جهاد عقل
(Jhad Akel)
الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 12:37
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
مقدمة
في التاسع عشر من آب/أغسطس 1895، اجتمع ممثلون عن الحركة التعاونية من ثلاث عشرة دولة في لندن، وأسسوا الحلف التعاوني الدولي، في خطوة نقلت الفكرة التعاونية من تجارب محلية ووطنية متفرقة إلى حركة عالمية منظمة. وبعد مرور 131 عامًا على ذلك الحدث، لا تبدو العودة إلى فكرة التعاون مجرد استذكار لتاريخ مضى، بل تطرح سؤالًا شديد الراهنية: أي اقتصاد نريد، ولمن ينبغي أن يعمل الاقتصاد؟
إن أهمية الحركة التعاونية لا تكمن فقط في عدد الجمعيات التي أنشأتها أو حجم نشاطها الاقتصادي، وإنما في الفكرة التي تقوم عليها: قدرة البشر على تنظيم حاجاتهم الاقتصادية والاجتماعية بصورة جماعية وديمقراطية، بدل أن يكون الفرد وحيدًا أمام السوق ورأس المال، وهنا تحديدًا تكتسب التعاونية بعدها الأيديولوجي.
- التعاون في مواجهة الفردانية
قامت الرأسمالية، في تطورها التاريخي، على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والسعي إلى تعظيم الربح والمنافسة وتراكم رأس المال. ومع اتساع هيمنة السوق، أصبح الإنسان يُقاس في كثير من الأحيان بقدرته على الإنتاج والاستهلاك، بينما تتعمق الفوارق في الثروة والقدرة على التأثير الاقتصادي.
أما الفكرة التعاونية، فتنطلق من منطق مختلف: الاجتماع بدل الانفراد، والتضامن بدل التنافس المنفلت، والملكية المشتركة بدل احتكار الملكية، والمشاركة الديمقراطية بدل ترك القرار الاقتصادي لمن يمتلك رأس المال الأكبر.
وهذا لا يعني أن التعاونيات تعمل خارج السوق أو أنها تلغي الحاجة إلى الكفاءة الاقتصادية. فهي مؤسسات اقتصادية تنتج وتبيع وتشتري وتنافس، لكنها تحاول إخضاع النشاط الاقتصادي لغاية اجتماعية وإنسانية، بحيث تصبح الأرباح وسيلة لاستدامة المشروع وخدمة أعضائه ومجتمعه، لا الغاية الوحيدة التي يخضع لها كل شيء.
من هنا نؤكد بإن التعاونية ليست مؤسسة خيرية، كما أنها ليست شركة رأسمالية تقليدية ترتدي ثوبًا اجتماعيًا. إنها صيغة مختلفة للملكية والإدارة الاقتصادية، تقوم على أن الأشخاص الذين تجمعهم حاجة مشتركة يستطيعون امتلاك مشروعهم وإدارته بصورة ديمقراطية.
إن هذه الفكرة تتجسد في القيم التي تقوم عليها الحركة التعاونية: المساعدة الذاتية، والمسؤولية الذاتية، والديمقراطية، والمساواة، والإنصاف، والتضامن، إلى جانب العضوية الطوعية والمفتوحة، والمشاركة الاقتصادية للأعضاء، والاستقلالية، والتعليم والتدريب، والتعاون بين التعاونيات، والاهتمام بالمجتمع.
- الديمقراطية لا تتوقف عند باب الاقتصاد
تكمن إحدى أهم دلالات الفكر التعاوني في أنه يوسع مفهوم الديمقراطية، فالديمقراطية لا ينبغي أن تقتصر على أن يذهب المواطن مرة كل عدة سنوات إلى صندوق الاقتراع، ثم يعود إلى حياته الاقتصادية التي تتحكم فيها مؤسسات لا يملك تأثيرًا حقيقيًا في قراراتها. فإذا كانت الديمقراطية قيمة سياسية، فلماذا لا تكون أيضًا قيمة اقتصادية؟
هنا تقدم التعاونيات إجابة عملية: يمكن لمن ينتجون أو يستهلكون أو يستخدمون الخدمة أن يكونوا شركاء في الملكية وصنع القرار.
