|
|
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 4 – ثلاثة أيام هزّت الإمبراطورية: كيف حاولت لجنة الطوارئ إنقاذ الإتحاد السوفياتي فأسرعت بإنهياره؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 20:26
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أغسطس 1991 بين إنقلابٍ لم يكتمل ودولةٍ كانت تتفكك من الداخل
في صباح 19 أغسطس 1991، إستيقظ الإتحاد السوفياتي على مشهد بدا، للوهلة الأولى، وكأن الدولة عادت إلى زمنها القديم: دبابات في موسكو، بيانات رسمية عبر الإذاعة والتلفزيون، قيادة سياسية جديدة تعلن «حالة الطوارئ»، ورئيس الإتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف غائب عن المشهد في مقر إقامته بمنتجع فوروس في القرم. لكن ذلك المشهد، الذي حمل في ظاهره كل أدوات السلطة السوفياتية، أخفى حقيقة أكثر تعقيداً: الدولة التي حاولت لجنة الدولة لحالة الطوارئ، المعروفة اختصاراً بـ«لجنة الطوارئ» أو «غكشبي»، إنقاذها كانت قد دخلت بالفعل مرحلة تفكك سياسي ومؤسسي عميق. وهنا تكمن المفارقة الكبرى لأحداث أغسطس 1991: القوة التي أرادت وقف إنهيار الإتحاد السوفياتي أصبحت، بفشلها، أحد العوامل التي سرعت إنهياره. هذه هي الخلاصة المركزية التي يقدمها تقرير «غكشبي: فك الإختصار، التشكيل وأحداث أغسطس 1991» المنشور في صحيفة RBK الروسية في 19 أغسطس 2026. والتقرير ذو طبيعة توثيقية-تفسيرية، وليس مقال رأي، ويجمع بين التسلسل الزمني، والخلفية السياسية والقانونية، وأسماء المشاركين، والقراءات اللاحقة للأحداث.
لم تكن القصة مجرد إنقلاب عسكري
التسمية نفسها — «الإنقلاب» أو «الإنقلاب الفاشل» — تحتاج إلى شيء من التدقيق. فبحسب التقرير، كانت «لجنة الدولة لحالة الطوارئ» مجموعة من كبار المسؤولين السوفيات حاولت بين 19 و21 أغسطس 1991 الإستيلاء على زمام السلطة وإعلان نفسها صاحبة الصلاحيات الإستثنائية، بهدف إبعاد غورباتشوف، وإيقاف مسار «البيريسترويكا»، ومنع توقيع معاهدة إتحادية جديدة كان مقرراً توقيعها في 20 آب أغسطس. لكن دوافع المجموعة لم تكن، وفق الخطاب الذي قدمته إلى الجمهور، مجرد رغبة شخصية في الإستيلاء على السلطة. كانت اللجنة تقول إنها تتحرك لإنقاذ الدولة من «الأزمة العميقة والشاملة»، ومن «الفوضى والأناركية» ومن الأخطار التي تهدد «حياة وأمن مواطني الإتحاد السوفياتي، وسيادته وسلامة أراضيه». وهنا يظهر التناقض الأساسي. أعضاء اللجنة رأوا أنفسهم، أو قدموا أنفسهم، كمنقذين للدولة؛ بينما رآهم خصومهم بإعتبارهم مغتصبين للسلطة. وفي 29 آب أغسطس 1991، وصف مجلس السوفيات الأعلى للإتحاد السوفياتي تشكيل اللجنة بأنه غير دستوري، وإعتبر أفعالها «إنقلاباً على الدولة» و«محاولة لإغتصاب السلطة». كما أشار التقرير إلى أن الحق في إعلان حالة الطوارئ على كامل أراضي الإتحاد لم يكن من صلاحيات لجنة أنشئت من خارج الإجراءات الدستورية. وهذا يفسر لماذا بقيت تسمية «الإنقلاب» هي الأكثر شيوعاً، رغم إستمرار الخلاف السياسي والتاريخي حول طبيعة ما حدث.
