داليا سعدالدين
باحثة فى التاريخ
(Dahlia M. Saad El-din)
الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 02:20
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هل هناك تحالف ضد مصر؟
أم أن شبكة المصالح تعيد تشكيل الخريطة الاستراتيجية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي؟
في المقال السابق حاولنا أن نقترب من السؤال الأساسي بصورة مختلفة قليلًا. فبدلًا من أن نسأل ما إذا كانت مصر تتعرض لـ"حصار استراتيجي"، أو ما إذا كانت مجرد "محاصرة" نتيجة لتطورات إقليمية متزامنة، اقترحنا النظر إلى المشكلة من زاوية أكثر دقة، وهي أن مصر لا تزال تمتلك عناصر قوة مهمة، لكن البيئة الاستراتيجية التي تتحرك داخلها أصبحت أكثر تعقيدا، وأن تكلفة استخدام القوة نفسها قد ارتفعت نتيجة تزامن عدد متزايد من الأزمات والقيود.
لكن هذا التحليل يقودنا بصورة طبيعية إلى سؤال آخر أكثر تحديدا: ماذا لو لم تكن المشكلة مجرد تزامن للأزمات، وإنما كانت هناك بالفعل شبكة من المصالح تتحرك في الاتجاه نفسه، حتى من دون أن تكون هناك غرفة واحدة تجتمع فيها كل الأطراف لوضع خطة موحدة ضد مصر؟
وهنا نصل إلى العبارة التي أصبحت تتكرر كثيرًا في النقاشات السياسية "هناك تحالف يتشكل ضد مصر".
هذه العبارة سهلة ومريحة كثيرا ما تتكرر سواء فى الاعلام أو على مواقع التواصل الاجتماعى؛ إذ ربما لهذا السبب تحظى بشعبية كبيرة. فهي تقدم تفسيرا بسيطًا لمشهد شديد التعقيد، وتمنحنا في الوقت نفسه طرفا محددا يمكن تحميله مسؤولية كل شيء. لكن المشكلة أن التحليل الاستراتيجى الجاد لا يبدأ من السؤال: "من يتآمر على من؟"، وإنما يبدأ بالسؤال: هل نحن أمام تحالف متفق عليه لإضعاف مصر، أم أمام شبكة من المصالح المتقاطعة التى تنتج، من دون اتفاق شامل بالضرورة، بيئة استراتيجية أكثر صعوبة بالنسبة للقاهرة؟
وهنا تظهر أهمية التمييز بين التحالف وشبكة المصالح.
فالتحالف يحتاج، بدرجة ما، إلى اتفاق بين أطرافه، سواء كان هذا الاتفاق معلنًا أو سريا، رسميا أو غير رسميا. أما شبكة المصالح فلا تحتاج بالضرورة إلى اتفاق من هذا النوع. يكفى أن يعمل كل طرف لتحقيق أهدافه الخاصة، وأن تبدأ هذه الأهداف في التقاطع مع أهداف أطراف أخرى، بحيث تؤدى التفاعلات المتراكمة إلى نتيجة لم يخطط لها الجميع باعتبارها مشروع واحد.
بمعنى آخر، يمكن أن تتحرك عدة دول في اتجاهات مختلفة، وكل منها يعتقد أنه يتصرف لمصلحته الوطنية الخاصة، ثم نكتشف بعد وضع هذه التحركات على خريطة واحدة أن النتيجة النهائية هي تغير البيئة الاستراتيجية المحيطة بدولة أخرى.
وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة للاهتمام: هل نحتاج للقول بوجود فعلى لتحالف منظم حتى تنتج المصالح المتقاطعة آثارا استراتيجية واحدة؟
فى اعتقادنا أن الإجابة هى "لا." لأن الجزم بوجود ذلك التحالف يوقيعنا فى شرك "نظرية المؤامرة"، وهو أمر الذى لا يمكن اثباته بشكل قاطع. لذا فإن الإجاب "لا" تعنى عدم الوقوع فى "نظرية المؤامرة"، بل على العكس تماما؛ ففكرة شبكات المصالح قد تكون أكثر هدوءا وأقرب إلى المنطق العلمى فى تفسير العلاقات الدولية من فكرة المؤامرة الشاملة.
كى نفهم المنطق العلمى بقكرة تغلل شبكات المصال، فلنبدأ بنقطة قد تبدو بسيطة كمدخل، ألا وهى التحول الاستراتيجى فى مفهوم الموانىء.
