أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - ليون تروتسكي: الثورة، الديمقراطية ومأزق السلطة في ذكرى اغتيال ليون تروتسكي















المزيد.....

ليون تروتسكي: الثورة، الديمقراطية ومأزق السلطة في ذكرى اغتيال ليون تروتسكي


سعد بن علال

الحوار المتمدن-العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 02:55
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في الحادي والعشرين من غشت 1940، في مكسيكو، أسدل أحد أكثر فصول الصراع السياسي مأساوية في القرن العشرين ستاره باغتيال ليون تروتسكي، لم يكن الرجل الذي تلقى الضربة القاتلة مجرد منفي سياسي أو خصما مهزوما في صراع داخل الحركة الشيوعية؛ كان أحد أولئك الذين عاشوا الثورة باعتبارها سؤالا مفتوحا، لا عقيدة مغلقة، ودفعوا ثمن مواقفه من تاريخه ومن جسده ومن حياته.
بعد ستة وثمانين عاما، لا تكمن أهمية استعادة ذكرى تروتسكي في استحضار شخصية تاريخية أو إعادة فتح معارك الأمس كما وقعت، بل في العودة إلى الأسئلة التي ظلت معلقة بعد رحيله، ماذا يحدث للثورة حين تنفصل عن الديمقراطية؟ كيف تتحول أجهزة التحرر إلى أجهزة سلطة؟ كيف ينقلب الحزب، الذي يفترض أن يكون أداة في يد الطبقات الشعبية، إلى جهاز يقف فوقها؟ وكيف يمكن بناء اشتراكية لا تختزل التحرر في تغيير ملكية وسائل الإنتاج، بل تجعل من حرية الإنسان وقدرته على تقرير مصيره جزءا من غايتها؟.
إن اغتيال تروتسكي لم يكن مجرد نهاية لحياة مناضل، كان أيضا تعبيرا عن منطق سياسي لم يكتف بإقصاء الخصم من المجال السياسي، بل سعى إلى محو الذاكرة والاختلاف والنقاش، ولهذا فإن استعادة تروتسكي اليوم لا ينبغي أن تكون استعادة لشخص ضد شخص، أو لمعسكر ضد معسكر، وإنما استعادة لحق الاختلاف داخل الحركة التي تطمح إلى تغيير العالم.
لقد أخطأ تروتسكي، كما أخطأ غيره من قادة الحركة الثورية، وحملت تجربته تناقضات عصرها وحدودها، لكن قيمة التجربة لا تقاس بغياب الأخطاء، بل بقدرتها على إنتاج الأسئلة، ولعل أعظم ما يبقى منها هو الإصرار على أن الثورة ليست مجرد الاستيلاء على السلطة، وأن الاشتراكية لا يمكن أن تكون مشروعا للتحرر إذا أعادت إنتاج علاقة الإنسان بالسلطة على النحو نفسه الذي أرادت الثورة تجاوزه.
ومن هنا يأتي هذا المقال في ذكرى اغتياله: ليس لتقديس تروتسكي، ولا لتحويله إلى رمز معصوم، وإنما لقراءة تجربته من زاوية السؤال الذي ظل يلاحق الثورة طوال القرن العشرين وما زال يلاحق اليسار اليوم: كيف يمكن أن نغير العالم دون أن نصبح، في لحظة ما، جزءا من علاقات السلطة التي جئنا لتغييرها؟

الثورة ليست لحظة، بل سيرورة

ليس ليون تروتسكي مجرد اسم في تاريخ الثورة الروسية، ولا مجرد «معارض» هزمه ستالين ثم انتهى منفيا ومغتالا، مثل هذا الاختزال، سواء جاء من خصومه أو من بعض مريديه، يحول تجربة سياسية وفكرية مركبة إلى صورة مسطحة، ويمنعنا من رؤية ما هو أبعد من الصراع بين الأشخاص والتيارات.

