أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - لماذا تحارب إسرائيل؟















المزيد.....


لماذا تحارب إسرائيل؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8809 - 2026 / 8 / 26 - 02:52
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

26 آب أغسطس 2026

حسابات القوة، هواجس الأمن، وحدود الرهان على الولايات المتحدة

من السهل، عند النظر إلى حجم العنف الذي شهده الشرق الأوسط منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أن يُختزل السلوك الإسرائيلي في تفسير واحد يقوم على الإنتقام أو التطرف أو الرغبة في إستخدام القوة. غير أن الكاتب والباحث الروسي أندريه كولوبوف، في مقاله المنشور في موقع فوينييه أبوزرينيه «المراجعة العسكرية» في 16 يونيو/حزيران 2026 بعنوان «لماذا تحارب إسرائيل؟»، يقترح قراءة مختلفة وأكثر تعقيداً. فهو يرى أن وراء المظاهر الأكثر صخباً في الحرب حسابات إستراتيجية بعيدة المدى تتصل بموقع إسرائيل الجغرافي، وتركيبتها الديموغرافية، وعلاقاتها مع جيرانها، وإعتمادها العسكري على الولايات المتحدة، فضلاً عن التحولات التي يعتقد أنها بدأت تصيب القوة الأميركية.
ولا يتعامل هذا الطرح مع الحرب بوصفها نتيجة سبب واحد، بل بإعتبارها حصيلة تراكم مجموعة من العوامل: الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والخصومة مع إيران، والحاجة الإسرائيلية إلى الحفاظ على التفوق العسكري، والعلاقة الخاصة مع واشنطن، ثم الإعتقاد بأن نافذة القوة المتاحة لإسرائيل قد لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.
ومع ذلك، فإن أهمية هذه المقاربة لا تكمن في التسليم بكل إستنتاجاتها، بل في أنها تطرح سؤالاً أكثر إتساعاً: هل تخوض إسرائيل حروبها الحالية لأنها أصبحت أقوى، أم لأنها تخشى أن تصبح أضعف في المستقبل؟

صراع لم يُحسم منذ قيام إسرائيل

ينطلق كولوبوف من حقيقة تاريخية وسياسية يصعب تجاوزها: إسرائيل نشأت ولا تزال تعيش في بيئة إقليمية شديدة التعقيد والعداء، حيث تتداخل مطالب الأمن مع قضايا الأرض والهوية والحقوق التاريخية.
فالصراع العربي ـ الإسرائيلي لم يقتصر على الخلاف حول قيام دولة إسرائيل، بل تراكمت فوقه قضايا أخرى جعلت التسوية أكثر تعقيداً: القدس، والمستوطنات، والضفة الغربية، ومرتفعات الجولان، واللاجئون الفلسطينيون.
القدس، بالنسبة إلى الطرفين، ليست مجرد مدينة يمكن تقسيمها بسهولة ضمن تسوية حدودية. إنها مركز ديني وتاريخي ورمزي بالغ الحساسية. أما قضية المستوطنات، فقد أصبحت واحدة من أكثر الملفات إستعصاءً، خصوصاً في الضفة الغربية. وبينما إنسحبت إسرائيل من قطاع غزة عام 2005، بقيت الضفة الغربية في قلب الصراع، مع إستمرار التوسع الإستيطاني والنزاع حول مستقبلها السياسي.
ثم تأتي قضية اللاجئين الفلسطينيين، التي يرى الكاتب أنها تحولت عبر عقود إلى مشكلة ديموغرافية وسياسية ضخمة. فحق العودة بالنسبة إلى الفلسطينيين قضية تاريخية وحقوقية أساسية، في حين تنظر إسرائيل إلى عودة جماعية واسعة بإعتبارها تهديداً مباشراً لطبيعة الدولة وتركيبتها السكانية.
وهنا تظهر إحدى عقد الصراع الأساسية: ما يعتبره طرف حقاً تاريخياً وعدالةً، قد يعتبره الطرف الآخر تهديداً وجودياً.
ولا يقدم هذا الواقع، في حد ذاته، حلاً للصراع، لكنه يفسر لماذا ظل النزاع قابلاً لإعادة إنتاج نفسه حتى بعد الحروب والإتفاقيات والتسويات الجزئية.

