي المريع.
يقول ناجي عباس، مدير قسم السجناء والمعتقلين في منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان»، إن مصلحة السجون تسمح بانتشار الجرب دون رادع بين السجناء الأمنيين من أجل زيادة إساءة معاملتهم.
ويضيف: «إنه بديل عن الضرب».
ويقول إن هناك، بحسب التقارير، حالات تفشٍ للجرب في 40 جناحا في مختلف السجون، حيث الوضع الصحي وحال النظافة مروّع حقا. وهكذا أُصيب آلاف المعتقلين بالمرض، فيما لا تفعل مصلحة السجون شيئا لمعالجة الأمر.
وفوق ذلك، وبالطبع، فإن انتشار المرض قد يكون بالغ الخطورة، إلى جانب أعراضه المروعة المعروفة. وقيل لنا إن حالة محمد ليست الحالة الوحيدة من هذا النوع التي وصلت إلى علم المنظمة الطبية.
أما مصلحة السجون، فقد أصدرت الرد التالي:
«خلافًا لما يُدعى هنا، نود أن نوضح أنه طوال فترة احتجازه، تلقى السجين المعني رعاية مستمرة من المسؤولين الطبيين، وفقا للاعتبارات المهنية، ونُقل إلى المستشفى عندما كانت حالته تستدعي مزيدا من الفحص والعلاج.
«تعمل مصلحة السجون وفقا للقانون وتحت إشراف السلطات المختصة. ويحصل جميع السجناء على الحقوق والرعاية الطبية المنصوص عليها في القانون، استنادًا إلى الاعتبارات الطبية وأنظمة وزارة الصحة».
وكما ذُكر، بُتر جزء من ساق محمد في وقت سابق من هذا الشهر. وعندما أُبلغ والداه الأسبوع الماضي بأنه يحتاج إلى عملية خطيرة أخرى لاستبدال صمام القلب، رفض موسى توقيع استمارة الموافقة.
وقال لنا هذا الأسبوع في المستشفى: «لم أستطع أن أحمل نفسي على توقيع الموافقة على عملية خطيرة أخرى».
لكن شريفة وقعت عليها.
والآن، كل ما يشغل بالهما هو مستقبل علاج ابنهما وإعادة تأهيله.
وهما، مرتديان القفازات الجراحية والكمامات والأردية الطبية التي تُستخدم لمرة واحدة، لكي يستطيعان مداعبة ابنهما برفق.
#جدعون_ليفي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