أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - داليا سعدالدين - 1-12- حصار استراتيجى أم محاصرة استراتيجية؟















المزيد.....

1-12- حصار استراتيجى أم محاصرة استراتيجية؟


داليا سعدالدين
باحثة فى التاريخ

(Dahlia M. Saad El-din)


الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 09:33
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مصر وتزامن التهديدات فى بيئتها الإقليمية

مقدمة: السؤال يبدو لغويا، غير أنه فى الحقيقة استراتيجيا:
قد يبدو الفرق بين عبارتي "الحصار الاستراتيجي" و"المحاصرة الاستراتيجية" فرقًا لغويًا محدودًا، غير أن التمييز بينهما يكتسب أهمية أكاديمية تحليلية خاصة عند محاولة فهم التحولات التى شهدتها البيئة الإقليمية المحيطة بمصر خلال العقد الأخير.
فالحصار، فى معناه الاستراتيجي العام، يشير إلى عملية ممتدة تهدف إلى تضييق الخناق على خيارات دولة ما، وإضعاف قدرتها على الحركة أو الوصول إلى الموارد أو استخدام عناصر قوتها بحرية. وقد يأخذ هذا الحصار صورًا عسكرية أو اقتصادية أو سياسية أو جغرافى ة، كما قد ينتج عن فعل مقصود ومنظم، أو عن تفاعل مجموعة من التطورات التى تؤدى ، فى مجموعها، إلى النتيجة نفسها.
أما المحاصرة، فهي أقرب إلى عملية ميدانية مباشرة، تقوم على تطويق موقع أو قوة أو مجال حركة محدد. وهي، بهذا المعنى، إجراء تكتيكى أو عملياتى قد يكون جزءًا من استراتيجية أوسع، لكنه لا يساوى بالضرورة حالة الحصار الاستراتيجى الممتد.
غير أن المشكلة فى الحالة المصرية أعقد من مجرد الاختيار بين المصطلحين. فعند النظر إلى ما يجري فى المجال الإقليمي المحيط بمصر، يبرز سؤال يبدو مشروعا للوهلة الأولى: هل تتعرض مصر لحصار استراتيجى؟ أم أنها تواجه عملية محاصرة استراتيجية تتشكل تدريجيًا؟
لكن حتى هذا السؤال، على أهميته، قد لا يكون السؤال الأدق علميًا.
فمصر لا تزال تمتلك مقومات تاريخية قوية: جيشا واسع القدرات، وموقعا جغرافيا استثنائيا، وقناة السويس، وثقلا سكانيا وسياسيا، وشبكة واسعة من العلاقات الدولية، فضلًا عن خبرة طويلة فى التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية.
ومن ثم، فإن القضية ليست ببساطة أن دولة قوية أصبحت فجأة دولة ضعيفة. وإنما بالفعل نحن أمام ظاهرة أكثر تعقيدا: دولة لا تزال تمتلك قدرا كبيرا من القوة، لكن البيئة الاستراتيجية التى تتحرك فى ها أصبحت أكثر صعوبة، وأصبح استخدام هذه القوة أكثر تكلفة وتعقيدًا مما كان عليه فى السابق.
وهنا يصبح السؤال الحقيقى ليس: "هل مصر قوية أم ضعيفة؟" وإنما "هل ارتفعت تكلفة توظيف قوتها؟ وهل اتسع عدد القيود والمتغيرات التى يتعين عليها حسابها فى الوقت نفسه؟"