الميناء لم يعد مجرد مرسى للسفن:
يبدو نقاش وتحليل التحول الاقتصادى فى الموانىء، مسألة بسيطة؛ إذ تبدو وكأنها مجر توسع واستثمار فى خدمات الموانىء
في الاقتصاد العالمى الحديث، لم يعد الميناء مجرد مكان ترسو فيه السفن ثم تغادره. الميناء أصبح، في كثير من الحالات، جزءا من منظومة أوسع تشمل المناطق الاقتصادية، والمخازن، والخدمات اللوجستية، وشبكات النقل البرى، والتمويل، والتجارة، والتصنيع، وإدارة سلاسل الإمداد اللوجستية.
ولهذا فإن الدولة أو الشركة التي تدير ميناء مهم لا تكون بالضرورة قد حصلت على "رصيف" فقط، وإنما قد تكون قد حصلت على عقدة داخل شبكة أكبر للحركة التجارية.
وهذا مهم جدا عند النظر إلى الدور الإماراتى فى القرن الأفريقى.
فالمسألة لم تبدأ أمس، بل تمتد إلى سنوات طويلة. ففي جيبوتى، دخلت شركة موانئ دبي في مشروع محطة "دوراليه" للحاويات، في إطار اتفاق امتياز يرجع إلى عام 2006، وبمشاركة بلغت فيها حصة DP World نحو 33% مقابل 67% لجهة الميناء الجيبوتية. وقد استمرت هذه الشراكة لسنوات قبل أن تتفجر الخلافات بين الطرفين لاحقا.
المهم هنا ليس الخلاف القانونى نفسه، وإنما أن تلك التجربة كانت جزءا مبكرا من دخول شركة إماراتية كبيرة إلى البنية التحتية البحرية في منطقة شديدة الحساسية من الناحية التجارية والاستراتيجية.
ثم ظهرت بربرة.ففي عام 2016 حصلت DP World على امتياز طويل الأجل لتطوير وإدارة ميناء بربرة في أرض الصومال، وبدأت الشركة تشغيل الميناء في 2017. وفي بنية المشروع أصبحت إثيوبيا تمتلك 19% من المشروع، مقابل 51% لـDP World و30% لأرض الصومال. كما بدأت أعمال التوسعة في 2017، ثم جرى تطوير المنطقة الاقتصادية المرتبطة بالميناء لاحقا.
وهنا تبدأ النقطة التي نعتقد أنها تستحق التوقف عندها؛ إذ لم تعد "بربرة" مجرد ميناء. فالشركة نفسها قدمت المشروع باعتباره بوابة لشرق أفريقيا، ثم طورت المنطقة الاقتصادية المرتبطة به، وربطت المشروع بالممر البرى المتجه نحو إثيوبيا. وفى مايو 2021 وقعت DP World ووزارة النقل الإثيوبية مذكرة تفاهم لتطوير الجانب الإثيوبي من ممر بربرة، مع تصور لاستثمارات تصل إلى مليار دولار في البنية الأساسية لسلسلة الإمداد على طول الممر.
وفي 2023، أعلنت DP World أن المنطقة الاقتصادية فى بربرة أصبحت جزءا من منظومة متكاملة تضم الميناء والمنطقة الاقتصادية والممر البرى، وأن المشروع مصمم لخدمة التجارة فى القرن الأفريقى، وبخاصة التجارة الإثيوبية العابرة للحدود,
وبالتالي، إذا نظرنا إلى بربرة باعتبارها «ميناء» فقط، فسوف نرى جزءًا من الصورة. أما إذا نظرنا إلى الميناء والمنطقة الاقتصادية والممر البري والسوق الإثيوبية وشبكة الخدمات اللوجستية، فسوف نبدأ في فهم القيمة الاستراتيجية للشبكة التي تتشكل.
وهنا يتغير معنى "النفوذ" نفسه.
لماذا بربرة مهمة جدا لإثيوبيا ؟
إثيوبيا حالة شديدة الأهمية هنا لأنها دولة حبيسة، بالتالى فإن الوصول إلى البحر يمثل بالنسبة إليها قضية حيوية استراتيجيا واقتصاديا، فلطالما سعى أباطرة إثيوبيا للوصول إلى سواحل البحر ما يزيد عن قرن من الزمان.
