عبد الرحمن بوطيب
أديب، ناقد، قاص، شاعر (مدير مجلة امتدادات الرؤى الثقافية)
(Boutaib Abderrahman)
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 02:29
المحور:
الادب والفن
"رابعة الأثافي: خفق جناحين... قصيدة بصوتين"
قراءة نقدية في مشروع «العطفات الشعرية النثرية الحداثية» بين الائتلاف والاختلاف.
الديوان المشترك بين الشاعر المغربي عبد الرحمن بوطيب والشاعرة السورية روضة الدخيل، يتكون من خمسة عشر نصا لبوطيب، تقابلها خمس عشرة «عطفة» للدخيل؛ من «هذا قصيدي يا وطني / لك اعتذاري يا وطني» إلى «نزيف / نزف في جمجمتي».
هذا الانتظام العددي ليس مجرد ترتيب طباعي؛ فهو يؤسس منذ البداية لنظام بنائي يقوم على التناظر والتجاوب والتناوب، بحيث لا تعود القصيدة وحدة مغلقة على ذاتها، وإنما تصبح قابلة لإنتاج نص ثانٍ، والنص الثاني بدوره يعيد إنتاج الأول.
جوهر المشروع باعتباره ديوانا مشتركا يقوم على «بنية مزدوجة»، يكتب فيها أحد الشاعرين نصا، ثم تأتي الأخرى بنص موازٍ يتفاعل معه ويضاعف أفق التأويل، مع اشتغال على الوجداني والوطني والحب والفقد والذاكرة والانكسار.
ــــــــــــــــــــــــــــ
أولا: في تحديد نوع العمل الشعري: من «الديوان المشترك» إلى «العطفة الشعرية»
أول ما ينبغي الحسم فيه أن «رابعة الأثافي» ليس مجرد ديوان مشترك بالمعنى التقليدي.
الديوان المشترك قد يجمع قصائد شاعرين في كتاب واحد، من دون أن تكون هناك علاقة عضوية بين القصيدة والأخرى، أما هنا فالعلاقة إجرائية وتوليدية: النص الأول يستدعي النص الثاني، والثاني لا يستقل عن الأول استقلالا تاما، بل يدخل معه في عملية إعادة بناء للمعنى.
وهذا ما تؤكده نصوص الديوان حين تميز «النص» عن «العطفة» مع التأكيد على تكاملهما بأنهما «وجهان» لتجربة تفاعلية واحدة، تتجاوب فيها العطفة مع البنية الدلالية والتعبيرية والتأثيرية للنص، وكذلك مع معجمه وصوره ورموزه وتكثيفه وانزياحاته ووحدته العضوية.
إذن نحن أمام جنس كتابي / إبداعي هجين داخل قصيدة النثر يمكن تسميته:
قصيدة النثر الحداثية التفاعلية الثنائية، أو قصيدة النثر الحداثية بالعطفة الشعرية.
وهو توصيف أدق من «القصيدة المشتركة»؛ لأن المشترك هنا لا يكمن في التأليف فقط، وإنما في آلية إنتاج النص.
يمكن تمثيل العملية إجرائيا هكذا:
نص أول / استثارة دلالية / عطفة / إعادة توجيه / معنى جديد.
لكن العطفة لا تقوم بالضرورة بوظيفة الشرح أو التعليق أو التتمة.
إنها قد توافق النص، أو توسع دلالته، أو تعكسه، أو تنقله إلى منطقة وجدانية أخرى، أ, تعارض بعض افتراضاته، أو تزعزع يقينه، أو تفتح في نهايته أفقا لم يكن ظاهرا في بدايته.
ولهذا نؤكد أن العطفة ليست «معارضة» بالمعنى الكلاسيكي، بل كتابة موازية تقيم علاقة شد وجذب مع النص.
ومن هنا تأتي القيمة التجديدية للمشروع: إنه يستعيد فكرة المعارضة الشعرية القديمة، لكنه ينقلها من نظام الوزن والقافية والروي إلى نظام الحوار الدلالي والجمالي.