من شريك غير متوقع إلى عدو إستراتيجي: قصة إيران وإسرائيل

أحد أكثر جوانب المقال إثارة للإهتمام هو إستعراضه للتقلب التاريخي في العلاقة بين إيران وإسرائيل.
غير أن العداء الذي يطبع العلاقات الإيرانية ـ الإسرائيلية اليوم لم يكن دائماً على هذه الصورة. ففي عهد الشاه، كانت طهران وتل أبيب تجمعهما علاقات تعاون ومصالح مشتركة، جعلت العلاقة بينهما أكثر تقارباً بكثير مما توحي به خصومتهما الحالية.
وكان لإيران آنذاك علاقات وثيقة بالولايات المتحدة، وكانت إسرائيل ترى في النظام الإيراني شريكاً محتملاً في مواجهة بعض القوى العربية والإقليمية، ولا سيما مصر الناصرية والعراق في مراحل لاحقة. وتطورت بين البلدين علاقات إقتصادية وأمنية، كما تطورت بين البلدين علاقات إقتصادية واسعة شملت تجارة النفط، والتبادل التجاري، والتعاون في المجالات الفنية والتقنية.
لكن الثورة الإيرانية عام 1979 قلبت المشهد. أصبحت إسرائيل في الخطاب الرسمي الإيراني رمزاً للسياسات الصهيونية والأميركية في المنطقة، بينما بدأ النظام الإيراني الجديد في بناء شبكة من العلاقات مع قوى فلسطينية ولبنانية مناهضة لإسرائيل.
غير أن كولوبوف يلفت إلى مفارقة مهمة: العداء الأيديولوجي لم يمنع دائماً التعاون البراغماتي.
وتظهر قضية «إيران ـ كونترا» مثالاً واضحاً على ذلك، حين جرى تمرير أسلحة أميركية إلى إيران عبر قنوات معقدة، وكان لإسرائيل دور في العملية. ويكشف ذلك أن العلاقات الدولية لا تسير دائماً وفق الشعارات المعلنة، وأن الخصوم الأيديولوجيين قد يجدون أنفسهم أحياناً أمام مصالح مشتركة أو أعداء مشتركين.
لكن سقوط الإتحاد السوفياتي وتغير البيئة الإقليمية والدولية أعادا ترتيب الحسابات. ومع تراجع بعض مبررات العداء العربي ـ الإسرائيلي التقليدي، برزت إيران بصورة متزايدة كخصم إستراتيجي يمكن لإسرائيل أن تبني حوله جزءاً من تصورها الأمني.
ثم جاءت نقطة التحول الأكثر أهمية: البرنامج الصاروخي الإيراني والبرنامج النووي.
بالنسبة إلى إسرائيل، لا تتعلق المسألة هنا بمجرد خلاف سياسي مع إيران، بل بحسابات جغرافية وأمنية شديدة الحساسية. فإسرائيل دولة صغيرة المساحة، وذات كثافة سكانية مرتفعة، ولذلك فإن إمتلاك خصم إقليمي بعيد نسبياً لوسائل تدمير واسعة النطاق يمكن أن يتحول، من المنظور الإسرائيلي، إلى تهديد وجودي.
ومن هنا إنتقلت العلاقة من الخصومة السياسية إلى مفهوم التهديد الوجودي.

