|
|
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 6 - آب أغسطس 1991: حين يصبح سقوط الدولة نتيجةً لأزمة النخبة
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 04:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
29 آب أغسطس 2026
من شباط فبراير 1917 إلى آب أغسطس 1991... قراءة في أطروحة «خيانة النخبة» وسقوط الإتحاد السوفياتي تمهيد: ثلاثة أيام تختصر نهاية عصر
بعد خمسة وثلاثين عاماً على أحداث 19–21 أغسطس/آب 1991 في موسكو، لا تزال تلك الأيام الثلاثة واحدة من أكثر اللحظات إثارة للجدل في التاريخ الروسي الحديث. هل كان ما جرى إنقلاباً فاشلاً؟ محاولة أخيرة لإنقاذ الإتحاد السوفياتي؟ صراعاً على السلطة بين أجنحة النخبة؟ أم حلقة من حلقات تفكك دولة عظمى كان إنهيارها قد بدأ قبل ذلك بسنوات؟ المقال الذي يحمل عنوان «أغسطس آب الحد الفاصل»، والمنشور في 21 أغسطس/آب 2026 على موقع «أنتيمايدان»، يقدم إجابة شديدة الوضوح، وإن كانت جدلية ومشحونة أيديولوجياً: ما حدث في أغسطس لم يكن حادثاً منفصلاً، بل كان النتيجة المتأخرة لمسار تاريخي طويل بدأ، في نظر كاتبه، مع إنهيار الإمبراطورية الروسية في فبراير/شباط 1917، ثم أعاد إنتاج نفسه داخل الدولة السوفياتية حتى إنتهى بتفكك الإتحاد السوفياتي عام 1991. ولا يورد النص المنشور اسماً صريحاً لمؤلفه، ولذلك ينبغي نسبته إلى المقال كما نشره الموقع، لا إلى كاتب محدد. ومن هنا تنطلق أطروحة المقال الأساسية: الدول الكبرى لا تسقط بالضرورة عندما يهزمها خصومها من الخارج، وإنما قد تسقط عندما تفقد النخبة الحاكمة الإيمان بمشروع الدولة وتتحول مصالحها الخاصة إلى بديل عن المصلحة العامة. هذه الأطروحة هي مفتاح قراءة النص كله.
أولاً: شباط فبراير 1917 بوصفه النموذج الأول
يعيد المقال تفسير إنهيار الإمبراطورية الروسية من زاوية مختلفة عن السرديات التقليدية التي تركز على الحرب العالمية الأولى، والأزمة الاقتصادية، وضعف النظام القيصري، والإضطرابات الاجتماعية. فالكاتب لا ينكر هذه العوامل، لكنه يضعها في المرتبة الثانية. في رأيه، كانت الحرب والتحريض الثوري والتدخلات الخارجية عوامل ساهمت في إضعاف الدولة، لكنها لم تكن كافية وحدها لإسقاطها. العامل الحاسم كان، بحسب هذه القراءة، إنقلاب ولاء النخبة نفسها على النظام الذي كانت جزءاً منه. وهنا تظهر الفكرة الأكثر أهمية في المقال: النخبة الروسية، وفق هذا التصور، لم تكن تريد مجرد إصلاح الإمبراطورية؛ بل كانت تريد إعادة صياغة الدولة بما يتيح لها الإندماج في العالم الغربي، والحصول على حصة أكبر من السلطة والثروة. ولهذا يربط المقال بين الصراع الذي ظهر في إنتفاضة الديسمبريين عام 1825، والتطورات السياسية والفكرية في القرن التاسع عشر، وتصاعد النشاط الثوري، ثم إنفجار شباط فبراير 1917. إنها، إذن، قراءة للتاريخ الروسي بإعتباره صراعاً متكرراً بين الدولة بوصفها مشروعاً سياسياً وحضارياً، وبين نخبة تبحث عن تحرير نفسها من القيود التي تفرضها الدولة على مصالح تلك النخبة. لكن هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى قدر من التحفظ عند التعامل معها بوصفها تفسيراً تاريخياً لا حقيقة محسومة. فربط الثورة البورجوازية الروسية في شباط 1917 أساساً بـ«خيانة النخبة» يتجاهل شبكة واسعة من العوامل الأخرى: كارثة الحرب، الخسائر البشرية، أزمة الإمدادات، ضعف الإدارة، فقدان الثقة بالقيصرية، التوترات الإجتماعية والقومية، وتفكك السلطة العسكرية والسياسية. ولذلك فإن قيمة أطروحة المقال تكمن أكثر في النموذج التفسيري الذي تقترحه منها في كونها تفسيراً وحيداً متفقاً عليه.
