أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 3 - 1991: من «ثورة ديمقراطية» إلى «ثورة مضادة»؟















المزيد.....


بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 3 - 1991: من «ثورة ديمقراطية» إلى «ثورة مضادة»؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 21:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي


26 آب أغسطس 2026


قراءة في سقوط الإتحاد السوفياتي وكلفة التحول من النظام الإشتراكي إلى الرأسمالية


تمهيد: يوم بدا فيه الإنتصار بدايةً لعصر جديد

في 21 أغسطس/آب 1991، بدت موسكو وكأنها تحتفل بولادة تاريخ جديد.
تجمع الآلاف حول البيت الأبيض الروسي بعد فشل محاولة الإنقلاب التي قادتها لجنة الطوارئ الحكومية ضد قيادة الإتحاد السوفياتي. كانت الأعلام الروسية ثلاثية الألوان ترفرف في كل مكان، وإرتفعت شعارات الحرية والديمقراطية، وإحتفل المتظاهرون بما إعتبروه إنتصاراً على محاولة إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
كان المشهد، في ظاهره، واضحاً: الشارع إنتصر، والإنقلاب فشل، والديمقراطية إنتصرت.
لكن المقال الذي نقرأه هنا يقترح رواية مختلفة تماماً. فهو يرى أن ما بدا في أغسطس 1991 «ثورة ديمقراطية» لم يكن سوى اللحظة السياسية التي فتحت الطريق أمام «ثورة مضادة» أوسع: تفكيك الإتحاد السوفياتي، تفكيك الإقتصاد المخطط، إعادة توزيع الملكية العامة، ظهور طبقة من أصحاب الثروات الهائلة، وإنهيار جزء كبير من منظومة الضمانات الإجتماعية التي إرتبطت بالدولة السوفياتية.

أولاً: ماذا رأى المحتفلون في آب أغسطس 1991؟

يبدأ الكاتب من صورة رمزية شديدة الدلالة: الحشود حول البيت الأبيض في موسكو.
ويستعيد تنوع المشاركين: موسيقيون روك وبانك، محاربون قدامى، قوزاق، مثقفون من موسكو، ديمقراطيون جدد، سكان محليون وقادمون من مناطق أخرى. كانوا يستمعون إلى الخطب، يهتفون بالشعارات، يتبادلون العناق، يشربون، ويصورون أنفسهم أمام المتاريس والمدرعات.
بالنسبة إلى هؤلاء، كان فشل محاولة الإنقلاب يعني شيئاً بسيطاً: إنتصار الحرية على السلطة السوفياتية السابقة.
لكن الكاتب يعكس زاوية النظر. فهو يقول إن أولئك المحتفلين لم يكونوا يعرفون ما الذي سيأتي بعد ذلك: الإنهيار، تفكك الوطن، الفقر، البطالة، الخصخصة، صعود الأوليغارشية، الحروب المتواصلة في الفضاء السوفياتي السابق، وإنهيار أجزاء واسعة من البنية الإجتماعية والإقتصادية.
وهنا تكمن الفكرة المركزية للنص: هل كان أغسطس 1991 إنتصاراً للديمقراطية، أم إنتصاراً لقوى سياسية وإقتصادية أطلقت إنتقالاً لم يكن المجتمع السوفياتي يعرف تكلفته الحقيقية؟
السؤال مشروع تاريخياً، حتى وإن إختلفت الإجابات جذرياً.

ثانياً: من تفكك الدولة إلى تفكك المجتمع

يربط الكاتب إنهيار الإتحاد السوفياتي بمجموعة من النتائج التي ظهرت خلال التسعينيات وما بعدها.
فمع تفكك الإتحاد، تحولت الحدود الإدارية السابقة إلى حدود دولية، وأصبح ملايين الأشخاص فجأة يعيشون خارج الدولة التي كانوا ينتمون إليها سياسياً، رغم إستمرار الروابط العائلية والثقافية واللغوية.
ومن هنا يستحضر الكاتب العبارة الروسية الساخرة التي تعني عملياً: «حقيبتك، محطة القطار، روسيا»، في إشارة إلى الروس الذين وجدوا أنفسهم في جمهوريات البلطيق والقوقاز وآسيا الوسطى ومولدوفا، ناهيك عن نصف سكان أوكرانيا، وغيرها أمام أوضاع سياسية وقومية جديدة.
لكن هذه النتيجة لم تكن سياسية فقط. فالتفكك ضرب أيضاً شبكة إقتصادية كانت قائمة على مستوى الإتحاد بأكمله.
كان الإقتصاد السوفياتي منظومة مترابطة من الجمهوريات والمصانع ومصادر الطاقة والمواصلات والأسواق وسلاسل الإنتاج. وعندما أصبحت الجمهوريات دولاً مستقلة، لم يكن الإنتقال مجرد تغيير في الحدود السياسية؛ بل كان تفكيكاً لمنظومة إقتصادية متكاملة.
ومن هنا بدأت واحدة من أكبر عمليات إعادة تشكيل الإقتصاد في القرن العشرين.