التفوق العسكري كشرط للبقاء

يربط الكاتب بين هذه البيئة الأمنية وبين طبيعة العقيدة العسكرية الإسرائيلية.
فإسرائيل لا تملك كتلة سكانية تضاهي الدول الكبرى المحيطة بها. ولذلك لا تستطيع، وفق هذا المنظور، أن تعتمد على حرب استنزاف طويلة تقوم على مبدأ «الكتلة مقابل الكتلة». الحل البديل هو التفوق النوعي: أسلحة أكثر تطوراً، واستخبارات أكثر كفاءة، وقوة جوية متقدمة، ودفاع جوي وصاروخي، وقدرة على تعبئة المجتمع بسرعة.
ولهذا تصبح التكنولوجيا العسكرية بالنسبة إلى إسرائيل ليست مجرد أداة للردع، بل جزءاً من بنية الأمن القومي ذاتها.
ويستشهد المقال بمستوى الإنفاق العسكري الإسرائيلي المرتفع مقارنة بعدد السكان، ليشير إلى أن العبء العسكري للفرد الإسرائيلي ظل تاريخياً أعلى بكثير من العبء المقابل في دول كبيرة مثل كندا أو إسبانيا.
لكن هذه المعادلة تحمل في داخلها نقطة ضعف أيضاً: الدولة الصغيرة التي تريد الحفاظ على تفوق نوعي تحتاج بإستمرار إلى الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة.
وهنا تدخل الولايات المتحدة.

إسرائيل والولايات المتحدة: تحالف يتجاوز المساعدات

العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، في قراءة كولوبوف، ليست مجرد علاقة دولة مانحة بدولة متلقية، بل شراكة إستراتيجية تخدم مصالح الطرفين.
فالولايات المتحدة وجدت في إسرائيل قوة عسكرية قادرة على لعب دور مهم في منطقة ذات أهمية إستراتيجية كبرى، خصوصاً في ظل موقع الشرق الأوسط وموارده النفطية وممراته البحرية وتنافس القوى الدولية عليه.
أما إسرائيل فوجدت في الولايات المتحدة المورد الذي لا تستطيع الإستغناء عنه بسهولة: التمويل، والتكنولوجيا، والطائرات، والذخائر، والمنظومات الدفاعية، والدعم السياسي والدبلوماسي.
وتطورت هذه العلاقة تدريجياً، خصوصاً بعد حرب عام 1967، وصولاً إلى حصول إسرائيل على مكانة «حليف رئيسي من خارج حلف الناتو» عام 1987، ثم إتفاق المساعدات الأمنية طويل الأمد في عهد الرئيس باراك أوباما.
لكن الكاتب يضيف عنصراً آخر إلى تفسير الدعم الأميركي: العامل الداخلي الأميركي، ولا سيما نفوذ التيارات الإنجيلية التي ترى في دعم إسرائيل جزءاً من تصور ديني وتاريخي للعالم.
وبذلك إجتمعت المصالح الجيوسياسية مع الإعتبارات السياسية والدينية والإنتخابية داخل الولايات المتحدة، لتنتج علاقة شديدة الصلابة يصعب فصلها عن بنية السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

السؤال الأصعب: ماذا لو بدأت أميركا بالتراجع؟

هنا يصل المقال إلى فكرته المركزية.
يرى كولوبوف أن الولايات المتحدة ما تزال القوة الأقوى في العالم، لكنه يعتقد أن ذروة قوتها ربما أصبحت خلفها، وأن مجموعة من المؤشرات الإقتصادية والسياسية والصناعية والعسكرية تكشف عن مشكلات بنيوية متراكمة.
ويستشهد على ذلك بالدين العام الأميركي، والإستقطاب السياسي، وتعثر بعض برامج التسليح، وإرتفاع تكاليف الأنظمة العسكرية، ومشكلات بناء السفن، والتحديات المرتبطة بصيانة الأسطول، ونقص القوى البشرية، إضافة إلى المشكلات التي واجهتها شركات صناعية كبرى.
والفكرة هنا ليست أن الولايات المتحدة أصبحت ضعيفة أو عاجزة، بل أن الفارق بين قوتها الحالية وقوتها المستقبلية قد يكون مهماً في الحسابات الإسرائيلية.
إذا كانت إسرائيل تعتمد على تفوق نوعي يحتاج إلى دعم أميركي مستمر، فإن أي تراجع طويل الأمد في القدرة الأميركية على التمويل أو الإنتاج العسكري أو التدخل الخارجي يمكن أن ينعكس تدريجياً على ميزان القوى الإسرائيلي.
ومن هذا المنظور، تصبح الحرب الحالية بالنسبة إلى الكاتب جزءاً من سباق مع الزمن.