ثانياً: لماذا إنتصرت الثورة البلشفية؟
يرى المقال أن النخبة التي أسقطت النظام القيصري لم تكن قادرة على تقديم «صورة عادلة للمستقبل» تجذب إليها الجماهير. وهنا يقدم الكاتب تفسيراً لهزيمة القوى المناهضة للبلاشفة في الحرب الأهلية الروسية: لم تكن المشكلة، في رأيه، عسكرية فقط، وإنما كانت سياسية وإجتماعية أيضاً. فالبلاشفة إستطاعوا تقديم وعد تاريخي واضح: دولة جديدة، إعادة توزيع للسلطة، عدالة إجتماعية، إنهاء الحرب، وتحويل الفئات المحرومة إلى مشاركين في النظام الجديد. أما خصومهم فلم يستطيعوا تقديم مشروع مستقبلي يتمتع بالقوة التعبوية نفسها. هذه الفكرة من أكثر أفكار المقال قابلية للتعميم: في لحظات الإنهيار الكبرى لا يكفي إسقاط النظام القديم؛ إذ يجب أن يوجد تصور مقنع لما سيأتي بعده. لكن الكاتب لا يمنح النظام البلشفي صك براءة. على العكس، يبدأ بعد ذلك في بناء الحلقة الثانية من حجته.
ثالثاً: من «الحرس اللينيني» إلى دولة ستالين
وفق المقال، سرعان ما تحولت النخبة الثورية نفسها إلى نخبة جديدة، وأصبح السؤال الذي كان يخص النظام القيصري يخص النظام السوفياتي أيضاً: ماذا يحدث عندما تتحول طبقة ثورية إلى طبقة حاكمة؟ يرى الكاتب أن سنوات العشرين، ولا سيما فترة السياسة الإقتصادية الجديدة، شهدت إبتعاداً عن مشروع الدولة لمصلحة مصالح النخبة الجديدة، ويتهمها بالترويج لأفكار معادية للروس، وبيع ممتلكات الدولة والكنيسة، وتوجيه الموارد نحو مشروع الثورة العالمية. ثم يأتي ستالين، في الرواية التي يقدمها المقال، بإعتباره لحظة إستعادة للدولة. وهنا يؤكد المقال نقطة مهمة: صورة ستالين لا تقدم بوصفه مجرد حاكم سلطوي، وإنما بإعتباره الرجل الذي حاول إخضاع النخبة الحزبية لمصلحة الدولة وإعادة بناء القوة الروسية في شكل دولة سوفياتية عظمى. ويستند المقال إلى محطتين يراهما حاسمتين: دستور 1936 والمؤتمر التاسع عشر للحزب عام 1952، معتبراً أن ستالين حاول عبرهما الحد من إستقلال الجهاز الحزبي عن الدولة. غير أن هذه القراءة تتطلب التمييز بين الدستور كنص سياسي وبين واقع ممارسة السلطة. فالإتحاد السوفياتي في عهد ستالين لم يكن نظاماً يقوم على التعددية أو التوازن المؤسسي بالمعنى الليبرالي، كما أن الدولة والحزب لم يكونا منفصلين بالمعنى الذي توحي به العبارة. ومع ذلك، فإن الصراع داخل النظام نفسه حول حجم سلطة الجهاز الحزبي، وحدود نفوذ البيروقراطية، وموقع الدولة مقارنة بالحزب، كان حقيقياً ومهماً.