من فقدان القوة إلى ارتفاع تكلفة استخدامها:
من الضروري التمييز بين أمرين مختلفين: فقدان القوة وارتفاع تكلفة استخدام القوة.
فقدان القوة يعني تراجعا مباشرا فى الموارد أو القدرات العسكرية أو الاقتصادية أو السياسية التى تمتلكها الدولة. أما ارتفاع تكلفة استخدامها، فيعنى أن الدولة قد تحتفظ بمواردها الأساسية، لكنها تجد نفسها مضطرة إلى توظيفها فى بيئة أكثر تعقيدا، حيث يؤدى التعامل مع مشكلة واحدة إلى آثار جانبية فى ملفات أخرى.
ولهذا فإن القوة لا يمكن قياسها فقط بحجم الجيش أو عدد السكان أو الموقع الجغرافى أو الموارد الاقتصادية. فالقوة الحقيقية هى أيضًا القدرة الفعلية على الحركة واستخدام هذه الموارد داخل ظروف استراتيجية محددة.
قد تكون الدولة قوية، لكنها تعمل فى بيئة تجعل كل قرار كبير أكثر تكلفة. وقد تمتلك أدوات متعددة، لكنها لا تستطيع استخدامها جميعا فى نفس الوقت دون تحمل آثار اقتصادية أو سياسية أو أمنية فى ساحات أخرى.
ومن هنا يمكن الاستعانة بمفهوم "تزامن التهديدات" أو Confluence of Threats. والمقصود به ليس مجرد وجود عدد من الأزمات فى وقت واحد، وإنما تزامن أزمات وقيود وتهديدات تتفاعل آثارها بحيث يجعل كل منها التعامل مع الآخر أكثر صعوبة.
وهذه النقطة مهمة جدا؛ لأن أخطر ما تواجهه الدولة ليس بالضرورة وجود أزمة واحدة كبيرة. فإذا واجهت دولة ما أزمة منفردة، تستطيع، بدرجات متفاوتة، تركيز مواردها السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية عليها. لكن المشكلة تبدأ عندما لا تكون الأزمات منفصلة، بل تصبح متداخلة، ويؤثر كل ملف فى الموارد والخيارات المتاحة للتعامل مع الملفات الأخرى.

السودان: تحول الأزمة إلى تغيير فى البيئة الأمنية:
يمكن النظر إلى الحرب فى السودان بوصفها مثالا واضحا على هذا النوع من التداخل.
فالأزمة السودانية ليست مجرد ملف خاص بالحرب الأهلية داخل دولة مجاورة. إنها تؤثر فى البيئة الأمنية جنوب مصر، وتنتج أعباء إنسانية وسياسية وأمنية مستمرة، فضلا عن أنها تعيد تشكيل طبيعة المجال الجغرافى والسياسى الذى كانت القاهرة تتعامل معه.
المشكلة الأساسية هنا أن السودان لم يعد، بالسهولة السابقة، دولة موحدة يمكن التعامل معها باعتبارها وحدة سياسية مستقرة فى حسابات الأمن الإقليمى وقضايا حوض النيل. فقد تحولت الحرب إلى ساحة تتفاعل داخلها قوى محلية وإقليمية ودولية متعددة، لكل منها حساباتها ومصالحها الخاصة.
وهذا لا يعنى أن مصر فقدت قدرتها على التأثير فى السودان، لكنه يعنى أن البيئة التى تمارس فيها هذا التأثير أصبحت أكثر تعقيدًا. فالنفوذ فى بيئة مستقرة يختلف عن النفوذ فى دولة تشهد صراعا داخليا مفتوحا وتدخلات متعددة الأطراف
.
وبذلك لا تصبح المشكلة السودانية مجرد أزمة تقع "خارج مصر"، بل تتحول إلى أحد المتغيرات التى تعيد تشكيل البيئة الأمنية التى تتحرك فبها الدولة المصرية.

النيل: من الخلاف على الحصص إلى تعدد أدوات التحكم:
وينطبق الأمر نفسه على ملف النيل.
فالقضية لم تعد مجرد خلاف قانونى أو سياسى حول حصة المياه أو قواعد تشغيل سد واحد. فقد أدى توسع إثيوبيا فى بناء وتطوير منشآت مائية على حوض الآباى/ النيل الأزرق إلى ظهور واقع جديد يتصل بتعدد أدوات التخزين وإدارة التدفقات المائية وتوقيتات التشغيل.
وهنا ينبغى تجنب المبالغات. فالحديث عن "تحكم مطلق" لدولة واحدة فى نهر النيل تبسيط غير دقيق من الناحية العلمية والجغرافية والهيدرولوجية. لكن الخطأ المقابل هو التقليل من أهمية تغير البنية المائية نفسها.
فكلما زادت القدرة على بناء وإدارة منشآت متعددة، زادت القدرة على التأثير فى توقيتات التخزين والتدفقات والتشغيل، وهو ما يجعل القضية أكثر تعقيدا من مجرد الخلاف حول مورد مائى ثابت.
ومن ثم، فإن التحدى لا يتمثل بالضرورة فى فقدان مصر لموردها المائى، وإنما فى تغير البيئة التى أصبحت إدارة هذا المورد تجرى داخلها، وفى اتساع عدد المتغيرات السياسية والفنية والإقليمية المرتبطة به.