إسرائيل أمام «نافذة القوة»

هذه هي النقطة التي يبني عليها المقال تفسيره لسلوك إسرائيل منذ عام 2023.
إذا كانت إسرائيل ترى أن الولايات المتحدة لن تبقى إلى الأبد بالقوة نفسها، وإذا كانت إسرائيل نفسها تواجه قيوداً ديموغرافية وجغرافية، فإن اللحظة الراهنة قد تبدو، من وجهة النظر الإستراتيجية الإسرائيلية، مناسبة تع لإستخدام القوة إلى أقصى حد ممكن.
بمعنى آخر، لا يفسر الكاتب الحرب باعتبارها دليلاً على الثقة المطلقة. ومن المفارقات أن إستخدام القوة قد يكون، في الوقت نفسه، نتيجةً للخوف من المستقبل..
إسرائيل قوية الآن، لكنها لا تستطيع ضمان إستمرار تفوقها بالدرجة نفسها بعد عقد أو عقدين. لذلك، وفق هذا المنطق، قد ترى قيادتها أن معالجة مصادر التهديد قبل تغير ميزان القوى أفضل من إنتظار ظروف أقل ملاءمة.
وهنا يمكن فهم تصعيد المواجهة مع الفلسطينيين ولبنان وإيران ضمن إطار إستراتيجي واحد، حتى وإن كانت لكل جبهة ظروفها وأهدافها الخاصة.

لماذا عام 2023 تحديداً؟

لكن تبقى المشكلة: إذا كانت هذه الحسابات موجودة منذ سنوات، فلماذا إنفجرت الحرب بهذه الصورة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023؟
يرى الكاتب أن هجوم حركة حماس قدم للحكومة الإسرائيلية ما يشبه «النافذة السياسية» التي كانت تحتاج إليها.
فالعملية التي نفذتها حماس، وما رافقها من قتلى وأسرى عسكريين ومدنيين إسرائيليين، أحدثت صدمة هائلة داخل إسرائيل وخارجها، وأوجدت في بدايتها تعاطفاً دولياً واسعاً مع إسرائيل.
ومن وجهة نظر الكاتب، وفّر ذلك للحكومة الإسرائيلية غطاءً سياسياً لم يكن متاحاً بسهولة لو بدأت إسرائيل هجوماً واسعاً على غزة من دون حدث سابق يبرره أمام الرأي العام الدولي.
لكن من الناحية السياسية، لا شك أن السابع من أكتوبر غيّر البيئة التي تحركت فيها الحكومة الإسرائيلية جذرياً، وأتاح لها هامشاً أوسع بكثير من العمل العسكري مما كان يمكن أن يتوافر في ظروف أخرى.

غزة وإيران: جبهتان ضمن حساب مختلف

يقدم المقال تفسيراً مشابهاً، وإن كان أكثر إثارة للجدل، في ما يتعلق بإيران.
فإسرائيل، بحسب هذا التصور، لا ترى في البرنامج النووي الإيراني مجرد ملف دبلوماسي، بل تهديداً إستراتيجياً يجب التعامل معه قبل أن يصل إلى نقطة يصبح فيها الرد العسكري أكثر صعوبة.
غير أن المشكلة أن إسرائيل، حتى مع إمتلاكها قوة جوية وإستخباراتية متقدمة، لا تستطيع بسهولة تدمير البنية النووية الإيرانية وحدها، بسبب المسافات، وتوزيع المنشآت، والتحصينات، وحجم الدولة الإيرانية.
ومن هنا تصبح الولايات المتحدة عاملاً حاسماً.
ويطرح الكاتب فرضية مفادها أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تمكن من دفع الرئيس دونالد ترامب إلى الإنخراط بصورة أعمق في المواجهة مع إيران، سواء عبر معلومات إستخباراتية أو من خلال التأثير السياسي المباشر، وبما يحمله ملف إبستين.
وحتى إذا إختلف المرء مع هذه الفرضية، فإن السؤال الذي تطرحه يبقى مهماً: من يقود العلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية عندما تتقاطع المصالح؟ أو: من الكلب ومن الذنب؟
هل واشنطن هي التي تستخدم إسرائيل لخدمة إستراتيجيتها، أم أن إسرائيل تستطيع في بعض اللحظات دفع الولايات المتحدة إلى خيارات لا تكون بالضرورة في صميم أولوياتها؟