كان تروتسكي ابن مرحلة ثورية استثنائية، شارك في ثورة 1905، وبرز في سوفييت بطرسبورغ، ثم لعب دورا مركزيا في ثورة أكتوبر، وتولى مسؤوليات أساسية في الدولة السوفييتية والجيش الأحمر، لكن الرجل الذي كان في قلب الثورة سيجد نفسه، بعد سنوات قليلة، في قلب المعركة ضد البيروقراطية التي أخذت تنمو داخلها.
ومن هذه المفارقة تبدأ مأساة تروتسكي، ولكن تبدأ أيضا قيمته النظرية، لم تكن الثورة بالنسبة إليه مجرد لحظة للاستيلاء على السلطة، تنتهي بمجرد إسقاط النظام القديم، كانت سيرورة مفتوحة، تتداخل فيها التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتتغير خلالها موازين القوى باستمرار.
ومن هنا جاء مفهوم «الثورة الدائمة»، الذي لا ينبغي اختزاله في صورة ثورة لا تتوقف، أو في مجرد شعار عن التمرد المستمر، جوهر الفكرة أعمق من ذلك: رفض النظر إلى التاريخ باعتباره سلسلة ميكانيكية من المراحل المغلقة.
لقد حاول تروتسكي أن يفهم التطور المركب وغير المتكافئ: عالم لا تسير فيه المجتمعات جميعها على الطريق نفسه، ولا تعيش التناقضات الاجتماعية في الترتيب نفسه، قد تتجاور في بلد واحد بقايا علاقات قديمة مع أكثر أشكال الرأسمالية تطورا، وقد تجد الطبقة العاملة نفسها أمام مهام ديمقراطية ووطنية واجتماعية متداخلة، وهنا تصبح الثورة انتقالا من الممكن إلى الممكن، لا تطبيقا لوصفة تاريخية جاهزة.
إن قيمة هذه الرؤية لا تكمن فقط في تفسير روسيا أو البلدان المتأخرة النمو، بل في المنهج الذي تقترحه: رفض الحتمية، ورفض تحويل التاريخ إلى سلم ذي درجات ثابتة.
فالتاريخ ليس خطا مستقيما، والسياسة ليست هامشا على حركة الاقتصاد، والجماهير ليست مجرد منفذ لقوانين موضوعية مكتوبة سلفا.
إن الثورة ليست نتيجة آلية للأزمة، الأزمة تفتح الإمكان، لكنها لا تحقق الإمكان، وبين الأزمة والنتيجة تقف السياسة، والتنظيم، والوعي، وموازين القوى، والقدرة على تحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة قادرة على تغيير الواقع.

الثورة حين تصطدم بمأزق السلطة

لكن الثورة التي تستطيع إسقاط سلطة قديمة لا تضمن، بمجرد انتصارها، أنها لن تنتج سلطة جديدة، وهنا يكمن السؤال الأكثر إزعاجا في تجربة تروتسكي: كيف تحولت دولة الثورة إلى دولة بيروقراطية؟ كيف استطاع جهاز إداري وسياسي أن ينمو فوق المجتمع؟ كيف أمكن لحزب ولد باعتباره أداة للتحرر أن يتحول تدريجيا إلى جهاز يمارس الوصاية على المجتمع؟
لم يتعامل تروتسكي مع البيروقراطية باعتبارها مجرد مجموعة من الأشخاص الفاسدين أو الانتهازيين، حاول فهمها باعتبارها ظاهرة اجتماعية وسياسية مرتبطة بظروف الثورة نفسها: العزلة الدولية، الحرب الأهلية، الخراب الاقتصادي، ضعف الطبقة العاملة، تراجع المشاركة السياسية، واستمرار الحاجة إلى جهاز إداري قوي، وهذه نقطة جوهرية.
فالستالينية لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد نتيجة لـ«شر شخصي»، كما لا يمكن اختزالها في كونها استمرارا آليا للمرحلة البلشفية، إنها نتاج تفاعل معقد بين اختيارات سياسية محددة وشروط اجتماعية وتاريخية قاسية، وهذا ما يجعل النقد الماركسي للبيروقراطية أكثر عمقا من مجرد الإدانة الأخلاقية.
فالقول إن البيروقراطية شر لا يكفي، المطلوب فهم الشروط التي تسمح لها بالنمو، والآليات التي تجعل جهازا سياسيا ينفصل عن المجتمع، وكيف تتحول الضرورة المؤقتة إلى مؤسسة دائمة، وكيف تتحول المؤسسة إلى مصلحة خاصة.
وهنا تتحول تجربة الاتحاد السوفييتي إلى مرآة لكل مشروع ثوري، فالخطر البيروقراطي لا يبدأ عندما يظهر موظف فاسد في مكتب الحزب، يبدأ عندما تنشأ فجوة بين القيادة والقاعدة، بين الجهاز والمجتمع، بين من يقرر ومن ينفذ، وبين من يمتلك المعرفة والمعلومة ومن يطلب منه فقط الطاعة، عندها يصبح التنظيم الذي كان يفترض أن يكون أداة للتحرر قوة مستقلة عن المجتمع.