ثالثاً: الخصخصة وصعود الأوليغارشية

في قلب رواية الكاتب تقف الخصخصة.
فمن وجهة نظره، لم تكن المشكلة في الإنتقال من الإقتصاد المخطط إلى إقتصاد السوق في حد ذاته، بل في كيفية تنفيذ هذا الإنتقال.
خلال التسعينيات، جرى خصخصة جزء كبير من أصول الدولة وسط إنهيار إقتصادي وتضخم هائل وضعف مؤسسات الدولة. وفي قطاعات إستراتيجية، أصبح بعض رجال الأعمال يمتلكون خلال فترة قصيرة ثروات ضخمة، خصوصاً في الطاقة والمعادن والمصارف والإعلام.
هكذا ظهرت طبقة الأوليغارشية الروسية.
ومن نافل القول أن الدراسات الإقتصادية والإجتماعية حول روسيا في التسعينيات تؤكد بالفعل حدوث إنتقال هائل للملكية دون وجه حق وتزايد شديد في عدم المساواة.
لكن تفسير الظاهرة يظل محل خلاف.
فالتفسير الليبرالي يرى أن المشكلة كانت في ضعف المؤسسات وسيادة القانون وفساد عملية الخصخصة، وليس في فكرة السوق نفسها.
أما التفسير النقدي، الذي يمثله المقال، فيرى أن الخصخصة كانت عملية إعادة توزيع للثروة العامة لصالح مجموعة محدودة من الأشخاص بطرق ملتوية.
والفرق بين التفسيرين جوهري: الأول يقول إن السوق أسيء تطبيقه، والثاني يرى أن عملية التحول نفسها أنتجت بنية إجتماعية فاسدة، غير متوازنا وغير متكافئة.

رابعاً: أرقام الخسارة... وما الذي يمكن إثباته منها؟

يستند الكاتب إلى تقدير ينسبه إلى مصدر يحمل إسم «المساواة»، ويقول إن أكثر من 77% من سكان الإتحاد السوفياتي خسروا من تفكك الإتحاد، في حين حصل أغنى 20% على نحو 2.4 تريليون دولار من الدخول الإضافية خلال 35 عاماً، مقابل خسارة 5.8 تريليون دولار لدى الـ80% الآخرين.
ويصل النص إلى رقم أكثر دراماتيكية: خسارة روسيا نحو 28 مليون شخص من النمر السكاني مقارنة بالمسار الديموغرافي الذي كان يمكن أن تسلكه لو إستمرت الدولة السوفياتية - هو الفارق بين السكان الفعليين والسكان الإفتراضيين وفق مسار ديموغرافي بديل.
وهذا يؤكد حقيقة أن روسيا شهدت خلال التسعينيات أزمة ديموغرافية وصحية قاسية: إرتفاعًا كبيراً في الوفيات، إنخفاضاً في متوسط العمر المتوقع، وتراجعاً في معدلات الإنجاب، إلى جانب الهجرة وتغير البنية السكانية.
وجدير بالقول أن الإتجاه العام للأزمة الديموغرافية في التسعينيات ليس موضع شك.