حين يصبح الحليف الصغير قادراً على التأثير في الحليف الأكبر

هذه المفارقة ليست جديدة في السياسة الدولية.
فالدولة الأقوى لا تتحكم دائماً بكل نتائج تحالفاتها. وفي بعض الحالات تستطيع الدولة الأصغر، بسبب أهميتها الجغرافية أو السياسية أو الأمنية، التأثير في حسابات الدولة الأكبر.
ويستحضر الكاتب مقارنة مع أوكرانيا والرئيس فولوديمير زيلينسكي، معتبراً أن كييف إستطاعت أيضاً دفع العواصم الغربية إلى مستويات متقدمة من الدعم العسكري والسياسي.
لكن المقارنة، بطبيعة الحال، ليست كاملة. فالعلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية تمتد لعقود، وتقوم على مصالح مؤسسية وإستراتيجية داخل الولايات المتحدة نفسها، وليست مجرد علاقة شخصية بين قادة.
ومع ذلك، تكشف المقارنة عن سؤال أوسع: هل يمكن للتحالفات أن تنتج أحياناً سياسة تتجاوز الحسابات الأصلية للقوة الأكبر؟

نتنياهو بين الأمن الشخصي وحساب الدولة

لا يهمل المقال العامل الداخلي الإسرائيلي.
فالسابع من أكتوبر كان ضربة قاسية لصورة الأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، ووقعت المسؤولية السياسية في النهاية على القيادة التي كانت في السلطة.
ومن هنا يرى كولوبوف أن لبنيامين نتنياهو مصلحة سياسية مباشرة في تحقيق نتيجة عسكرية كبيرة تعيد تعريف إرثه السياسي.
وهذا لا يعني بالضرورة أن الحرب إندلعت بسبب طموح شخصي وحده، فالدول لا تخوض حروباً بهذا الحجم بناءً على مصالح فرد واحد فقط. لكنه يعني أن المصلحة السياسية للقيادة قد تتداخل مع تصورها لمصلحة الدولة.
فإذا إستطاعت الحكومة الإسرائيلية، وفق السيناريو الذي يتصوره المقال، تغيير الوضع في غزة، وتقليص قوة خصومها المسلحين، وإضعاف إيران أو برنامجها النووي، فإن الإخفاق الأمني الكبير في السابع من أكتوبر قد يتحول في الذاكرة السياسية إلى مقدمة لإنتصار تاريخي بدلاً من أن يبقى رمزاً للفشل.
وهنا يصبح السؤال المتعلق بنتنياهو سؤالاً عن التاريخ السياسي أيضاً: هل يستطيع القائد الذي واجه أكبر إخفاق أمني في تاريخ الدولة أن يعيد تقديم نفسه بإعتباره القائد الذي أعاد رسم خريطة الأمن الإسرائيلي؟

لكن هل تكفي القوة العسكرية لحل المشكلة؟

هنا تظهر الحدود الأهم في أطروحة المقال.
حتى لو إفترضنا أن إسرائيل تسعى فعلاً إلى إستغلال نافذة قوتها الحالية، فإن إستخدام القوة لا يعني بالضرورة القدرة على إنتاج تسوية سياسية دائمة.
يمكن للقوة العسكرية أن تدمر بنى تحتية، وتقتل قادة، وتضعف تنظيمات، وتفرض وقائع جديدة على الأرض. لكنها لا تستطيع بالسهولة نفسها إزالة المظالم السياسية أو تغيير الهويات الوطنية أو إنهاء المطالب التاريخية.
ولهذا فإن المشكلة الفلسطينية تحديداً تظل أعمق من مجرد القدرة على تحقيق إنتصار عسكري.
فالتهجير، والإحتلال، والإستيطان، والقدس، واللاجئون، والدولة الفلسطينية، والأمن الإسرائيلي، كلها ملفات مترابطة. وأي محاولة لمعالجة أحدها بالقوة وحدها قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع في صورة جديدة.
الأمر ذاته ينطبق على إيران. حتى لو تمكنت إسرائيل والولايات المتحدة من إلحاق أضرار كبيرة بالبرنامج النووي الإيراني، فإن ذلك لا يعني بالضرورة إنهاء القدرة الإيرانية على إعادة بناء برنامجها أو تغيير تصورها للأمن القومي.
بل قد تكون النتيجة العكسية هي دفع إيران إلى إعادة تقييم عقيدتها الدفاعية بصورة أكثر تشدداً.