ــــــــــــــــــــــــــــ
ثانيا: العطفة الشعرية بوصفها «تجنيسا» جديدا لقصيدة النثر
إذا كانت قصيدة النثر الحداثية قد تحررت من إلزامية الوزن والقافية، فإن «العطفة الشعرية» تضيف إليها تحريرا آخر هو تحرير القصيدة من أحادية الصوت، فالوحدة الشعرية لم تعد قائمة على قصيدة واحدة، وإنما على (قصيدة + قصيدة مستثارة بها = وحدة شعرية مركبة).
وهذا مهم جدا في تحديد موقع التجربة داخل تطور قصيدة النثر، فهي لا تعود فقط إلى سؤال: كيف نكتب قصيدة بلا وزن؟ بل تضيف سؤالا أكثر حداثة: كيف يمكن أن تولد القصيدة من قصيدة أخرى دون أن تصبح تكرارا لها؟
وهنا يصبح «الآخر» عنصرا بنيويا في الكتابة، لا مجرد قارئ لها.
وهذه الفكرة حاضرة بوضوح في الديوان الذي لا يقدم صوتين منفصلين، وإنما كيانا شعريا واحدا بتعدد داخلي، تتحول فيه الكتابة إلى مساحة لقاء وإنصات متبادل.
ــــــــــــــــــــــــــــ
ثالثا: المحمولات الدلالية ورهاناتها
تكشف عناوين النصوص والعطفات الخمس عشرة عن شبكة دلالية متماسكة، رغم تنوع الموضوعات:
ـــ الوطن والانتماء: «هذا قصيدي يا وطني» / «لك اعتذاري يا وطني»
ـــ التمزيق: «تمزيق» / «تمزيق أشلاء»
ـــ الاختيار والرغبة: «خذ» / «انتق ما طاب لك»
ـــ السكر الوجداني: «نبيذ... إدمان سكرة» / «ثمل بلا خمر»
ـــ الحرف والغياب: «حروف، فهل تعود» / «نهاية لم تقع»
ـــ الاحتضان / الحاجة: «دثريني» / «بلا دثار»
ـــ الحب والألم: «حب الحب: ترنيمة وجع» / «في الانتظار»
ـــ الطبيعة والعداء: «رحيق» / «همهمات غيوم حاقدة»
ـــ الانفجار الوجداني: «بركان» / «بركان ثان»
ـــ الاعتراف والغفران: «للبيلسان وفاء» / «التماس غفران»
ـــ المكان والذاكرة: «جيكورية على صدر غرب المتوسط» / «على جبين موجة المغيب»
ـــ الذاكرة والغرام: «هسيس ذكرى» / «ورق على ورق، وهم غرام»
ـــ الرحيل: «ديار سلمى... والغجر» / «سطوة رحيل»
ـــ الحب والاستحالة: «من دونه خرط القتاد...» / «كأنه... من دونه خرط القتاد»
ـــ الجرح والنزف: «نزيف» / «نزف في جمجمتي»
واللافت أن هذه الموضوعات ليست موزعة عشوائيا؛ إنها تعود إلى النواة الكبرى للتجربة: الحب بوصفه ذاكرة وجرحا وانتظارا وغيابا، والوطن بوصفه جرحا وانتماء ومسؤولية، والذات بوصفها كائنا واقعا بين الرغبة والانكسار.
وهذا يتطابق مع توصيف الوثيقة التي تجمع بين الوطن والجرح والحب والذاكرة والانكسار، لكنها تشدد على أن خصوصية الديوان لا تكمن في الموضوعات نفسها، بل في كيفية قولها.
وهذه ملاحظة نقدية أساسية، فليست جدة الديوان في أنه كتب عن الحب أو الوطن أو الفقد؛ فهذه ثيمات راسخة في الشعر العربي... الجدة في تحويل الموضوع إلى مادة للحوار بين صوتين.
ــــــــــــــــــــــــــــ
رابعا: البنية الفنية المتكاملة
يمكن النظر إلى الديوان على أربعة مستويات مترابطة:
1. البنية الخارجية
خمسة عشر نصا تقابلها خمس عشرة عطفة.
