|
|
الاحتجاجات الراهنة في تونس: بين الإختطاف والاستقلال عن العدو المتخفي
محمد عمامي
الحوار المتمدن-العدد: 8807 - 2026 / 8 / 24 - 07:28
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في قيظ هذا الصيف، وبينما تنقطّع الكهرباء على طول وعرض البلاد وتشحّ المياه في الصنابير وينقطع الماء المعلّب باهض الثمن أو يتحوّل إلى موضوع مضاربة واحتكار تماما كما هو الشأن مع عدّة مواد أساسية أخرى، خرج التونسيون إلى الشارع مرارًا وتصاعدت الاحتجاجات: في جوان تحت شعار "هات حصيلة حكمك"، وفي جويلية تحت شعار "يزّي من العبث"، أو "ديقاج قيس سعيّد" ثم مجددًا في أوت مع تحرك "نفس" الذي نظّم محطته الاحتجاجية الثالثة خلال أسابيع قليلة. لقد سجّل شهر جويلية وحده، بحسب المرصد الاجتماعي للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أعلى حصيلة احتجاجية منذ أكثر من عقد: أكثر من 1100 تحرك، أكثر من نصفها بسبب انقطاع الماء والكهرباء، في بلد يسجّل تضخّمًا غذائيًا تجاوز 6% سنويًا.
لكن عندما نقرأ بتأنّ تلك الشعارات نلاحظ كونها تتركّز على استهداف رأس النظام دون الفريسة. المشكل ينحصر في قيس سعيّد دون سواه. إنّ هدف الأعوان الحزبيين وشركائهم المتسللين إلى الاحتجاجات التلقائية في الأصل، لا يتمثل في كنس المنظومة التي توظفه وتختبئ تحت ضجيجه الممجوج. على العكس، تهدف الأجهزة المتدخّلة وأبرزها الخوانجية وبعض رموز نظام بن علي إلى حرف الاحتجاجات لشخصنة وتضييق أهدافها مرة أخرى مثلما كان الأمر منذ 2010/2011، مستغلّين طفولة الحراك وحقده المباشر على من خيّب أملهم في وقت وجيز بعد أن تعطّلت قدرة خطابه الشعبوي التحريضي التخويني على التأثير.
كيف السبيل إلى تجاوز سذاجة الرأس: درس جمنة والكامور
سنة 2011، افتكّ أهالي جمنة هنشير "ستيل" من الدولة وأسّسوا جمعية لتسيير واحاتهم ذاتيًا وجماعيًا، محوّلين عائدات كانت تذهب إلى حفنة من المستغلين، نحو إنجاز وتطوير مرافق عمومية لصالح الجميع على غرار سوق بلدية وملعب وقاعة ومستوصف ومدرسة الخ. لم يكن مطلبهم "ارحل يا فلان"، بل "الأرض حقّنا ونديرها بأنفسنا". إنّها مساءلة مباشرة لمنظومة التصرّف في أملاك الدولة، بصرف النظر عمّن يتربّع مؤقّتا على رأسها. أليست الطريقة المثلى للإطاحة بذلك الرأس ومعه الصّدر والأحشاء والأذناب؟
أمّا في الكامور، فقد تحوّل ما وصفته الأدبيات الأكاديمية بـ"مواطنين عاديين" إلى فاعلين محليين خلقوا فعلًا جماعيًا خاطب المحلي والوطني معًا، بشكل تنظيمي جديد أربك السلطة بقدر ما أربك الباحثين. هذان التجربتان تنضافان لتجارب أخرى أقل تطوّرا سنذكرها لاحقا، أثبتتا، منذ عشر سنوات، أن الوعي الاحتجاجي التونسي قادر على تجاوز شخصنة الصّراع نحو استهداف المنظومة التي توظّف رأس السلطة وتشدّه إلى الكرسي ليخدم سيرها المعتاد لا العكس.