كما أن أهمية ميناء بربرة، لا يعنى بالضرورة تخلى إثيوبيا عن اعتمادها على جيبوتى كمنفذ استراتيجى فى المنطقة. أيضا لا يعنى أن بربرة سوف تصبح فجأة البديل الوحيد لحركتها التجارية. لكن وجود مسار إضافى إلى البحر يعد تغييرا عاما فى حسابات الدولة الحبيسة، لأنه يوسع خياراتها ويقلل من اعتمادها على مسار واحد.
وهكذا يصبح الربط بين إثيوبيا وبربرة مسألة تتجاوز مجرد التجارة البحتة. فإثيوبيا تملك السوق والسكان والموقع القارى للتغلل فى قلب أفريقيا، كما أن لديها الإمكانات الاقتصادية لذلك. وفى المقابل، توفر الإمارات، عبر شركاتها ومؤسساتها، رأس المال والخبرة اللوجستية وشبكات النقل البحرى وإدارة الموانئ.
وعندما تتقاطع هذه المصالح، فإننا لا نكون بالضرورة أمام "مشروع إماراتى لإضعاف مصر"، وإنما أمام مشروع له منطق اقتصادى واضح بالنسبة إلى أطرافه، لكنه ينتج في الوقت نفسه آثارا جيوسياسية لا يمكن تجاهلها.
وهذا هو الفارق بين دراسة النية ودراسة الأثر البنيوى لمشروع رأسمالى. فقد لا يكون الهدف المعلن هو الضغط على مصر، لكن يمكن أن يكون لهذا النوع من التوسع أثره فى البيئة الاستراتيجية التى تتحرك مصر داخلها.
ماذا عن مصر؟
هنا تصبح المسألة أكثر تعقيدا، لأن الإمارات ليست قوة تعمل ضد مصر فى إطار صورة بسيطة. على العكس من ذلك؛ الإمارات أصبحت فى الوقت نفسه مستثمر مهم داخل الاقتصاد المصرى، لا سيما فيما تعلق بقطاع الموانئ والخدمات اللوجستية.
فمجموعة موانئ أبوظبى أعلنت خلال 2025 و2026 عن توسع واضح في مصر، شمل تطوير وتشغيل محطة "سفاجا" متعددة الأغراض، وكذا تطوير المنطقة الصناعية واللوجستية "كيزاد شرق بورسعيد" بالقرب من مدخل قناة السويس. ايضا استحوذت فى نوفمبر 2025 على نحو 19.3% من شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع بقيمة بلغت 13.2 مليار جنيه مصري، مع تحرك لاحق للحصول على حصة أغلبية.
وفى يونيو 2026 بدأت محطة "نواتوم – سفاجا" التشغيل التجريبى؛ وهو مشروع تبلغ قيمة استثماراته نحو 200 مليون دولار، وتصفه المجموعة بأنه جزء من استراتيجية أوسع لتطوير أصول الموانئ على امتداد ممرات تجارية رئيسية. كما حصل المشروع أيضا على تمويل بقيمة 115 مليون دولار بمشاركة مؤسسة التمويل الدولية وبنك الكويت الوطني – مصر ومؤسسات أخرى.
هنا يجب أن نكون واضحين جدا؛ إذ لا يوجد تناقض ضرورى بين أن تكون الإمارات مستثمر مهم فى مصر، وأن تكون لها مصالح أخرى مغايرة فى إثيوبيا أو القرن الأفريقى. وهى طريقة طبيعية قد تعمل بها العلاقات الدولية والاقتصاد السياسى المعاصر.
فيمكن للدولة نفسها أن تكون شريكا اقتصاديا للدولة "أ"، وشريكا استراتيجيا للدولة "ب". ومع ذلك قد تختلف مع الدولة "أ" فى ملف معين، بينما تتعاون معها فى ملفات أخرى. ولذلك فإن تحويل العلاقات الدولية إلى ثنائية بسيطة من نوع "معنا أو ضدنا" يفقدنا القدرة على فهم البنية الحقيقية للعلاقات.
لكن وجود استثمارات إماراتية كبيرة داخل مصر لا يعنى بالطبع غض الطرف عن آثار الشبكات الأخرى التي تبنيها الإمارات خارجها. وهنا نعود مرة أخرى إلى مفهوم الأثر البنيوى لرأسالمال.