هذا الانتظام يجعل الديوان أقرب إلى سلسلة من الوحدات الثنائية لا إلى مجموعة قصائد منفردة.
كل وحدة تمتلك استقلالها النسبي، لكنها لا تستكمل وجودها الجمالي إلا بقراءة الطرفين معا.
2. البنية الحوارية
العلاقة الأساسية ليست (نص / شرح)، بل: (نص ـــ نص)
أي إن اتجاه القراءة مزدوج.
القارئ يستطيع أن يبدأ من نص بوطيب ويذهب إلى عطفة الدخيل، لكنه يستطيع كذلك أن يعود من العطفة إلى النص، فيكتشف أن القراءة الثانية غيّرت دلالة الأولى، وهنا تتأسس دائرية القراءة.
3. البنية الإيقاعية
بما أن قصيدة النثر لا تستند بالضرورة إلى الوزن الخليلي، فإن الديوان يبني إيقاعه من خلال: (التناوب / التكرار المحوّل / المفارقة / العنوانين المتجاورين / التقابل / الصدى / الانتظار / المفاجأة الدلالية).
أي أن الإيقاع انتقل من مستوى العروض إلى مستوى العلاقة بين النصوص.
هذا التجاور المنتظم بين «النص» و«العطفة» ينتج إيقاعا خاصا قائما على التناوب والتوتر والترقب، لا على الموسيقى التقليدية، وهذا من أهم منجزات التجربة.
4. البنية السيميائية
العنوان المركزي: "خفق جناحين" ليس مجرد صورة رومانسية، إنه مفتاح سيميائي للديوان كله: الجناح الأول لا يكفي للطيران، والجناح الثاني لا يلغي الأول، والتحليق لا يتحقق بالذوبان، وإنما بالتنسيق بين حركتين مختلفتين، لذلك فإن «الجناحين» يمثلان:
أنا / الآخر
الرجل / المرأة
الغرب / الشرق
النص / العطفة
القول / الصدى
الائتلاف / الاختلاف.
وهذا ينسجم مع القراءة التي ترى في العنوان إعلانا عن «وحدة في إطار الاختلاف».
ــــــــــــــــــــــــــــ
خامسا: درجات الائتلاف والاختلاف بين الصوتين
هذه النقطة هي المحور النقدي الأهم في الديوان، فالنجاح الحقيقي في الكتابة الثنائية لا يتحقق عندما يتشابه الصوتان، وإنما عندما يتقاربان بما يكفي لصناعة وحدة، ويختلفان بما يكفي لصناعة شعر، ولو ذاب صوت في الآخر لفقد المشروع مبرره.
= صوت عبد الرحمن بوطيب
من خلال بنية النصوص وعناوينها، يميل الصوت الأول إلى:
بناء مركز دلالي؛
تكثيف العبارة؛
إنتاج الصورة؛
التصريح النسبي بالوجع؛
استدعاء الوطن والذاكرة والحب؛
بناء نواة معنوية يمكن للعطفة أن تدخل إليها.
أي أنه يميل غالبًا إلى تأسيس المجال الشعري.
= صوت روضة الدخيل
أما العطفة فتبدو أكثر ميلا إلى:
الانحراف عن المسار الأول؛
إعادة توجيه الدلالة؛
الإيحاء؛
خلخلة اليقين؛
استثمار الفراغات؛
تكثيف الجانب الوجداني الحواري.
لغة بوطيب تميل إلى التكثيف والاحتشاد الدلالي، بينما تميل الدخيل إلى خلخلة هذا الاحتشاد عبر لغة مراوغة تشتغل على الفراغات كما تشتغل على الامتلاء، لكن الاختلاف ليس قطيع، وهذه نقطة ينبغي تثبيتها.
الاختلاف بين الصوتين ليس اختلافا بين مشروعين شعريين منفصلين، بل اختلاف داخل وحدة إنتاجية واحدة.
ويمكن تقدير مستويات العلاقة هكذا:
الائتلاف الموضوعي مرتفع: الحب، الذاكرة، الفقد، الوطن، الجرح.