إنّ طرح مسائل ملكية الثروات والحق في تسييرها والتصرف في عائداتها بصفة عادلة تستهدف لا فقط الرئيس أو الحكومة بل تستهدف معهما الآلة الأعمق التي تشغلهما وتحدد تصرفهما مهما كانت نواياهما الشخصية: وهي منظومة مركبة ومعقّدة لا تختزل في عشرات الأشخاص: إنّها آلة إدارية-أمنية-بيروقراطية لا تُنتخب ولا تتغيّر بتغيّر الوجوه، بل هي ثابتة ما ظلت البنية الاجتماعية الاقتصادية السائدة والدولة التي ترسّخها.
حين تُخطَف الاحتجاجات من داخلها
إنّ حرف النضالات وتجييرها لصالح عدوها الكامن خلف االمشهد هو أمر يستحقّ التوقف عنده. فهو لا يتعلّق بحرف الشعار كخطاب فحسب، بل اختطاف مسار احتجاج كان قد بلغ درجات متفاوتة من النضج في جمنة والكامور والحوض المنجمي وغيره من التجارب الحينية الأخرى، لإعادته قسرًا إلى المربّع الأول: الصراع على الكرسي لا على المنظومة.
فالأجهزة الحزبية المعارضة التي تتسلّل اليوم إلى موجات الاحتجاج، وفي مقدّمتها الإسلاميين وخدمهم الليبراليين، بوصفهم أكبر قوة سياسية منظمة قادرة على الحشد، لا تدخل هذه الموجات من موقع من يريد استبدال المنظومة، بل من موقع من يريد أخذ مكان قيس سعيّد وموظفيه داخلها، ليواصل خدمتها وتطويرها على طريقته الخاصة. وهكذا تُختزل شعارات "أين التنمية؟ أين الحرية؟" و"لا أحد سعيد إلا الرئيس سعيّد" في معركة شخصنة تخدم هدفًا حزبيًا ضيقًا: تعزيز موقع هذه الأجهزة في صراعها الخاص على السلطة مع الآلة البوليسية المتخفية وراء سعيّد، لا تفكيك تلك الآلة ذاتها.
بعبارة أخرى: ما كان قد أتاح تحرّر جمنة من منطق "من يملك الأرض؟" إلى منطق "من يتولّى الفعل على الأرض: من يسيّر من يتصرّف ومن يقرّر لصالح من تعود خيراتها"، هو ما ينقص الموجات الجديدة للاحتجاجات ويجعلها تُستدرج إلى الشعارات القصوية التي تحيل من جديد على سؤال "من يجلس على الكرسي"؟ وهو السؤال الكلاسيكي الذي تتحطّم على صخرته كل الانتفاضات الجماهيرية ويضخّ من جديد الأوكسيجين للتنفس المنظومة، لأنها تعرف أن جميع الإجابات عنه، أيًا كانت جذريتها، لن تمسّها بسوء بل ستعيد لها الحياة الاستقلال عن طيف من الأعداء، لا عن عدو واحد.
الاستقلال الحقيقي المطلوب هنا هو استقلال مركّب ومعقّد وليس ثنائي المنطق: استقلال عن الآلة البوليسية-الإدارية ورئيسها من جهة، واستقلال عن البيروقراطيات الحزبية واللوبيات التي تتاجر بغضب الشارع لتأخذ مكانه في خدمة نفس الآلة والاستقلال عن تيارات الإرهاب والاستبداد الاسلاموي في نفس الوقت. إنّ عدم فهم ذلك التعقيد في الاستقلالية وتلك المواجهة المركّبة هو الفخّ الذي وقعت فيه مرارًا وتكرارا الحركات الاحتجاجية في تونس منذ 2011: كل قوة سياسية (حزبا كان أو ائتلافا) تصعد باسم "الثورة على المنظومة" تتحوّل آليا، بعد استلامها الكرسي، إلى قطعة من الآلة نفسها. إنّ المنظومة أعمق وأثبت من أن تُستبدَل، فينتقل المندمجون الجدد أو المتجدّدون من رهان "التغيير" إلى رهان "البقاء" والتّكيّف. وهكذا تصبح عمليا تلك القوى هي نفسها الجهاز الذي كانت تحتجّ عليه.