الحزب ليس الطبقة، والقيادة ليست المجتمع

من أهم الدروس التي تطرحها التجربة البلشفية ضرورة التمييز بين الحزب والطبقة:
- الحزب ليس الطبقة العاملة.
- والقيادة ليست الحزب كله.
- والجهاز ليس الحركة.
- والدولة ليست المجتمع.
هذه التمييزات تبدو بسيطة، لكنها تخفي وراءها مشكلة سياسية عميقة، فحين يبدأ الحزب في اعتبار نفسه التجسيد الوحيد لمصالح الطبقة، يصبح الاختلاف معه اختلافا مع الطبقة نفسها، وحين تصبح القيادة هي التعبير الوحيد عن الحزب، يصبح النقد للقيادة اعتداء على وحدة الحزب، وحين يصبح الجهاز هو حامل الحقيقة، يصبح المجتمع مجرد جمهور ينتظر التوجيه.
وهكذا، خطوة بعد أخرى، تتحول العلاقة من التمثيل إلى الوصاية، ومن هنا يصبح السؤال الذي لا يمكن لأي يسار ديمقراطي أن يهرب منه: كيف نبني حزبا قويا من دون أن يتحول إلى سلطة فوق المجتمع؟
لا يتعلق الأمر بالدعوة إلى تفكيك التنظيم أو تمجيد العفوية، فالرأسمالية نفسها منظمة، والدولة منظمة، ورأس المال يمتلك أدوات هائلة للتنظيم والسيطرة، ومن دون تنظيم للطبقات الشعبية لا يمكن تحويل الغضب الاجتماعي إلى قوة سياسية، لكن التنظيم شيء، وتحويل التنظيم إلى غاية في ذاته شيء آخر.

- نحتاج إلى حزب مناضل، لا إلى جهاز.
-نحتاج إلى قيادة، لا إلى زعامة معصومة.
- نحتاج إلى الانضباط، لا إلى الطاعة.
- نحتاج إلى الوحدة، لا إلى إلغاء الاختلاف.
- نحتاج إلى المركزية، ولكن مركزية مرتبطة بالديمقراطية، لا منفصلة عنها.

الديمقراطية ليست تنازلا

لقد عانى اليسار طويلا من سوء فهم عميق للديمقراطية، ففي بعض تقاليده، جرى التعامل مع الديمقراطية باعتبارها مجرد قناع للسيطرة البرجوازية، وهذه القراءة، رغم احتوائها على جانب من الحقيقة، تصبح خطيرة حين تتحول إلى نتيجة سياسية تقول إن الديمقراطية يمكن تأجيلها إلى ما بعد الثورة.
لكن المشكلة أن الثورة التي تؤجل الديمقراطية قد لا تجدها عندما تصل إلى السلطة، فالديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، ولا انتخابات دورية فحسب، إنها أيضا حرية التنظيم، وحرية التعبير، وحق الاختلاف، والمساءلة، والتداول، واستقلال المجتمع عن الدولة، وقدرة الناس على التأثير الفعلي في القرارات التي تخص حياتهم.
ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن تكون الديمقراطية مجرد وسيلة للوصول إلى الاشتراكية، بل جزءا من مضمون الاشتراكية نفسها،
فالاشتراكية التي لا تزيد من قدرة الإنسان على التحكم في حياته ليست اشتراكية تحررية، والمساواة التي تلغي الحرية تتحول إلى مساواة إدارية، والحرية التي تترك علاقات الاستغلال الاقتصادي بلا مساس تتحول إلى حرية شكلية.
المطلوب هو الجمع بين الاثنين: تحرير الإنسان من الاستغلال ومن الهيمنة في الوقت نفسه.