خامساً: القرية التي إختفت والمصنع الذي أغلق

ربما يكون أكثر أجزاء النص تأثيراً هو وصفه للتغير الإجتماعي بعيداً عن الأرقام.
فالكاتب يتحدث عن قرى وبلدات صغيرة هجرها سكانها، ومدارس ومستشفيات تغلق، ومصانع تتوقف عن الإنتاج، وعمال صناعيين يتحولون إلى سائقي سيارات أجرة وحراس أمن.
وهذه الصورة تعكس جانباً حقيقياً من الصدمة الإجتماعية التي رافقت التسعينيات.
فروسيا لم تنتقل إلى إقتصاد السوق من موقع إقتصادي مستقر. الإنتقال حدث وسط إنهيار الإنتاج، تضخم شديد، إضطراب مالي، تراجع في الإستثمارات، وإنكماش كبير في قطاعات صناعية.
وبالنسبة إلى ملايين الأشخاص الذين عاشوا في النظام السوفياتي، لم تكن الدولة بالنسبة إليهم مجرد سلطة سياسية. كانت أيضاً رب العمل، ومقدم الخدمات الصحية والتعليمية، والجهة التي تؤمن السكن والمعاشات والدعم الإجتماعي.
لذلك فإن إنهيار الدولة الإقتصادية كان يعني في الوقت نفسه إنهيار جزء وازن من نمط الحياة.
ومن هنا يمكن فهم الحنين اللاحق إلى الإتحاد السوفياتي، حتى لدى أشخاص لم يكونوا بالضرورة من أنصار النظام السياسي السوفياتي.

سادساً: هل كان الإتحاد السوفياتي قابلاً للإصلاح؟
نعم.
وينتقل الكاتب بعد ذلك من نتائج الإنهيار إلى سؤال أعمق:
هل كان إنهيار الإتحاد السوفياتي حتمياً؟ إجابته واضحة: لا.
فهو يرى أن الإتحاد إمتلك حتى بداية الثمانينيات قاعدة علمية وتعليمية وصناعية وثقافية هائلة، وأن المشكلة لم تكن في غياب الإمكانات، وإنما في عجز القيادة السياسية عن تحديث النظام.
هذه الفكرة مهمة لأنها تفتح النقاش خارج الثنائية التقليدية: «الشيوعية أو الرأسمالية».
فثمة إحتمال ثالث كان مطروحاً نظرياً: إصلاح الإقتصاد السوفياتي، تطوير التكنولوجيا، تحديث الإدارة، إصلاح آليات التخطيط، وتوسيع المشاركة السياسية من دون تفكيك الدولة والإقتصاد دفعة واحدة.
لكن الكاتب يرى أن النخبة السوفياتية نفسها أصبحت عقبة أمام هذا التجديد.
فبعد عقود من الإستقرار، تحولت "النومنكلاتورا" إلى طبقة شديدة الحذر من التغيير، تميل إلى المحافظة على مواقعها، وتخشى إنتقال السلطة إلى أجيال جديدة.
وهنا تظهر مفارقة تاريخية:
النظام الذي نجح في بناء قاعدة صناعية وعلمية هائلة أصبح عاجزاً عن إعادة إنتاج نفسه سياسياً.

سابعاً: من خروتشوف إلى أندروبوف ثم غورباتشوف

يضع المقال جذور الأزمة في فترة أبكر من غورباتشوف.
فهو يعتبر أن نيكيتا خروتشوف بدأ بيريسترويكا أو «إعادة هيكلة» مبكرة للمشروع السوفياتي، وإن كان المشروع لم يصل إلى نهايته.
ثم يرى أن الإتحاد واصل التطور خلال عقود لاحقة بفضل ما يسميه «قصوراً ذاتيا بنّاءً» تركته أجيال سابقة، خصوصاً في الصناعة والعلوم والفضاء.
لكن في السبعينيات والثمانينيات ظهرت علامات الركود.
هنا يأتي يوري أندروبوف.
فالكاتب لا يقدمه بوصفه مجرد رجل أمن وصل إلى السلطة، بل بإعتباره صاحب مشروع لإعادة تنظيم الدولة والإقتصاد، ومحاولة الجمع بين عناصر من النظام السوفياتي وبعض الآليات الغربية.
لكن أندروبوف كان مريضاً ولم يحكم سوى فترة قصيرة.
ثم جاء قسطنطين تشيرنينكو، الذي لم يملك الوقت ولا القدرة على إطلاق تحول حقيقي.
وفي مارس/آذار 1985 وصل، أو تم إيصال، ميخائيل غورباتشوف إلى السلطة.

