أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرج الحطاب - مئة عام من العزلة: ماكوندو من الرواية إلى الشاشة















المزيد.....


مئة عام من العزلة: ماكوندو من الرواية إلى الشاشة


فرج الحطاب

الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 10:02
المحور: الادب والفن
    


بعد نحو عامين من عرض الجزء الأول من مسلسل "مئة عام من العزلة"، جاءت الحلقات الجديدة من نيتفلكس لتكمل واحدة من أصعب المغامرات التي خاضتها نتفليكس في تحويل الأدب إلى عمل تلفزيوني.فالصعوبة لا تتوقف عند ضخامة رواية غابرييل غارسيا ماركيز، أو تعدد أجيالها وشخصياتها وتشابك أسمائها. التحدي الحقيقي يكمن في طبيعة العالم الذي صنعه ماركيز، عالم لا تستقر فيه الحدود طويلاً بين الواقعي والمتخيل، ولا يحتاج الميت إلى كثير من التبرير كي يعود إلى الأحياء، ولا يبدو صعود امرأة إلى السماء أكثر غرابة من حرب أهلية أو إضراب عمال أو مذبحة تنكر السلطة وقوعها. لهذا كان تحويل الرواية إلى مسلسل مجازفة حقيقية، فليس من السهل نقل عوالم ماركيز الروائية إلى مشاهد تلفزيونية من دون أن تفقد طبيعتها وخصوصيتها.

كنت قد قرأت الرواية كاملة، بترجمة صالح علماني عن الإسبانية، في نهاية الثمانينات. لذلك حملت مشاهدة المسلسل بالنسبة لي شيئاً من العودة إلى أماكن وشخصيات عرفتها قبل زمن بعيد. بقيت من القراءة الأولى صور وشخصيات وأفكار، وربما بقي إحساس ماكوندو نفسها أكثر من باقي التفاصيل. وبعد كل تلك السنوات عاد العمل في شكل مسلسل تلفزيوني ليمنح ذلك العالم وجوهاً وأصواتاً وبيوتاً وشوارع وأشجاراً، ويضع الصورة الجديدة المرئية جنباً إلى جنب مع تلك الصورة التي احتفظت بها الذاكرة. كنت قد شاهدت الجزء الأول ووجدته مقبولاً إلى حد ما. فأنا من الذين لا يميلون كثيراً إلى مقارنة العمل السينمائي أو التلفزيوني بالنص الروائي الأصلي المكتوب. فالعمل المكتوب موجه إلى قارئ، وطريقة وصوله إليه لها شروطها، فيما للعمل السينمائي أو التلفزيوني أسلوبه وشروطه وأدواته المختلفة.

ومع الجزء الثاني شعرت منذ الحلقات الأولى بأن العمل أصبح أكثر نضجاً وحيوية، وأن الحواجز التي بقيت بين القراءة والمشاهدة بدأت تتلاشى. لكن في الأمر مفارقة، فالأجزاء اللاحقة في كثير من الأعمال السينمائية والتلفزيونية تأتي أضعف من الجزء الأول، بعدما تكون الفكرة الأصلية قد استنفدت جانباً من طاقتها، أو يتحول النجاح إلى سبب لتمديد الحكاية. الوضع هنا مختلف، فرواية "مئة عام من العزلة" كانت موجودة قبل المسلسل، ومسار الحكاية ونهايتها مكتوبان منذ عقود. كما أن الجزء الثاني لا يبحث عن أحداث جديدة تطيل عمر العمل، إنه يصل إلى المرحلة التي كانت الحكاية تتجه إليها منذ بدايتها.

وبينما كان الجزء الأول أشبه بالبحث عن ماكوندو وتأسيسها، جاء الجزء الثاني ليرينا ماكوندو بعد أن استقر عالمها وبدأ يتغير. وربما يفسر ذلك جانباً من البطء الذي أخذه بعض المشاهدين، ومنهم أنا، على الجزء الأول. لكن ماركيز نفسه كان يلجأ في بعض أعماله الروائية إلى تأسيس طويل لا تتضح وظيفته كاملة إلا بعد التقدم في القراءة. يحدث شيء قريب من ذلك في رواية "الحب في زمن الكوليرا"، حيث يستطيع القارئ أن يقطع عشرات الصفحات قبل أن يكتشف أن ما قرأه كان يمهد للحكاية التي ستتكشف أمامه لاحقاً، بل إنني لا أذكر أن لتلك البداية علاقة عضوية مهمة بالأحداث اللاحقة. ومع ذلك، نجد البداية عند ماركيز جزءاً من نمو الفضاء الروائي، ولهذا تحتاج إلى زمنها.