المفارقة: كانوا يريدون إنقاذ الإتحاد من معاهدة جديدة
لفهم أغسطس 1991، لا يكفي النظر إلى الأيام الأربعة التي بدأت في 19 آب أغسطس. الجذور كانت أعمق بكثير. كان الإتحاد السوفياتي في نهاية الثمانينيات يعيش أزمة مركبة: إصلاحات سياسية وإقتصادية، تراجع سلطة الحزب الشيوعي، صعود الجمهوريات الإتحادية، أزمات إقتصادية، صراعات قومية، وتنافس متزايد بين مؤسسات السلطة الإتحادية والجمهورية الروسية. وكان مشروع المعاهدة الإتحادية الجديدة هو النقطة التي تبلورت حولها مخاوف المحافظين. كان من المقرر توقيع المعاهدة في 20 آب أغسطس 1991، وكان أنصارها يرون أنها وسيلة لإعادة تنظيم العلاقة بين المركز والجمهوريات، بينما رأى خصومها فيها خطوة قد تؤدي عملياً إلى إنهاء الإتحاد السوفياتي بصيغته المعروفة. ويشير التقرير إلى أن مشروع «إتحاد الدول ذات السيادة» كان يتحدث عن إتحاد يضم 11 دولة ذات سيادة، في صيغة مختلفة جذرياً عن الإتحاد السوفياتي المركزي السابق. بالنسبة إلى المحافظين، لم يكن الأمر إصلاحاً دستورياً عادياً، بل سؤالاً وجودياً: هل يبقى الإتحاد السوفياتي دولة إتحادية واحدة، أم يتحول إلى إتحاد ضعيف من جمهوريات ذات سيادة؟ ومن هنا يصبح توقيت التحرك مفهوماً أكثر. لم يكن 19 آب أغسطس تاريخاً عشوائياً. كان اليوم السابق للموعد المقرر لتوقيع المعاهدة.
غورباتشوف: من الشريك المحتمل إلى الرجل المعزول
الأكثر إثارة في رواية الأحداث هو أن منظمي التحرك لم يبدأوا، بحسب التقرير، بمحاولة إقصاء غورباتشوف مباشرة. في 17 أغسطس إجتمعت المجموعة في مقر مغلق لجهاز أمن الدولة في موسكو، وكانت الفكرة الأولى هي التعامل مع غورباتشوف نفسه. وفي 18 أغسطس توجه عدد من المسؤولين إلى فوروس في القرم حيث كان الرئيس السوفياتي في إجازة. كان المطلوب إقناعه بالموافقة. لكن غورباتشوف رفض. وهنا إنتقلت الخطة إلى مرحلة مختلفة تماماً. فبدلاً من الحصول على موافقة الرئيس، جرى عزله في مقر إقامته، وقطعت عنه وسائل الإتصال الحكومية، وبدأت اللجنة العمل من دونه. هذه اللحظة كانت، من الناحية السياسية، شديدة الأهمية. فغورباتشوف لم يكن مجرد شخص يمكن تجاوزه بسهولة؛ كان الرئيس الشرعي للإتحاد السوفياتي. ولذلك فإن إنتقال المجموعة من محاولة الحصول على موافقته إلى عزله جعل الصراع يتحول من خلاف داخل القيادة إلى صراع مباشر على الشرعية.
ثمانية رجال في قلب العاصفة
تكوّنت لجنة الطوارئ رسمياً من ثمانية أشخاص يمثلون أجنحة مختلفة من الدولة السوفياتية. كان في مقدمتهم: - غينادي يانايف، نائب رئيس الإتحاد السوفياتي، الذي تولى علناً مهام الرئيس وأصبح الوجه السياسي للجنة. - فالنتين بافلوف، رئيس وزراء الإتحاد السوفياتي. - فلاديمير كريوتشكوف، رئيس جهاز أمن الدولة. - دميتري يازوف، وزير الدفاع. - بوريس بوغو، وزير الداخلية. - أوليغ باكلانوف، النائب الأول لرئيس مجلس الدفاع. - فاسيلي ستارودوبتسيف، رئيس إتحاد الفلاحين. - ألكسندر تيزياكوف، رئيس رابطة المؤسسات والمنشآت الحكومية الصناعية والإنشائية والنقل والإتصالات. لكن الدائرة الأوسع كانت أكبر من هؤلاء الثمانية، وضمت شخصيات بارزة مثل فالنتين فارينيكوف، وفاليري بولدين، وأوليغ شينين، وفلاديمير ميدفيديف، وفياتشيسلاف غيرينوف، وغيني آغييف، ورئيس مجلس السوفيات الأعلى أناتولي لوكيانوف، وإن إختلفت درجات مشاركتهم وأدوارهم. واللافت هنا أن اللجنة لم تكن حزباً سياسياً جديداً ولا حكومة بديلة بالمعنى الدستوري. لقد كانت إئتلافاً من مسؤولين كبار داخل النظام القائم نفسه. وهذه نقطة مهمة لفهم طبيعة الأزمة: الإنقلاب لم يأت من خارج الدولة، بل خرج من قلب جهاز الدولة.