ضد الحتمية: السياسة والاستراتيجية

ربما كان هذا أحد أكثر الجوانب راهنية في تراث تروتسكي، فالماركسية تحولت في بعض قراءاتها، إلى نوع من الحتمية الاقتصادية: الرأسمالية ستسقط، والتاريخ يسير نحو الاشتراكية، وبالتالي لا يبقى على المناضلين سوى انتظار اللحظة.
لكن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة، الرأسمالية لا تسقط وحدها، والأزمات لا تنتج تلقائيا بديلا اشتراكيا، والغضب الشعبي لا يتحول آليا إلى وعي سياسي، والحركات الجماهيرية يمكن أن تنتصر أو تنهزم، ويمكن أن تنتج أشكالا جديدة من التضامن، كما يمكن أن تنتهي إلى الإحباط أو المحافظة أو الاستبداد، لهذا تصبح الاستراتيجية ضرورية.
الثورة تحتاج إلى أكثر من الرغبة في التغيير، تحتاج إلى قراءة دقيقة لموازين القوى، وإلى قدرة على بناء التحالفات، وإلى فهم للحظة السياسية، وإلى تنظيم قادر على تحويل الإمكانات المتفرقة إلى قوة جماعية.
لكن الاستراتيجية نفسها ليست علما دقيقا يمكن أن يقدم ضمانات للنصر، إنها فن التعامل مع عدم اليقين، وهنا تكمن قيمة الدرس التروتسكي: المستقبل ليس مكتوبا بالكامل، والسياسة هي الصراع من أجل جعل أحد الاحتمالات ممكنا.

الأممية ليست شعارا

لم يكن إصرار تروتسكي على الأممية مجرد وفاء لتقليد قديم، كان نابعا من تحليل لطبيعة الرأسمالية نفسها، فالرأسمالية نظام عالمي، والأزمات تنتقل عبر الحدود، ورأس المال أكثر قدرة على الحركة من العمال، والاستغلال لا يتوقف عند الحدود الوطنية.

لذلك لا يمكن أن تكون الاشتراكية مشروعا وطنيا مغلقا، لكن الأممية التي نحتاجها اليوم لا يمكن أن تكون أممية المراكز التنظيمية التي تصدر التعليمات، ولا أممية الشعارات التي لا تتجاوز البيانات، الأممية تعني التضامن الفعلي بين النضالات، تعني أن يعرف العامل في بلد أن معركته ليست منفصلة عن معركة العامل في بلد آخر، وتعني أن مقاومة الحرب والاستغلال والنهب والتمييز ليست شؤونا محلية خالصة، كما تعني في الوقت نفسه، احترام خصوصية كل مجتمع، وعدم تحويل الأممية إلى وصاية جديدة.

الأممية التي لا تحترم الديمقراطية يمكن أن تتحول هي الأخرى إلى بيروقراطية عابرة للحدود.

تروتسكي ليس بريئا من التاريخ

لكن كل هذا لا ينبغي أن يقود إلى صناعة أسطورة جديدة، ليس المطلوب تبرئة تروتسكي من كل تناقضاته، ولا تقديمه باعتباره صاحب الحقيقة التي أخطأ الجميع في فهمها.

تروتسكي نفسه كان جزءا من تجربة سياسية حملت تناقضاتها، وقد مارس في بعض اللحظات، سياسات لا يمكن فصلها عن مناخ الحرب والثورة، ولا يمكن إعفاؤها من النقد باسم الظروف وهذا ضروري.

فالقراءة الجادة لا تعني الدفاع عن الشخص، بل اختبار الأفكار في ضوء التجربة، إن تحويل تروتسكي إلى عقيدة مغلقة سيكون خيانة لأفضل ما يمكن استخلاصه من تراثه.

لأن جوهر الماركسية ليس أن نحفظ ما قاله السابقون، بل أن نمتلك الشجاعة التي امتلكوها في مواجهة عالمهم: أن نفكر في الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.

تروتسكي بين الذاكرة والتجديد

لا ينبغي أن تتحول قراءة تروتسكي إلى مجرد استعادة للماضي، فالمطلوب هو استعادة الأسئلة التي ما زالت حية، وإعادة صياغتها في ضوء واقع جديد، العالم تغير، الرأسمالية أصبحت أكثر عالمية وتعقيدا، الطبقة العاملة لم تعد تشبه الصورة الكلاسيكية التي عرفها القرن التاسع عشر.
ظهرت أشكال جديدة من العمل الهش، واتسعت قطاعات الخدمات، وتداخل الإنتاج المادي مع المعرفة والتكنولوجيا، وأصبحت قضايا البيئة والمرأة والهجرة والهوية والمدينة والموارد الطبيعية جزءاً من الصراع الاجتماعي.
لكن هذا التحول لا يلغي الأسئلة الأساسية حول الملكية والاستغلال والسلطة، بل يجعلها أكثر تعقيدا، وهنا يجب أن نتجاوز الفكرة الساذجة التي تقول إن الاشتراكية تحتاج إلى «نموذج» جاهز.