رابعاً: 1953... اللحظة التي تغير فيها إتجاه النظام
يضع المقال وفاة ستالين عام 1953 في مركز تحوله التاريخي. فالنخبة السوفياتية، وفق الرواية التي يقدمها، كانت قد عاشت في ظل نظام شديد الرقابة والخوف، ولذلك رأت في رحيله فرصة لإستعادة إستقلالها. ومن هنا يطرح الكاتب ثلاثة مطالب يرى أنها أصبحت جوهر سلوك النخبة السوفياتية بعد ستالين: 1. ضمان السلامة الشخصية؛ 2. الحصول على الإمتيازات الإقتصادية والإجتماعية؛ 3. الوصول مستقبلاً إلى إمكانية تحويل الثروة والإمتيازات إلى ملكية خاصة قابلة للنقل إلى الغرب. ويقدم خروتشوف بإعتباره الرجل الذي لبّى المطلب الأول من خلال إنهاء حقبة الخوف السياسي، وفتح ملف عبادة الشخصية وجرائم عام 1937. لكن خروتشوف، وفق المقال، لم يذهب بعيداً بما يكفي في منح النخبة ما تريد، ولذلك جاء بريجنيف. وهنا ينتقل المقال إلى قلب أطروحته.
خامساً: بريجنيف... «العصر الذهبي» أم بداية الإنهيار؟
إذا كان كثيرون ينظرون إلى عهد بريجنيف بإعتباره مرحلة الإستقرار النسبي والرخاء مقارنة بما سبقها وما لحقها، فإن المقال يقلب هذه الصورة رأساً على عقب. في رأيه، كان ذلك الإستقرار الظاهري يخفي تسوية تاريخية خطيرة: الدولة تتخلى تدريجياً عن مشروع التحول المستقبلي، والنخبة تحصل في المقابل على الإستقرار والإمتيازات. ومن هنا تصبح البيروقراطية أقل إهتماماً بإعادة تشكيل النظام وأكثر إهتماماً بالمحافظة عليه. لم تعد القضية: كيف نبني المجتمع القادم؟ بل أصبحت: كيف نحافظ على ما لدينا؟ وهذا، في نظر الكاتب، هو أصل مرحلة الجمود التي يوصف بها عهد بريجنيف.
سادساً: النفط والغاز... حين تتحول التجارة الخارجية إلى عامل داخلي للتآكل
يربط المقال بين الإنفتاح الإقتصادي المتزايد على الغرب وبين تحول بنية النخبة. فالنفط والغاز والحبوب والموارد السوفياتية بدأت تتدفق إلى الأسواق الخارجية، وفي المقابل دخلت العائدات المالية إلى الدولة. لكن الكاتب يرى أن هذه العائدات لم تتحول إلى مشروع وطني جديد، وإنما ساهمت في ترسيخ الإقتصاد الموازي والفساد وشبكات المصالح. ويستشهد المقال بقضايا جنائية شهيرة في الحقبة السوفياتية، مثل قضايا «الأسماك» و«سوتشي» و«كراسنودار» و«إليسييفسكي» و«أوزبكستان»، بوصفها علامات على إتساع التداخل بين السلطة الرسمية والإقتصاد غير الرسمي. أما تقدير الإقتصاد الموازي بنحو 30% من الناتج، فهو رقم يحتاج إلى الحذر؛ فقياس الإقتصاد السري في الإتحاد السوفياتي كان بطبيعته صعباً، كما تختلف التقديرات بإختلاف المنهج والفترة الزمنية. وتظهر الدراسات المقارنة للإقتصادات السوفياتية السابقة تقديرات كبيرة للإقتصاد الموازي في مرحلة الإنتقال، لكنها لا تثبت ببساطة الرقم الذي يورده المقال عن الحقبة البريجنيفية. وهنا تظهر نقطة مهمة: وجود إقتصاد ظل واسع وشبكات فساد لا يثبت وحده وجود مؤامرة منظمة لتفكيك الإتحاد السوفياتي، لكنه يكشف مشكلة بنيوية خطيرة: عندما تصبح السلطة السياسية منفصلة عن الملكية الخاصة، تبدأ النخب في البحث عن طرق غير رسمية لتحويل النفوذ إلى ثروة.