في الجزء الثاني يكون ذلك العالم قد اكتمل بما يكفي كي يبدأ التاريخ باقتحامه. ولهذا تتلاحق الأحداث بحيوية أكبر، من دون أن تبدو منفصلة أو متراكمة اعتباطاً. فالحرب والسياسة والحب والموت والدين والتجارة والتكنولوجيا وشركة الموز والتحولات العائلية تتشابك داخل نسيج واحد. وحتى مع كثرة الشخصيات وتغير الأجيال، حافظ المسلسل على ترابطه، وساعده في ذلك إيقاع يمنح المشهد وقته الكافي والوافي من غير أن يفقد الحركة التي ميزت هذا الجزء.

وحتى نهاية الجزء الأول كان العقيد أوريليانو بوينديا يكاد يحتكر البطولة. لكن في الجزء الثاني يبدأ مركز الثقل بالتحرك سريعاً. إذ يتراجع العقيد، وتتقدم شخصيات أخرى من العائلة، وتنتقل البطولة كل حلقة أو حلقتين تقريباً من فرد إلى آخر. كان يمكن لهذا الانتقال المتكرر أن يربك المشاهد أو يضعف ارتباطه بالشخصيات، إلا أن الأداء التمثيلي واختيار الممثلين والوجوه المشاركة في العمل جعلا كل شخصية قادرة على حمل الحكاية حين يصل دورها. وهنا يظهر أحد نجاحات المسلسل الواضحة، فلم أشعر بوجود أي ممثل يؤدي دوراً ثانوياً لمجرد خدمة الأبطال. كل من دخل إلى عالم آل بوينديا ظهر، في لحظته، قادراً على أن يكون بطلاً. حتى الوجوه بدت مختارة بعناية، بما يسمح للمشاهد بأن يصدق القرابة وتتابع الأجيال من دون أن تتحول الشخصيات إلى نسخ متشابهة. ومع كثرة الأسماء المتكررة، وهي إحدى الصعوبات المعروفة في الرواية (وعلى ما أذكر، كنت أقلب صفحاتها بين حين وآخر لأراجع الأسماء بعد تشابكها، ولاسيما اسم أوريليانو الذي حمله عدد كبير من شخصياتها)، استطاعت الصورة والملامح والأداء أن تمنح كل أوريليانو وكل خوسيه أركاديو حضوره الخاص.

ومع انتقال البطولة بين أفراد العائلة بقيت أورسولا ثابتة في مركز مختلف. فهي ليست ذاكرة العائلة وحدها، وإن امتدت ذاكرتها عبر أجيالها. أورسولا جذر أساسي للحياة، هي الأم والجدة والملاذ الذي يعود إليه الجميع، في الصواب والخطأ، في الحرب والسلم، في المرض والصحة. تغضب وتحاسب وتقاوم، لكنها تبقى قادرة على احتواء أبنائها وأحفادها مهما اختلفت مصائرهم. الرجال يذهبون إلى الحروب أو تطاردهم أوهامهم ورغباتهم ومشاريعهم، والأبناء يكبرون ويغادرون ويموتون، وأورسولا تواصل محاولة جمع ما يتناثر، واقفة في المطبخ تصنع الخبز، أو تخفف عن أبنائها وأحفادها خيبات أملهم.

وقد منح الأداء التلفزيوني هذه الشخصية ثقلاً يزداد مع تقدم العمر. فنحن لا نعرف أن أورسولا أصبحت عجوزاً لأن السنوات محسوبة أمامنا، وإنما نشعر بها وهي تتراكم على جسدها وحركتها وصوتها، وعلى البيت الذي تتحرك فيه. فتصبح شيخوختها جزءاً من شيخوخة العالم نفسه. وكلما ضعفت قدرتها على إدارة البيت والعائلة، شعرنا بأن شيئاً أساسياً في ماكوندو بدأ يفقد توازنه.