فكل صفقة منفردة قد تكون مبررة اقتصاديا، وقد تكون صفقة "سفاجا" مفيدة لمصر، أيضا قد تكون استثمارات الإسكندرية مفيدة، كما قد يكون تطوير شرق بورسعيد مفيدا للاقتصاد المصرى، وهذا لا يتعارض مع الحقيقة.
لكن عندما نضع الاستثمارات الإماراتية داخل مصر بجوار استثماراتها ومشروعاتها فى البحر الأحمر والقرن الأفريقى، وبجوار شبكات الممرات البرية واللوجستية المرتبطة بإثيوبيا، فإننا نبدأ فى رؤية شبكة أوسع من النفوذ. ومن ثم يبدأ التحليل الاستراتيجى عندما ننتقل من دراسة كل نقطة منفردة إلى دراسة العلاقة بين النقاط مجمعة.
هنا يدخل السودان:
إذا كانت بربرة تربط البحر بالداخل الإثيوبى، وإذا كانت شبكات الموانئ تمتد عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقى، فإن السودان يصبح نقطة شديدة الحساسية؛ لأنه يقع فى قلب المجال الاستراتيجى لجغرافيا مصر، الذى يربط مصر بحوض النيل والبحر الأحمر، والقرن الأفريقى. ومن ثم فإن الحرب السودانية لا يمكن اختزالها بالنسبة إلى مصر فى مجرد كونها حرب أهلية فى دولة الجوار.
لقد أدت الحرب إلى إضعاف الدولة السودانية، وتوسيع مساحة عمل القوى المحلية والإقليمية والدولية، وتحويل مساحات واسعة من السودان إلى بيئة أكثر سيولة من الناحية الأمنية والاستراتيجية. وقد أشار تقرير فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن السودان لعام 2025 إلى استمرار الشبكات اللوجستية والاقتصادية العابرة للحدود، وإلى أن الصراع أصبح يحمل آثارا إقليمية تتجاوز الحدود السودانية إلى تشاد وليبيا وجنوب السودان. هنا تظهر حساسية الاتهامات الخاصة بالدعم الإماراتى لقوات الدعم السريع!
فالسودان اتهم الإمارات علنا بدعم قوات الدعم السريع، وذهبت الخرطوم إلى رفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية فى مارس 2025 على خلفية اتهامات تتعلق باتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية. لكن من الضرورى جدا التمييز بين وجود اتهام رسمي ووجود حكم قضائى يثبت هذه الاتهامات؛ ففى 5 مايو 2025 رفضت محكمة العدل الدولية طلب السودان بشأن التدابير المؤقتة وأمرت برفع القضية من القائمة العامة بسبب مشكلة الاختصاص الناشئة عن تحفظ الإمارات على المادة التاسعة من الاتفاقية. وبذلك لم تصدر المحكمة حكما موضوعيا يثبت الاتهام أو ينفيه.
وهذه النقطة ليست مجرد تفصيلا قانونيا هامشيا؛ إذ هو جزء من المنهج الذى يجب أن نلتزم به. فالشك المنهجى لا يعنى إنكار الاتهامات، كما أن وجود اتهامات متعددة لا يعنى بالضرورة تحويلها تلقائيا إلى حقائق قضائية نهائية.
لذا فإن الصياغة الأدق هى أن الإمارات وُجه إليها اتهامات موثقة سياسيا وإعلاميا ودوليا بدعم قوات الدعم السريع، غير أنها تنفى هذه الاتهامات، بينما تظل بعض عناصر الملف محل تحقيق ونقاش دولى.
ففى يوليو 2026 ظهرت تطورات أخرى زادت من تعقيد الملف؛ إذ أفادت رويترز بأنها اطلعت على مسودة تقرير أممي يتناول استخدام طائرات مرتبطة بشبكة لوجستية لنقل أسلحة وطائرات مسيرة ومرتزقة لصالح قوات الدعم السريع، كما تناولت دور شركة مقرها الإمارات فى تجنيد مقاتلين كولومبيين؛ ورغم ذلك استمر النفى الإمارات والجهات المعنية للصلة التى نسب إليها كل ذلك.
مرة أخرى، لا ينبغى علينا تحويل هذه المعلومات إلى حكم نهائى بأن هناك قيادة إماراتية مباشرة للحرب، أو أن كل ما يحدث جزء من نخطط الهدف منه تهديد أهم عمق استراتيجى لمصر. ومع ذلك، وفى المقابل؛ لا ينبغى تجاهل أن الحرب أصبحت مرتبطة فعلا بشبكات إقليمية ودولية، وأن السودان نفسه أصبح ساحة أكثر انفتاحا لتقاطع المصالح والتدخلات.
