أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة















المزيد.....

غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8804 - 2026 / 8 / 21 - 04:56
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

21 آب أغسطس 2026

إسرائيل بين سجل الحرب، وحماية الحليف، ومعركة الرواية الإعلامية

في مقالها المنشور في 20 أغسطس/آب 2026 في موقع مؤسسة الثقافة الإستراتيجية، بعنوان «الشرق الأوسط: هل لإسرائيل ما هو مسموح لغيرها؟»، تفتح الكاتبة الروسية يلينا بوستوفويتوفا ملفاً واسعاً يتجاوز تفاصيل الحرب في غزة إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن أن تتراكم خلال سنوات الحرب كمية هائلة من الوثائق والشهادات والصور والتقارير التي تتناول الإنتهاكات والجرائم الإسرائيلية، ثم تظل إسرائيل بمنأى عن المساءلة الفعلية؟

تنطلق بوستوفويتوفا من فكرة أساسية تضعها في صدر المقال: الإعلام الغربي، وخصوصاً الأنغلوسكسوني، يوفر مظلة معلوماتية فوق بنيامين نتنياهو وحكومته، وسيستمر في ذلك ما دامت واشنطن ولندن وبروكسل ترى مصلحة في إبقاء الشرق الأوسط في حالة حرب دائمة.

ومن هذه النقطة تبدأ الكاتبة رحلة طويلة بين التاريخ والدين والحرب والإعلام والتوثيق الدولي، لتصل في النهاية إلى إستنتاجها المركزي: المشكلة لم تعد في ندرة الأدلة على ما جرى في حرب الإبادة على غزة، وإنما في وجود منظومة سياسية وإعلامية قادرة على التشكيك في الأدلة نفسها، وحماية إسرائيل من النتائج التي يفترض أن تترتب عليها.

سؤال التاريخ الذي لا يختفي

تبدأ بوستوفويتوفا بالسؤال الذي طرحته المجلة الأمريكية «كاونتر بانش» CounterPunch في 11 أغسطس/آب: لماذا لا يمكن تحميل إسرائيل المسؤولية عن الإبادة الجماعية في غزة؟

وتشير إلى أن الإجابة عن هذا السؤال تناولتها الأستاذة الفخرية في جامعة فوردهام الأمريكية روبين أندرسن، التي حاولت تفسير أسباب إستمرار العجز عن مساءلة إسرائيل رغم تراكم الإتهامات والوثائق.

لكن بوستوفويتوفا لا تبدأ من حرب غزة مباشرة.

بل تعود إلى التاريخ القديم، محاولة البحث عن جذور بعيدة لما تعتبره شعوراً إسرائيلياً بالإستثناء، أو الإعتقاد بأن ما يُسمح لليهود لا يُسمح لغيرهم.

وتستحضر في هذا السياق روايات التوراة المتعلقة بخروج بني إسرائيل من مصر، وما تصفه النصوص بإعتباره وعداً إلهياً بالأرض، ثم الأوامر المتعلقة بالشعوب التي كانت تقطنها.

وتتوقف الكاتبة عند النصوص التي تتحدث عن طرد شعوب كنعان وإبادتها وعدم عقد تحالفات معها، وتدمير معابدها وتحطيم رموزها الدينية.

ومن وجهة نظر بوستوفويتوفا، فإن هذه الروايات التاريخية والدينية تعكس فكرة قديمة عن شعب يرى نفسه مختاراً، وبالتالي يرى في إمتلاك الأرض وتنحية الشعوب الأخرى عنها أمراً ذا مشروعية إستثنائية.

ثم تنتقل إلى رواية خروج بني إسرائيل من مصر، وتستشهد بقصة قتل أبكار المصريين، وبما تصفه الرواية التوراتية من إضطرار المصريين إلى السماح لبني إسرائيل بالخروج، بل وتسليمهم الذهب والفضة والملابس.

ولا تستخدم الكاتبة هذه التفاصيل بإعتبارها مجرد إستطراد تاريخي.

إنها تريد أن تقول إن التاريخ، في رأيها، يحمل مفاتيح لفهم الحاضر رغم تزييفه، وإن تصور «الحق المطلق» و«الإستثناء» لم يظهر في السياسة الإسرائيلية المعاصرة من فراغ.



العودة إلى غزة

بعد هذا الإستطراد التاريخي الطويل، تعود بوستوفويتوفا إلى السؤال المعاصر: لماذا لا يمكن تحميل إسرائيل المسؤولية عن الجرائم التي تتهم بإرتكابها في غزة؟

وتضع في مركز إجاباتها الملف المتزايد من الوثائق المتعلقة بجرائم الحرب الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة.

