أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خورشيد الحسين - البقاع الغربي: جغرافية الوفرة في مواجهة بؤس السياسة















المزيد.....

البقاع الغربي: جغرافية الوفرة في مواجهة بؤس السياسة


خورشيد الحسين
كاتب وباحث سياسي

(Khorshied Nahi Alhussien)


الحوار المتمدن-العدد: 8811 - 2026 / 8 / 28 - 14:27
المحور: الادب والفن
    


ليس البقاع الغربي مجرد مساحة جغرافية في الأطراف اللبنانية، ولا مجرد دائرة انتخابية تظهر على الخريطة كل أربع سنوات. إنه إحدى المناطق التي تختصر مفارقة لبنان كلها: أرض تملك من الماء والتربة والزراعة والإنسان ما يؤهلها لأن تكون رافعة للاقتصاد الوطني، لكنها تعيش منذ عقود تحت وطأة دولة لم تنجح في تحويل هذه الإمكانات إلى تنمية مستدامة.

هنا تتجاور الأرض الزراعية مع نهر الليطاني وبحيرة القرعون، وتنتشر القرى والبلدات التي ارتبطت حياة أهلها تاريخياً بالأرض والزراعة والعمل. ومع ذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: ماذا يملك البقاع الغربي؟ بل: ماذا فعلت الدولة بما يملكه البقاع الغربي؟

وهنا تبدأ الحكاية.

دولة غائبة لا منطقة فقيرة

المشكلة الأساسية في البقاع الغربي ليست ندرة الموارد، بل غياب الإدارة الوطنية التي تحول الموارد إلى قوة إنتاجية واجتماعية.

الطرق والبنى التحتية لم تكن يوماً على مستوى حاجات منطقة زراعية تحتاج إلى نقل منتجاتها يومياً. ومشكلات المياه والصرف الصحي لم تُعالج باعتبارها جزءاً من سياسة إنمائية متكاملة. أما الزراعة، التي كان يفترض أن تكون إحدى ركائز الاقتصاد الوطني، فقد تُرك المزارع فيها في مواجهة كلفة الإنتاج والأسواق وتقلباتها، من دون منظومة حماية وإرشاد وتسويق وتصنيع زراعي توازي حجم الدور الذي يمكن أن تؤديه المنطقة.

وهكذا تحولت الوفرة إلى مفارقة: أرض تستطيع أن تنتج، لكنها لا تجد الدولة التي تساعدها على الإنتاج؛ ومياه موجودة، لكن إدارتها ليست على مستوى أهميتها؛ وطاقات بشرية قادرة على العمل، لكنها تضطر إلى البحث عن فرص خارج منطقتها.

ليست هذه أزمة موسم أو حكومة بعينها، إنها تراكم طويل من غياب الرؤية.

الليطاني: حين يتحول شريان الحياة إلى شاهد اتهام

ولعل أكثر ما يختصر مأساة البقاع الغربي هو نهر الليطاني.

النهر الذي يفترض أن يكون مورداً للمياه والزراعة والطاقة، صار منذ سنوات ملفاً بيئياً مفتوحاً على الأزمات. والمصلحة الوطنية لنهر الليطاني نفسها توثق استمرار تدفق الصرف الصحي غير المعالج إلى النهر وبحيرة القرعون، إلى جانب مصادر التلوث الصناعي والزراعي، في حين لم تكن مشاريع المعالجة تسير بالسرعة والفاعلية المطلوبتين.

وليس الكلام هنا عن مشكلة تاريخية انتهت؛ إذ تشهد الوقائع الميدانية المتكررة—من توقف محطات المعالجة كـ «جب جنين» إلى تسربات الصرف الصحي المحاذية لبحيرة القرعون—على حجم النزف المستمر. هذه التفاصيل ليست هامشاً في قصة البقاع الغربي، إنها صلبها. لأن النهر ليس منظراً طبيعياً؛ إنه ماء وزراعة واقتصاد وصحة ومستقبل. وحين تفشل الإدارة الرسمية في حماية مصدر مائي بهذا الحجم، فإن الخلل يتحول من مجرد أزمة بيئية إلى أزمة كفاءة في إدارة الدولة برمتها.