ثامناً: غورباتشوف... الإصلاح الذي خرج عن السيطرة

في البداية لم يكن مشروع غورباتشوف يعني بالضرورة تفكيك الإتحاد السوفياتي.
كانت هناك مفاهيم مثل «التسريع»، ثم «البيريسترويكا» و«الغلاسنوست» أي الشفافية.
لكن المشكلة، بحسب الكاتب، أن عملية الإصلاح خرجت تدريجياً من السيطرة.
فالإصلاح السياسي أضعف إحتكار الحزب للسلطة، والإنفتاح الإعلامي كشف أزمات ومظالم تاريخية، والإصلاح الإقتصادي لم يقدم في المقابل نموذجاً مستقراً بديلاً.
وبدلاً من أن تؤدي البيريسترويكا إلى تجديد النظام، أدى تداخل الإصلاح السياسي مع الأزمة الإقتصادية والقومية إلى تقويض مؤسسات الدولة نفسها.
وهنا تقع واحدة من أهم المفارقات في التاريخ السوفياتي: الإصلاح الذي كان هدفه إنقاذ النظام أصبح أحد العوامل التي سرعت إنهياره.

تاسعاً: هل كان الغرب في حرب معلوماتية ضد الإتحاد السوفياتي؟

يتبنى النص موقفاً قوياً جداً من هذه المسألة.
فهو يرى أن الغرب لم يكن مجرد مراقب للتغيرات داخل الإتحاد السوفياتي، بل كان يخوض حرباً أيديولوجية وإعلامية طويلة ضده، وأن هذه الحرب ساهمت في تغيير وعي المجتمع السوفياتي.
ويذهب أبعد من ذلك عندما يصف الحرب الباردة بأنها شكل من أشكال الحرب العالمية الثالثة.
وهي أطروحة موجودة في الكثير من الأدبيات الروسية المحافظة والقومية واليسارية.
والواقع أكثر تعقيداً.
كانت هناك بالفعل مؤسسات غربية تدعم المعارضة والإعلام المستقل والمشروعات الثقافية والسياسية المناهضة للشيوعية، وكانت الولايات المتحدة وحلفاؤها يخوضون صراعاً إستراتيجياً مع موسكو.
لكن لا يمكن إختزال إنهيار الإتحاد السوفياتي في «مؤامرة خارجية» وحدها وتجاهل عوامل داخلية هائلة: تراجع الإقتصاد، أزمة الإدارة، المسألة القومية، صراع النخب، أزمة الشرعية، الإصلاحات غير المتماسكة، وتدهور قدرة المركز على السيطرة.
وبالمقابل، فإن إختزال الإنهيار في «فشل داخلي خالص» يتجاهل البيئة الجيوسياسية للحرب الباردة.
والقراءة الأكثر توازناً ترى أن العوامل الداخلية والخارجية تفاعلت معاً.

عاشراً: من الإتحاد السوفياتي إلى روسيا الجديدة

بعد فشل محاولة أغسطس 1991، أصبح بوريس يلتسين الشخصية السياسية الأكثر قوة داخل روسيا.
وفي ديسمبر/كانون الأول 1991 إنتهى الإتحاد السوفياتي رسمياً.
لكن إنهيار الإتحاد لم يكن مجرد تغيير في اسم الدولة.
لقد كان إنتقالاً من نموذج إقتصادي وإجتماعي إلى آخر.
أُلغيت الملكية الحكومية في قطاعات واسعة، وتوسعت الملكية الخاصة، تحررت الأسعار، تراجعت قدرة الدولة على التحكم في الإقتصاد، وبدأت روسيا عملية إندماج واسعة في الإقتصاد العالمي.
وبينما رأى مؤيدو الإصلاح في ذلك تحريراً تاريخياً من الإقتصاد المركزي، رأى المنتقدون فيه تفكيكاً سريعاً للثروة الوطنية بل وهدرها.
ومن هنا جاءت فكرة الكاتب عن تحول روسيا إلى «هامش إقتصادي» للمراكز الرأسمالية العالمية.
وقد كانت روسيا في التسعينيات تعتمد بدرجة كبيرة على تصدير المواد الأولية، بينما كانت تعاني في قطاعات صناعية أخرى من أزمة عميقة.
لكن يجب أيضاً الإنتباه إلى أن هذه الصورة تغيرت جزئياً في العقود التالية، إذ إستعادت الدولة الروسية سيطرتها على قطاعات إستراتيجية، وإرتفعت أسعار النفط والغاز، وعادت بعض الصناعات إلى النمو.