حيث يعبر مبدأ "عضو واحد، صوت واحد" عن جوهر هذه الفلسفة. فالتأثير داخل التعاونية، من حيث المبدأ، لا يتحدد بحجم الثروة التي يملكها العضو، وإنما بعضويته ومشاركته، وهكذا تصبح التعاونية مساحة لممارسة الديمقراطية الاقتصادية، لا مجرد آلية لتوزيع الأرباح.
- الحركة النقابية والحركة التعاونية
لذلك نجد أنه من منظور الحركة العمالية، توجد صلة تاريخية وفكرية عميقة بين النقابات والتعاونيات.
فالنقابة تنظم العمال في علاقتهم مع صاحب العمل من أجل تحسين الأجور وشروط العمل والحماية الاجتماعية والحقوق المهنية. أما التعاونية فتنقل فكرة العمل الجماعي إلى مجالات أخرى من الحياة الاقتصادية: الإنتاج، والاستهلاك، والسكن، والائتمان، والزراعة، والخدمات وغيرها.
لذلك نجد أنه في الحالتين هناك فكرة واحدة في الجوهر: الفرد منفردًا أضعف، أما الأفراد حين ينظمون قوتهم ومصالحهم بصورة جماعية فيستطيعون تغيير ميزان القوى.
لهذا لم يكن غريبًا تاريخيًا أن تتقاطع الحركة النقابية مع الحركة التعاونية في بلدان كثيرة، وأن تنظر قطاعات من الحركة العمالية إلى التعاونيات باعتبارها جزءًا من مشروع أوسع للتحرر الاقتصادي والاجتماعي.
لكن التعاونيات لا ينبغي أن تكون بديلًا عن النقابات، ولا وسيلة للالتفاف على حقوق العمال أو تحويل العامل إلى "عضو" اسمي يُحرم بموجبه من حقوق العمل. فالتعاون الحقيقي ينبغي أن يسير جنبًا إلى جنب مع العمل اللائق والحرية النقابية والعدالة الاجتماعية.
- ليست فكرة هامشية
وعليه وبعد أكثر من قرن على تأسيس الحلف التعاوني الدولي، تثبت الأرقام أن التعاونيات ليست تجربة اقتصادية هامشية.
وفق دراسة صادرة عن الأمم المتحدة هناك اليوم نحو ثلاثة ملايين تعاونية في العالم، وينتمي إليها أكثر من مليار عضو، أي أن أكثر من 12 في المئة من سكان العالم أعضاء في تعاونيات. كما توفر التعاونيات 100 وظيفة أو عملًا لنحو 280 مليون إنسان، بما يعادل قرابة 10 في المئة من السكان العاملين في العالم.
أما أكبر 300 تعاونية ومؤسسة تعاضدية في العالم،يبلغ إجمالي مبيعاتها 2.79 تريليون دولار أمريكي، ويتم نشر تصنيفها سنوياً عبر تقرير مرصد التعاون العالمي الصادر عن التحالف الدولي للتعاونيات، حيث تتركز معظم هذه التعاونيات في قطاعات الخدمات المالية والزراعة والتجزئة. ولا تزال الزراعة والتأمين والتجارة القطاعات الأكثر تمثيلًا، إذ تُساهم مجتمعةً بأكثر من 80% من القيمة الإجمالية.
هذه الأرقام تقول شيئًا مهمًا: النموذج التعاوني ليس فكرة طوباوية تنتظر أن يجري اختبارها، بل هو واقع اقتصادي قائم بالفعل في الزراعة والائتمان والتأمين والسكن والاستهلاك والصناعة والخدمات وغيرها.
السؤال الحقيقي، إذن، ليس ما إذا كانت التعاونيات تستطيع العمل، بل إلى أي مدى تستطيع المجتمعات توسيع المساحة الاقتصادية التي تحكمها مبادئ التعاون والديمقراطية والتضامن.
