معروفي العيد
الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 08:24
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
فلسفة السياسة عند ألكسندر دوغين:
من نقد الكونية الليبرالية إلى هندسة العالم المتعدد الأقطاب.
بقلم د. معروفي العيد
تمهيد: حين تصبح السياسة سؤالًا عن معنى العالم
ليس ألكسندر دوغين مجرد اسم في الجيوسياسة الروسية المعاصرة، ولا مجرد منظّر يدافع عن الأوراسية ويعارض الهيمنة الأمريكية؛ إن اختزاله في هذه الصورة يحجب العمق النظري الذي يحرّك مشروعه السياسي. فدوغين يكتب السياسة من داخل سؤال أكبر من السياسة نفسها: سؤال الإنسان، والتاريخ، والحضارة، والأرض، والهوية، ومصير الحداثة. ولذلك فإن قراءة فلسفته السياسية لا ينبغي أن تبدأ من موسكو أو واشنطن أو من خرائط النفوذ، وإنما من ذلك السؤال الذي يختبئ خلف الخريطة: من يملك حق تعريف العالم؟
إن السياسة عند دوغين ليست مجرد صراع على السلطة، بل صراع على المعنى؛ ليست مجرد منافسة بين دول، وإنما مواجهة بين تصورات مختلفة للإنسان ولطريقة وجوده في التاريخ. ومن هنا تتخذ «النظرية السياسية الرابعة» موقعها المركزي في مشروعه؛ فهي محاولة للبحث عن أفق سياسي لا يكون مجرد استعادة لليبرالية في صيغة جديدة، ولا عودة إلى الشيوعية، ولا بعثًا للفاشية، بل بحثًا عن «خارج» لهذه النظريات الثلاث التي يراها دوغين محدِّدةً للقرن العشرين. وفي تقديمه للكتاب، يوضح أن الغاية هي «بناء نموذج سياسي مستقل» يفتح طريقًا جديدًا في عالم يراه واقعًا في مأزق التكرار الإيديولوجي. [1]
غير أن أهمية دوغين لا تكمن في كونه قدّم جوابًا نهائيًا، بل في أنه أعاد فتح سؤال كان يبدو، بعد انتصار الليبرالية في نهاية القرن العشرين، وكأنه أُغلق نهائيًا: هل الليبرالية هي المصير الوحيد الممكن للإنسان السياسي؟
إن هذا السؤال، بصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الإجابة الدوغينية، يستحق أن يُستعاد فلسفيًا؛ لأن التاريخ لا يصبح نهاية لمجرد أن إيديولوجيا أعلنت انتصارها.
---
أولًا: الليبرالية بين النظام السياسي والأنطولوجيا
يذهب دوغين في نقده لليبرالية إلى أبعد من نقد مؤسساتها السياسية والاقتصادية؛ فهو يرى أن الليبرالية تحولت من نظرية سياسية إلى بنية عميقة تحدد طريقة تفكير الإنسان في نفسه وفي العالم. ولذلك يقول في حديثه عن النظريات السياسية الثلاث إننا «مُشفَّرون» بها من الداخل، وإننا قد نحمل افتراضاتها دون أن ننتبه إلى أننا نحملها. [2]
وهذه العبارة، على الرغم من طابعها الإشكالي، تكشف جوهر المشروع الدوغيني: الإيديولوجيا الأكثر نجاحًا ليست التي تفرض نفسها بالقوة، بل التي تصبح غير مرئية من شدة حضورها.
إن الإنسان، وفق هذا التأويل، لا يدخل السياسة من نقطة صفر؛ إنه يدخلها وهو محمّل بمفاهيم سابقة عن الحرية والمساواة والحقوق والفرد والدولة. نحن لا نبدأ من فراغ، بل من «لغة» سياسية سبقتنا إلى العالم.
ومن هنا تصبح الليبرالية، في نظر دوغين، أكثر من نظام سياسي؛ إنها طريقة في إنتاج الإنسان السياسي.