ماذا أرادت اللجنة فعلياً؟
في خطابها الرسمي، لم تقل اللجنة إنها تريد تدمير النظام السوفياتي أو تأسيس نظام جديد. على العكس. قدمت نفسها بإعتبارها قوة تريد إستعادة النظام. تحدثت عن «تجاوز الأزمة العميقة والشاملة»، وعن «الفوضى والأناركية»، وعن حماية «السيادة والسلامة الإقليمية» للإتحاد. كما وعدت بـ«إجراء مناقشة شعبية واسعة لمشروع المعاهدة الإتحادية الجديدة» و«إستعادة الشرعية والنظام العام بصورة عاجلة». لكن الإجراءات التي إتخذتها جعلت الخطاب يبدو أكثر خطورة. فقد شملت القرارات: السيطرة على وسائل الإعلام، حظر المظاهرات والإضرابات، فرض حظر التجول عند الضرورة، السيطرة على المنشآت الحيوية، تنسيق عمل الجيش والأجهزة الأمنية، وتعليق نشاط الأحزاب والمنظمات التي إعتبرت معرقلة لتطبيع الوضع. وهنا تظهر إحدى أكبر مفارقات التجربة: اللجنة قالت إنها تريد إستعادة القانون والنظام، لكنها بدأت عملها بإجراءات إعتبرتها مؤسسات دستورية سوفياتية نفسها غير قانونية.
19 أغسطس: الدبابات تدخل موسكو... لكن السلطة لا تدخل معها
في صباح 19 آب أغسطس دخلت قوات إلى موسكو. ويورد التقرير أرقاماً لافتة: نحو 362 دبابة وأكثر من 400 ناقلة جند ومدرعة ومركبة قتال مشاة، ونحو أربعة آلاف جندي. لكن دخول القوات لم يكن مساوياً للسيطرة على العاصمة. فالسلطة السياسية لا تقوم على عدد الدبابات وحده. وهذا ما كشفته الساعات التالية. ظهر يانايف في المؤتمر الصحفي الشهير للجنة، وكانت يداه ترتجفان بصورة أصبحت لاحقاً واحدة من أكثر صور الإنقلاب شهرة. وسألته الصحفية تاتيانا مالكينا السؤال الذي تحول إلى عنوان رمزي للأزمة: «هل تدركون أنكم إرتكبتم الليلة إنقلاباً على الدولة؟» لم يكن السؤال مجرد إستفهام صحفي. كان تعبيراً عن أزمة الشرعية التي كانت اللجنة عاجزة عن حلها. وفي الوقت نفسه، ظهر بوريس يلتسين أمام مبنى السوفيات الأعلى الروسي، داعياً إلى مقاومة اللجنة، ومعلناً أن إجراءاتها غير دستورية وإجرامية. وفي خلفية المشهد كان التلفزيون السوفياتي يبث بصورة متكررة باليه «بحيرة البجع». الصورة أصبحت لاحقاً رمزاً للإرتباك السياسي الذي أصاب الدولة: دبابات في الشوارع، قيادة تعلن حالة طوارئ، ورئيس معزول، وتلفزيون يبث الباليه بدلاً من تفسير ما يحدث.