أما خوسيه أركاديو بوينديا، مؤسس ماكوندو، فغيابه الجسدي منذ الجزء الأول لم يخرجه تماماً من الحكاية، وتظل صورته مرتبطة بشجرة الكستناء في حديقة البيت. فقد كان الرجل الذي تحرك بحثاً عن مكان يؤسس فيه عالماً جديداً، ثم انتهى مجنوناً ومربوطاً إلى شجرة في العالم الذي أسسه. وبعد رحيله يبقى شيء منه هناك، تتعاقب الأجيال، ويتغير البيت، ويكبر الأطفال ويشيخ الكبار، ويظل لدى المشاهد إحساس بأن خوسيه أركاديو ما زال مربوطاً أسفل الشجرة بطريقة ما، وأن المدينة كلها تستمر داخل الحلم الذي بدأه.

لكن ماكوندو نفسها تفرض حضورها باعتبارها البطل الأوسع. وهذا جانب نجح فيه المسلسل بصرياً نجاحاً لافتاً. ماكوندو لا تظهر لنا مدينة جاهزة ثم تبقى كما هي. إذ نشاهدها وهي تنمو وتتحول كلما مر الزمن. فالقرية الصغيرة تتسع، تتغير شوارعها وبيوتها وأزياء سكانها وحركتهم، وتدخلها الحرب والسياسة والسلطة والدين والتجارة ورأس المال والتكنولوجيا. هذا التحول لا يصلنا عن طريق الحوار وحده، لكننا نراه في الصورة وفي ازدحام المكان وفي تفاصيل الحياة اليومية. ولهذا يشعر المشاهد بمرور الزمن حتى حين لا يخبره أحد بعدد السنوات التي انقضت، فالمدينة كان لها دور فاعل في ذلك. ولم يكن ذلك مجرد انطباع صنعه المونتاج أو المؤثرات البصرية الرقمية، كما يحدث في كثير من الأفلام والمسلسلات اليوم. لقد تطلب الإنتاج بناء ماكوندو نفسها بما يسمح لها بأن تشيخ أمام الكاميرا، وشارك مئات الأشخاص في العمل، وبنى نحو 450 عاملاً ثلاث نسخ مختلفة من ماكوندو لتجسيد تحولها عبر الزمن. وحين نعرف ذلك نفهم جانباً من قوة الصورة في المسلسل، فالمدينة لم تكن خلفية ثابتة تُضاف إليها بعض العلامات كي توحي بتغير الزمن، إنما أُعيد تشكيلها لكي تتغير مع سكانها.

ومع نمو ماكوندو تصبح حكاية آل بوينديا أكبر من سيرة عائلة. تتكرر الأسماء كما تتكرر المصائر، أوريليانو، خوسيه أركاديو، ثم أوريليانو آخر وخوسيه أركاديو آخر. الاسم يؤكد استمرار السلالة، والمصير المتكرر يكشف شيئاً آخر. الأجيال تتغير، لكن الإنسان يحمل معه قدرة غريبة على إعادة إنتاج أخطاء من سبقوه. حتى المحاولات التي تبدو قادرة على كسر هذه الدائرة تنتهي داخلها. تدخل فرناندا ديل كاربيو إلى العائلة قادمةً من عالم مختلف، محملة بالدين والأصول الاجتماعية والانضباط والنسب وفكرة المستقبل المحترم للأبناء. ترى أورسولا في زواجها ما يوحي بإمكان دخول سلالة آل بوينديا في مسار أكثر استقراراً، وتبدو آمالها بأبنائها مختلفة عن الفوضى التي طبعت كثيراً من تاريخ العائلة. غير أن المصائر تعود إلى الدوران لتلتقي بمصائر من سبقهم في العائلة. تتغير التربية والظروف والأجيال، ويظل الخطأ والخطيئة والتكرار جزءاً من التجربة الإنسانية.

ولعل هذا يقربنا من معنى "مئة عام من العزلة". يمكن النظر إلى المئة عام كلها بوصفها متابعة طويلة لجماعة من البشر، من العائلة نفسها وفي المكان نفسه، على مدى قرن كامل. هناك تماثل عميق بين ماكوندو والأرض، وبين آل بوينديا والجنس البشري. كأن ماركيز وضع عيّنة صغيرة من الإنسان في بقعة محدودة، ثم ترك الزمن يمر عليها ليرى ما سيحدث. يولد الناس ويحبون ويتزوجون وينجبون ويخونون ويحاربون ويضحكون ويأكلون ويبحثون عن المعرفة والسلطة والثروة، ثم يمرضون ويشيخون ويموتون. يأتي أبناؤهم بعدهم وهم يتصورون أنهم يبدأون حياة جديدة، ثم يجدون أنفسهم، بطرق أخرى ووجوه أخرى، أمام الأسئلة والرغبات والأخطاء التي عرفها السابقون.