البحر الأحمر: حين تتحول الجغرافيا إلى عبء إضافى:
ثم يأتى دور البحر الأحمر بوصفه بعدا استراتيجيا آخر لا يمكن عزله عن بقية المشهد.
فهذا المجال لم يعد مجرد ممر مائى تجارى تمر عبره السفن، بل أصبح ساحة مفتوحة لتنافس قوى إقليمية ودولية، ولصراعات تؤثر بصورة مباشرة وغير مباشرة فى حركة التجارة والملاحة والأمن الإقليمى.
وتزداد أهمية ذلك بالنسبة إلى مصر لأن الضغوط التى تتعرض لها حركة الملاحة فى البحر الأحمر يمكن أن تنعكس على الموارد الاقتصادية، بينما تمثل هذه الموارد جزءا أساسيا من قدرة الدولة على إدارة بقية أزماتها.
وهنا يظهر التداخل بوضوح:
• أزمة أمنية تستنزف موارد.
• أزمة أخرى تحتاج إلى موارد إضافية للتعامل معها.
• وضغط ثالث قد يؤثر أصلا فى حجم الموارد المتاحة.
وهذا هو جوهر تزامن التهديدات؛ فالمشكلة ليست فى جمع ثلاث أو أربع أزمات فى قائمة واحدة، وإنما فى دراسة الطريقة التى تؤثر بها هذه الأزمات فى بعضها بعضًا.
السدود والموانئ والممرات: أدوات اقتصادية أم أدوات نفوذ؟
ومن الظواهر المهمة فى التحولات الإقليمية أن عناصر كانت تُعامل تقليديا باعتبارها مجرد منشآت اقتصادية أو بنية تحتية بدأت تكتسب أبعادا سياسية واستراتيجية متزايدة.
فالسدود ليست منشآت هندسية فقط؛ بل يمكن أن تصبح أدوات تؤثر فى العلاقات بين الدول. والموانئ ليست مجرد نقاط لدخول السفن وخروجها، بل قد تتحول إلى مراكز نفوذ اقتصادى وسياسى ولوجستى. كما أن الممرات التجارية لا تظل دائما مسارات محايدة، بل قد تصبح جزءا من التنافس على النفوذ وإعادة تشكيل مناطق النفوذ والتأثير.
وهذا التحول مهم جدا بالنسبة إلى مصر؛ لأن قوتها ونفوذها التاريخى ارتبط بدرجة كبيرة بموقعها الجغرافى وبقدرتها على الاستفادة من موقعها هذا عند تقاطع دوائر جغرافية متعددة.
لكن تغير وظيفة الجغرافيا نفسها يعنى أن امتلاك الموقع لا يكفى وحده. وبالتالى يصبح السؤال: كيف تتغير القيمة الاستراتيجية لهذا الموقع عندما تتغير الموانئ والممرات ومراكز النفوذ المحيطة به؟