20 آب أغسطس: اللحظة التي كان يمكن أن تتحول فيها الأزمة إلى حرب داخلية
في اليوم التالي بدأت الحشود تتجمع حول «البيت الأبيض» الروسي. ظهرت المتاريس. وبدأت القيادة العسكرية تدرس إحتمال إقتحام المبنى وإعتقال قيادة جمهورية روسيا. هنا كان السؤال الحاسم: هل ستستخدم السلطة السوفياتية الجيش ضد مواطنيها؟ كانت الإجابة النهائية: لا. أو على الأقل، لم يحدث الإقتحام الشامل الذي كان يمكن أن يغير تاريخ الإتحاد السوفياتي بصورة دموية تماماً. ويشير التقرير إلى أن قيادة اللجنة لم تتمكن من إعطاء أمر واضح وحاسم بالهجوم، بينما ظهرت خلافات داخل القيادة العسكرية. كما إنتقل قائد القوات المحمولة جواً بافيل غراتشوف إلى جانب يلتسين مساء 20 آب أغسطس. وفي مذكراته، تحدث الجنرال ألكسندر ليبيد عن وجود خطة لإستخدام القوة والإستيلاء على البيت الأبيض وإعتقال القيادة الروسية، لكن أعضاء اللجنة لم يجرؤوا على المضي في مواجهة يمكن أن تسفر عن عدد كبير من الضحايا. وهنا يمكن رؤية عامل آخر في فشل الإنقلاب: لم تكن المشكلة أن القوة العسكرية لم تكن موجودة؛ بل أن القيادة السياسية لم تكن مستعدة لتحمل الكلفة السياسية والأخلاقية والإنسانية لإستخدامها.
21 أغسطس: ثلاث وفيات تكشف حدود القوة
في 21 أغسطس قتل ثلاثة متظاهرين أثناء محاولتهم إيقاف رتل عسكري في نفق تحت شارع نوفي أربات. وكانت هذه الوفيات نقطة تحول إضافية. فبعدها بدأ عدد من كبار الضباط يؤيدون إخراج القوات من موسكو لمنع المزيد من إراقة الدماء. وبدأ واضحاً أن اللجنة فقدت السيطرة السياسية على مسار الأحداث. عاد غورباتشوف من فوروس إلى موسكو، بينما إتخذ يانايف قرار حل اللجنة والتخلي عن مهامه الرئاسية المؤقتة. وبذلك إنهارت محاولة السيطرة على الدولة خلال أيام قليلة. لقد بدأت العملية بالدبابات وإنتهت بتراجعها.
لماذا لم يدعم الجيش اللجنة بالكامل؟
ربما كان هذا هو السؤال الأكثر أهمية في تفسير الفشل. فاللجنة كانت تضم وزير الدفاع ورئيس جهاز أمن الدولة ووزير الداخلية وكبار المسؤولين. ومع ذلك لم تتمكن من إستخدام مؤسسات القوة بصورة موحدة. ويعرض التقرير عدة عوامل: ▪️أولاً، غياب خطة موحدة ومتفق عليها بصورة كاملة. ▪️ثانياً، التردد داخل القيادة العسكرية. ▪️ثالثاً، رفض بعض العسكريين تنفيذ سيناريو دموي. ▪️رابعاً، ضغط الحشود المدنية حول البيت الأبيض. ▪️خامساً، إعلان يلتسين إعادة إخضاع أجزاء من الأجهزة العسكرية الموجودة على أراضي روسيا للسلطات الروسية. ومن هنا يظهر درس سياسي أوسع: السلطة لا تملك الجيش لمجرد أن وزيري الدفاع والداخلية يقفان معها. فالجيش مؤسسة سياسية بقدر ما هو مؤسسة عسكرية، وعندما ينقسم مركز الشرعية، يصبح تنفيذ الأوامر نفسه موضع سؤال.
النهاية القانونية: إنقلاب بلا حكم قضائي نهائي
بعد إنهيار اللجنة أعتُقل معظم أعضائها. أما بوريس بوغو، وزير الداخلية، فإنتحر. بدأ التحقيق والمحاكمة، لكن القضية لم تنته بحكم قضائي نهائي يحدد المسؤولية الجنائية لجميع المشاركين. ففي فبراير 1994 أعلنت دوما الدولة عفواً عن المتهمين، وأوقفت المحكمة العسكرية القضية بحق المشاركين. الإستثناء الأبرز كان فالنتين فارينيكوف الذي رفض العفو ومثل أمام المحكمة، وإنتهى الأمر إلى تبرئته لعدم وجود عناصر الجريمة في أفعاله وفق الحكم المشار إليه في التقرير. وهكذا بقيت أحداث أغسطس في منطقة غريبة بين التاريخ والسياسة والقانون: محاولة إنقلاب موصوفة رسمياً بأنها غير دستورية، لكن من دون خاتمة قضائية نهائية شاملة لجميع المشاركين.