الائتلاف الوجداني مرتفع جدا: كلا الصوتين يتحرك داخل المجال الإنساني الحميم.
الائتلاف الجمالي مرتفع: كلاهما يتحرك داخل أفق قصيدة النثر والتكثيف والإيحاء.
الاختلاف الأسلوبي واضح: كل صوت يحتفظ بنبرته الخاصة.
الاختلاف الدلالي متوسط إلى مرتفع: العطفة لا تكتفي بترديد المعنى، بل قد تنقله إلى زاوية أخرى.
الاختلاف الرؤيوي: هو مصدر الطاقة الشعرية الأساسية.
وبعبارة مكثفة:
كلما ازداد الاختلاف داخل الوحدة، ازدادت قدرة الوحدة على إنتاج معنى جديد.
ــــــــــــــــــــــــــــ
سادسا: من الحوارية إلى «الآخر داخل الذات»
هنا يتجاوز الديوان مجرد تقنية الكتابة المشتركة، فالعلاقة ليست بين كاتب وقارئ، بل بين كاتب وكاتب داخل عملية إنتاج واحدة، وهذا يجعل الآخر جزءا من عملية تشكل الذات الشعرية.
كل شاعر يعرف مسبقا أن وراء نصه صوتا آخر سيأتي ليقرأه، ويجاوره، ويعيد توجيهه، وبالتالي يصبح حضور الآخر حضورا سابقا على الكتابة الثانية.
وهذه بنية قريبة من مفهوم الحوارية؛ إذ لا يوجد صوت شعري مكتفٍ بذاته، وإنما كل صوت يتشكل في حضرة صوت آخر، كل صوت «يكتب في حضرة الآخر بل بسببه»، وأن الكتابة تتحول إلى فعل علائقي قائم على الاحتكاك الخلاق، وهنا تظهر قيمة التجربة خارج إطار الثنائية الجندرية نفسها، فليس المهم أن أحد الصوتين رجل والآخر امرأة، فالأهم أن القصيدة نفسها تصبح فضاء للتفاوض بين رؤيتين.
ــــــــــــــــــــــــــــ
سابعا: العطفة باعتبارها فعلا تأويليا
هذه من أكثر الخصائص حداثة في المشروع: العطفة ليست «صدى» بالمعنى السلبي، فلو كانت مجرد صدى لكان النص الأول هو الأصل والثاني تابعا له، لكن المشروع، كما تؤكد القراءة النقدية المرفقة، يرفض هذه العلاقة الهرمية، ويجعل العطفة فعلا تأويليا قد يعيد توجيه البوصلة الدلالية للنص الأول، بل يكشف هشاشة بعض معانيه ويقترح احتمالات أخرى.
وهذا يقودنا إلى مفهوم مهم: "التأويل الإبداعي"، فالعطفة لا تفسر النص، إنها تؤوله شعريا، والفرق كبير.
التفسير يغلق المعنى، أما التأويل الشعري فيعيد فتحه.
لذلك تصبح كل عطفة بمثابة قراءة شعرية للنص السابق، لكنها قراءة لا تستخدم لغة النقد، بل تستخدم لغة الشعر.
ومن هنا يمكن القول إن الديوان يقيم منطقة نادرة بين الإبداع والنقد، فكل عطفة هي، في أحد مستوياتها، نقد شعري للنص الذي سبقها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
ثامنا: التناص واستدعاء الذاكرة الشعرية
تظهر في عناوين مثل:ر «ديار سلمى... والغجر» / «من دونه خرط القتاد» / «البيلسان» / «جيكورية» / «غرب المتوسط»...
إشارات إلى ذاكرة لغوية وثقافية واسعة،وهذه الإشارات لا تبدو مجرد زينة ثقافية، وإنما تؤدي وظيفة في توسيع الحقل المرجعي للقصيدة.
قصيدة النثر الحداثية لا تعني قطع الصلة بالتراث، بل تستطيع أن تستعيده بطريقة مختلفة: ليس باعتباره نموذجا يجب تقليده، بل باعتباره مخزونا دلاليا قابلا لإعادة التشكيل.