من يدفع ثمن هذا الفشل؟

يدفع المزارع الثمن أولاً؛ فحين ترتفع كلفة الزراعة وتبقى الأسواق غير مستقرة، يجد نفسه في مواجهة معادلة قاسية: تكلفة مرتفعة، ومخاطر عالية، وعائد غير مضمون.

ويدفع الشاب الثمن أيضاً؛ فغياب الاستثمارات وفرص العمل المتنوعة يجعل الهجرة والنزوح الخيار الواقعي الوحيد. ومع كل شاب يغادر، لا تخسر المنطقة فرداً فحسب، بل تخسر طاقة إنتاجية وعائلة ومستقبلًا محتملاً.

ثم يدفع المجتمع كله الثمن؛ فعندما يشعر المواطن أن الدولة لا تظهر إلا في الضرائب والانتخابات، بينما تختفي عند الخدمة والبنية التحتية والبيئة، يبدأ مفهوم المواطنة نفسه بالاهتزاز، وتنشأ الإشكالية الأكبر: حين يصبح الحق خدمة، وتتحول الخدمة إلى منّة.

عندما تترك الدولة فراغاً: كيف يُصنع الفرق؟

في هذا الفراغ المؤسسي، لا يمكن للمجتمع البقاعي أن يقف متفرجاً أو ينتظر سراب الخطط الحكومية. وهنا تظهر المؤسسات الأهلية والتربوية والاجتماعية والمبادرات المحلية بوصفها محاولة عملية للتعامل مع حاجات لا تحتمل الانتظار.

ومن بين التجارب التي يصعب تجاهلها في البقاع الغربي تجربة مؤسسات «الغد الأفضل» والجامعة اللبنانية الدولية (LIU). فقد امتد حضور هذه المؤسسات إلى مجالات التعليم والتدريب والخدمات الاجتماعية والصحية، وشكّل بالنسبة إلى كثير من أبناء المنطقة مساحة إضافية للتعليم والعمل والمساعدة في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة.

وفي هذا المسار برز حسن مراد في مواصلة العمل المؤسساتي الذي أرسى أسسه والده الوزير السابق عبد الرحيم مراد، عبر منظومة تعليمية واجتماعية اتسع حضورها في البقاع الغربي على مدى سنوات.

وهذا الدور، مهما بلغت أهميته، لا يلغي حقيقة أساسية: المؤسسات، مهما بلغ حجمها، لا تستطيع أن تحل محل الدولة. فهي تستطيع أن تفتح جامعة، أو توفر فرصة تعليم، أو تقدم خدمة اجتماعية، أو تتدخل في أزمة؛ لكنها لا تستطيع وحدها أن تضع سياسة زراعية وطنية، أو تعالج الليطاني، أو تنشئ شبكة صرف صحي متكاملة، أو تعيد بناء البنية التحتية لمنطقة بأكملها.

هذه وظائف دولة.

ومن هنا يصبح الفرق واضحاً بين المبادرة التي تسد جزءاً من الفراغ، والدولة التي يفترض ألا تترك الفراغ أصلاً.

السؤال الأكبر

إنصاف التجارب التي قامت بدور اجتماعي وتربوي في البقاع لا يتناقض مع مساءلة الدولة، بل يجعل هذه المساءلة أكثر إلحاحاً.

فحين تنجح مؤسسة في توفير ما يحتاج إليه الناس، فهذا أمر يستحق التقدير. لكن نجاحها لا يحوّل الحق العام إلى خدمة خاصة، ولا يعفي الدولة من مسؤوليتها.

ولا ينبغي أن يصبح المواطن مضطراً إلى معرفة نائب أو مؤسسة أو زعيم حتى يحصل على الماء أو التعليم أو الطبابة أو الطريق.