إنها تجعل الفرد مركزًا للقرار، وتفترض أن الإنسان يستطيع أن يتحدد من خلال اختياراته الخاصة، وأن الجماعة ليست أصلًا سابقًا على الفرد بقدر ما هي نتيجة لتعاقد الأفراد أو تفاعلهم.
لكن دوغين يعترض على هذا التصور من أساسه؛ لأنه يرى أن الإنسان لا يوجد أولًا بوصفه فردًا مجردًا ثم يدخل العالم بعد ذلك، وإنما يوجد منذ البداية داخل لغة وذاكرة وتاريخ وأرض وجماعة.
وهنا يبدأ الأثر الهايدغري في مشروعه.
فالإنسان ليس كيانًا معزولًا عن العالم، وإنما هو كائن «في العالم». غير أن المشكلة تبدأ عندما ينتقل هذا المفهوم الأنطولوجي إلى المجال السياسي، إذ يحاول دوغين أن يجعل من الـDasein، بتأويله الخاص، ذاتًا سياسية بديلة عن الفرد الليبرالي والطبقة الماركسية والأمة في صورتها القومية المتطرفة.
ومن هنا يمكن القول إن دوغين لا يكتفي بنقد النظام الليبرالي؛ إنه يريد تغيير صورة الإنسان التي يقف عليها هذا النظام.
---
ثانيًا: النظرية السياسية الرابعة أو البحث عن «ما بعد الإيديولوجيات»
حين يتحدث دوغين عن «النظرية السياسية الرابعة»، فإنه لا يقترح ببساطة إيديولوجيا رابعة تضاف إلى ثلاث إيديولوجيات سابقة؛ بل يريد، في المستوى الأعمق، تجاوز المنطق الذي جعل السياسة الحديثة حبيسة هذه النظريات.
الليبرالية هي النظرية الأولى، والشيوعية أو الاشتراكية هي الثانية، والفاشية أو القومية المتطرفة هي الثالثة. وقد صاغت هذه القوى الكبرى تاريخ القرن العشرين، ثم انتهت الحرب العالمية الثانية بانهيار الفاشية، وانتهت الحرب الباردة بانهيار الشيوعية، وبقيت الليبرالية باعتبارها النموذج الغالب. ويشرح دوغين هذا المسار في حوار منشور بالفرنسية، مؤكدًا أن الليبرالية انتصرت عالميًا سنة 1991، ثم ربط هذا الانتصار بالعولمة وبفكرة «نهاية التاريخ». [3]
لكن دوغين لا يرى في هذا الانتصار برهانًا على الحقيقة.
وهنا تظهر نقطة فلسفية دقيقة: الانتصار التاريخي ليس بالضرورة انتصارًا للحقيقة.
فالحقيقة ليست صندوقًا يفتح بمفتاح القوة. وقد ينجح نموذج سياسي في التاريخ، دون أن يعني ذلك أنه استنفد كل إمكانات التاريخ.
ولهذا فإن النظرية الرابعة تبدأ، عند دوغين، من محاولة تحرير الفكر من الاعتقاد بأن ما انتصر هو بالضرورة ما يجب أن ينتصر.
إنها، في جوهرها، محاولة لاستعادة إمكان التفكير خارج المنتصر.
---
ثالثًا: من الفرد إلى الـDasein
إذا كان الفرد هو الموضوع السياسي المركزي في الليبرالية، وإذا كانت الطبقة هي الموضوع المركزي في الماركسية، وإذا كانت الأمة أو الدولة القومية قد احتلت موقعًا محوريًا في القوميات المتطرفة، فإن دوغين يقترح الـDasein باعتباره نقطة انطلاق مختلفة.
غير أن هذه النقلة ليست مجرد استبدال مصطلح بآخر.