المفارقة الكبرى: لجنة أرادت إنقاذ الإتحاد فقضت عليه
ربما تكون هذه هي أهم نتيجة تاريخية للحدث كله. قبل أغسطس 1991 كان الإتحاد السوفياتي لا يزال موجوداً بوصفه دولة، رغم أزماته العميقة. بعد فشل الإنقلاب، أصبحت عملية تفككه أسرع بكثير. ▪️تراجعت مكانة الحزب الشيوعي بصورة حادة. ▪️إستقال غورباتشوف من منصب الأمين العام للحزب في 24 أغسطس ودعا إلى حل اللجنة المركزية. ▪️وفي اليوم السابق كان يلتسين قد علق نشاط الحزب الشيوعي في روسيا. ▪️وفي جمهوريات الإتحاد تسارعت إعلانات الإستقلال. ▪️أما مشروع المعاهدة الإتحادية فلم يعد إلى مساره السابق. وفي 8 ديسمبر 1991 وقعت روسيا وأوكرانيا وبيلاروسيا إتفاقية إعلان إنتهاء وجود الإتحاد السوفياتي وإنشاء رابطة الدول المستقلة. وفي 26 ديسمبر إنتهى الإتحاد السوفياتي رسمياً. ولهذا يستشهد التقرير بتقييم أستاذ العلوم السياسية في المدرسة العليا للإقتصاد بوريس ماكارينكو، الذي يرى أن أعضاء اللجنة كانوا يأملون في إنقاذ الإتحاد، لكن تحركهم أدى إلى النتيجة العكسية. أما غورباتشوف نفسه فقال في 2021: فشل الإنقلاب، لكنه أضعف موقع رئيس الإتحاد السوفياتي، وخلق ظروفاً أصبح فيها من الصعب بصورة لا تصدق مواصلة الجهود للحفاظ على الإتحاد». هذه العبارة تختصر مفارقة أغسطس بأفضل صورة.
هل كان إنهيار الإتحاد حتمياً؟
هنا ينبغي الحذر من القراءة بأثر رجعي. فالتقرير لا يقدم الإنهيار بإعتباره نتيجة حتمية بدأت في 19 آب أغسطس. بل يضع الأحداث ضمن أزمة كانت قائمة بالفعل. ▪️كانت الجمهوريات تطالب بمزيد من السيادة. ▪️وكانت سلطة المركز تتراجع. ▪️وكان الحزب الشيوعي يفقد إحتكاره السياسي. ▪️وكان الإقتصاد يعاني. وكانت المؤسسات الإتحادية والروسية تتنافس على الصلاحيات. ▪️وكان غورباتشوف نفسه يحاول بناء صيغة جديدة للإتحاد. لذلك يمكن النظر إلى آب أغسطس 1991 بإعتباره مسرّعاً تاريخياً أكثر منه سبباً وحيداً. لكن هذا لا يقلل من أهمية الحدث. فالإنقلاب الفاشل غيّر ميزان القوى بصورة هائلة. قبل 19 آب أغسطس كان يلتسين منافساً قوياً لغورباتشوف. بعد 21 آب أغسطس أصبح مركز الثقل السياسي ينتقل بصورة متسارعة من المؤسسات الإتحادية إلى روسيا والجمهوريات. وقبل الإنقلاب كان بقاء الإتحاد، بصيغة جديدة، لا يزال إحتمالاً سياسياً قائماً. بعده أصبح هذا الإحتمال أضعف بكثير.