الحادي عشر: من «الديمقراطية» إلى أزمة الديمقراطية

لا يكتفي النص بإنتقاد الإقتصاد.
إنه يوجه سؤالاً إلى مفهوم الديمقراطية نفسه.
فالكاتب يرى أن القوى التي وصلت إلى السلطة بإسم الديمقراطية لم تؤسس، في الواقع، ديمقراطية إجتماعية مستقرة، بل إنتهت إلى نظام شديد التركيز للثروة والسلطة.
وهنا تبرز تجربة روسيا في التسعينيات بوصفها مختبراً تاريخياً مهماً.
فالديمقراطية السياسية لا تضمن بالضرورة المساواة الإقتصادية.
وقد يمكن نظرياً أن توجد إنتخابات ومؤسسات سياسية، بينما تتركز الثروة والإعلام والملكية في أيدي عدد محدود من القوى الإقتصادية.
لكن العكس أيضاً صحيح: فالفشل الإقتصادي في التسعينيات لا يثبت أن الديمقراطية في ذاتها كانت سبباً للفشل.
المشكلة الأساسية كانت في نوع المؤسسات التي نشأت خلال الإنتقال، وفي عجز القانون، وغياب الدولة القادرة على إدارة التحول، وطريقة الخصخصة، والصراع بين مؤسسات الحكم.

الثاني عشر: «المجتمع الإستهلاكي» وقلق الكاتب الثقافي

ينتقل المقال من الإقتصاد إلى الثقافة.
وهو يرى أن الغرب نفسه دخل منذ الستينيات في مسار من التفكك الثقافي، مستشهداً بشعار «الجنس والمخدرات والروك أند رول»، ثم يرى أن روسيا دخلت هذا المسار بصورة متأخرة خلال البيريسترويكا والتسعينيات.
ومن وجهة نظره، أدى إنتشار الثقافة الجماهيرية والإستهلاك والمواد الترفيهية إلى تراجع الثقافة التقليدية والتعليم والأسرة.
هذه النقطة تمثل إنتقالاً من التحليل السياسي إلى النقد الحضاري.
فالكاتب لا يرى المشكلة في الرأسمالية الإقتصادية فقط، بل في نموذج الإنسان الذي تنتجه: مستهلك، فرداني، مرتبط بالسوق والإعلان والترفيه، وأقل ارتباطاً بالأسرة والمجتمع والتعليم التقليدي.

الثالث عشر: أزمة التعليم بوصفها رمزاً للتحول

من أكثر أفكار المقال إثارة للإهتمام مقارنته بين المدرسة السوفياتية والمدرسة الحديثة.
فالكاتب يرى أن التعليم السوفياتي، رغم عيوبه، كان يركز على الإنضباط والمعرفة والعلوم والرياضيات والتكوين الثقافي، بينما أدت الإصلاحات اللاحقة إلى تراجع دور المعلم، وإزدياد الطابع التجاري، وتوسع الرقمنة.
ويستخدم تعبيراً حاداً عن ظهور «برابرة جدد» يعيشون داخل عالم إفتراضي ولا يمتلكون القدرة على التفكير النقدي.
ومرة أخرى، يمكن فصل الحكم الأيديولوجي عن الظاهرة التي يحاول وصفها.
فالثورة الرقمية بالفعل غيرت علاقة الطالب بالمعرفة، وأصبحت المدرسة تواجه تحدياً جديداً: لم يعد المعلم المصدر الوحيد للمعلومة.
لكن الرقمنة يمكن أن تكون أداة للتمكين والتعليم، كما يمكن أن تصبح أداة للتسطيح والتشتت.
المشكلة ليست في التكنولوجيا وحدها، بل في كيفية إستخدامها ونوعية النظام التعليمي الذي يوظفها.

الرابع عشر: الديموغرافيا... الجرح الأعمق

ربما تكون القضية الديموغرافية أهم ما يربط الماضي بالحاضر في النص.
فالكاتب يرى أن تفكك الأسرة، وتراجع معدلات الإنجاب، وإرتفاع الوفيات والهجرة، أدت إلى أزمة سكانية متراكمة.
وهو يضع هذه الأزمة ضمن إتجاه عالمي أوسع، يرى فيه أن المجتمعات الحديثة، بما فيها روسيا والبلدان الغربية، تواجه إنخفاضاً تاريخياً في الخصوبة.
وهذه بالفعل واحدة من أكبر التحولات الديموغرافية في العالم المعاصر.
لكن مرة أخرى، السبب ليس بسيطاً.
فإنخفاض الخصوبة يرتبط بالتعليم، والتحضر، وإرتفاع تكاليف تربية الأطفال، وتأخر الزواج، وتغير وضع المرأة، والتحولات الثقافية، والسياسات الإجتماعية، وتغير سوق العمل.