فالـDasein، في الفلسفة الهايدغرية، مفهوم مرتبط بالسؤال عن الكينونة، وليس شعارًا سياسيًا جاهزًا. وعندما يستدعيه دوغين فإنه يحاول نقله من المجال الأنطولوجي إلى المجال السياسي، بحيث يصبح الإنسان كائنًا متجذرًا في تاريخ ومكان ولغة وذاكرة.
ومن هنا تأتي أهمية الأرض.
فالإنسان لا يعيش فوق الأرض كما يعيش فوق سطح محايد؛ الأرض تدخل في تعريف هويته، والذاكرة تتعلق بالمكان، والتاريخ يترك أثره في الجغرافيا.
إن الإنسان الدوغيني ليس «فردًا بلا جذور»، وإنما كائن متعين داخل عالم.
وهذا ما يجعل نقده للفردانية أكثر عمقًا من مجرد رفض سياسي لليبرالية.
لكن هذا التصور يفتح سؤالًا نقديًا لا يمكن تجاهله: إذا كان الإنسان متجذرًا في جماعته وحضارته، فكيف نحمي حريته من الجماعة نفسها؟
وهنا تكمن إحدى المعضلات المركزية في فلسفة دوغين: كيف نؤسس لسياسة الانتماء دون أن يتحول الانتماء إلى قيد؟
---
رابعًا: الأوراسية بوصفها فلسفة للفضاء الحضاري
الأوراسية عند دوغين ليست مجرد جغرافيا سياسية. إنها تصور للفضاء بوصفه حاملاً لذاكرة حضارية.
روسيا، في هذا التصور، ليست دولة قومية بالمعنى الضيق، وإنما قوة حضارية قارية تستطيع أن تكون مركزًا لفضاء أوراسي متعدد الشعوب والهويات.
وقد استفاد الفكر الأوراسي الجديد من تيار فكري روسي ظهر في عشرينيات القرن العشرين لدى مهاجرين روس، ثم أعيد تركيب عناصره في مشروع دوغين الحديث ضمن توليفة تجمع الجيوسياسة والتقليدية ونقد الحداثة والهايدغرية.
إن الجغرافيا، في هذا المنظور، لا تكون صامتة.
الأرض تتكلم من خلال الذاكرة.
والحدود لا تحدد فقط أين تبدأ الدولة وأين تنتهي، بل تكشف أيضًا عن تاريخ العلاقات بين الجماعات.
وهنا يصبح المكان جزءًا من الهوية السياسية.
لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول المكان إلى قدر، وعندما تتحول الجغرافيا من عنصر من عناصر التاريخ إلى تفسير نهائي للتاريخ.
فالإنسان ليس ابن الأرض وحدها؛ إنه أيضًا ابن اللغة، والتجربة، والاختيار، والهجرة، والتثاقف، والتداخل الحضاري.
ولهذا فإن قراءة دوغين تأويليًا تقتضي أن نفهم قوة مفهوم «الجذر» دون أن نجعله سجنًا للإنسان.
---
خامسًا: من الجغرافيا إلى الجيوفلسفة
يستند دوغين إلى تقليد الجيوسياسة الكلاسيكية في التفكير في الصراع بين القوى القارية والقوى البحرية، لكنه يمنح هذا الصراع معنى حضاريًا.
فالبر عنده ليس مجرد مساحة جغرافية؛ إنه رمز للاستقرار، والتجذر، والعمق التاريخي. والبحر ليس مجرد فضاء مائي؛ إنه، في البنية الرمزية التي يوظفها، صورة للحركة والسيولة والشبكات والانفتاح.
ومن هنا يصبح الصراع بين الأوراسية والأطلنطية أكثر من صراع على المجال.
إنه صراع على نمط الوجود السياسي.