وتستند الكاتبة إلى تقرير أممي صدر في 23 يونيو/حزيران 2026، ويتكون من 94 صفحة، ويحمل عنواناً يركز على تدمير جوهر الطفولة نتيجة الهجمات الإسرائيلية المتعمدة على الأطفال الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وبحسب الأرقام التي تنقلها بوستوفويتوفا، أدت الحرب خلال الفترة من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى مقتل ما لا يقل عن 20,179 طفلاً فلسطينياً وإصابة 44,143 آخرين.

وتقول الكاتبة إن الأطفال مثلوا نحو 30 في المئة من مجموع القتلى، وهي نسبة تراها أعلى بكثير من نسبة وفيات الأطفال في صراعات غزة السابقة.

لكن الأرقام ليست سوى البداية.

فالكاتبة تركز على ما تعتبره الجانب الأخطر في التقرير: إستخدام التحليل الطبي والشرعي وصور الأشعة والتقارير الطبية للوصول إلى إستنتاج مفاده أن هناك أسباباً كافية للقول إن القوات الإسرائيلية إستهدفت أطفالاً بصورة متعمدة بواسطة بنادق القنص والطائرات المسيّرة الرباعية.



الأطفال في قلب الإتهام

تورد بوستوفويتوفا عدداً من الحالات التي تقول إن التقرير وثقها.

من بينها حالة طفل في الرابعة عشرة أصيب برصاص دورية عسكرية ثم تُرك ينزف، رغم عدم وجود قتال نشط في المكان بحسب الرواية التي تنقلها.

وتشير أيضاً إلى حالات قالت إن جنوداً إسرائيليين قاموا فيها بتصوير أنفسهم وهم يمارسون الإذلال والعنف ضد أطفال فلسطينيين، بل ويستخدمون الألعاب في سياقات هجومية.

وتقول إن التقرير وثق عشرات الحالات من هذا النوع، في منازل خاصة وأماكن عامة.

وبحسب تفسير اللجنة التي تستند إليها الكاتبة، فإن هذه الوقائع لا يمكن النظر إليها بوصفها حوادث فردية منفصلة، وإنما تعكس، في رأيها، موقفاً متفشياً من نزع الإنسانية عن الفلسطينيين، تحميه أو تشجعه البيئة العسكرية.

وتذهب بوستوفويتوفا إلى أن اللجنة رأت أن هذه الممارسات إستمرت حتى بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وأنها شكلت عنصراً مهماً في إثبات ما تعتبره نية لتدمير المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة.

وهنا تنتقل الكاتبة من قتل الأطفال إلى فكرة أوسع: إضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على البقاء.



تدمير المجتمع لا يعني قتل أفراده فقط

في رؤية بوستوفويتوفا، لا تقتصر الحرب على الأطفال الذين يموتون بالرصاص أو القصف.

فهي تشير إلى الهجمات على مراكز حديثي الولادة والولادة، وترى أن لها آثاراً مباشرة على فرص بقاء الأطفال حديثي الولادة، وعلى حالات الإجهاض والعيوب الخلقية.

كما تربط بين الحصار ونقص الغذاء وبين النتائج الصحية التي يتعرض لها الأطفال.

وتضيف إلى ذلك ما تصفه بزيادة عنف المستوطنين ضد الأطفال، وسوء معاملتهم، وحرمانهم من الطعام، والإنتهاكات الجنسية التي تقول إن أطفالاً فلسطينيين محتجزين تعرضوا لها.

وفي نظر الكاتبة، فإن هذه الوقائع لا تشكل سلسلة منفصلة من الإنتهاكات، وإنما تدخل ضمن صورة واحدة تتعلق بتدمير قدرة المجتمع الفلسطيني على الحياة والإستمرار.

ولهذا تنقل عن رئيس اللجنة التي تستند إليها قولاً مفاده أن مهاجمة الأطفال تعني تدمير قدرة الشعب الفلسطيني نفسه على الإستمرار.



مستقبل غامض للمساءلة

تلفت بوستوفويتوفا إلى نقطة أخرى في التقرير: تحديد وحدات عسكرية إسرائيلية بعينها قالت اللجنة إنها مسؤولة عن هذه الأفعال، بهدف ضمان إمكانية محاسبة المسؤولين عنها مستقبلاً.

لكن الكاتبة تضيف مباشرة أن ذلك المستقبل يبدو، في الوقت الراهن، غامضاً للغاية.

وهنا تعود إلى فكرتها المركزية:

الأدلة موجودة، والوثائق تتزايد، والمسؤولون يمكن تحديدهم، لكن الطريق من التوثيق إلى العقاب لا يزال مغلقاً أو شديد الصعوبة.