جمنة والكامور لم تكونا نموذجًا للاستيلاء على السلطة المركزية، بل نموذجًا للاستقلال المحلي عنها أوّلا والامتداد تضامنا ومثالا إلى باقي الجهات والقطاعات لتصبح، في حال استمرت، إتحادا طوعيا وحرا لهياكل تسيير ذاتي تنتظم عبر البلاد وتخلق منظومة جديدة عادلة فعلا وحرّة فعلا لا مسخا من "الديمقراطية" المغلولة المعدّة في قصور المتنفذين المخاتلين. وربما هذا بالضبط ما يزعج الأجهزة الحزبية أكثر من أي شعار: أن هناك سابقة تونسية تثبت أن الاحتجاج يمكن أن يستمر دون أن يبحث له عن "رأس" جديد يعتليه. المحصّلة: من الصراخ إلى الوعي التنظيمي.
لكن حتى هذا الاستقلال المركّب يبقى قاصرًا إذا لم يُترجَم إلى ما هو أبعد من الصراخ. فتجاوز مواجهة السلطة المركزية، بل حتى إسقاطها فعليًا كما حدث مرارًا منذ 2011، لا يكفي وحده لمنع "رسكلة" المنظومة، أي إعادة تشكيلها وإهدائها رؤوسًا جديدة تتوالى على نفس الكرسي بنفس المنطق. الصراخ في وجه السلطة، مهما بلغت حدّته، يبقى لحظة ردّ فعل تستهلك نفسها بمجرد سقوط الرأس المستهدَف، وهو أقصى ما يمكنها إنجازه، بينما تعيد المنظومة تشكيل نفسها وتنصيب بديل يخدمها.
ما يمنع هذه الرّسكلة هو تجاوز الصراخ إلى الوعي بالأهداف الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تختزلها فكرة "الثورة الاجتماعية" في معناها العميق: أن تصبح إدارة المشترك، من ثروات وخدمات ومرافق عمومية وحياة ثقافية، موضوع تنظيم واعٍ للتسيير والتّصرف، ينطلق من المحلي (كما فعلت جمنة بمواردها الفلاحية والكامور بمطلب الرّقابة على الاستغلال والتشغيل ونصيب أبناء الجهة من العائدات) ليمتدّ إلى الجهوي فالوطني. أي أن يتحوّل الشأن العام إلى شيء تُديره المجموعة بنفسها، عبر آليات تشاركية قابلة للمساءلة والمحاسبة، بدل أن يبقى "شأنًا" تُوكَل إدارته لطغمة متنفذة تتحدّث باسم الشعب بينما تتداول السلطة فيما بينها فقط.
لجان حماية الثورة والمحاولة المجهضة
الإجابة الثورية المباشرة للثورة التونسية في بداياتها كان التنظم الذاتي عوض انتظار عودة الدولة المعطّلة إلى الاشتغال (لوجستيك، حماية، تضامن تنظيم النضالات الخ. ولقد حاول بعض الناشطين صلب اللجان أن ينسقوا ويفدرلوا تلك الاشكال التنظيمية الجنينية وتحويلها الى سلطة اتحادية وطنية بديلة، وكان ذلك في مؤتمر نابل 9 و 10 أفريل 2011، غير ان هيمنة الاحزاب وتصميمها على الاستحواذ عليها وإخضاعها لأجندلتها الخاصة كانت اقوى. وفعلا وقع افشال المؤتمر واستبداله بمجمع أحزاب مركزي منصب ذاتيا في العاصمة تفاوض مع بقايا النظام الذي قامت الثورة ضدّه، وعرض تعاونا مع السلطة المتهالكة لمؤازرتها على قطع الطريق على تطوّر بؤر التنظم الذاتي وجنين التسيير الذاتي في مختلف الجهات وهندس أفق الانتقال التوافقي والمجلس التأسيسي، وبذلك، تمّ ترتيب هيمنة الخوانجية على واجهة السلطة وشراكتهم الفعلية مع الآلة الأمنية والإدارية للنظام السابق في تسيير الدولة.