ويبلغ هذا التصور ذروته عندما يصف دوغين الأطلنطية بأنها تنفي «قيمة الشعب» وتستبدل به «الكتلة أو الفرد»، كما يربطها بنفي «الأرض الحية» والتجذر فيها، ثم يصفها بأنها «عدونا المطلق». [4] (دوغين، La Quatrième théorie politique، trad. Valentin Lacombe، Ars Magna، 2016، صص. 258–262).
هذه العبارة لا ينبغي قراءتها كتصريح جيوسياسي فحسب؛ إنها تحمل بنية أنطولوجية واضحة: هناك إنسان متجذر في الأرض، وهناك إنسان منزوع الجذور؛ هناك شعب، وهناك كتلة؛ هناك مكان، وهناك فضاء سيولة.
لكن النقد الفلسفي ينبغي أن يتساءل: هل الأطلنطية بالفعل كتلة واحدة؟ وهل الفردانية نقيض حتمي للتجذر؟ وهل الانفتاح يعني بالضرورة اقتلاع الإنسان من أرضه؟
إن قيمة التأويل هنا هي أنه لا يكتفي بترديد العبارة، بل يكشف ما تفترضه من ثنائيات، ثم يختبر حدودها.
---
سادسًا: السيادة ومأزق الدولة القومية
في قلب الجيوسياسة الدوغينية سؤال السيادة.
فهو يرى أن الدولة القومية، في شروط النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب الباردة، لا تستطيع وحدها أن تضمن استقلالها أمام قوة أمريكية عالمية. وفي الطبعة الفرنسية من La Quatrième théorie politique يكتب:
« Aucun État-nation dans le monde contemporain n’est réellement capable d’affirmer sa souveraineté face à l’empire global… »
أي إن «لا دولة قومية في العالم المعاصر قادرة فعليًا على تأكيد سيادتها في مواجهة الإمبراطورية العالمية». [5] (Douguine, La Quatrième théorie politique, trad. Valentin Lacombe, Ars Magna, 2016, pp. 215–216).
إن هذا النص يكشف انتقال دوغين من الدولة القومية إلى فكرة القطب الحضاري.
فالدولة الصغيرة، في عالم متعدد القوى، لا تستطيع دائمًا أن تحمي استقلال قرارها بمفردها؛ ومن هنا تأتي الحاجة، في تصوره، إلى كيانات حضارية أو جيوسياسية أوسع.
لكن السؤال النقدي هنا واضح: هل التكتل الحضاري يحرر الدولة الصغيرة من الهيمنة، أم ينقلها من مركز هيمنة إلى مركز آخر؟
إن السيادة لا ينبغي أن تكون مجرد قدرة على مقاومة الخارج؛ ينبغي أن تكون أيضًا قدرة على حماية الإنسان في الداخل.
ومن هنا فإن السيادة الحقيقية لا تكتمل بالقوة الجيوسياسية وحدها، وإنما تحتاج إلى شرعية سياسية داخلية.
---
سابعًا: العالم المتعدد الأقطاب
يصل مشروع دوغين إلى ذروته السياسية في مفهوم التعددية القطبية.
فالعالم المتعدد الأقطاب عنده ليس مجرد عالم تتوزع فيه القوة بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا وغيرها؛ إنه عالم يرفض أن تكون هناك حضارة واحدة تملك حق تعريف القيم السياسية للبشرية كلها.
ولهذا يربط دوغين النظرية الرابعة بالمستقبل «المتعدد الأقطاب». وفي أحد نصوصه الفرنسية يقول إن روسيا، في هذا التصور، تمثل قوة «ما بعد ليبرالية» تقاوم الليبرالية من أجل مستقبل «مفتوح ومتعدد الأقطاب». [6] (Douguine, «La guerre contre la Russie dans sa dimension idéologique», 2014، في Vladimir Poutine, le pour et le contre, Ars Magna، 2017، p. 258).
وهنا ينبغي أن نميز بين تعدد الأقطاب بوصفه توزيعًا للقوة، وتعدد الأقطاب بوصفه تعددًا للمعاني.