و"العزلة" بهذا المعنى تتجاوز عزلة ماكوندو الجغرافية وعزلة أفراد آل بوينديا النفسية. ثمة شيء من عزلة الإنسان نفسه على الأرض. يعيش كل واحد تجربته وكأنها تحدث للمرة الأولى، مع أن أجيالاً لا تحصى عاشت الحب والخوف والطموح والخسارة والموت قبله.

والمسلسل ينجح في تجسيد هذا التكرار من دون تحويله إلى درس فلسفي معلن. تكرار الوجوه والأسماء، تغير الملابس والأعمار، وموت شخصية كانت تملأ الشاشة ثم ظهور جيل جديد في المكان نفسه، كلها تجعل الفكرة محسوسة قبل أن تصبح موضوعاً للتأمل. وهذه إحدى المزايا التي أضافتها الصورة إلى عالم ماركيز، فالزمن الذي تصفه الرواية بالكلمات أصبح مرئياً في الأجساد والبيوت والشوارع.

ثم يدخل التاريخ الملموس إلى ماكوندو مع سكة الحديد وشركة الموز والعمال والإضراب والجيش والمذبحة. هنا يصل الجزء الثاني إلى بعض أقوى مشاهده، وتلتقي قدرته الإنتاجية مع واحدة من أكثر أفكار ماركيز قسوة. الحشود، حركة العمال، حضور الجنود، التوتر المتصاعد ثم العنف تمنح الحدث وزناً مادياً مختلفاً عن غرائب ماكوندو السابقة.

لقد اعتدنا طوال المسلسل أن نقبل المستحيل والمتخيل والسحري، كالأشباح، والعودة من الموت، والمطر الذي يبدو بلا نهاية، وريميديوس الجميلة وهي تصعد إلى السماء. كل تلك الأمور يصورها المسلسل بهدوء لافت. فالمؤثرات البصرية لا تصرخ في وجه المشاهد لتعلن أن معجزة تحدث. الغرائبي يدخل الصورة كما تدخل إليها شجرة أو طاولة أو شخص يعبر الطريق. وهذا تحديداً ما تحتاج إليه واقعية ماركيز السحرية، لأن الشخصيات نفسها لا تتعامل مع هذه الأحداث كما لو أنها استعراض خارق للطبيعة.

ثم تقع مذبحة عمال الموز، المستندة أصلاً إلى واقعة تاريخية كولومبية، فيصبح الحدث الواقعي نفسه هو أكثر الأشياء تعرضاً للشك. يُقتل الناس، وبعد ذلك يبدأ إنكار أنهم قُتلوا. الحقيقة نفسها تصبح موضع نزاع، ومن يتذكر ما جرى يبدو غريباً أو واهماً أمام مجتمع بدأ يقبل رواية أخرى. عند هذه النقطة تبلغ لعبة الواقع والخيال ذروة مؤلمة. لقد صدقنا المستحيل طوال الحكاية، وحين تقع المأساة التي يمكن أن تحدث في العالم الحقيقي يصبح إثباتها هو المستحيل. وهذه واحدة من مفارقات عالم ماركيز العميقة في هذا العمل. ربما يكون الظلم إحدى الحقائق الكبرى في الحياة، وتأتي بعده قدرة السلطة والمجتمع على محو ذاكرته. فالضحية يمكن أن تموت مرةً في المذبحة، ثم تموت مرةً أخرى حين يقال إن المذبحة لم تقع.

ومن الطريف والعميق في نفس الوقت أن يدخل اسم غارسيا ماركيز نفسه إلى الحكاية قرب نهايتها، قارئاً ومثقفاً وصديقاً لأوريليانو بابيلونيا "اللقيط". حضور الكاتب داخل العالم الذي صنعه يزيد الحدود ارتباكاً، من عاش الحكاية؟ من رواها؟ أين تنتهي الذاكرة ويبدأ الخيال؟ وأي جزء مما حسبناه خيالاً كان تاريخاً منذ البداية؟ المسلسل يحافظ على هذه اللعبة من غير أن يحاول تفسيرها للمشاهد، وهي ميزة مهمة في عمل كان من السهل أن يقع في إغراء شرح غرائبه.