من المحلي إلى الوطني: آليات فدرلة التسيير التشاركي
سبق وذكرنا مثال جمنة كشاهد يتيم في 2011 على اكتمال التطور من التنظم الذاتي (لجنة حماية الثورة التي استعادت المنهوب من فتيان الدولة) إلى التسيير الذاتي المحلي، تسيير هنشير ستيل والتصرّف في عائداته للصالح العام والخروج من منطق الربحية الرأسمالي. ولكنّ كلّ ما ذكر سابقا حول التجربة وبقية المحاولات المحلية والدّروس المستخلصة منها تبقى شعارًا معلّقًا، ما لم تُبيَّن آليات تعميمها من جمنة الواحدة إلى تونس كلّها، دون أن تعيد إنتاج "الطغمة" المستحوذة في الطريق. وهنا يصبح مفهوم الفدرالية المحلية أداة تحليلية أدق وأكثر ملاءمة من مفهوم "اللامركزية" الذي تستهلكه الخطابات الرّسمية دون مضمون: فاللامركزية، كما تُطبَّق عادة، هي تفويض إداري من المركز إلى أطراف تبقى خاضعة له. أما الفدرلة التي يقترحها منطق جمنة والكامور، فهي بناء تصاعدي تنبع فيه السلطة من القاعدة وتتفدرل باتجاه المركز، ولا تُمنَح من القمة لتتحكّم في القاعدة وهو ما يفترض طبعا تناسل وتنوّع وتعدّد تلك التجارب في مختلف مناطق البلاد. إنّ ذلك يتطلب قطعا وعي التحركات بمسؤوليتها في تولّي مهام التسيير الذاتي المحلي قبل كل شيء وعدم الاختزال في منطق قوى الضغط (اللوبيات) والاقتصار على توجيه الإنذارات والاحتجاجات ورفع المطالب في وجه السلطة المركزية وانتظار ردّ فعلها.
المستوى الأول: الجمعية المحلية كوحدة قرار.
جمنة قدّمت النموذج الخام: جمعية عمومية للمتساكنين تقرّر مباشرة كيفية تسيير شؤونها المحلية وكيفية التصرّف في مورادها (الأرض، الماء، الصحة الأساسية... لاحقًا يمكن تعميمها على النفايات، النقل الحضري الخ). القرار هنا ليس تمثيليًا بل مباشرًا: من ينتخب ليُدير الملف يبقى تحت نظر المجموعة نفسها لا نظر حزب أو وزارة أو أية سلطة خارجة على نطاقها. ذلك هو المعنى الحقيقي للديمقراطية المباشرة التي لا يمكن أن تكون سوى أداة تسيير محلي على خلاف الهراء الذي يقدّم مسخا يدّعي تعميمه على كافة المحليات والجهات والأقاليم ويختزلها في عملية شكلية هي مجرد تمويه لحكم فردي شديد التمركز على ذات الزعيم/القائد/الأستاذ/الرئيس.
المستوى الثاني: التنسيق الجهوي بالوكالة الآمرة لا بالتفويض المطلق.
حين تتجاوز القضية حدود البلدة الواحدة (توزيع مياه سد على عدة معتمديات، مثلًا، أو ثروة نفطية كما في الكامور، أو ثروة منجميّة كما في الحوض المنجمي الخ)، يُنتخب مندوبون من كل الهياكل المحلية إلى مجلس جهوي تنسيقي. الفارق الجوهري عن النيابة البرلمانية المعتادة: المندوب يحمل "تفويض آمر (mandat impératif) أي تعليمات محددة من قاعدته، قابلة للسحب الفوري إن حاد عنها، لا إنابة مفتوحة لأربع أو خمس سنوات، يتحوّل خلالها النّائب إلى سيّد. هذا بالضبط ما يمنع تكوّن "طغمة" جديدة على المستوى الجهوي: لا أحد يملك سلطة قرار مستقلة عن القاعدة التي أوفدته.