الخامس عشر: أوكرانيا بوصفها النتيجة الأكثر مأساوية

يربط الكاتب بين إنهيار الإتحاد السوفياتي والحرب الروسية الأوكرانية الحالية.
وهو يرى أن تقسيم العالم الروسي السابق إلى دول مستقلة فتح المجال لاحقاً أمام صدام بين الروس والأوكرانيين، الذين ينظر إليهم ضمن مفهوم «الشعب الروسي التاريخي» الواحد..
ولكن جزء مهم من المجتمع الأوكراني، خاصة في المقاطعات الغربية، يرى نفسه أمة مستقلة ذات هوية سياسية وثقافية خاصة، حتى مع وجود الروابط التاريخية واللغوية العميقة مع روسيا.
لكن لا يمكن أيضاً فهم الحرب الحالية دون العودة إلى إرث إنهيار الإتحاد السوفياتي، والحدود التي أصبحت دولية بعد 1991، والعلاقات الروسية الأوكرانية، وتوسع المؤسسات الغربية، وأزمات ما بعد 2014، وتطور الصراع إلى حرب واسعة.
وهكذا يصبح عام 1991، في القراءة التي يقدمها المقال، ليس نهاية قصة، وإنما بداية سلسلة من الأزمات التي لم تنته بعد.

السادس عشر: ما الذي يريد المقال قوله فعلاً؟

يمكن تلخيص أطروحته في خمس أفكار رئيسية:
▪️أولاً، أن إنهيار الإتحاد السوفياتي لم يكن مجرد إنتصار للديمقراطية، بل كان إنتقالاً تاريخياً هائلاً بين نموذجين إجتماعيين وإقتصاديين.
▪️ثانياً، أن تكلفة الإنتقال في روسيا كانت مرتفعة للغاية، خصوصاً في التسعينيات، وأن قطاعات واسعة من السكان دفعت ثمن الإصلاح.
▪️ثالثاً، أن الخصخصة السريعة أنتجت تركيزاً كبيراً للثروة وظهور طبقة الأوليغارشية.
▪️رابعاً، أن مشكلات الإتحاد السوفياتي كانت حقيقية، لكنها لا تعني بالضرورة أن إنهياره كان حتمياً؛ إذ كان يمكن تصور إصلاح تدريجي للنظام.
▪️خامساً، أن تداعيات 1991 لم تكن إقتصادية فقط، بل إمتدت إلى الديموغرافيا والتعليم والثقافة والعلاقات بين الجمهوريات السابقة، وصولاً إلى النزاعات والحروب التي نشأت لاحقاً.

خاتمة: هل كان 1991 إنتصاراً أم هزيمة؟

بعد خمسة وثلاثين عاماً تقريباً، تبدو صورة أغسطس 1991 أكثر تعقيداً بكثير من الصورة التي رآها المتظاهرون حول البيت الأبيض في موسكو.
كان هناك بالفعل إنتصار على محاولة إنقلابية مرتبكة.
وكان هناك أيضاً فتح تاريخي لمساحة سياسية وإعلامية لم تكن متاحة في السابق.
لكن ذلك ترافق مع إنهيار دولة عظمى، وإنهيار إقتصادي وإجتماعي هائل في التسعينيات، وتفكك منظومة جيوسياسية إمتدت لعقود، وإعادة توزيع واسعة للملكية، وظهور تفاوتات إجتماعية حادة.
ولهذا فإن السؤال التاريخي الأهم ليس ما إذا كان الإتحاد السوفياتي «جيداً» أو «سيئاً»، ولا ما إذا كانت الرأسمالية «صحيحة» أو «خاطئة».
السؤال الأعمق هو:
هل كان يمكن إصلاح الإتحاد السوفياتي من دون تدميره؟
وهل كان يمكن الإنتقال إلى إقتصاد أكثر كفاءة وديمقراطية أوسع من دون أن يتحول الإنتقال إلى صدمة إجتماعية بهذا الحجم؟
هذه الأسئلة لا تملك إجابات نهائية.
فالإتحاد السوفياتي كان يعاني بالفعل من إختلالات إقتصادية وسياسية عميقة، ولم يكن إستمرار الوضع القائم خياراً مستداماً. وفي الوقت نفسه، فإن الطريقة التي جرى بها تفكيك النظام وإعادة بناء الدولة والإقتصاد خلقت تكاليف بشرية وإجتماعية وإقتصادية ضخمة لا يمكن إختزالها في شعار «إنتصار الديمقراطية».
وفي هذا المعنى، فإن القيمة الحقيقية للنص الذي نناقشه لا تكمن في قبول كل إستنتاجاته، بل في أنه يضع أمام القارئ سؤالاً ما زال مفتوحاً: هل كان عام 1991 بداية تحول عميق في روسيا، أم بداية أزمة طويلة الأمد؟
قد تكون الإجابة التاريخية الأكثر دقة أن عام 1991 كان الأمرين معاً: تحطيم نظام سياسي وإقتصادي بلغ حدود قدرته على الإستمرار، وفي الوقت نفسه بداية إنتقال بالغ القسوة لم تعرف روسيا كيف تدير تكلفته الإجتماعية والسياسية.
ومن هنا تظل ذكرى أغسطس 1991 واحدة من أكثر الذكريات إنقسامًا في التاريخ الروسي الحديث: بالنسبة إلى البعض، يوم إنتصرت الحرية؛ وبالنسبة إلى آخرين، اليوم الذي بدأ فيه تفكك الدولة والمجتمع. وبين الروايتين تقع الحقيقة التاريخية الأكثر تعقيداً.
ونختم بالعنوان الذي بدأنا منه النص: هل كانت "ثورة ديمقراطية" أم "ثورة مضادة"؟!