هل نحن أمام مؤامرة؟
قد يكون من السهل تفسير كل هذه التطورات من خلال إجابة جاهزة وسريعة: بالفعل هناك تحالف كبير أو خطة موحدة تهدف إلى محاصرة مصر وإضعافها!
لكن هذا النوع من التفسير، رغم جاذبيته السياسية والنفسية، لا يكفى بشكل منهجى لدراسة الموقف علميا.
فليس من الضرورى وجود غرفة واحدة ترسم خطة موحدة حتى تتقاطع مصالح دول مختلفة بطريقة تنتج، فى النهاية؛ بيئة استراتيجية أكثر صعوبة بالنسبة إلى دولة بعينها.
وفى المقابل، فإن الخطأ المعاكس هو النظر إلى كل أزمة بوصفها حالة منفصلة تماما عن غيرها، وكأن الحرب فى السودان لا علاقة لها بالتحولات فى حوض النيل، أو كأن أمن البحر الأحمر لا علاقة له بالقدرات الاقتصادية للدولة، أو كأن التنافس على الموانئ والممرات لا يؤثر فى توزيع النفوذ الإقليمى.
التحليل الأكثر دقة يقع بين هذين التفسيرين.
ليس من الضروري افتراض "مؤامرة كبرى" لتفسير كل شىء، لكن من الخطأ أيضا إنكار أن "تقاطع المصالح والتفاعلات بين قوى متعددة يمكن أن ينتج آثارا تراكمية تضيق المجال الاستراتيجي المتاح لدولة ما".
فالعلاقات الدولية لا تعمل دائما وفق قاعدة بسيطة تقول: "معى أو ضدى".
قد تكون دولة ما شريكا اقتصاديا مهما لمصر، بينما تؤدى سياساتها الخارجية فى ملف آخر إلى نتائج لا تتفق مع المصالح المصرية الإقليمية. وقد تختلف دولة أخرى مع القاهرة فى قضية المياه، لكنها تحتفظ معها بعلاقات تعاون فى ملفات أخرى.
ولهذا فإن تقسيم المنطقة إلى معسكرين متقابلين قد يكون مريحا فى الخطاب السياسى التعبوى، لكنه غالبا لا يكفى لفهم الواقع بشكل سليم.
لذا؛ فإن الصورة الحقيقية أكثر تعقيدا مما تبدو للوهلة الأولى؛ مصالح تتقاطع، وشبكات نفوذ تتوسع، وأدوات قوة جديدة تُبنى على الأرض، ودول تتحرك وفق حسابات داخلية وخارجية متغيرة.

القوة لا تعنى بالضرورة حرية الحركة:
من هنا يمكن العودة إلى السؤال الأساسى: "هل مصر أصبحت محاصرة استراتيجيا فى بيئتها الاقليمية؟"
الإجابة ليست بالسهولة المتوقعة؛ فمصر لا تزال تمتلك ثقلا سكانيا وجغرافيا كبيرا، وقوة عسكرية مهمة، وموقع استراتيجى فريد جدا، وعلاقات دولية واسعة، وخبرة طويلة فى إدارة الأزمات الإقليمية.
لكن امتلاك كل هذه الأدوات لا يعنى بالضرورة أن استخدامها يتم فى فراغ. والسؤال الأهم استراتيجيا ليس هو: "كم أداة قوة تمتلك الدولة؟"
وإنما يجب أن يكون: "كم أداة تستطيع استخدامها فى الوقت نفسه؟ وبأى تكلفة؟ وفى مواجهة أى مخاطر جانبية؟"
هذا هو الفرق بين فهم القوة باعتبارها مجرد رصيد ثابت، وفهمها باعتبارها قدرة فعلية على الحركة داخل بيئة استراتيجية محددة.
فالدولة قد تملك القوة، لكنها قد تجد أن استخدام أداة معينة فى ملف ما يفرض عليها كلفة أعلى فى ملف آخر. وقد يؤدى التركيز على أزمة ما إلى تقليل الموارد المتاحة للتعامل مع أزمة ثانية. وقد يصبح النجاح فى إدارة مشكلة محددة مرهونا بحساب ردود فعل أطراف أخرى.
وبذلك فإن ما يتغير ليس بالضرورة حجم القوة وحده، بل هامش الحركة الذى تسمح به البيئة الاستراتيجية المحيطة باستخدام هذه القوة.
تغيير النمط: من "من معنا ومن ضدنا؟" إلى "كيف تتغير البيئة؟"
ربما نحتاج، إذن، إلى تغيير نمط الأسئلة نفسها.
فبدلًا من السؤال: هل مصر أقوى من إثيوبيا؟ أو هل الإمارات مع مصر أم ضدها؟ أو هل سيقف السودان مع القاهرة أم لا؟
يمكننا تغيير نمط السؤال ليصبح أكثر أهمية، أى:
"كيف تُعيد التفاعلات بين مختلف اللاعبين تشكيل البيئة الاستراتيجية التى تتحرك مصر داخلها؟"
فالمقارنة المباشرة بين قوتين قد تكون مفيدة فى بعض الحالات، لكنها لا تكشف وحدها طبيعة النظام الإقليمى. كما أن البحث عن موقف ثنائى ثابت لكل دولة تجاه مصر قد يكون مضللا، لأن الدول قد تتعاون فى ملف وتتنافس فى ملف آخر فى الوقت نفسه.
إن البيئة الإقليمية ليست رقعة شطرنج بسيطة ذات لونين، وإنما شبكة متداخلة من المصالح والعلاقات والقيود والفرص.
وهذا يعني أن تحليل وضع مصر لا ينبغى أن يبدأ فقط بحصر عناصر قوتها أو تحديد خصومها، بل بدراسة "كيفية تغير المجال الذي تعمل فيه هذه القوة."