المستوى الثالث: كونفدرالية وطنية بمبدأ التبعيّة (subsidiarité).
لا تتدخّل الهيئة الوطنية الجامعة إلا فيما يعجز عن حلّه المستوى المحلي أو الجهوي أو يتجاوز مجالهما: توزيع الموارد الكبرى بين الجهات، التفاوض مع شركاء خارجيين، الدفاع والسياسة الخارجية... هذه الهيئة لا تُنتخب بمنطق "من يحكم تونس" الرئاسي أو الحزبي، بل تتشكّل كتجميع لتفويضات جهوية آمرة أيضًا، خاضعة لنفس مبدأ قابلية السحب. بهذا المعنى، لا يُلغى "المركز"، بل يتحوّل من مصدر للسلطة الممركزة على الجهات والمحليات الخاضعة إلى نتاج لها، أداة تنسيق وتطارح وقرار في المسائل الوطنية، تخدم القواعد لا العكس. وطبعا من هذا الإتحاد الحرّ والجامع يفوّض بالانتخاب (القابل للسحب هو أيضا)، مجمعا تنفيذيا (الحكومة) لتسيير الشؤون اليومية تحت سلطة المجلس الاتحادي الوطني.
هذا النموذج ليس تونسيًا في جذوره النظرية؛ فهو يتقاطع مع تقاليد فكرية عرفتها تجارب أخرى تحت مسمّيات مختلفة، من "الكونفدرالية الديمقراطية" التي نظّر لها موراي بوكشين وطُبّقت جزئيًا في تجارب إقليمية معروفة، إلى تجربة المجالس المحلية الزاباتية في تشياباس المكسيكية، إلى تجربة اللجان الشعبية في فلسطين المحتلة زمن الانتفاضة الأولى حتى لا نذكر تجارب أكثر نضجا زمن الثورات الكبرى في أوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية والوسطى بين القرن 18 ألى غاية القرن 20. لكن قيمة هذا التّصوّر بالنسبة لتونس أنه لا يستورد نموذجًا جاهزًا، بل يُقرأ في استمرارية مباشرة مع تجربتين محليتين مُختبَرتين فعليًا: جمنة والكامور. وهذا بالذات ما يجعله قابلًا للفدرلة لا لمجرد التطبيق محليا فحسب، لأنه لا يحتاج إلى الاستيلاء المسبق على السلطة المركزية لكي يبدأ تطبيقه إذ يمكنه أن ينمو من بلدة إلى بلدة، ومن جهة إلى جهة، دون انتظار نجاح "الثورة" على مستوى الوطن، وهذا ما يجعله أيضًا أصعب (لم نقل مستحيلا فالحذر ومصارعة البقرطة مهمة دائمة) على أي طغمة، حزبية كانت أو أمنية أو إدارية، أن تخترقه أو تحرّفه: فلا يوجد فيه "رأس" واحد يكفي الاستيلاء عليه لضبط الكلّ.
العوائق الواقعية: من يخنق التجربة قبل أن تتوسّع؟
كل ما سبق يبقى تصورًا مشرقًا ما لم يُقرأ في مواجهة العوائق الفعلية التي أثبتت التجربة التونسية، على غرار تجارب عالمية وإقليمية عديدة، أنها جاهزة للتفعيل بسرعة، بمجرد أن تتجاوز تجربة محلية حدود "الحالة المعزولة" نحو التمدّد. العائق الأول: احتكار أدوات التمويل والقانون.