لا يوجد نموذج صالح لكل الأزمنة

ما يصلح في روسيا 1917 لا يمكن نقله حرفيا إلى مجتمع آخر في القرن الحادي والعشرين، المطلوب هو المنهج: قراءة الواقع، اكتشاف التناقضات، بناء القوة الاجتماعية، تطوير التنظيم، وتعديل الاستراتيجية باستمرار.

ما الذي يبقى من تروتسكي؟

يبقى أولا أن الثورة ليست مجرد الاستيلاء على الدولة، ويبقى أن الديمقراطية ليست نقيضا للاشتراكية، ويبقى أن الحزب ليس بديلا عن المجتمع، ويبقى أن التنظيم يمكن أن يتحول إلى بيروقراطية إذا فقد علاقته بالديمقراطية، ويبقى أن الأممية ضرورة سياسية نابعة من عالمية الرأسمالية، ويبقى أن التاريخ لا يسير وفق حتمية مسبقة، ويبقى أن الهزيمة ليست نهاية التفكير، بل يمكن أن تكون بدايته، ويبقى قبل كل شيء، أن التحرر لا يمكن أن يبنى بأدوات تنتمي إلى منطق السيطرة، وهنا نصل إلى المأزق الحقيقي للسلطة.

فكل مشروع يريد تغيير المجتمع يواجه خطر أن يصبح هو نفسه، جزءا من آليات السلطة التي يريد تجاوزها.

قد تبدأ الحركة من الشارع، ثم تبني تنظيما، وقد يبني التنظيم جهازا، وقد يتحول الجهاز إلى بيروقراطية، وقد تتحول البيروقراطية إلى سلطة.

وعندها تصبح الثورة، التي بدأت كتحرير للمجتمع، إعادة إنتاج لعلاقة جديدة بين من يحكم ومن يحكم، هذا هو الدرس الذي لا ينبغي أن ننساه.

من الثورة إلى التحرر

ربما لهذا السبب لا ينبغي أن نقرأ تروتسكي بحثا عن «النموذج الصحيح» للثورة، الأهم أن نقرأه بحثا عن شروط عدم تكرار المأساة، الثورة ليست لحظة بطولية تنتهي بالنصر، إنها صراع طويل حول من يملك القرار، ومن ينتج الثروة، ومن يتحكم في الدولة، ومن يحدد اتجاه المجتمع، والاشتراكية ليست مجرد تغيير اسم الملكية.
إنها محاولة لإعادة بناء المجتمع على أساس يوسع دائرة الحرية والمساواة والمشاركة، ومن هنا فإن السؤال المركزي لا يعود: كيف نستولي على السلطة؟ بل يصبح: كيف نغير علاقات السلطة نفسها؟
وهذا سؤال أكثر صعوبة، لأن الاستيلاء على السلطة قد يكون لحظة سياسية، أما تفكيك علاقات الهيمنة فهي عملية تاريخية طويلة.

خاتمة: الثورة التي لا تحرر نفسها من السلطة

ليست قيمة تروتسكي اليوم في أن نعيده إلى الحياة كما كان، ولا في أن نحوله إلى راية جديدة في حروب الانقسامات القديمة، قيمته في أنه يجبرنا على مواجهة سؤال لم يجد القرن العشرون جوابا شافيا عنه: كيف يمكن أن تكون الثورة فعلا لتحرير الإنسان، لا مجرد انتقال للسلطة من يد إلى أخرى؟
هنا يصبح نقد البيروقراطية أكثر من نقد للستالينية، ويصبح الدفاع عن الديمقراطية أكثر من دفاع عن الحريات السياسية، ويصبح الحزب أكثر من جهاز انتخابي أو تنظيمي، وتصبح الأممية أكثر من شعار، ويصبح الاشتراكي مطالبا بأن يفكر في الوسائل بقدر ما يفكر في الغايات.