بالتالى، ومن وجهة النظر المصرية؛ فإن هذا يمثل مشكلة استراتيجية حقيقية بغض النظر عن تفسير النوايا.
عندما تضعف الدولة المركزية تتغير وظيفة الجغرافيا:
المشكلة هنا أن السودان ليس مجرد دولة جوار لمصر، بل هو أحد المكونات الأساسية للجغرافيا التى تربط مصر بالنيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وعندما تكون الدولة السودانية مستقرة نسبيا، فإن الحدود، والممرات، والعلاقات الثنائية، وأمن المجال الإقليمى تعمل داخل إطار مؤسسى؛ وبالتالى يمكن للدولة المصرية التعامل معه. أما عندما يضعف المركز السياسى والأمنى، فإن المساحات نفسها تصبح أكثر قابلية لدخول أطراف جديدة، اقليميا ودوليا.
من ثم؛ فإن ضعف الدولة السودانية لا يمثل فقط مشكلة أمنية جنوبية بالنسبة إلى مصر، وإنما يمكن أن يتحول إلى عامل يعيد تشكيل الخريطة الإقليمية بأكملها. هنا تتضح قيمة خطورة مفهوم شبكة المصالح أكثر من مفهوم "الخطة الموحدة".
فإذا كانت هناك دولة تعمل على بناء شبكة نفوذ بحرية ولوجستية، ولها علاقات استثمارية واقتصادية مع دول مختلفة، وفى الوقت نفسه توجد دولة أخرى تسعى إلى تأمين منفذ بحرى جديد، ثم تحدث حرب تؤدى إلى إضعاف دولة مركزية تقع في وسط المجال الجغرافى الرابط بين هذه الأطراف جميعا؛ فإن النتيجة النهائية قد تكون خلق بيئة جديدة شديدة المرونة، قادرة على استيعاب أعداد أكبر من اللاعبين.
ومع ذلك، قد نرى أنه ليس من الضرورى أن يكون أحد قد خطط لكل هذه النتائج مسبقا. عموما؛ ما إن تصبح هذه البيئة موجودة، فإنها تتحول إلى فرصة استراتيجية لأى طرف قادر على الاستثمار فيها. هنا يصبح الفرق بين "الخطة" و"الفرصة" شديد الأهمية. فقد لا تكون هناك خطة واحدة، غير أنه قد توجد بيئة تمنح أكثر من طرف فرصا جديدة لاستخدام أدوات "النفوذ".
مصر بدأت فى التحرك:
لكن الصورة لا ينبغى أن يتم رسمها وكأن مصر تقف عاجزة أمام هذه التحولات. على العكس تماما؛ هناك مؤشرات واضحة على أن القاهرة بدأت تتعامل بصورة مباشرة مع كلا من البحر الأحمر والقرن الأفريقى باعتبارهما مجالا استراتيجيا متصلا، وليس مجرد مجموعة من الملفات المنفصلة، هذا فى حد ذاته مؤشر جيد.
ففى 16 مايو 2026، وقعت مصر وإريتريا اتفاقا للتعاون فى مجال النقل البحرى يهدف إلى تعزيز الاتصال اللوجستى والتجارة والاستثمار والاستفادة من الموقع الاستراتيجى للبلدين على البحر الأحمر. وقد أكدت وزارة النقل المصرية أن الاتفاق يمثل خطوة لتطوير التعاون البحرى بين البلدين، بينما وصفه الجانب الإريترى بأنه جزء من توسيع التعاون فى مجال النقل البحرى والملاحة الدولية.
كما تعززت خلال يونيو ويوليو 2026 الاتصالات المصرية الصومالية فى مجالات الأمن والنقل والاقتصاد البحرى، وأعلنت وكالة الأنباء الصومالية الرسمية عن توسيع التعاون بين البلدين فى القطاعات البحرية والاقتصادية، بما فى ذلك الموارد البحرية والاقتصاد الأزرق والتدريب وبناء القدرات، إلى جانب تطور التعاون الأمنى والدفاعى.
تكمن أهمية هذه التحركات فى أنها تعنى أن القاهرة نفسها بدأت تنظر إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي بوصفهما شبكة جغرافية متصلة. وهذا تحول فى طريقة التفكير أكثر من كونه مجرد إضافة اتفاقية جديدة إلى مجموعة الاتفاقيات السابقة.