جمنة نفسها قدّمت الدرس: رغم كونها تمكّنت من الصمود في سنواتها الأولى، فقد واجهت التجربة عراقيل كبيرة هدّدت وجودها مرات عديدة. لم تُواجَه بحوار سياسي حول جدواها، بل بترسانة قانونية-إدارية، وبصمت متواطئ من أحزاب المعارضة. وقد وصل الأمر في 2016 بكاتب الدولة لأملاك الدولة والشؤون العقارية في حكومة يوسف الشاهد (مبروك كورشيد) إلى التحرّك على واجهات عدّة لانتزاع الواحة ومحاصرة الجمعية قضائيًا عبر تجميد حساباتها المالية ومحاولة إيقاف مزاد بيع التمور الذي كان مصدر تمويلها الذاتي. وحين استحال القمع المباشر طيلة سنوات طويلة من التفاف الأهالي حول جمعيتهم، لجأ نظام قيس سعيّد إلى ما يشبه المصالحة المشروطة: دفع التجربة نحو التحوّل إلى "شركة أهلية" كخيار قانوني تدعمه السلطة، مقابل استمرار غياب أي اعتراف قانوني حقيقي بنموذج التسيير الذاتي والاقتصاد التشاركي التضامني نفسه، بل عملت الدّولة على إفراغه من محتواه والعودة بالواحة الى منطق الرّبحية ودمج الواحة ضمن مشروع رأسمالية البؤس المسمى: "شركات أهلية". هذا هو القالب المتوقَّع لأي تجربة مشابهة تتوسّع: حين تعجز المواجهة بالرصاص، تعتمد بيروقراطية الدولة أساليب أكثر مكرا: التضييق الإداري والمحاسبة البنكية المزعومة، وتجميد المنح، وتعطيل التراخيص، وتوجيه التمويلات الدولية والمحلية حصرًا عبر جمعيات "شريكة" للدولة أو موالية لهذا الحزب أو ذاك. من يملك مفاتيح القانون والتمويل يملك، عمليًا، حق الفيتو على أي تجربة تنمو خارج عباءته بصرف النظر عمّن يحكم.
العائق الثاني: ثقافة مركزية مشطّة، متجذّرة من ضفّتين متعاديتين ظاهريًا.
لقد بنت الدولة البورقيبية شرعيتها التأسيسية على مقولة الوحدة الوطنية ضد "الجهوية" و"القبلية"، ورأت في أي تسيير محلي مستقل تهديدًا لمركزية الدولة الحديثة الفتية، وهو إرثٌ لا يزال حاضرًا في الخطاب الإداري التونسي إلى اليوم. لكن المفارقة أن هذه الريبة من تفعيل هايكل قرار محلية وجهوية لم تكن حكرًا على التيار الدولاني البورقيبي. فالمجموعات الماركسية ذات المنشأ الستاليني التي تشكّلت في تونس منذ ستينات القرن الماضي حملت هي الأخرى ثقافة تنظيمية شديدة المركزية. وتحت مسميات ستيريوتيبية عديدة، نظرت برامج وقوانين تلك المجموعات إلى "الطليعة" والحزب القائد والمركزية الديمقراطية، بدورها، بريبة تجاه أي فعل أو نشاط جماهيري ذاتي (عفوي في قاموسهم)، غير مؤطَّر تنظيميًا وغير خاضع لقيادة حزبية "واعية" ومسلّحة بعقيدة الصّراع من أجل الإستيلاء على السّلطة باسم "الشعب" أو البروليتاريا. وهكذا وجد التياران، رغم عدائهما الأيديولوجي التاريخي المتبادل، نفسيهما متقاربين في موقف واحد إزاء جمنة والكامور وغيرها من تجارب تنظيمية ذاتية، لكونها تجارب لا يسهل قيادتها وتأطيرها سواء من الدولة المركزية الصّاهرة، أو من معارضة على صورة الدولة ذاتها. هذان العائقان مجتمعان يفسّران لماذا تبقى تجارب من طينة جمنة استثناءً محاصَرًا لا قاعدة قابلة للتعميم: فالتحرّر لا يواجه فقط جهازًا بيروقراطيًا-أمنيًا أصمّا، بل أيضا تحالفًا ضمنيًا غير معلَن بين دولة تخشى تفكك مركزيتها وأحزاب (يمينية كانت أم يسارية) تخشى فقدان دورها كوسيط لا غنى عنه.