لماذا بقيت ذاكرة آب أغسطس منقسمة؟
بعد مرور سنوات لم تتشكل ذاكرة روسية موحدة عن الأحداث. وهذه نقطة مهمة جداً في تقرير آر بي كا. ففي إستطلاعات الرأي التي أجراها مركز ليفادا وغيره من المؤسسات، ظهرت مواقف متباينة تجاه اللجنة وخصومها. ويشير التقرير إلى أن إستطلاعاً لمؤسسة الرأي العام في 2006 أظهر أن 22% من المستطلعين رأوا أن البلاد كانت ستكون أفضل لو نجحت اللجنة في الإستيلاء على السلطة والحفاظ عليها، مقابل 20% رأوا العكس. وفي إستطلاعات مركز الرأي العام الروسي عام 2021، قال 84% إنهم سمعوا عن الإنقلاب، لكن 21% فقط تمكنوا من فك إختصار «غكشبي» بصورة صحيحة. وفي تفسير فشل اللجنة، أشار 20% إلى غياب الدعم الشعبي، بينما أشار 12% إلى ضعف الإعداد. أما بشأن النتائج المحتملة لنجاح اللجنة، فقال 13% إن حياتهم ربما كانت ستتحسن، بينما رأى 17% العكس. الأرقام لا تقدم حكماً تاريخياً بحد ذاتها، لكنها تكشف شيئاً مهماً: آب أغسطس 1991 لم يتحول إلى ذكرى تاريخية مستقرة؛ بل ظل موضوعاً لإعادة التفسير السياسي.
بين «الإنقلاب» و«محاولة إنقاذ الدولة»
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة من القراءة. ▪️المستوى القانوني: مؤسسات الدولة السوفياتية وصفت اللجنة بأنها غير دستورية ومحاولة للإستيلاء على السلطة. ▪️المستوى السياسي: أعضاء اللجنة أنفسهم قدموا تحركهم بوصفه محاولة لإنقاذ الإتحاد ومنع الفوضى والإنهيار. ▪️المستوى التاريخي: النتيجة الفعلية كانت عكس الهدف المعلن تقريباً: فقد أدى فشل التحرك إلى إضعاف المركز وتسريع تفكك الإتحاد. وهذه المستويات الثلاثة يمكن أن تكون صحيحة في الوقت نفسه دون أن يلغي أحدها الآخر. فمن الممكن أن يكون قادة اللجنة قد إعتقدوا فعلاً أنهم ينقذون الدولة، وأن تكون أفعالهم في الوقت ذاته محاولة غير دستورية للإستيلاء على السلطة، وأن تكون النتيجة التاريخية لتحركهم هي تسريع إنهيار الدولة التي أرادوا إنقاذها.
مأساة أغسطس لم تكن فقط في فشل الإنقلاب
المشهد الأكثر عمقاً في آب أغسطس 1991 ليس الدبابات وحدها. إنه إنهيار مركز القرار. فالإتحاد السوفياتي كان لا يزال يملك الجيش، وجهاز أمن الدولة، ووزارة الداخلية، والحزب، والإدارة المركزية، والإعلام الرسمي. ومع ذلك لم تستطع مجموعة من أعلى المسؤولين في الدولة أن تفرض إرادتها السياسية. وهذا يعني أن المشكلة لم تكن عسكرية فقط. كانت أزمة شرعية. فالسلطة تحتاج إلى أكثر من المؤسسات القسرية؛ تحتاج إلى قبول سياسي، وتسلسل واضح للأوامر، وقيادة مقتنعة بما تريد فعله، ومجتمعاً لا يرى النظام القائم بوصفه فاقداً لمشروعيته. وفي أغسطس 1991 لم تكن هذه الشروط متوافرة مجتمعة.
الخلاصة: أربعة أيام صنعت نهاية عصر
يصعب إختزال أغسطس 1991 في صورة واحدة. لم يكن مجرد «إنقلاب عسكري فاشل»، لأن خلفه صراعاً عميقاً حول مستقبل الإتحاد. ولم يكن مجرد «محاولة لإنقاذ الدولة»، لأن اللجنة تجاوزت الإجراءات الدستورية وعزلت الرئيس وحاولت فرض حالة إستثنائية على البلاد. ولم يكن أيضاً السبب الوحيد في إنهيار الإتحاد السوفياتي، لأن أزمة الدولة كانت أعمق وأقدم من ذلك بكثير. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن أغسطس 1991 كان نقطة إنعطاف حاسمة. ▪️كان أعضاء لجنة الطوارئ يريدون منع توقيع معاهدة رأوا فيها نهاية الإتحاد. لكنهم عندما تحركوا بالقوة، فقدوا القدرة على السيطرة على الدولة. ▪️أرادوا إعادة النظام، فعمقوا أزمة الشرعية. ▪️أرادوا إنقاذ المركز، فقووا الجمهوريات. ▪️أرادوا إيقاف تفكك الإتحاد، فأسرعوا مساره. ▪️وأرادوا الدفاع عن الدولة السوفياتية، لكن أربعة أيام فقط كانت كافية لتكشف أن الدولة التي دافعوا عنها لم تعد تمتلك أدوات القوة السياسية التي كانت تميزها لعقود. ولذلك فإن مأساة أغسطس 1991 لا تكمن فقط في أن الإنقلاب فشل.