فإذا كان لاعب ما يبنى شبكة، فإن التعامل مع كل نقطة على حدة لن يكون كافيا. وإذا أصبحت الموانئ والممرات التجارية واللوجستيات أدوات نفوذ، فمن الطبيعى أن تبدأ الدول الأخرى فى بناء شبكاتها الخاصة بدلا من الاكتفاء بالتعامل مع الملفات بصورة منفصلة.
إذن، هل هناك تحالف إماراتي–إثيوبي ضد مصر؟
هنا يمكننا، بعد كل ما سبق، العودة إلى السؤال الذى بدأنا منه. هل يمكن القول استنادا إلى الأدلة المتاحة بأن هناك "تحالفا إماراتيا–إثيوبيا مكتمل الأركان هدفه حصار مصر؟"
في رأيينا، لا توجد في المواد الرسمية المتاحة التى استندنا إليها أدلة كافية لإصدار مثل هذا الحكم. لذا فالسؤال أكبر من الأدلة المتاحة حاليا.
لكن هل يمكن القول فى المقابل إن ما يحدث مجرد مجموعة من الاستثمارات التجارية المنفصلة، وإن الموانئ والممرات والشراكات الاقتصادية ليست لها أية آثار استراتيجية؟
أيضًا لا. فهذا السؤال أيضا أصغر من الواقع الفعلى.
المتاح لدينا، يشير إلى أمر أكثر تعقيدا؛ شبكة متنامية من المصالح تضم الموانئ، والمناطق الاقتصادية، والممرات البرية، وسلاسل الإمداد، وعلاقات الاستثمار، والاحتياجات الإثيوبية إلى الوصول البحرى، والتنافس على البحر الأحمر، والحرب السودانية، والعلاقات مع دول القرن الأفريقى، وفى الوقت ذاته يوجد التوسع الإماراتى فى قطاع الموانئ المصرية نفسها.
كل عنصر من هذه العناصر يمكن تفسيره بصورة منفردة ومنطقية. لكن عندما توضع العناصر كلها على خريطة واحدة، يبدأ المعنى الاستراتيجى الحقيقى فى الظهور.
المشكلة فى "الخريطة" لا فى "النوايا" فقط!
هنا نصل إلى الفكرة الأساسية التي نعتقد أنها أهم ما يمكن أن نخرج به من هذا المقال. فالتحليل الاستراتيجى لا يحتاج دائما إلى إثبات أن دولة ما تريد إضعاف دولة أخرى بصورة مباشرة حتى يثبت أن توسعها يمثل متغيرا استراتيجيا مهما. يكفى أن نثبت أن توسع شبكة الموانئ والممرات والاستثمارات والعلاقات قد أعاد توزيع بعض عناصر النفوذ فى الإقليم.
فالميناء قد يخلق ممرا، والممر قد يخلق شبكة تجارية، والشبكة التجارية قد تخلق اعتماد اقتصادى، والاعتماد الاقتصادى قد يتحول إلى علاقة سياسية؛ وبالتالى قد تتيح العلاقة السياسية ترتيبات أمنية. ومع تراكم هذه العناصر، تتغير الخريطة، حتى لو لم يكن أى طرف قد قرر مسبقا أن يصنع "خريطة جديدة" بالمعنى الحرفى.
بالفعل هذه نقطة بالغة الأهمية، فالجغرافيا السياسية الحديثة لا تُصنع فقط بالدبابات والقواعد العسكرية، وإنما أيضا بالبنية التحتية، وسلاسل الإمداد، والموانئ، والممرات البرية، واللوجستيات، والمناطق الاقتصادية، وشبكات التجارة. هذا ما يجعل النفوذ الحديث أقل وضوحا، لكنه فى الوقت نفسه أكثر خطورة واستدامة.
لماذا لا تكفى مواجهة الإمارات أو إثيوبيا منفردتين؟
لو نظرنا إلى المسألة من زاوية المنافسة الثنائية، سنفقد جزءا مهما مما شرحناه سابقا، وبالتالى من الصورة الكلية.
فإذا كانت مصر تتعامل مع إثيوبيا باعتبارها مشكلة مياه فقط، ومع الإمارات باعتبارها شريكا اقتصاديا فقط، ومع السودان باعتباره أزمة أمنية فقط، ومع البحر الأحمر باعتباره مسألة ملاحة فقط، فإننا سنظل نرى مجموعة من الملفات المنفصلة.