المفارقة الكبرى: القوة قد تكون سبباً للحرب وسبباً لإستمرارها

تكشف القراءة التي يقدمها كولوبوف عن مفارقة إستراتيجية لافتة.
فإسرائيل تستخدم القوة لأنها قوية، لكنها قد تستخدمها أيضاً لأنها تخشى أن تصبح أقل قوة.
وهذا النوع من السلوك معروف في العلاقات الدولية: عندما تعتقد دولة أن ميزان القوى سيتغير مستقبلاً لمصلحة خصومها، قد تفضل المواجهة في اللحظة التي تكون فيها شروطها أفضل.
لكن هذه الإستراتيجية تحمل مخاطرة أساسية: أن تتحول الحرب الوقائية إلى حرب مفتوحة لا تستطيع الدولة التحكم في نهايتها.
فكلما إتسعت الجبهات، إزدادت الحاجة إلى الدعم الأميركي. وكلما إزدادت الحاجة إلى الولايات المتحدة، أصبح مصير إسرائيل أكثر إرتباطًا بمسار القوة الأميركية نفسها. وكلما طالت الحرب، إزدادت الكلفة الإقتصادية والسياسية والدبلوماسية.
وبذلك قد ينشأ تناقض جوهري: إسرائيل تحاول إستخدام قوتها الحالية قبل تراجعها، لكنها قد تستنزف جزءاً من هذه القوة في حروب طويلة.