سابعاً: أبناء النخبة... من بناء الدولة إلى البحث عن الغرب
يضع المقال مثالاً شديد الدلالة على ما يعتبره تحولاً نفسياً داخل الطبقة الحاكمة. فبحسب الكاتب، كان أبناء النخبة في عهد ستالين يتجهون إلى الجيش والهندسة، بينما أصبح أبناء النخبة في عهد بريجنيف أكثر إنجذاباً إلى وزارة الخارجية، وأجهزة الأمن والإستخبارات، والتجارة الخارجية، والقطاعات الدولية. المغزى هنا ليس المهنة بحد ذاتها، وإنما إمكانية الوصول إلى الغرب. ففي تصور الكاتب، بدأت النخبة السوفياتية تنظر إلى الغرب ليس بإعتباره الخصم الأيديولوجي الذي يجب هزيمته، بل بإعتباره المكان الذي يمكن أن تتحول فيه إمتيازاتها السياسية إلى ثروة شخصية. ومن هنا تأتي المقارنة الرمزية بين ستالين وبريجنيف: الأول، في رواية المقال، عاش بتواضع شخصي شديد؛ والثاني أصبح معروفاً بحبه للسيارات الفاخرة والأوسمة، بينما تحولت إبنته إلى شخصية إرتبط إسمها بفضائح وممارسات مالية. لكن هذه المقارنة، حتى لو كانت ذات قيمة رمزية، لا تكفي وحدها لإثبات تحول النخبة بأكملها. وهي في المقال تؤدي وظيفة سردية أكثر منها وظيفة إحصائية: إنها تريد أن تقول إن التغير لم يكن في المؤسسات فقط، بل في منظومة القيم نفسها.
ثامناً: التحالف بين الحزب والأمن والإقتصاد الموازي
من أكثر أفكار المقال حساسية تلك التي تتحدث عن نشوء «تلاحم» بين أعلى هرم الحزب الشيوعي، وأجهزة الأمن، والفاعلين في الإقتصاد غير الرسمي. وهذه الفكرة مهمة لأنها تحاول تفسير الإنتقال من الإتحاد السوفياتي إلى روسيا ما بعد 1991 ليس بإعتباره قطيعة كاملة، بل بإعتباره إعادة تدوير لشبكات القوة نفسها داخل نظام إقتصادي وسياسي جديد. وهذا هو جوهر الأطروحة: لم تكن المشكلة في أن مجموعة صغيرة من الإصلاحيين ظهرت فجأة في عهد غورباتشوف، بل في أن عملية التحول أصبحت ممكنة لأن قطاعات من الجهاز القديم كانت مستعدة للتكيف معها. ومن هنا لا يرى المقال غورباتشوف ويلتسين بإعتبارهما صانعي الإنهيار الوحيدين، وإنما بإعتبارهما الواجهة السياسية لمسار أعمق.
تاسعاً: أغسطس آب 1991... إنقلاب فاشل أم صراع داخل الدولة؟
عند هذه النقطة يصل المقال إلى عنوانه الحقيقي: أغسطس آب 1991 لم يكن بداية إنهيار الإتحاد السوفياتي، وإنما لحظة إنكشاف نهائية لأزمة النخبة. فمحاولة لجنة الدولة لحالة الطوارئ إيقاف المسار الذي كان يقوده غورباتشوف فشلت خلال أيام قليلة. والكاتب يفسر الفشل بأن النخبة السوفياتية لم تكن مستعدة للدفاع عن الدولة حتى النهاية. لكن هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى قراءة أوسع. فالهزيمة لم تكن نتيجة عامل واحد. كانت هناك أزمة شرعية، وإنقسام داخل مؤسسات الدولة، وصعود بوريس يلتسين، وتراجع سلطة غورباتشوف، وتنامي سيادة الجمهوريات، وتحولات عميقة في الجيش والأجهزة الأمنية، فضلاً عن أن قادة الإنقلاب أنفسهم لم يظهروا إستعدادًا لإستخدام القوة على نطاق واسع. لذلك يمكن القول إن أطروحة المقال تلتقط جانباً مهماً من الحقيقة: السلطة التي لم تعد مقتنعة بضرورة الدفاع عن نفسها تفقد القدرة على الدفاع عن الدولة التي تحكمها. لكن تحويل ذلك إلى دليل على وجود خطة موحدة ومدبرة لتدمير الإتحاد السوفياتي يحتاج النقاش أوسع.