الأول جيوسياسي.
أما الثاني فهو فلسفي.
والمشكلة أن الأول قد يوجد دون الثاني.
فقد يصبح العالم متعدد الأقطاب عسكريًا، لكنه يظل أحاديًا في منطقه السلطوي.
وقد تتعدد المراكز، بينما يبقى الإنسان في كل مركز خاضعًا لمنطق واحد من الهيمنة.
ولهذا فإن التعددية التي تستحق الدفاع عنها ليست مجرد تعدد الدول القوية، وإنما تعدد إمكانات الحياة والمعنى والاختلاف.
---
ثامنًا: نقد الفردانية وحدود الجماعة
من أكثر المقاطع دلالة في كتاب دوغين حديثه عن «التحديث الأخلاقي»، حيث يرى أنه يقود إلى تفكيك العلاقات التقليدية، وأن الفرد يصبح منفصلًا عن الجماعة والدين والأسرة والقيم المشتركة. ويقول:
«Chaque individu ne compte que pour lui-même et ne reconnaît aucune norme sociétale ou sociale.»
أي: «لا يعود كل فرد يعترف إلا بذاته، ولا يعترف بأي معيار اجتماعي أو مجتمعي». [7] (Douguine, La Quatrième théorie politique, trad. Valentin Lacombe, Ars Magna, 2016, p. 310).
إن قوة هذا النقد تكمن في أنه يذكرنا بأن الإنسان لا يعيش خارج الروابط التي تمنحه معنى.
لكن ضعفه يبدأ عندما يصبح الفرد في حد ذاته موضع ريبة.
فالفرد ليس فقط نتاجًا للحداثة؛ إنه أيضًا كائن له كرامة لا يجوز للجماعة أن تبتلعها.
وهنا ينبغي أن نضع دوغين أمام سؤال لا يستطيع المشروع الحضاري وحده أن يجيب عنه:
كيف نحمي الجماعة من الفردانية المتطرفة، ونحمي الفرد في الوقت نفسه من استبداد الجماعة؟
على كل، إن فلسفة سياسية ناضجة لا تختار أحد الطرفين، وإنما تفكر في العلاقة بينهما.
بمعنى أدق،إن الفلسفة السياسية الناضجة لا تسقط في إغراء الاختيار بين طرفين متقابلين، لأن مهمتها ليست أن تنحاز إلى أحدهما بقدر ما هي أن تفكر في العلاقة التي تجعل الطرفين ممكنين معاً. فالموقف الفلسفي لا يبدأ من سؤال: «مع من أنت؟»، بل من سؤال أكثر جذرية: ما الذي يجعل هذا التعارض قائماً، وكيف تتشكل داخله علاقات القوة والمصلحة والاعتراف؟
لذلك، فإن التفكير السياسي الذي يكتفي باختيار أحد المعسكرين يظل أسير منطق الثنائية؛ أما التفكير النقدي فيتجاوز الثنائية إلى فضاء العلاقة، حيث لا يعود الآخر مجرد خصم ينبغي إقصاؤه، بل يصبح جزءاً من البنية التي يتعين فهمها وتأويلها. ومن هنا تكون الفلسفة السياسية الناضجة تفكيراً في المسافة بين المواقف، وفي الشروط التي تنتجها، وفي إمكان تجاوزها دون إلغاء اختلافها.
---
تاسعًا: روسيا بوصفها فكرة حضارية
لا يمكن فصل فلسفة دوغين عن روسيا.
فروسيا في مشروعه ليست دولة من بين الدول، وإنما قطب حضاري ينبغي أن يعيد صياغة موقعه في النظام الدولي. وقد صرح دوغين، في حوار صحفي باللغة الفرنسية، بأن روسيا لا ترى مستقبلها السياسي داخل الأيديولوجيات الغربية الثلاث، وأنها تحتاج إلى نظرية رابعة تنطلق من تاريخها وقيمها الأرثوذكسية.