وبذلك تتحرك التجربة بين(التراث / الذاكرة / المعاصرة / إعادة إنتاج الدلالة).
وهذه سمة مهمة في تجربة بوطيب خصوصا؛ إذ لا تبدو الحداثة عنده مرادفة للقطيعة مع الذاكرة الشعرية العربية، وإنما لإعادة تشغيلها داخل بنية لغوية جديدة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
تاسعا: رهانات قصيدة النثر الحداثية في الديوان
إذا وضعنا الديوان داخل سؤال قصيدة النثر الحداثية، فإن أهم ما يراهن عليه يمكن تحديده في خمسة مستويات:
1. رهان التحرر من أحادية الصوت: القصيدة لم تعد «أنا» منفردة، بل "أنا + آخر = نحن شعري قابل للتعدد".
2. رهان المعنى المفتوح: لا توجد دلالة نهائية؛ لأن النص يعاد النظر فيه بمجرد أن تأتي العطفة، وهذا ما يجعل المعنى متوالدا لا مكتملا.
3. رهان الإيقاع الجديد: الإيقاع لا يأتي من الوزن، بل من التجاور والتوتر والانتظار.
4. رهان القارئ: القارئ مطالب بأن يقرأ مرتين على الأقل:
النص أولا، والعطفة ثانيا، ثم النص من جديد.
وهذا يحول المتلقي من مستهلك للقصيدة إلى شريك في إنتاج العلاقة بين القصيدتين، فالديوان يحمّل القارئ مسؤولية المقارنة وإعادة بناء المعنى بين النصين.
5. رهان إعادة تعريف الوحدة الشعرية: الوحدة لم تعد القصيدة المنفردة، بل أصبحت: الوحدة الشعرية الثنائية.
وهذه أهم إضافة يمكن أن ينسبها المشروع إلى مسار قصيدة النثر.
ــــــــــــــــــــــــــــ
عاشرا: هل نجح الديوان في تجاوز «اللعبة التقنية»؟
هذا سؤال ضروري، فأي تجربة جديدة معرضة لأن تتحول التقنية فيها إلى غاية، لكن قيمة «رابعة الأثافي» لا تتوقف عند كون أحد الشاعرين يكتب والثاني يجيب.
لو كان الأمر كذلك لبقيت التجربة في حدود اللعبة الشكلية.
أما ما يمنحها مشروعيتها الجمالية فهو أن «العطفة» في تصور الديوان لا تأتي بعد النص زمنيا فقط، وإنما تدخل في إعادة إنتاج دلالته.
وهذا ما يجعل الشكل جزءا من المعنى.
أي أن: الشكل الحواري ليس وعاء للمضمون؛ بل هو مولّد للمضمون.
وهنا تقترب التجربة فعلا من جوهر الحداثة الشعرية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحادي عشر: موقع الديوان من التجربة الثقافية للشاعرين
المشروع لا يقدم نفسه بوصفه مغامرة عابرة، وإنما يأتي امتدادا لممارسة «العطفات الشعرية» التي استمرت بين الشاعرين سنوات، وهي ممارسة عرفت انتشارا منذ أكثر من ست سنوات.
وهذا مهم جدا في إصدار الحكم، لأن التجربة المشتركة هنا ليست وليدة لحظة نشر الديوان.
الديوان يبدو أقرب إلى مرحلة نضج وتجميع وتأطير لممارسة إبداعية سابقة.
ومن هذه الزاوية، فإن «رابعة الأثافي» ليست بداية المشروع، بل لحظة انتقال من ممارسة متفرقة للعطفات / إلى وعي بجنس إبداعي / إلى ديوان يؤطر التجربة ويقدمها للقراءة النقدية، وهذا ما يمنح الديوان قيمة تتجاوز النصوص نفسها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
الثاني عشر: الحكم النقدي العام
يمكن الآن صياغة الحكم العام في مستويين:
أولا: على مستوى التجربة
«رابعة الأثافي: خفق جناحين... قصيدة بصوتين» تجربة ذات مشروعية جمالية واضحة، لأنها لا تقوم على الجمع الاعتباطي بين قصائد شاعرين، وإنما على بناء علاقة توليدية بين النص والعطفة.