عاشراً: المفارقة الكبرى... الثورة التي لم تغيّر النخبة
هنا يقدم المقال أكثر أفكاره تركيباً. فهو يميز بين فبراير شباط 1917 وأغسطس آب 1991. في فبراير، يرى أن النخبة القيصرية فقدت السلطة وحلّت محلها قوى جديدة، ثم جاء البلاشفة لاحقاً وأعادوا بناء النظام السياسي بالكامل. أما في أغسطس 1991، فإن النخبة، بحسب الكاتب، لم تختفِ؛ بل أعادت إرتداء نفسها. الحزبي الذي كان يحمل بطاقة الحزب أصبح رجل أعمال. الموظف الحكومي أصبح مديراً. المسؤول أصبح مالكاً. والبيروقراطي أصبح جزءاً من إقتصاد السوق. وهنا تصبح تسعينيات القرن الماضي، في تفسير المقال، ليست ثورة إجتماعية كاملة بقدر ما هي عملية تحويل للسلطة الإدارية إلى ملكية إقتصادية. إنها فكرة محورية لفهم روسيا ما بعد الإتحاد السوفياتي: كيف إنتقلت دولة تملك كل شيء تقريباً إلى إقتصاد تتركز فيه الملكية والثروة في أيدي عدد محدود من الأشخاص؟ وبغض النظر عن التفاصيل، فإن هذه المسألة تمثل بالفعل أحد الأسئلة الكبرى في تاريخ التحول الروسي.
الحادي عشر: أرقام الثروة... الوجه الآخر للتسعينيات
يستخدم المقال رقماً صارخاً للتعبير عن المفارقة: 155 مليارديراً روسياً يملكون مجتمعين نحو 700 مليار دولار. والرقم نفسه ليس مختلقاً؛ فبيانات تصنيف عام 2026 تشير بالفعل إلى وصول عدد المليارديرات الروس إلى 155 بثروة إجمالية تقارب 700 مليار دولار. ويرى المقال أن ذلك نتيجة مباشرة لتفكيك الدولة وتحويل الثروة العامة إلى ثروة خاصة، دون الحوض في نشأة الثروات، ومصادرها، وتوقيت تراكمها، والقطاعات التي جاءت منها، ومدى إرتباط كل حالة منها بخصخصة أصول الدولة. ومع ذلك تبقى المفارقة السياسية قوية: دولة قامت لعقود على مبدأ الملكية العامة إنتهت إلى واحدة من أكثر البنى تركيزاً للثروة في تاريخ روسيا الحديث. وهذا بالضبط ما يريد المقال أن يجعل القارئ يتوقف عنده.
الثاني عشر: بيلوفيجيا... اللحظة القانونية والسياسية الأخيرة
يعتبر المقال إتفاق بيلوفيجيا في ديسمبر/كانون الأول 1991 لحظة الإعدام السياسي النهائي للإتحاد السوفياتي. ويؤكد الكاتب أن ذلك حدث رغم نتائج الإستفتاء الشعبي الذي أجري في مارس/آذار من العام نفسه. وهنا توجد حقيقة تاريخية مهمة لا خلاف كبيراً حولها: فقد صوت 76.4% من المشاركين في الإستفتاء السوفياتي في 17 مارس/آذار 1991 لمصلحة الحفاظ على الإتحاد بإعتباره إتحاداً مجدداً. وقد بلغت المشاركة نحو 80% من المسجلين. وفي روسيا السوفياتية نفسها صوت نحو 71.3% من المشاركين لمصلحة الحفاظ على الإتحاد. لكن الإستفتاء لم يُجرَ في جميع الجمهوريات الخمس عشرة، إذ رفضت ست جمهوريات المشاركة. كما أن السؤال لم يكن ببساطة: «هل تريدون الإبقاء على الإتحاد بالشكل القائم؟» بل تعلق بالحفاظ على إتحاد مجدد من جمهوريات متساوية ذات سيادة. ولهذا فإن القول إن إتفاق بيلوفيجيا تجاهل إرادة شعبية واضحة يحمل أساساً قوياً، لكنه لا يلغي حقيقة أن الدولة كانت قد دخلت بالفعل في أزمة دستورية وسيادية عميقة، وأن الجمهوريات الرئيسية كانت تتحرك نحو خيارات مختلفة.