واحتاج كل ذلك إلى إنتاج يملك الوقت والقدرة على بناء عالم كامل. وهنا تظهر أهمية قرار تحويل الرواية إلى مسلسل طويل. الحلقات لا تتعامل مع الرواية كمخزن للأحداث التي ينبغي ضغطها للوصول إلى المحطات الكبرى. فهناك وقت للوجوه وللبيوت وللطعام وللاحتفال وللصمت وللعلاقات العائلية، كما أن هناك وقتاً للحروب والموت والتحولات التاريخية. طول الحلقات، الذي قد يبدو مبالغاً فيه أو عبئاً في مسلسل آخر، يخدم هنا شعورنا بأننا عشنا سنوات داخل ماكوندو.

وقد أشارت المخرجة لورا مورا إلى أن فريق العمل تعامل مع كل حلقة من الجزء الثاني كما لو كانت فيلماً، وسعى إلى رفع المستوى البصري والسردي، والعناية بالصوت والموسيقى، وهو ما نراه بوضوح في الحلقة الأخيرة التي قاربت على الساعتين. وهذا الطموح يتجسد فعلاً على الشاشة. الحروب والمجاميع البشرية واتساع ماكوندو وتغير الأزمنة لم تؤد إلى فقدان التفاصيل الصغيرة. كما أن الموسيقى والصوت يعملان في كثير من المشاهد من داخل الجو العام، من دون أن يفرضا على المتلقي إحساساً جاهزاً بما ينبغي أن يشعر به.

واختيار الممثلين يستحق التوقف عنده مرة أخرى. أمام مسلسل يمتد عبر أجيال، كان من السهل أن يشعر المشاهد بأن تغيير الممثلين يقطع علاقته بالشخصيات. لكن حدث العكس في الغالب، فقد حافظت الوجوه على إحساس السلالة من دون الوقوع في التشابه المصطنع، ونجح الممثلون في منح الشخصيات الجديدة حضوراً سريعاً. بعضهم لا يملك عشرات الحلقات كي يبني علاقته بالمشاهد، ومع ذلك يستطيع خلال وقت قصير أن يجعل مصيره مهماً. هذه القدرة كانت ضرورية لمسلسل تنتقل فيه البطولة كما تنتقل الحياة نفسها من جيل إلى جيل.

وتظهر العناية نفسها في الملابس والديكور وتسريحات الشعر والأثاث، وفي تغير درجات الثراء والفقر والفوضى داخل الأمكنة. لا يمر الزمن على الشخصيات وحدها، إنما يمر على الأشياء أيضاً. وربما وصل المسلسل هنا إلى واحد من أجمل إنجازاته البصرية بالنسبة إليّ، أعني بيت آل بوينديا.

ومع توالي الحلقات شعرت أنني بدأت أعرف ذلك البيت. غرفه وأثاثه وممراته وحديقته وشجرة الكستناء. تعرف العين أين تذهب الشخصيات، وأي باب يؤدي إلى أين، وأين تجتمع العائلة وأين يختبئ أفرادها وأين عاش الذين رحلوا. هذه الألفة لا تتكون في مشهد أو حلقة. احتاج المسلسل إلى أن يتركنا نسكن البيت زمناً كافياً حتى تتكون لدينا ذاكرة عنه.

ولهذا يصبح تحول البيت التدريجي واحداً من أكثر عناصر الجزء الثاني تأثيراً. في البداية هو بيت للحياة. أطفال ونساء ورجال وضيوف وطعام وأصوات ومشاجرات وحب وولادات. تمتلئ الغرف، وتُفتح الأبواب، ويدخل القادمون ويخرج المسافرون. ثم يبدأ الموت بالتسلل إليه. تتراكم الذكريات، وتظهر القبور، ويغيب ساكن بعد آخر. وفي مرحلة ما نشعر بأن الموتى أصبحوا أكثر حضوراً من الأحياء. الصورة تلتقط هذا التحول بهدوء. الأثاث نفسه الذي عرفناه يتقدم به العمر، الفراغ يكبر، الضوء يتغير، الغبار يجد مكاناً لم يكن يجده حين كان البيت ممتلئاً بالبشر. الحشرات والوحدة والأشياء التي فقدت أصحابها والغرف التي لم يعد أحد يحتاج إليها تبدأ باحتلال المكان. البيت الذي كان يفيض بالحياة يتحول ببطء إلى مقبرة للعائلة، ثم إلى مكان مهجور ينتظر نهايته. شخصياً، كنت أتلمس من خلال المشاهدة ما لم تستطع قراءتي القديمة للرواية أن تمنحني إياه بهذه الدرجة من الوضوح: تفاصيل ذلك المكان وحضوره.