وهنا تصبح روسيا عنده «فكرة» قبل أن تكون دولة.
إنها الفكرة التي يريد من خلالها مقاومة الأحادية القطبية وإعادة بناء فضاء أوراسي واسع.
لكن الفكرة السياسية تصبح خطرة عندما تتحول الدولة إلى حامل مطلق للحقيقة الحضارية.
لأن الدولة، عندئذ، لا تعود مجرد مؤسسة سياسية؛ تصبح تفسيرًا للتاريخ.
وحين تتحول الدولة إلى تفسير للتاريخ، يصبح الاعتراض عليها وكأنه اعتراض على التاريخ نفسه.
وهنا يتعين على الفلسفة أن تستعيد مسافتها النقدية.
---
عاشرًا: بين الفلسفة والأيديولوجيا
إن قراءة دوغين لا تستقيم إذا صنفناه بسرعة في خانة «الفيلسوف» أو «الأيديولوجي». فمشروعه يعيش في منطقة ملتبسة بين الاثنين.
إنه يستخدم مفاهيم فلسفية كبيرة: الكينونة، الدازاين، الحداثة، التقليد، العدمية، التاريخ، الهوية، الحضارة؛ لكنه يضعها في سياق جيوسياسي واضح، ويمنحها وظيفة داخل مشروع سياسي.
وهذا هو مصدر قوته.
لكنه أيضًا مصدر مشكلته.
فالفلسفة حين تدخل السياسة تصبح مطالبة دائمًا بأن تميز بين تفسير العالم وتبرير السلطة.
وقد ذهب بعض النقاد إلى أن مشروع «النظرية السياسية الرابعة» لا ينجح في بناء نظرية فلسفية مستقلة بالمعنى الدقيق، وأن استعمال دوغين لهايدغر يحتاج إلى مساءلة نقدية. ويقدم Randall Auxier قراءة نقدية لهذا المشروع، مركزًا على ما يسميه «النظرية السياسية الرابعة الحقيقية». [8] (Randall E. Auxier, «The Real Fourth Political Theory», Eidos. A Journal for Philosophy of Culture, vol. 6, n° 4, 2022, pp. 78–95).
وهذا الاعتراض لا يقلل من أهمية دوغين؛ بل على العكس، يجعله أكثر جدارة بالدراسة، لأن الفلسفة لا تُقاس فقط بما تقوله، وإنما أيضًا بما يفتحه خطابها من إمكانات للنقد.
---
حادي عشر: دوغين وسؤال الشرق والغرب
إن الثنائية بين الشرق والغرب عند دوغين ليست مجرد ثنائية جغرافية. إنها ثنائية حضارية وأنطولوجية.
أنظر في: ألكسندر دوغين، الخلاص من الغرب الأوراسية، ترجمة وتقديم: علي بدر، مكتبة دار ألكا، دمشق، ط١ ٢٠٢١، مقدمة: ص٣٠، ص ٣١، ص ٣٢.
فالشرق عنده ليس مجرد اتجاه على الخريطة، بل إمكان للحفاظ على تقاليد ومعانٍ يرى أن الحداثة الغربية تريد تفكيكها.
ولهذا يكتب في الطبعة الفرنسية:
«Nous avons vocation à transférer l’Occident en Orient.»
ثم يربط هذا الانتقال بالدور الروسي بوصف روسيا واقعة في مجالين حضاريين في آن واحد. [9] (Douguine, La Quatrième théorie politique, trad. Valentin Lacombe, Ars Magna, 2016, p. 254).
هذه العبارة شديدة الكثافة؛ لأنها تكشف أن روسيا ليست، في مخيال دوغين، طرفًا في الصراع فقط، بل وسيطًا حضاريًا قادرًا على إعادة تركيب الشرق والغرب.
غير أن هذا التصور يحمل خطرًا واضحًا: أن يتحول الشرق والغرب إلى هويتين صلبتين لا تتداخلان.