بل في أن نجاحه، حتى لو تحقق، كان سيطرح سؤالاً آخر: هل كان يمكن فعلاً إنقاذ الإتحاد بالعودة إلى أدوات السلطة القديمة، بعد أن تغير المجتمع والنظام السياسي والجمهوريات والإقتصاد وموازين الشرعية بصورة عميقة؟ هذا هو السؤال الذي يجعل أحداث 19–21 آب أغسطس 1991 أكثر من مجرد فصل في نهاية الإتحاد السوفياتي. إنها واحدة من أكثر اللحظات كثافة في القرن العشرين، حين حاولت نخبة دولة متداعية إستخدام القوة لإيقاف التاريخ، فإذا بالتاريخ يستخدم فشلها لتسريع سقوط الدولة نفسها.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جون ميرشايمر - مذكرة التفاهم ماتت! هل يستطيع الحصار إنقاذ ال
...
-
بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 3
...
-
لماذا تحارب إسرائيل؟
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 2 - آب
...
-
من إسقاط الأسد إلى الصدام على سوريا: هل يتحوّل التقاطع الإسر
...
-
بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 - لو
...
-
ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر
-
ألكسندر دوغين عن السيناريوهات الثلاثة لمستقبل روسيا
-
من تل أبيب إلى برديتشيف: هل يجري بناء «إسرائيل 2.0» في أوكرا
...
-
جون ميرشايمر - حين إنقلبت معادلة القوة: إيران ومأزق ترامب بع
...
-
غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة
-
من صفحات التاريخ - كيف ساعدت فرنسا وروسيا على إنتصار الثورة
...
-
فرنسا بعد غزة: هل أصبحت معاداة الصهيونية جريمة سياسية؟
-
الهزيمة المحتومة: قراءة في تحليل جون ميرشايمر للحرب الأمريكي
...
-
روسيا بين «الخطر الأبدي» و«السحر الثقافي»
-
ميرشايمر يعيد فتح السؤال الأصعب: لماذا فشل الردع في منع حرب
...
-
روسيا أمام مفترق تاريخي: شبح الخلافة وهاجس الإنهاك البنيوي
-
ألكسندر دوغين - فوتشيتش ضعيف الإرادة وهروب الذكاءات الاصطناع
...
-
غضب موسكو وحدود صبرها: هل تقترب الحرب الأوكرانية من مرحلة أك
...
-
بمناسبة مئويته: فيديل كاسترو... حين تحوّلت الثورة إلى مشروع
...
المزيد.....
-
ترامب يثير خلافا جديدا مع كندا بتغيير اسم -بحيرة أونتاريو- إ
...
-
الدوري الإسباني: برشلونة يواصل انطلاقته المثالية بثنائية أما
...
-
تعاون عسكري إثيوبي أمريكي.. رسالة لمصر و5 نسخ لأطراف أخرى
-
دعوات لإخلاء خيرسون وموسكو تهدد بضرب أهداف بريطانية
-
رضائي ينفي تخطيط إيران لاغتيال بارون ترمب
-
-هندسة- الذكاء الاصطناعي لخدمة إسرائيل.. موقع وهمي نشر 560 أ
...
-
إيران تنفي رسميا التقارير عن مؤامرة لاغتيال نجل ترامب
-
حفلات جنس جماعي وأقنعة -Scream-.. طلاق معلمة أمريكية متهمة ب
...
-
الخارجية الروسية: احتجاز فرنسا لناقلات النفط -قرصنة ونهب بحر
...
-
قائد البحرية البريطانية يشيد بقوة أسطول الغواصات الروسي
المزيد.....
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
المزيد.....
|