الثالث عشر: من 1991 إلى الحاضر... هل يتكرر التاريخ؟
في القسم الأخير ينتقل المقال من التاريخ إلى التحذير السياسي. فهو يرى أن المشكلة لم تنتهِ بإنهيار الإتحاد السوفياتي، لأن النمط نفسه يمكن أن يتكرر: أزمة داخلية، ثم صراع على الملكية، ثم محاولة للتفاهم مع الغرب، ثم إعادة توزيع للثروة، ثم إلقاء مسؤولية الأزمة على الزعيم القائم. ويضع الكاتب سلسلة طويلة من المحطات التي يعتبرها تنازلات روسية أو سوفياتية: هلسنكي عام 1975، ومالطا عام 1989، وبيلوفيجيا عام 1991، وخاسافيورت عام 1996، ومينسك عام 2015، وإسطنبول عامي 2022 و2025، ثم أنكوراج عام 2025. القاسم المشترك بينها، في تصور المقال، هو أن النخبة الروسية تكرر نمطاً تاريخياً واحداً: حين تصل الدولة إلى أزمة، تبحث النخبة عن تسوية مع الغرب قبل أن تبحث عن إعادة بناء الدولة من الداخل. وهنا تتحول دراسة الماضي إلى تحذير من المستقبل.
الرابع عشر: 2023 بوصفها «إنذاراً» جديداً
يستحضر الكاتب محاولة التمرد التي وقعت في صيف 2023 بوصفها أول محاولة حديثة لإعادة إنتاج سيناريو تغيير السلطة من داخل النظام، ويرى أن فشلها لا يعني إنتهاء الخطر، بل يعني أن إحتمال تكرار الأزمة سيظل قائماً. وهذه النقطة هي التي تمنح النص طابعه السياسي الراهن. فالكاتب لا يتعامل مع آب أغسطس 1991 كذكرى تاريخية، بل كـنموذج تحذيري. إنه يقول، بصورة غير مباشرة، إن الخطر الحقيقي ليس في المعارضة الخارجية وحدها، وإنما في اللحظة التي تفقد فيها النخبة الحاكمة مصلحتها في بقاء النظام نفسه.
الخامس عشر: الغرب في هذه الرواية... خصم يستفيد من الإنقسام
لا يرى المقال الغرب مجرد قوة خارجية تنافس روسيا، وإنما يضعه داخل بنية الصراع الداخلي الروسي. فالغرب، وفق هذه الرواية، لا يحتاج دائماً إلى إسقاط الدولة بالقوة؛ يكفيه أن يجد داخلها نخبة ترى أن مصالحها الشخصية تتوافق مع الإندماج في النظام الغربي. وهذه نقطة جديرة بالتوقف، لكن مع ضرورة التمييز بين الإستفادة الخارجية من ضعف الدولة وبين التسبب المباشر في إنهيارها. فتاريخ الإتحاد السوفياتي يبين أن الغرب مارس سياسة إحتواء ومنافسة وضغط إقتصادي وسياسي وأيديولوجي، لكنه لا يقدم دليلاً بسيطاً على أن تفكك الإتحاد السوفياتي كان مجرد عملية خارجية أُديرت من الغرب. وفي المقابل، فإن تجاهل أثر البيئة الدولية في إنهيار الإتحاد سيكون تبسيطاً مماثلاً. الحقيقة الأكثر تعقيداً تقع في المنطقة الوسطى: الأزمة الداخلية جعلت الضغط الخارجي أكثر فعالية، والبيئة الدولية جعلت الأزمة الداخلية أكثر خطورة.