هل فقدت مصر قوتها؟
الإجابة المختصرة: ليس بالضرورة.
فالمشهد الحالى لا يفرض علينا استنتاجا يقول إن مصر فقدت قوتها أو وزنها الإقليمى. لكن من الممكن القول إن المنطقة المحيطة بها تشهد تحولات تجعل الهامش الذى كانت تتحرك فيه أكثر ضيقا، وتجعل استخدام أدوات القوة نفسها أكثر احتياجا إلى الحساب والتوازن قد تكون معقدة.
فموازين القوة تتحرك، وقوى إقليمية وأفريقية وغير أفريقية توسع أدوات نفوذها. والسدود والموانئ والممرات التجارية تكتسب أبعادًا سياسية جديدة. والحرب فى السودان لا تغير فقط الوضع الداخلى السودانى، بل تؤثر أيضا فى وظيفة الجغرافيا وفى الحسابات الأمنية للدول المحيطة.
إذن، المشكلة ليست بالضرورة أن مصر أصبحت دولة محاصرة بالمعنى التقليدى، ولا أن هناك بالضرورة تحالفا واحدا يخطط لإضعافها.
المشكلة الأعمق هى أن "البيئة الاستراتيجية الإقليمية نفسها تتغير".
وهذا التغير قد يرفع تكلفة الحركة، ويزيد عدد القيود التى يجب حسابها للتعامل معها، كما يجعل استخدام القوة أكثر تعقيدا.
بين الحصار والمحاصرة: صياغة أدق للمشكلة
لذلك ربما يكون من المبكر علميا وصف الوضع القائم بأنه "حصار استراتيجى" مكتمل الأركان. فهذا المصطلح يفترض، بدرجة أو بأخرى، وجود عملية ممتدة تؤدى إلى عزل الدولة أو منعها من الوصول إلى مواردها أو تضييق خياراتها بصورة منظمة وواضحة.
كما أن وصف ما يجرى بأنه مجرد "محاصرة استراتيجية" قد يكون تبسيط مضلل أيضا، لأن المحاصرة تفترض عادة فعلا مباشرا لتطويق مجال الحركة.
أما ما نراه فى الواقع، فهو ربما أقرب إلى تراكم مجموعة من التحولات والضغوط والقيود المتزامنة، التى قد لا تصدر بالضرورة عن فاعل واحد أو خطة محددة؛ لكنها يمكن أن تنتج فى مجموعها بيئة استراتيجية أكثر صعوبة.
وهنا تحديدا تكمن أهمية مفهوم تزامن التهديدات.
فالأزمة ليست أن مصر تواجه تهديدا واحدا أكبر من قدرتها، وإنما كيف عليها التعامل مع عدد متزايد من الملفات التى تتداخل آثارها، بحيث يصبح كل قرار فى أحدها مرتبطا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ببقية الملفات.