البقاع الغربي لا يطلب صدقة، ولا يستدعي عطفاً من أحد.

إنه يملك الأرض والماء والإنسان، ويملك أيضاً نماذج أثبتت أن العمل المنظم قادر على صناعة فرق حقيقي.

لكن المطلوب في النهاية ليس أن يستمر الأفراد والمؤسسات في سدّ ثقوب الدولة إلى ما لا نهاية.

المطلوب دولة ترتقي إلى مستوى أهلها.

دولة تحمي الليطاني، وتصون الأرض الزراعية، وتفتح الطريق أمام الإنتاج، وتؤمن الماء والصرف الصحي والتعليم والصحة باعتبارها حقوقاً، لا خدمات تُوزع بحسب القدرة على الوصول إلى هذا المسؤول أو ذاك.



#خورشيد_الحسين (هاشتاغ)       Khorshied_Nahi_Alhussien#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما وراء الرماد: هل تخرج الضفة الغربية عن السيطرة؟
- هندسة الاستباحة: كيف تُحوّل عقيدة -المناطق الآمنة- إسرائيل ج ...
- المفاوضات مع إسرائيل... لماذا تبدأ الأزمة قبل توقيع الاتفاق؟
- ضمانات أمريكا... يا طالب الدبس من طيز النمس
- السلة الكاملة: اتفاق ينهي الحرب ويبني الدولة
- اتفاق الإطار الثلاثي: السيادة المشروطة وخريطة الانتحار اللبن ...
- السنة في لبنان:أزمة زعامة ….وزحمة مستزعمين
- نعم للخيانة... لا للتخوين: نحو مسطرة وطنية لفرز المواقف
- الشرق الأوسط المُدار وفلسطين: من هندسة التوازنات إلى اختبار ...
- أدرعيّو الداخل: حين يتكلم العربي بلسان الاحتلال
- التلاحم الوظيفي بين سردية المحتل وأبواق الانحراف الداخلي
- الدولة كملف إداري؛ تحولات السيادة في عصر -الإدارة التقنية- ل ...
- ما وراء الردع المتآكل: إعادة صياغة الشرق الأوسط في فضاء ما ب ...
- قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين: من -قوننة- الاستثناء إلى انك ...
- المأزق الأمريكي–الإسرائيلي: حين تعجز التكنولوجيا أمام حرب ال ...
- من غزة إلى الجنوب: صراع -الجذور- ضد مشروع الاقتلاع
- لبنان: الدولة التي لم نتفق عليها... ولا على أعدائها
- الهوية الفلسطينية...صراع الوجود
- مسقط : مفاوضات لمنع الحرب… لا لصناعة السلام
- ما بعد طوفان الأقصى: بناء الحاضنة السياسية للمقاومة الفلسطين ...


المزيد.....




- التعليم العالي: اليوم .. بدء تسجيل اختبارات القدرات المؤهلة ...
- معتصم النهار يخوض تجربة التقديم للمرة الأولى في -موريكس دور- ...
- 4.6 أمتار من الألوان.. فنانات يصنعن طائر أوريغامي عملاقًا لإ ...
- اتحاد الكتاب الفلسطينيين… وحدة الثقافة وقوة الدبلوماسية الثق ...
- -عار على مصر-.. أزمة حادة وتراشق بين نقيب الموسيقيين وناقد ف ...
- سطو جريء في فيينا.. سرقة -عقد الملكة نازلي- التاريخي في وضح ...
- الممثلة التونسية سوسن معالج: -السينما والصورة والكلمة الحرة ...
- بوق الجلاد لن يمثل الضحية.. -أبو أصيل- يحاكم فناني نظام الأس ...
- الفنانة السورية فايا يونان تعلن خطوبتها: -أجمل من أي صورة رس ...
- زاخاروفا تعليقا على حفل كاني ويست: أبواب روسيا مفتوحة لجميع ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خورشيد الحسين - البقاع الغربي: جغرافية الوفرة في مواجهة بؤس السياسة