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا تحارب إسرائيل؟
- بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 2 - آب ...
- من إسقاط الأسد إلى الصدام على سوريا: هل يتحوّل التقاطع الإسر ...
- بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 - لو ...
- ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر
- ألكسندر دوغين عن السيناريوهات الثلاثة لمستقبل روسيا
- من تل أبيب إلى برديتشيف: هل يجري بناء «إسرائيل 2.0» في أوكرا ...
- جون ميرشايمر - حين إنقلبت معادلة القوة: إيران ومأزق ترامب بع ...
- غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة
- من صفحات التاريخ - كيف ساعدت فرنسا وروسيا على إنتصار الثورة ...
- فرنسا بعد غزة: هل أصبحت معاداة الصهيونية جريمة سياسية؟
- الهزيمة المحتومة: قراءة في تحليل جون ميرشايمر للحرب الأمريكي ...
- روسيا بين «الخطر الأبدي» و«السحر الثقافي»
- ميرشايمر يعيد فتح السؤال الأصعب: لماذا فشل الردع في منع حرب ...
- روسيا أمام مفترق تاريخي: شبح الخلافة وهاجس الإنهاك البنيوي
- ألكسندر دوغين - فوتشيتش ضعيف الإرادة وهروب الذكاءات الاصطناع ...
- غضب موسكو وحدود صبرها: هل تقترب الحرب الأوكرانية من مرحلة أك ...
- بمناسبة مئويته: فيديل كاسترو... حين تحوّلت الثورة إلى مشروع ...
- من لشبونة إلى فلاديفوستوك: كيف ضاع البيت الأوروبي المشترك؟
- من «عاصفة الصحراء» إلى النظام الأحادي: كيف وُلد «النظام العا ...


المزيد.....




- قاض أمريكي يحدد موعد محاكمة -العقل المدبر- لهجمات 11 سبتمبر ...
- وزير خارجية قطر يتوجه إلى إيران اليوم الخميس
- العراق: انسحاب قوات التحالف الدولي يسير بوتيرة متسارعة
- ترامب: نكثف الجهود لإنهاء نزاع أوكرانيا
- ترامب: نكثف العمل لإنهاء أزمة أوكرانيا
- -نيويورك بوست-: قرار قضائي بمحاكمة -العقل المدبر- لهجمات 11 ...
- الجزائر: مصرع 12 شخصا جراء حرائق الغابات في 3 ولايات (فيديو) ...
- اجتماع أمني رفيع المستوى في البيت الأبيض بعد عودة راتكليف من ...
- داسو: من المتوقع أن تصبح مقاتلة رافال الجديدة جاهزة قبل عام ...
- الخارجية الإيرانية: السياسة الأمريكية تجاه بلادنا تحولت إلى ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - بمناسبة مرور 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 3 - 1991: من «ثورة ديمقراطية» إلى «ثورة مضادة»؟