- منظمة العمل الدولية: التضامن في مواجهة اختلالات العولمة
لقد اكتسبت الفكرة التعاونية اعترافًا دوليًا مهمًا عندما اعتمدت منظمة العمل الدولية عام 2002 التوصية رقم 193 بشأن تعزيز التعاونيات.
تعرّف التوصية التعاونية بأنها جمعية مستقلة لأشخاص اتحدوا طوعًا لتلبية احتياجاتهم وتطلعاتهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المشتركة من خلال مشروع مملوك بصورة مشتركة ويخضع لرقابة ديمقراطية.
والأكثر أهمية أن منظمة العمل الدولية ربطت التعاونيات بالتحديات التي فرضتها العولمة، مؤكدة الحاجة إلى أشكال أقوى من التضامن الإنساني، على المستويين الوطني والدولي، من أجل توزيع أكثر إنصافًا لمكاسب العولمة.
عليه نجد أن هذه الفكرة تلتقي مباشرة مع جوهر السؤال الذي تطرحه الحركة التعاونية منذ نشأتها: من يستفيد من الثروة التي ينتجها المجتمع؟
- عالم أكثر ثراءً… وأكثر تفاوتًا
تزداد أهمية هذا السؤال في عالمنا المعاصر،لقد حققت البشرية تطورًا هائلًا في التكنولوجيا والإنتاج والقدرة على خلق الثروة، لكن ذلك لم يؤد بصورة تلقائية إلى توزيع أكثر عدالة لها. وفي أجزاء واسعة من العالم يترافق تراكم الثروة مع ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والخدمات، واتساع العمل الهش، وتراجع الأمن الوظيفي، وتزايد نفوذ الشركات الكبرى والأسواق المالية.
ففي مواجهة ذلك، لا تقدم التعاونيات حلًا سحريًا لكل تناقضات النظام الاقتصادي. لكنها تقدم برهانًا عمليًا على إمكانية بناء مؤسسات اقتصادية يكون الإنسان فيها أكثر من مجرد عامل أو مستهلك، ويكون له نصيب في الملكية والقرار والعائد.
لذلك فإن الدفاع عن التعاونيات لا يعني تجميل الرأسمالية، بل توسيع المساحات التي يستطيع فيها الناس إخضاع النشاط الاقتصادي لمصالحهم الجماعية.
- فلسطين… جذور مبكرة للفكرة التعاونية
لم تكن فلسطين بعيدة عن هذه الحركة،فمنذ عشرينيات القرن الماضي على الأقل، ظهرت محاولات فلسطينية لتنظيم المصالح الاقتصادية والاجتماعية على أساس تعاوني، سواء في الزراعة أو الادخار أو الائتمان أو الاستهلاك.
وتكشف وثائق تعود إلى عام 1924 أن فكرة تأسيس الجمعيات التعاونية وصناديق الادخار في المدن والقرى كانت مطروحة آنذاك كوسيلة لمواجهة الصعوبات الاقتصادية وتشجيع الإنتاج وتوفير الموارد المالية.
كما تشير المصادر إلى نشاط تعاوني عربي مبكر في تلك الفترة، ومن بينها تأسيس جمعية عربية لمنتجي التبغ في عكا.
ولم يتوقف حضور الفكرة التعاونية عند القطاع الزراعي. فقد وجدت الحركة العمالية الفلسطينية لاحقًا في التعاونيات أداة للدفاع الاقتصادي عن العمال.
وتشير مصادر عديدة صادرة عن جمعية العمال العربية الفلسطينية إلى تأسيس تعاونيات وجمعيات للتسليف والتوفير خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، كان من أهدافها توفير حاجات العمال بأسعار معتدلة وحمايتهم من السوق السوداء والاستغلال والمرابين.