خاتمة: السؤال الذى ينبغى أن نبدأ منه:
إذن، ربما السؤال الأهم، ليس هو: "هل توجد مؤامرة أو تحالف واحد ضد مصر؟" ولا "هل مصر قوية أم ضعيفة؟"
بل يجب أن يكون: "ماذا يحدث عندما تجد دولة لا تزال تمتلك قدرا كبيرا من القوة، نفسها مضطرة إلى استخدام أدواتها التقليدية فى مواجهة عدد متزايد من القيود المتزامنة؟"
هذا هو السؤال الذى نعتقد أنه يستحق أن يكون نقطة البداية.
لأن فهم التحولات الاستراتيجية لا يبدأ بالبحث عن الإجابات الجاهزة والمريحة، ولا بتحويل كل تقاطع بين مصالح دول مختلفة إلى مؤامرة كبرى. لكنه لا يبدأ أيضا بعزل كل أزمة عن الأخرى وإنكار آثارها التراكمية.
فقد تتقاطع مصالح دول متعددة، من دون أن تكون بينها خطة موحدة، ثم يؤدى هذا التقاطع، نتيجة التفاعلات المتراكمة؛ إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية بصورة تجعل حركة دولة معينة أكثر صعوبة.
ومن هنا يبرز السؤال التالى، الذى يحتاج إلى تفكيك مستقل:
هل بالفعل يجب وجود تحالف منظم أو مؤامرة محددة كى تؤدى سياسات ومصالح دول مختلفة إلى نتيجة واحدة؛ وهى تضييق البيئة الاستراتيجية المتاحة للقاهرة؟
هذا هو المدخل الذى يمكن أن ننتقل منه إلى المرحلة التالية من التحليل.
فإلى اللقاء فى المقال الثانى من هذه السلسلة.



#داليا_سعدالدين (هاشتاغ)       Dahlia_M._Saad_El-din#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 3-4:يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجتم ...
- 2-4:يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجتم ...
- 1-4: يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجت ...
- تحالف ثلاثي ناشئ في مواجهة إثيوبيا: بين التوتر الإقليمي وتدا ...
- **احتماليات الأحداث القادمة فى الشرق الأوسط فى ظل الأوضاع ال ...
- آبى أحمد من جائزة نوبل للسلام إلى الحرب الأهلية: كيف خدع زعي ...
- المصالح الاقتصادية للإمارات العربية المتحدة فى كل من القرن ا ...
- آبي أحمد من جائزة نوبل للسلام إلى الحرب الأهلية: كيف خدع زعي ...
- الصومال
- أفغانستان بين اللاهوت ودولة القانون – 2
- أفغانستان بين اللاهوت ودولة القانون - 01
- جانب من فلسفة الخلق وعلاقته بفيضان النيل فى الديانة المصرية ...
- جانب من تاريخ العلاقات الإسرائلية بدولتى إثيوبيا وإريتريا، و ...
- نبذة عن -الأورومو وأوجادين- فى إثيوبيا
- المسيحية الإثيوبية
- إياح حتب – الملكة المحاربة
- -ثيودور الثانى- مأساة إمبراطور أراد ردم النيل الأزرق
- الإرهاصات الأولى للحضارة المصرية القديمة
- إثيوبيا وعصر الفوضى
- مصر فى الميراث الإثيوبى


المزيد.....




- غارة جديدة على سوريا.. دمشق تندّد وإسرائيل تتحدث عن استهداف ...
- هايدن بانتير ورفاقها: ما الذي يقود النجوم الأطفال إلى الإدما ...
- صدام حفتر يبحث مع رئيس المخابرات المصرية توحيد السلطة التنفي ...
- تقرير عبري عن فك -لغز استخباراتي- يخص الشرع وسر غضب إسرائيل ...
- ليخاتشوف: تصرفات كييف تفشل زيارة غروسي لمحطة زابوروجيه وتساه ...
- السودان.. الجيش ينفذ ضربات جوية على قوافل للدعم السريع قرب ا ...
- تقرير يتحدث عن سيناريو غير مألوف لصدام إسرائيلي تركي كبير بع ...
- نزع سلاح حماس يشعل تفاعلا واسعا بعد تعليق لافت من علاء مبارك ...
- بوتين يفسر سبب تزايد وحشية ممارسات القوات الأوكرانية في الفت ...
- زيلينسكي يعلن وصول كيث كيلوغ ممثل الرئيس ترامب السابق إلى أو ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - داليا سعدالدين - 1-12- حصار استراتيجى أم محاصرة استراتيجية؟