الخلاصة: هل تحارب إسرائيل لأنها تخشى المستقبل؟

تقدم مقالة أندريه كولوبوف تفسيراً يقوم على فكرة محورية: الحرب الإسرائيلية الحالية ليست مجرد إنفجار غضب أو رد فعل على هجوم السابع من أكتوبر، وإنما جزء من حساب إستراتيجي أوسع يتعلق بموقع إسرائيل في نظام إقليمي ودولي آخذ في التغير.
وفق هذا التصور، تتداخل خمسة إعتبارات رئيسية: الصراع الفلسطيني غير المحسوم، والتحول في العلاقة مع إيران، والحاجة إلى الحفاظ على التفوق العسكري النوعي، والإعتماد البنيوي على الولايات المتحدة، ثم الإعتقاد بأن القوة الأميركية نفسها تواجه مرحلة من التراجع النسبي.
ومن هنا تأتي فكرة «نافذة الفرصة»: إذا كانت إسرائيل تتمتع اليوم بتفوق عسكري كبير ودعم أميركي واسع، فقد ترى قيادتها أن هذا هو الوقت الأنسب لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها قبل أن تتغير موازين القوة.
لكن الحسم العسكري شيء، والحل السياسي شيء آخر تماماً.
فإسرائيل قد تكون قادرة على إلحاق أضرار هائلة بخصومها، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها أن تجعل الفلسطينيين يتخلون عن هويتهم وحقوقهم ومطالبهم، ولا تستطيع بالضرورة أن تمنع إيران من البحث عن أدوات جديدة للردع، ولا أن تضمن إستمرار التفوق الأميركي إلى ما لا نهاية.
ومن هذه الزاوية، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية ليس فقط: لماذا تحارب إسرائيل؟
بل: ماذا تريد أن تكون عليه المنطقة بعد إنتهاء الحرب، وهل تستطيع القوة العسكرية وحدها أن تنتج النظام الذي تتصوره؟
هذه هي المعضلة التي تجعل الحرب الحالية أكبر من مجرد مواجهة بين إسرائيل وخصومها. إنها إختبار لفكرة كاملة عن الأمن والقوة والردع، وإختبار أيضاً لحدود قدرة دولة صغيرة، مهما بلغت قوتها العسكرية، على إعادة صياغة محيطها الإقليمي بالقوة وحدها.
وفي النهاية، فإن أطروحة كولوبوف ينظر إليها لا بإعتبارها حكماً نهائياً على دوافع إسرائيل، ولا بإعتبارها تبريراً لسياساتها، وإنما بإعتبارها محاولة لقراءة الحرب من زاوية حسابات القوة طويلة الأمد: دولة ترى أن الوقت ليس بالضرورة حليفها، وأن أفضل لحظة لإستخدام القوة قد تكون اللحظة التي تشعر فيها بأن المستقبل قد يحمل ميزاناً أقل ملاءمة.
وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: قد تكون إسرائيل تحارب اليوم لأنها قوية، وقد تكون في الوقت نفسه تحارب لأنها تخشى أن القوة التي تملكها اليوم لن تكون متاحة لها غداً.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 2 - آب ...
- من إسقاط الأسد إلى الصدام على سوريا: هل يتحوّل التقاطع الإسر ...
- بمناسبة 35 عاما على محاولة الإنقلاب في موسكو - الحلقة 1 - لو ...
- ترامب والحاجة المستمرة إلى مشهد النصر
- ألكسندر دوغين عن السيناريوهات الثلاثة لمستقبل روسيا
- من تل أبيب إلى برديتشيف: هل يجري بناء «إسرائيل 2.0» في أوكرا ...
- جون ميرشايمر - حين إنقلبت معادلة القوة: إيران ومأزق ترامب بع ...
- غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة
- من صفحات التاريخ - كيف ساعدت فرنسا وروسيا على إنتصار الثورة ...
- فرنسا بعد غزة: هل أصبحت معاداة الصهيونية جريمة سياسية؟
- الهزيمة المحتومة: قراءة في تحليل جون ميرشايمر للحرب الأمريكي ...
- روسيا بين «الخطر الأبدي» و«السحر الثقافي»
- ميرشايمر يعيد فتح السؤال الأصعب: لماذا فشل الردع في منع حرب ...
- روسيا أمام مفترق تاريخي: شبح الخلافة وهاجس الإنهاك البنيوي
- ألكسندر دوغين - فوتشيتش ضعيف الإرادة وهروب الذكاءات الاصطناع ...
- غضب موسكو وحدود صبرها: هل تقترب الحرب الأوكرانية من مرحلة أك ...
- بمناسبة مئويته: فيديل كاسترو... حين تحوّلت الثورة إلى مشروع ...
- من لشبونة إلى فلاديفوستوك: كيف ضاع البيت الأوروبي المشترك؟
- من «عاصفة الصحراء» إلى النظام الأحادي: كيف وُلد «النظام العا ...
- من غزة إلى هرمز: شرق أوسط بلا هدنة


المزيد.....




- النفط يهبط 3% مع انتعاش آمال إنشاء ممر جديد في مضيق هرمز
- ميلانيا ترامب بفساتين مكشوفة وتسريحات جريئة.. اختيارات مختلف ...
- عون: لا خيار إلا التفاوض لتحرير الجنوب وإعادة الإعمار
- نتنياهو يتحدث عن الاستيطان ويكشف مباحثاته مع ترامب حول إيران ...
- سوريا.. ارتفاع منسوب الفرات في دير الزور
- السويد.. القبض على مشتبه به ثانٍ في الهجوم بالسيف على مدرسة ...
- عقوبات ترامب على إيران تضع أمريكا والصين في مواجهة مباشرة
- بعد سلسلة انتكاسات.. مرشحان مدعومان من ترامب يفوزان بالانتخا ...
- بـ 32 دولارا.. نوكيا تطلق هاتفا من الطراز القديم يشحن أجهزتك ...
- نتنياهو يهاجم آيزنكوت: لو استمعنا إليه لكان نصر الله وخامنئي ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - لماذا تحارب إسرائيل؟