إن هذه التجربة تحمل دلالة تتجاوز تفاصيلها التاريخية: فقد أدرك العمال الفلسطينيون مبكرًا أن التنظيم النقابي للدفاع عن الأجر وظروف العمل يمكن أن يتكامل مع التنظيم التعاوني للدفاع عن قدرتهم الاقتصادية في السوق وفي حياتهم اليومية.
برأيي إن هذه الجذور التاريخية تستحق مزيدًا من البحث والتوثيق، خصوصًا أن الحركة التعاونية الفلسطينية واصلت تطورها لاحقًا، رغم ما تعرض له المجتمع الفلسطيني من نكبة واحتلال وتشريد وتفكيك لبنيته الاقتصادية والاجتماعية.
- التعاونيات في مواجهة تحديات عصرنا
ليس مصادفة أن تعود التعاونيات بقوة إلى النقاش الدولي في السنوات الأخيرة، وأن تعلن الأمم المتحدة عام 2025 سنة دولية للتعاونيات.
فالعالم يبحث مجددًا عن إجابات لأسئلة عدم المساواة، والفقر، والعمل اللائق، والأمن الغذائي، والسكن، والتحول المناخي، والتحولات التكنولوجية ومستقبل العمل، وفي كل هذه المجالات توجد مساحة للفكر التعاوني.
لكن مستقبل التعاونيات يتوقف أيضًا على قدرتها على المحافظة على هويتها. فحين تتحول التعاونية إلى شركة لا تختلف في ممارساتها عن الشركات التقليدية إلا في اسمها، تفقد معناها. وحين تغيب المشاركة الديمقراطية، أو تتركز السلطة في أيدي الإدارات، أو تنتهك حقوق العاملين فيها، يصبح الشكل التعاوني غطاءً فارغًا من مضمونه.
لذلك فإن الدفاع عن التعاونيات هو في الوقت نفسه دفاع عن الهوية التعاونية: الديمقراطية، والمشاركة، والاستقلالية، والتضامن، والعدالة، وخدمة المجتمع.
- بعد 131 عامًا… الفكرة ما زالت حية
لقد تغير العالم كثيرًا منذ أن اجتمع ممثلو التعاونيات في لندن عام 1895، لكن السؤال الذي حملته الحركة التعاونية ما زال حاضرًا:هل الاقتصاد لخدمة الإنسان، أم الإنسان لخدمة الاقتصاد؟
في عالم تدفع فيه الفردانية الناس إلى التنافس بعضهم مع بعض، وتتركز فيه الثروة والسلطة الاقتصادية بصورة متزايدة، تقول الحركة التعاونية إن هناك طريقًا آخر: أن نتشارك بدل أن نتناحر، وأن نمتلك معًا بدل أن يحتكر القلة، وأن ندير بصورة ديمقراطية بدل أن تكون قوة القرار مرهونة بقوة رأس المال.
لا تستطيع التعاونيات وحدها إنهاء تناقضات الرأسمالية أو تحقيق العدالة الاجتماعية. وهي ليست بديلًا عن الدولة الاجتماعية أو النقابات أو التشريعات العمالية أو سياسات إعادة توزيع الثروة.
لكنها جزء مهم من مشروع أوسع لبناء اقتصاد أكثر ديمقراطية وعدالة وإنسانية، وبعد 131 عامًا على تأسيس الحلف التعاوني الدولي، ربما تكون الرسالة التي تستحق أن نستعيدها هي أبسط رسائل الحركة وأعمقها:
في مواجهة الفردانية، التعاون.
وفي مواجهة الاحتكار، الملكية المشتركة.
وفي مواجهة سلطة رأس المال، الديمقراطية الاقتصادية.
وفي مواجهة مجتمع يقوم على "كل فرد لنفسه"، مجتمع يقوم على التضامن.
وهذه ليست ذكرى من الماضي، بل معركة من أجل المستقبل،علينا أن نخوضها بلا وجل من أجل العمل على إسقاط سياسات القوى الرأسمالية.
#جهاد_عقل (هاشتاغ)
Jhad_Akel#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