وكأن المسلسل يعيدنا إلى ذلك المعنى القديم والبسيط، الدار بساكنيها. وحين يرحل ساكنوها تبقى الجدران لبعض الوقت، لكن روح المكان تبدأ بالرحيل معهم. وربما كانت أورسولا طوال حياتها تقاوم هذا المصير من دون أن تسميه. كانت تصلّح وتنظف وترتب وتطعم وتفتح الأبواب وتعيد جمع العائلة. كانت تحمي البيت كما تحمي أبناءها. ومع ضعفها ثم غيابها يفقد البيت القوة البشرية التي ظلت تقاوم الزمن داخله. هنا يصبح البيت أكثر من بيت؛ صورة مصغرة لماكوندو، وماكوندو صورة مصغرة للأرض، وآل بوينديا صورة مصغرة للبشر. خراب البيت يسبق خراب المدينة، وخراب المدينة يقود إلى المحو الأخير.

وتأتي الحلقة الأخيرة لتجمع هذه الدوائر كلها. اختيار منح النهاية زمناً أطول من الحلقة المعتادة كان قراراً موفقاً، لأن الحكاية تحتاج إلى أن تتباطأ مرةً أخيرة أمام مصيرها. بعد الازدحام بالأجيال والحروب والعلاقات والموت، تبدأ الأشياء بالتجمع حول أوريليانو بابيلونيا ومخطوطات ميلكيادس. وحين يقرأ أوريليانو المخطوطات ويكتشف أن تاريخ العائلة الذي عاشه كان مكتوباً أمامه، تأتي المعرفة في اللحظة الأخيرة. يفهم الحكاية كاملة عندما تكون الحكاية نفسها على وشك أن تنتهي.

يحمل المشهد شيئاً من تجربة الإنسان عند اقتراب موته، حين تمر حياته أمامه كسلسلة من الصور والأحداث، ويصبح الماضي كله حاضراً في لحظة واحدة. أوريليانو يقرأ تاريخ عائلته، لكنه يكاد يقرأ حياته وحياة من سبقوه في اللحظة نفسها.

ثم يتسع المعنى مع اختفاء ماكوندو. فالريح التي تقتلع المدينة ترفع النهاية من مصير الفرد إلى مصير العالم. وكأن المشهد يستدعي صورة اليوم الأخير، أو نهاية الإنسان على هذا الكوكب. أوريليانو ينتهي، وآل بوينديا ينتهون، وماكوندو تختفي معهم. تتطابق نهاية الفرد والعائلة والمكان حتى يصعب الفصل بينها.

وتكتسب النهاية قوة إضافية إذا عدنا إلى بداية السلالة. خوسيه أركاديو بوينديا بدأ الحكاية مسكوناً بالرغبة في قراءة العالم وفك أسراره، بالمغناطيس والكيمياء واختراعات الغجر وكل ما كان يصل إلى ماكوندو من عجائب. وفي النهاية يجلس آخر أفراد السلالة أمام نص ليكتشف أن العالم الذي حاول أجداده فهمه كان مكتوباً. تبدأ الرحلة برجل يريد فك أسرار الوجود، وتنتهي برجل يفك أسرار النص الذي يحتوي وجودهم كله، في اللحظة التي لم يعد فيها وقت لفعل شيء بما عرفه. ثم تأتي الريح لتطيح بكل شيء، كأنها القدر، وتمحو ماكوندو نفسها، لا بيت آل بوينديا ونسلهم وحدهم.

ومع هذا كله، يصعب أن أرى "مئة عام من العزلة" عملاً متشائماً، كما يصعب أن أذهب إلى الجهة الأخرى وأسميه احتفالاً متفائلاً بالحياة. العمل يتسع للحالتين في وقت واحد، وربما تكمن عظمته في هذا الاتساع. إنه احتفاء بالإنسان والحب والجسد والولادة والطعام والضحك والفضول والعائلة. نرى الناس يأكلون ويشتهون ويحبون وينجبون ويحتفلون ويغضبون ويخطئون ويعودون إلى بيوتهم. وفي قلب هذه الحيوية كلها يسير الزمن نحو نهايته. الموت حاضر لأن الحياة موجودة، والزوال جزء من المصير الذي يمنح اللحظات العابرة قيمتها. وهذا ما استطاع المسلسل، وخصوصاً في جزئه الثاني، أن ينقله من الرواية إلى الشاشة من دون أن يفقد عالم ماركيز شيئاً من خصوصيته. لم تكن مهمة المسلسل إعادة سرد أحداث "مئة عام من العزلة" فقط. كان عليه أن يجعلنا نرى الزمن وهو يمر، وأن يجعل ماكوندو مكاناً نصدّقه، وآل بوينديا عائلة نعرف وجوهها، والبيت مكاناً نألف غرفه، ثم يطلب منا أن نشاهد كل ذلك وهو يشيخ ويختفي.