وفي خضم هذا الانتقال من الاحتجاج إلى التسيير الذاتي، تبرز الحاجة الملحّة إلى تنظيمات ديمقراطية فدرالية لا تسعى إلى احتكار قيادة الحراك الاجتماعي الجماهيري أو التسلط عليه باسمه. فالتنظيمات لا يجب أن يكون لها دور استبدال أو نيابة الجماهير في تسيير شؤونها أو اتخاذ القرار مكانها أو أن تفرض عليها حلولاً جاهزة مستوردة من تجارب أو نظريات مسبقة، بل أن تنخرط في حراكها وأن تساهم في التكوين الجماهيري والتعليم الشعبي، وتطوير النقاش الحرّ بما يرفع المستوى الفكري والحس الفني والثقافي لدى المواطنين أنفسهم. فالثورة الاجتماعية الحقّة لا تُصنع بالوكالة، ولا تُمنح من فوق، بل تُبنى حين يمتلك المواطنون أنفسهم أدوات التفكير النقدي والوعي الجمالي والثقافي التي تمكّنهم من تفكيك بنية "العدو المتخفي" المبثوث بين ثنايا مختلف البنى الاجتماعية بنشاطهم الذاتي وابتداع حلولهم الخاصة لمشاكل حراكهم وعوائقه. عندئذ فقط تتحول التنظيمات الفدرالية (لا الهرمية مفرطة المركزية) إلى رافعة تحرّر. وهي تنظيمات يفترض ألاّ تمتّ بصلة بأجهزة الاحتراف والارتزاق السياسي المنتصبة للحساب الخاص.
#محمد_عمامي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المركزية واليسار والثورة: مداخلة في ندوة -اليسار يروي ذاكرته
...
-
قيس سعيد والأسطرة الخبيثة: من قال أنّ الغرب ضد قيس سعيد؟
-
إسقاط المنظومة كاملة أم تنقيتها من الخوانجية؟
-
مسلسل -حرقة- كما رأيته من خلال خمس حلقات
-
الأستاذ الرئيس وخطاب إهانة المرأة في عيد المرأة
-
مداخلة عبد المجيد بلحاج عن الجمعية المحلية لحماية واحات جمنة
...
-
رسالة إلى أخي اليساري الإمتثالي
-
اليسار والثورة، نحو الخروج من الزاوية: (مداخلة في ندوة مفتوح
...
-
ملاحظات سريعة حول خطاب -الأستاذ-
-
النصّاب
-
الشعب لا يريد...
-
النزيف.... نحو الحرب الأهلية
-
مازوشية الزواحف الوطنية
-
في الكوابح الذاتية للثورة
-
أطروحات سريعة من وحي ثورة مغتصبة
-
البركوس
-
الثورة الاجتماعية في مواجهة مسخها -الديمقراطي-
-
البرنامج المباشر للثورة الاجتماعية والسياسية بالبلاد التونسي
...
-
الهبة الشعبية الجديدة ودروس 32 أكتوبر 2011
-
تونس ترتقي إلى مصاف الفريسة المتميّزة
المزيد.....
-
كم شخصا يلزم لنقل قلعة يابانية تزن 400 طن؟ فيديو بتقنية الفا
...
-
-غرف الخادمات-.. العيش في أصغر شقق باريس يحمل ميزة غير متوقع
...
-
إيران: لم نتلق دعوة رسمية للانضمام إلى اتفاقية مكة بين السعو
...
-
إيران توجه تحذيرًا لدولة أوروبية في الناتو: سنرد على أي اعتد
...
-
هيئة ملاحية: هجوم على ناقلة بمقذوف قبالة سواحل السعودية
-
الدفاع الروسية: صاروخ -سويوز- يطلق أقمارا صناعية عسكرية إلى
...
-
تحذير في مصر من تغيير لون العين
-
الزيدي: العراق سيعلن اكتمال سيادته على كامل أراضيه في 30 سبت
...
-
الطائرات الورقية في غزة: إسرائيل تحذّر وحماس تقول إنّها ألعا
...
-
براك يتراجع عن تصريحاته حول الجولان.. هل احتوت واشنطن غضب إس
...
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|