غير أن الوضع الحالى يشير إلى ان هذه الملفات لم تعد منفصلة بالكامل. فالمشكلة ليست "الإمارات" وحدها، ولا "إثيوبيا" وحدها، ولا حتى السودان وحده.
المشكلة هى أن المنطقة نفسها بدأت تعمل بمنطق مختلف. الموانئ أصبحت أدوات نفوذ، واللوجستيات أصبحت جزء من الجغرافيا السياسية، والاستثمار فى البنية التحتية يمكن أن ينتج نفوذا طويل الأجل، والدول الحبيسة تبحث عن ممرات بحرية جديدة، والدول الساحلية تزداد قيمتها الاستراتيجية، والحروب الأهلية تفتح مساحات إضافية للتدخل الخارجى.
هكذا يتغير معنى القوة الإقليمية نفسها.
من "من ضد مصر؟" إلى "كيف يعاد تشكيل المجال حول مصر؟"
لقد آن الأوان، إذن، لأن نتوقف عن السؤال التقليدى: من ضد مصر؟ أو من مع مصر؟
فمثل هذه الأسئلة تفترض أن المنطقة تتكون من معسكرات واضحة، وأن كل دولة يجب أن تكون إما معنا أو ضدنا. غير أن الواقع قد أثبت انه أكثر تعقيدا من ذلك.
قد تكون الإمارات شريكا اقتصاديا مهما لمصر، وفى الوقت نفسه طرفا له مصالح مختلفة، أو مضادة، فى بعض الملفات الإقليمية الأخرى. وقد تكون إثيوبيا منافسا لمصر فى ملف المياه، وفى الوقت نفسه مرتبطة بشبكات تجارة واستثمار مع دول تعمل مع القاهرة. وقد تكون الصومال أو إريتريا جزءا من ترتيبات تعاون مصرية، لكنها فى الوقت نفسه منفتحة على شركاء آخرين.
لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس هو: "هل هؤلاء مع مصر أم ضدها؟"
بليجب ان يكون: "كيف يعيد تفاعلهم جميعا تشكيل المجال الاستراتيجى الذى تتحرك داخله مصر؟"
فى رأينا، أن هذا السؤال هو الأكثر صعوبة، لكنه فى الوقت نفسه عظيم الفائدة والمنطقية العلمية.
ختاما: الشبكة قد تكون أخطر من التحالف:
في نهاية المطاف، لا نحتاج إلى إثبات، أو عدم إثبات، وجود "غرفة عمليات" تجمع الإمارات وإثيوبيا، أوغيرهما من أجل القول إن هناك تحولات استراتيجية مهمة فى محيط مصر.
كذلك، لا نحتاج إلى افتراض أن كل استثمار أو كل اتفاقية أو كل علاقة اقتصادية هي جزء من مؤامرة ضد القاهرة! لأن المهم هو فهم تراكم الآثار.
فالموانئ تتوسع، والممرات تتطور، وشبكات التجارة تتغير، والدول الحبيسة تبحث عن منافذ، والبحر الأحمر أصبح مجالا أكثر تنافسية، والحرب السودانية تعيد تشكيل وظيفة الجغرافيا، والإمارات توسع حضورها في الموانئ والخدمات اللوجستية، ومصر نفسها بدأت فى بناء وتوسيع شبكات تعاونها البحرى فى كل من إريتريا والصومال.
وعندما تتجمع هذه العناصر، فإنها تنتج شيئا أهم من مجرد قائمة اتفاقيات متفرقة؛ إنها تنتج بيئة استراتيجية جديدة.
وهذا هو السبب في أننا نفضل هنا استخدام مفهوم "شبكة المصالح" بدلا من مفهوم "التحالف". كذا استخدامنا لمفهوم "الأثر البنيوى للرأسمالية" بدلا من الاكتفاء بسؤال "ما نية هذه الدولة أو تلك؟".
فربما لا توجد مؤامرة، وربما لا يوجد تحالف شامل.غير أن هناك، بالتأكيد، شبكة مصالح آخذة فى الاستقرا، وهذه الشبكة تغير توزيع النفوذ والحركة فى البحر الأحمر والقرن الأفريقى وحوض النيل، ومن وراء كل ذلك، أفريقيا نفسها.