السادس عشر: «مرض النخبة» بإعتباره المفتاح التفسيري للمقال
إذا أردنا إختزال النص كله في مفهوم واحد، فسيكون مفهوم أزمة النخبة. فالمقال لا يرى التاريخ الروسي سلسلة من الإنقلابات المنفصلة، وإنما يربط بينها: 1917 → إعادة بناء الدولة → نشوء نخبة جديدة → إمتيازاتٍ → إنفصال المصالح عن الدولة → أزمة شرعية → 1991 → إعادة توزيع الملكية → نشوء نخبة جديدة → إحتمال تكرار الدورة. ومن هذه الزاوية، يصبح أغسطس 1991 مجرد محطة في دورة أوسع. الكاتب يريد من القارئ أن ينظر إلى النخبة لا إلى الزعيم وحده. فالقيصر ليس وحده المسؤول عن شباط فبراير. وغورباتشوف ليس وحده المسؤول عن 1991. ويلتسين ليس وحده المسؤول عن التسعينيات. وبالتالي، فإن بوتين، في الجزء الأخير من المقال، ليس إلا الحلقة الحالية في السلسلة، بينما الخطر الحقيقي، بحسب الكاتب، يكمن في بنية النخبة التي قد تتغير مواقفها عندما تتغير مصالحها.
السابع عشر: ما الذي تكشفه هذه الأطروحة عن معنى آب أغسطس 1991؟
أهمية المقال لا تكمن بالضرورة في أن كل أحكامه التاريخية صحيحة أو قابلة للإثبات، بل في أنه يقدم تفسيراً متماسكاً من داخله لأحداث آب أغسطس 1991. وفق هذا التفسير، لم يكن السؤال الحقيقي يومها: هل يستطيع الجيش إسقاط يلتسين؟ بل كان: هل بقي داخل مؤسسات الدولة من يؤمن بأن الإتحاد السوفياتي يستحق الدفاع عنه؟ وهذا فرق جوهري. فالدولة يمكن أن تمتلك جيشاً هائلاً، وأجهزة أمن قوية، وإقتصاداً ضخماً، وترسانة نووية، ومع ذلك تنهار بسرعة إذا فقدت نخبتها السياسية الإرادة للدفاع عن النظام الذي قامت عليه. وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى للإتحاد السوفياتي: الدولة التي إستطاعت تحمل الحرب العالمية الثانية، وبناء قوة نووية، وإطلاق أول قمر صناعي، ومنافسة الولايات المتحدة لعقود، لم تسقط أمام غزو عسكري أجنبي، وإنما تفككت من الداخل خلال فترة قصيرة نسبياً.
خاتمة: أغسطس آب ليس مجرد ذكرى
بعد خمسة وثلاثين عاماً، لا يزال أغسطس آب 1991 واحداً من تلك الأحداث التي يصعب إختزالها في صورة واحدة. كان إنقلاباً فاشلاً، لكنه كان أكثر من إنقلاب. وكان صراعاً على السلطة، لكنه كان أيضاً صراعاً على مستقبل الدولة. وكان جزءاً من تفكك الإتحاد السوفياتي، لكنه لم يكن وحده سبب ذلك التفكك. وكان إنتصاراً لقوى رأت في إنهيار النظام القديم فرصة لبناء روسيا جديدة، لكنه فتح في الوقت نفسه الطريق أمام تحول إقتصادي وإجتماعي هائل كانت تكلفته البشرية والسياسية عميقة. أما المقال الذي حمل عنوان «أغسطس آب الحد الفاصل»، فيختار زاوية أكثر حدة: الإتحاد السوفياتي لم يُهزم فقط؛ بل إن جزءاً من نخبة الدولة توقف عن الإيمان بالدولة نفسها. ومن هنا تصبح مقارنة 1917 بـ1991 أكثر من مجرد تشابه تاريخي في نظر الكاتب. إنها نموذج متكرر: عندما تنفصل النخبة عن المجتمع، وتتحول الإمتيازات إلى هدف، وتصبح الثروة أهم من الدولة، ويصبح الخارج مرآة للطموحات الداخلية، فإن الدولة قد تدخل مرحلة لا تستطيع فيها مؤسساتها الدفاع عن نفسها. لكن التاريخ، إذا قرئ بقدر كافٍ من الحذر، يقول أيضاً إن إنهيار الدول الكبرى لا ينتج عن عامل