فلا يمكن أن نصل إلى مجتمع حر عبر تنظيم يقوم على إلغاء الحرية، ولا إلى المساواة عبر إعادة إنتاج علاقات الامتياز، ولا إلى التحرر عبر بناء أجهزة لا تخضع للمساءلة، ولا إلى الاشتراكية عبر اختزال المجتمع في حزب، والحزب في قيادة، والقيادة في جهاز.
إن مأساة الثورة الروسية لا تكمن فقط في أنها هزمت من الخارج، بل أيضا في أنها اضطرت، تحت ضغط شروط تاريخية هائلة، إلى بناء أشكال من السلطة انتهت إلى تقليص المجال الذي يفترض أن تحرره.
وهذا هو الدرس الذي يجعل تروتسكي راهنا، ليس لأنه امتلك الحقيقة، بل لأنه ظل جزءا من الصراع حول الحقيقة الأصعب: أن الثورة لا تكون جديرة باسمها إلا إذا كان هدفها النهائي ليس الاستيلاء على المجتمع وإنما تحريره؛ وليس إقامة سلطة جديدة فوق الإنسان، وإنما توسيع قدرته على أن يصبح سيدا على مصيره.
ومن هنا يمكن أن نفهم العلاقة الجدلية بين الثورة والديمقراطية والتحرر: الثورة بلا ديمقراطية مهددة بأن تتحول إلى بيروقراطية، والديمقراطية بلا عدالة اجتماعية مهددة بأن تبقى شكلية، والتنظيم بلا حرية مهدد بأن يصبح جهازا، والحرية بلا تنظيم مهددة بأن تبقى مجرد رغبة.
أما المهمة الأصعب، فهي أن نجعل هذه العناصر متناقضة ومتحدة في الوقت نفسه: تنظيما دون بيروقراطية، قيادة دون وصاية، وحدة دون إلغاء، مركزية دون استبداد، أممية دون مركز، واشتراكية دون أن يفقد الإنسان حريته.
في هذه النقطة تحديدا، لا يعود تروتسكي مجرد فصل من تاريخ مضى، يصبح سؤالا مفتوحا.



#سعد_بن_علال (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرجل الضاحك: حين يصبح وجه الإنسان مرآة لمجتمع مشوه
- ابراهام السرفاتي: مسار مناضل وسؤال اليسار المغربي
- جيل Z: حين يطرق المستقبل أبواب اليسار
- دانييل بنسعيد: الماركسية بعد انهيار اليقين
- عبد المجيد بنخالي... الكلمة حين ترفض أن تتصالح مع الهزيمة
- فروغ فرخزاد: الشعر بوصفه مقاومة... والمرأة بوصفها سؤالا تاري ...
- فيكتور سيرج: الرواية متهمة ضد الطغيان
- جيل من الضباع: النيوليبرالية وصناعة الإنسان المفترس
- أنا الذي مشيتُ فوق الحطام ولم أصرخ
- -سجون نختار أن نعيش فيها-: تفكيك القفص الذي نحمله في رؤوسنا
- حين يصنع المجتمع جلاده: قراءة في رواية -نصف مواطن محترم- لها ...
- الحلم المشترك وصناعة الممكن
- وليمة لأعشاب البحر: الرواية بوصفها محاكمة للهزيمة
- وداعًا اسبارتاكوس: حين يرحل المتمرّدون ويبقى الأثر
- 20 يونيو: بين الذاكرة والاحتجاجات المؤجلة
- الانتخابات وبناء القوة الشعبية: أي سؤال لليسار في زمن التحول ...
- بين الواقعية السياسية والذيلية للإصلاحية ملاحظات في أطروحة « ...
- جيل Z: الذات الجديدة للرأسمالية المعاصرة أم طليعة التمرد الق ...
- بين وحدة الفعل ووحدة الوهم ملاحظات نقدية على مساهمة الرفيق س ...
- برحيل إدغار موران: حين يفقد الفكر أحد آخر حكمائه الكبار


المزيد.....




- غارة جديدة على سوريا.. دمشق تندّد وإسرائيل تتحدث عن استهداف ...
- هايدن بانتير ورفاقها: ما الذي يقود النجوم الأطفال إلى الإدما ...
- صدام حفتر يبحث مع رئيس المخابرات المصرية توحيد السلطة التنفي ...
- تقرير عبري عن فك -لغز استخباراتي- يخص الشرع وسر غضب إسرائيل ...
- ليخاتشوف: تصرفات كييف تفشل زيارة غروسي لمحطة زابوروجيه وتساه ...
- السودان.. الجيش ينفذ ضربات جوية على قوافل للدعم السريع قرب ا ...
- تقرير يتحدث عن سيناريو غير مألوف لصدام إسرائيلي تركي كبير بع ...
- نزع سلاح حماس يشعل تفاعلا واسعا بعد تعليق لافت من علاء مبارك ...
- بوتين يفسر سبب تزايد وحشية ممارسات القوات الأوكرانية في الفت ...
- زيلينسكي يعلن وصول كيث كيلوغ ممثل الرئيس ترامب السابق إلى أو ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد بن علال - ليون تروتسكي: الثورة، الديمقراطية ومأزق السلطة في ذكرى اغتيال ليون تروتسكي