والتاريخ يقول شيئًا آخر.
فالحضارات لم تكن يومًا جزرًا مغلقة؛ لقد تشكلت من التبادل، والترجمة، والهجرة، والحروب، والتثاقف، والاقتباس.
ومن هنا فإن الدفاع عن الحضارة لا ينبغي أن يعني تجميدها.
---
ثاني عشر: نحو قراءة نقدية لدوغين
إن القيمة الحقيقية لفلسفة دوغين السياسية لا توجد في تحويلها إلى عقيدة، وإنما في قراءتها بوصفها نصًا يكشف أزمة العالم المعاصر.
إنه يضع أمامنا أزمة الليبرالية، لكنه لا يحلها نهائيًا.
ويكشف حدود الأحادية القطبية، لكنه لا يضمن أن التعددية ستكون أكثر عدلًا.
وينتقد الفردانية، لكنه لا يقدم دائمًا ضمانات كافية لحماية الفرد.
ويعيد الاعتبار للحضارة، لكنه يفتح في الوقت نفسه خطر تحويل الحضارة إلى هوية سياسية مغلقة.
ويرفع شعار السيادة، لكن السؤال يبقى: سيادة من؟ ولأجل من؟
إن هذه الأسئلة هي التي تمنح القراءة التأويلية قيمتها.
فالتأويل لا يعني أن نقول إن النص صحيح، وإنما أن نفهم كيف ينتج النص عالمه، وما الذي يخفيه، وما الذي يكشفه، وما الذي يستبعده.
---
خاتمة: السياسة حين تصبح معركة على معنى الإنسان
إن فلسفة السياسة عند ألكسندر دوغين هي، في نهاية المطاف، محاولة لإعادة فتح التاريخ بعد أن أعلنت الليبرالية انتصاره.
إنها محاولة للخروج من عالم يعتقد أن له مركزًا واحدًا، نحو عالم متعدد المراكز والحضارات.
لكن القيمة الفلسفية لهذا المشروع لا تكمن في استبدال مركز بمركز، ولا في إحلال موسكو محل واشنطن، وإنما في السؤال الذي يضعه أمام الفكر السياسي المعاصر:
هل يستطيع العالم أن يكون متعددًا دون أن يتحول تعدده إلى صراع بين إمبراطوريات؟
إن التعددية لا تصبح فلسفة للتحرر إلا إذا احترمت حق الإنسان في الاختلاف داخل الحضارة كما تحترم حق الحضارة في الاختلاف عن غيرها.
وإذا كانت السيادة ضرورية لمقاومة الهيمنة الخارجية، فإنها تحتاج في الداخل إلى عقل نقدي يمنعها من التحول إلى سلطة مطلقة.
وإذا كانت الهوية ضرورية لمنح الإنسان معنى الانتماء، فإنها لا ينبغي أن تتحول إلى جدار يمنعه من رؤية الآخر.
وإذا كان نقد الغرب ضروريًا لتفكيك المركزية، فإن التحرر من المركز الغربي لا ينبغي أن يتحول إلى بحث عن مركز شرقي جديد.
لهذا فإن أعمق سؤال يمكن أن نوجهه إلى دوغين ليس: هل هو مع روسيا أم ضد الغرب؟
بل:
هل يستطيع الإنسان أن يبني عالمًا متعددًا دون أن يعيد إنتاج منطق المركز والهيمنة؟
هنا تصبح فلسفة دوغين أقل شأنًا بوصفها جوابًا، وأكثر أهمية بوصفها علامة على أزمة عصر.
فالعالم الذي خرج من الحرب الباردة لم يعد عالمًا ذا مركز واحد، لكنه لم يصبح بعد عالمًا عادلًا لمجرد أنه صار متعدد الأقطاب.
إن تعدد القوة لا يعني تعدد الحرية.
وتعدد الدول لا يعني تعدد المعاني.