واحد. فالإقتصاد، والحرب، والمؤسسات، والقوميات، والأيديولوجيا، والقيادة، والنخبة، والمجتمع، والبيئة الدولية، كلها تتفاعل في لحظة الإنهيار. وهذا ربما هو الدرس الأهم من أغسطس 1991: الدول لا تُحفظ بالقوة وحدها، ولا بالأيديولوجيا وحدها، ولا بالثروة وحدها. إنها تحتاج إلى نخبة ترى أن بقاء الدولة ومصالح المجتمع يتقدمان على مصالحها الخاصة. فحين يحدث العكس، يمكن أن تتحول القوة إلى عبء، والثروة إلى عامل تفكك، والنخبة إلى وسيط للإنهيار، وتصبح الأيام الثلاثة في أغسطس مجرد اللحظة التي ظهر فيها على سطح التاريخ ما كان يتراكم في العمق منذ سنوات طويلة. ولذلك يبقى أغسطس آب 1991 «حداً فاصلاً» بالمعنى الأوسع: ليس فقط لأنه أنهى مرحلة من تاريخ الإتحاد السوفياتي، وإنما لأنه فتح الباب أمام سؤال لم يُحسم تماماً حتى اليوم: ماذا يحدث عندما تنجو النخبة من سقوط الدولة، ثم تصبح هي نفسها صاحبة المصلحة في النظام الذي يأتي بعدها؟
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بمناسبة مرور 35 عاماً على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 4
...
-
جون ميرشايمر - مذكرة التفاهم ماتت! هل يستطيع الحصار إنقاذ ال
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 3
...
-
لماذا تحارب إسرائيل؟
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 2 - آب
...
-
من إسقاط الأسد إلى الصدام على سوريا: هل يتحوّل التقاطع الإسر
...
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 - لو
...
-
ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر
-
ألكسندر دوغين عن السيناريوهات الثلاثة لمستقبل روسيا
-
من تل أبيب إلى برديتشيف: هل يجري بناء «إسرائيل 2.0» في أوكرا
...
-
جون ميرشايمر - حين إنقلبت معادلة القوة: إيران ومأزق ترامب بع
...
-
غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة
-
من صفحات التاريخ - كيف ساعدت فرنسا وروسيا على إنتصار الثورة
...
-
فرنسا بعد غزة: هل أصبحت معاداة الصهيونية جريمة سياسية؟
-
الهزيمة المحتومة: قراءة في تحليل جون ميرشايمر للحرب الأمريكي
...
-
روسيا بين «الخطر الأبدي» و«السحر الثقافي»
-
ميرشايمر يعيد فتح السؤال الأصعب: لماذا فشل الردع في منع حرب
...
-
روسيا أمام مفترق تاريخي: شبح الخلافة وهاجس الإنهاك البنيوي
-
ألكسندر دوغين - فوتشيتش ضعيف الإرادة وهروب الذكاءات الاصطناع
...
المزيد.....
-
شاهد.. نورس يعمل -حارس أمن-.. ومكافأته 4 حبات جمبري يومياً
-
شاهد.. قرية اختفت في لحظات بعد اجتياح الفيضانات الكارثية في
...
-
الأسطورة تقول: دلفين أنقذ مؤسّسها قبل 4 آلاف عام.. مدينة إيط
...
-
مهمة سرية في معرض ألعاب: الاستخبارات الألمانية تبتكر وسيلة ج
...
-
-دمشق تتنفس-.. المدينة القديمة بلا مركبات ليوم كامل
-
إنجاز هندسي مصري جديد في محطة الضبعة.. تركيب -الحماية الجافة
...
-
خطوة تركية بشأن أوكرانيا ومضيق هرمز: اجتماع سبعة وزراء خارجي
...
-
دراسة: الكركمين يحمي الأوعية الدموية لدى مرضى السكري
-
النائب محمد عبده يقترح منصة إلكترونية للاستعلام عن الشركات
-
عبدالرحمن بشاري يواصل التحرك بين أهالي الأقصر لرصد المشكلات
...
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|