ربما لهذا كان الجزء الثاني أكثر نضجاً وتأثيراً. كل ما احتاج الجزء الأول إلى بنائه أصبح هنا قابلاً لأن يعيش مصيره. الممثلون، والصورة، والديكور، والملابس، والموسيقى، والمؤثرات، وبناء المدينة، وإيقاع الحلقات الطويلة، كلها اجتمعت مع المادة الروائية في اللحظة التي أصبحت فيها ماكوندو مكتملة بما يكفي لكي تبدأ رحلتها نحو الزوال. مئة عام عاشها آل بوينديا في ماكوندو. أحبوا وأخطأوا وحلموا وأنجبوا وحاربوا وضحكوا وبكوا وماتوا. وفي النهاية لم تبق ماكوندو، ولم يبق البيت، ولم يبق أحد يستطيع أن يتذكرهم، لكنهم عاشوا. وربما كانت تلك، منذ البداية، الحكاية كلها التي سردها ماركيز، وبثّ بين طياتها مصائر تشبه مصائرنا نحن أيضاً. وربما كانت تلك، منذ البداية، الحكاية كلها التي سردها ماركيز، وبثّ بين طياتها مصائر تشبه مصائرنا نحن أيضاً، أن نعيش ونحن نعرف أن كل شيء إلى زوال، وأن يظل حلم البقاء يرافق الإنسان منذ أن ابتلعت الأفعى عشبة خلود كلكامش.



#فرج_الحطاب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- متى تتحول المعرفة إلى تعلّم؟
- أصوات الحصار: مختارات من قصيدة النثر التسعينية في العراق (1) ...
- القمح مقابل الكتب
- الانتخابات العراقية… بين مهرجان السخرية وجدية الأمل
- من هو المثقف العراقي الوطني؟
- كتاب -في اليُتْم الوجودي-: جمال علي الحلاق يتأمل الكتابة كنا ...
- البحث عن الذات المحضة في مجموعة (النوم في محطة الباص) لعبد ا ...
- أسلوب المناجاة في مجموعة (مرد روحي) للشاعر عباس اليوسفي
- حرية الذات ومفهوم السعادة المطلقة في نظرية المعرفة الصوفية ع ...
- داعش ودولة الخلافة الإسلامية :آخر نتاجات الحرب الباردة
- النظريات الحديثة لدراسة علم الأديان (3)
- النظريات الحديثة لدراسة علم الأديان (2)
- النظريات والمناهج الحديثة لدراسة علم الأديان (1)
- الهوية المحلية في شعر بدر شاكر السياب


المزيد.....




- التعليم العالي: اليوم .. بدء تسجيل اختبارات القدرات المؤهلة ...
- معتصم النهار يخوض تجربة التقديم للمرة الأولى في -موريكس دور- ...
- 4.6 أمتار من الألوان.. فنانات يصنعن طائر أوريغامي عملاقًا لإ ...
- اتحاد الكتاب الفلسطينيين… وحدة الثقافة وقوة الدبلوماسية الثق ...
- -عار على مصر-.. أزمة حادة وتراشق بين نقيب الموسيقيين وناقد ف ...
- سطو جريء في فيينا.. سرقة -عقد الملكة نازلي- التاريخي في وضح ...
- الممثلة التونسية سوسن معالج: -السينما والصورة والكلمة الحرة ...
- بوق الجلاد لن يمثل الضحية.. -أبو أصيل- يحاكم فناني نظام الأس ...
- الفنانة السورية فايا يونان تعلن خطوبتها: -أجمل من أي صورة رس ...
- زاخاروفا تعليقا على حفل كاني ويست: أبواب روسيا مفتوحة لجميع ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فرج الحطاب - مئة عام من العزلة: ماكوندو من الرواية إلى الشاشة