ولهذا فإن التحدى الحقيقى أمام مصر ليس فقط أن تواجه خصوما أكثر، بل أن تتعلم كيف تتعامل مع "شبكات استراتيجية جديدة بأدواتها الجديدة."
هنا نصل إلى السؤال التالى، الذى يعد فى رأينا أكثر خطورة من كل ما سبق:، ألا وهو (هل تتحكم إثيوبيا فعلا فى النيل؟ أم أننا نستخدم تعبير "التحكم فى النيل" بطريقة تجعل قضية شديدة التعقيد تبدو أبسط بكثير مما هى عليه فعليا؟)
هذا السؤال هو مجال نقاشنا القادم ...
______________________
تقارير دولية:
1. United Nations Security Council. Final Report of the Panel of Experts on the Sudan (S/2025/239). 17 April 2025. تقرير فريق الخبراء التابع للجنة العقوبات الخاصة بالسودان، ويتناول ديناميات الصراع وشبكات الإمداد والتداعيات الإقليمية.
2. International Court of Justice. Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in Sudan (Sudan v. United Arab Emirates), Order of 5 May 2025. وثيقة المحكمة المتعلقة بطلب السودان اتخاذ تدابير مؤقتة، وانتهاء الإجراء بسبب مسألة الاختصاص.
3. United Nations Security Council. Letter dated 29 April 2025 from the Permanent Representative of the United Arab Emirates to the United Nations addressed to the President of the Security Council (S/2025/260). وثيقة رسمية تعرض الموقف الإماراتي من الاتهامات المتعلقة بتقرير فريق الخبراء.
4. United Nations Security Council. Letter dated 2 May 2025 from the Permanent Representative of the Sudan to the United Nations addressed to the President of the Security Council (S/2025/277). وثيقة رسمية تتضمن الرد السوداني على الموقف الإماراتي.
5. World Bank PPP Resource Center. Doraleh Container Terminal, Djibouti Public Private Partnership. وثيقة مرجعية حول هيكل مشروع دوراليه واتفاقية الشراكة مع DP World.
6. DP World. Groundbreaking Ceremony Marks Start of Work at DP World Berbera in Somaliland. 11 October 2018. يتضمن هيكل ملكية مشروع بربرة وحصة إثيوبيا البالغة 19%.
7. DP World. Ministry of Transport of Ethiopia and DP World Sign MoU for the Development of the Ethiopian Side of the Berbera Corridor. 6 May 2021. وثيقة أساسية حول ربط بربرة بالممر التجاري الإثيوبي والتصريح باستثمارات تصل إلى مليار دولار في البنية التحتية لسلسلة الإمداد.
8. DP World. DP World and Somaliland Government Open Berbera Economic Zone. 3 March 2023. توثيق العلاقة بين الميناء والمنطقة الاقتصادية والممر البري باعتبارها منظومة تجارية ولوجستية متكاملة.
9. AD Ports Group. AD Ports Group Secures USD 115 Million Financing Led by IFC and NBK – Egypt to Advance Safaga Terminal in Egypt. 3 February 2026. وثيقة مهمة بشأن مشروع سفاجا والتمويل الدولي وحجم الاستثمار.
10. AD Ports Group. AD Ports Group Launches Trial Operations at Noatum Ports – Safaga Terminal in Egypt. 9 June 2026. توثيق بدء التشغيل التجريبي لمحطة سفاجا وتوسع حضور المجموعة في البحر الأحمر.
11. AD Ports Group. AD Ports Group Launches Cruise and Ferry Terminal Services in Egypt, Strengthening Cruise Tourism Across the Red Sea. 19 May 2026. يتضمن تفاصيل حول سفاجا والغردقة وشرم الشيخ و«كيزاد شرق بورسعيد» وحصة المجموعة في شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع.
12. Egyptian Ministry of Transport, Maritime Transport & Logistics Sector. Signing the Maritime Transport Cooperation Agreement between Egypt and Eritrea. 16 May 2026. وثيقة رسمية حول الاتفاق المصري الإريتري في مجال النقل البحري والربط اللوجستي.
13. Egypt State Information Service. Signing of Cooperation Agreement on Maritime Transport to Enhance Logistics, Economic Integration between Egypt, Eritrea. 17 May 2026. توثيق رسمي مصري للاتفاق ودلالاته الاقتصادية واللوجستية على البحر الأحمر
#داليا_سعدالدين (هاشتاغ)
Dahlia_M._Saad_El-din#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