وتعدد الحضارات لا يعني بالضرورة تعدد إمكانات الإنسان.
وهنا ينبغي للفلسفة أن تبقى يقظة.
فمهمتها ليست أن تختار إمبراطورية ضد أخرى، وإنما أن تمنع كل إمبراطورية من تحويل قوتها إلى حقيقة، وكل حضارة من تحويل خصوصيتها إلى قدر، وكل دولة من تحويل سيادتها إلى قداسة.
إن أخطر خرائط السياسة ليست تلك التي ترسم حدود الدول، وإنما تلك التي ترسم للإنسان حدودًا لا يحق له أن يتجاوزها.
وفي هذا المعنى، فإن قراءة دوغين ليست قراءة لرجل روسي فحسب؛ إنها قراءة لعصر تتصارع فيه خرائط القوة مع خرائط المعنى، وتبحث فيه الحضارات عن مكانها في عالم لم يعد يقبل بسهولة أن يكون له مركز واحد.
---
الهوامش:
[1] Alexandre Douguine, La Quatrième théorie politique : La Russie et les idées politiques au XXIe siècle, trad. Valentin Lacombe, Nantes, Éditions Ars Magna, 2012، انظر خصوصًا المقدمة، ص. 12؛ وقد أوردت مصادر فرنسية النص المتعلق ببناء «نموذج سياسي مستقل» في هذه الصفحة.
[2] Alexandre Douguine، حوار حول La Quatrième théorie politique et le postlibéralisme، حيث يشرح دوغين أن النظريات السياسية «تحددنا من الداخل» وأن الإنسان يحمل آثارها دون وعي مباشر.
[3] المرجع نفسه؛ يربط دوغين انتصار الليبرالية سنة 1991 بالعولمة وبفكرة «نهاية التاريخ».
[4] Alexandre Douguine, La Quatrième théorie politique, trad. Valentin Lacombe, Ars Magna, 2016, pp. 258–262. النص الفرنسي يصف الأطلنطية بأنها تنفي قيمة الشعب والأرض الحية والتجذر، ثم يصفها بأنها «العدو المطلق».
[5] Alexandre Douguine, La Quatrième théorie politique, trad. Valentin Lacombe, Ars Magna, 2016, pp. 215–216. يتعلق النص بعجز الدولة القومية، وفق تصور دوغين، عن تأكيد سيادتها في مواجهة القوة الأمريكية العالمية.
[6] Alexandre Douguine, «La guerre contre la Russie dans sa dimension idéologique. Une analyse à la lumière de la Quatrième théorie politique», 17 mars 2014, dans Vladimir Poutine, le pour et le contre, Ars Magna, 2017, p. 258.
[7] Alexandre Douguine, La Quatrième théorie politique, trad. Valentin Lacombe, Ars Magna, 2016, p. 310. يتناول دوغين في هذا الموضع آثار «التحديث الأخلاقي» على الفرد والجماعة والقيم التقليدية.
[8] Randall E. Auxier, «The Real Fourth Political Theory», Eidos. A Journal for Philosophy of Culture, vol. 6, n° 4, 2022, pp. 78–95. وهي دراسة نقدية لمشروع دوغين وعلاقته بهايدغر وبالنظرية السياسية الرابعة.
[9] Alexandre Douguine, La Quatrième théorie politique, trad. Valentin Lacombe, Ars Magna, 2016, p. 254، حول الدور الحضاري الذي يسنده دوغين إلى روسيا في العلاقة بين الشرق والغرب.
أنظر أيضا كتابه المترجم إلى العربية بالعنوان التالي:
ألكسندر دوغين، أسس الجيوبوليتيكا: مستقبل روسيا الجيوبوليتيكي، ترجمة عماد حاتم، دار الكتاب الجديدة المتحدة، الطبعة الأولى، 2004، طرابلس، الجماهيرية العظمى.
#معروفي_العيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