إنها تنقل الكتابة المشتركة من مستوى التجاور إلى مستوى التفاعل، ومن التفاعل إلى إعادة إنتاج المعنى.
ثانيا: على مستوى قصيدة النثر الحداثية
يحسب للتجربة أنها لا تبحث عن حداثتها في:
الغرابة المجانية؛
تفكيك اللغة لمجرد التفكيك؛
القطيعة مع التراث؛
أو إلغاء المعنى.
بل تبحث عنها في إعادة تنظيم العلاقة بين الأصوات الشعرية.
وهذا يجعل حداثتها حداثة بنيوية وحوارية أكثر من كونها حداثة شكلية.
ويمكن اختزال المنجز الجمالي للديوان في المعادلة التالية:
قصيدة النثر الداثية / تتحرر من الوزن
العطفة الشعرية / تتحرر من أحادية الصوت
النص والعطفة / يتحرران من العلاقة الأصل - الفرع
الحوار بين الصوتين / يحرر المعنى من الإغلاق
القارئ / يصبح شريكا في إعادة إنتاج الدلالة.
وبذلك تصبح «رابعة الأثافي» تجربة في قصيدة النثر التفاعلية، لا لأن شكلها جديد فحسب، وإنما لأن العلاقة بين النصوص أصبحت هي نفسها جزءا من شعرية النص.
أما عنوانها: "خفق جناحين" فهو لا يصف الديوان فقط، بل يلخص فلسفته الجمالية:
لا وحدة بلا اختلاف،
ولا اختلاف منتجا بلا ائتلاف،
ولا تحليق للقصيدة إلا حين يحتفظ كل جناح بحركته الخاصة وهو يعمل داخل جسد واحد.
لهذا فإن «رابعة الأثافي» ديوان يتأسس على ابتكار إجرائي داخل قصيدة النثر، يتمثل في تحويل العطفة من ملحق بالنص إلى شريك في إنتاجه؛ وفي تحويل الحوار بين شاعرين إلى بنية شعرية قائمة بذاتها، وقد استطاع عبد الرحمن بوطيب وروضة الدخيل أن يحققا قدرا مرتفعا من الائتلاف الموضوعي والوجداني، مع الإبقاء على اختلاف صوتي ورؤيوي ضروري، هو الذي يمنح التجربة توترها وحيويتها، لذلك تكمن القيمة الأبرز للديوان لا في الموضوعات التي يقولها، وإنما في الطريقة التي يجعل بها القصيدة قابلة لأن تُكتب مرتين، وتُقرأ مرتين، وتُفهم في كل مرة على نحو مختلف».
وهذا الحكم يتقاطع مع حكم أن القيمة الجمالية للعمل تكمن في جعل القصيدة مساحة مفتوحة لما لا يمكن أن يُقال إلا بين صوتين.
المكسب الحقيقي لهذا الديوان ليس اختراع «شكل» جديد فحسب، بل اقتراح تصور مختلف لوحدة القصيدة نفسها:
القصيدة لم تعد بالضرورة ما يقوله شاعر واحد، وإنما قد تكون ما يحدث بين قولين.
وهنا تحديدا تتقاطع تجربة بوطيب والدخيل مع جوهر قصيدة النثر الحداثية: الانفتاح، التعدد، الإيحاء، غياب الإغلاق، إعادة بناء العلاقة بين اللغة والمعنى، وتحويل القارئ من متلق إلى طرف في عملية التشكيل الدلالي.
ولذلك يمكن النظر إلى «رابعة الأثافي» بوصفه ليس فقط ديوانا مشتركا، وإنما وثيقة إبداعية تؤسس لمفهوم «العطفة الشعرية» باعتبارها ممارسة قابلة لأن تتحول من تجربة خاصة بين شاعرين إلى مقترح جمالي قابل للدراسة والتأصيل والتجنيس داخل مسار قصيدة النثر العربية الحداثية.
#عبد_الرحمن_بوطيب (هاشتاغ)
Boutaib_Abderrahman#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