«الأكثر توثيقاً» والأكثر إنكاراً

تستند الكاتبة كذلك إلى تقرير مصور أعدته «دبل داون نيوز»، وترى أنه يقدم شهادات وصوراً تعزز ما جاء في التقرير الأممي.

وتذكر حالات قاسية للغاية، من بينها رضيع قيل إنه قتل برصاصة في الرأس أثناء الرضاعة بين ذراعي أمه، وصبي في السادسة عشرة قيل إن دبابة إسرائيلية دهسته، ومراهقين قيل إنهم قتلوا أثناء لعبهم.

وتستحضر بوستوفويتوفا هذه الوقائع لتصل إلى مفارقة تعتبرها أساسية:

غزة أصبحت، في رأيها، واحدة من أكثر الحروب توثيقاً في التاريخ، لكنها في الوقت نفسه أصبحت واحدة من أكثر الحروب تعرضاً للإنكار والجدل حول حقيقة ما جرى.

فمع إتساع حجم الأدلة، إتسع أيضاً حجم التشكيك فيها.



الجندي الإسرائيلي شاهداً على نفسه

ترى بوستوفويتوفا أن جزءاً كبيراً من الأدلة على الإنتهاكات جاء من داخل إسرائيل نفسها.

فجنود إسرائيليون، بحسب الكاتبة، صوروا بعض ممارساتهم ونشروها على الإنترنت.

وهكذا أصبحت وسائل التواصل ال
الإجتماعي، التي كان يفترض أن تكون أداة دعائية في كثير من الأحيان، مصدراً للمواد التي تستخدم في توثيق ما تصفه الكاتبة بالجرائم.

لكن إسرائيل، في نظر بوستوفويتوفا، ترد على هذه الأدلة بالنفي.

وتنقل عن الباحث الفلسطيني رمزي بارود قوله إن أعداء إسرائيل ليسوا فقط خصومها المسلحين، بل أيضاً القاضي والمراقب المستقل لحقوق الإنسان والمحقق الأممي الذي تتمثل مهمته في توثيق إنتهاكات القانون الدولي.

وبحسب الكاتبة، تتعامل إسرائيل مع هؤلاء جميعاً بإعتبارهم جهات تكذب بهدف تشويه صورتها، وتضع منتقدي الدولة الإسرائيلية في خانة معاداة السامية.

ومن هنا تنتقل المعركة من ما حدث إلى من يملك حق تحديد ما حدث.



الإعلام الغربي في قلب المعركة

تضع بوستوفويتوفا وسائل الإعلام الغربية في مركز تفسيرها لمشكلة الإفلات من المساءلة.

وتقول إن صحيفة نيويورك تايمز، على سبيل المثال، وصفت التقرير الأممي بأنه «خيال تشهيري»، وهاجمت اللجنة الأممية وإعتبرتها آلية معيبة تستهدف إسرائيل وتشوه سمعتها.

وتشير كذلك إلى موقف صحيفة تايمز البريطانية التي ركزت، بحسب عرض الكاتبة، على مقتل رضيع إسرائيلي واحد في السابع من أكتوبر، لتستخدم ذلك في سياق مقارنة مع مقتل أكثر من عشرين ألف طفل فلسطيني خلال العامين التاليين.

وترى بوستوفويتوفا أن هذه الطريقة في عرض الأحداث تساهم في إنتاج رواية تجعل ما حدث في غزة يبدو نتيجة طبيعية لما جرى في السابع من أكتوبر.

لكنها ترى أن المشكلة لا تتوقف عند إختيار الأرقام.

إنها تتعلق بما يُذكر وما يُحذف، وما يُقدم بإعتباره حقيقة وما يُقدم بإعتباره دعاية.



«توجيه هانيبال» والرواية البديلة للسابع من أكتوبر

في هذا السياق، تدخل بوستوفويتوفا إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل: توجيه هانيبال.

وتشير إلى أن هناك روايات تقول إن القوات الإسرائيلية إستخدمت هذا التوجيه لمنع أسر الرهائن، حتى لو أدى ذلك إلى إطلاق النار على إسرائيليين أنفسهم.

ومن وجهة نظر الكاتبة، فإن الإعلام الغربي لم يمنح هذه الرواية المساحة نفسها التي منحها للرواية الإسرائيلية عن هجوم حماس.

وتستخدم هذه النقطة لتأكيد فكرتها الأساسية: المشكلة ليست فقط في الوقائع، وإنما في الطريقة التي يجري بها إنتقاء الوقائع وتقديمها للجمهور.



«الدروع البشرية»: الرواية التي تبرر كل شيء

تنتقل بوستوفويتوفا بعد ذلك إلى الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن إستخدام حماس للمدنيين الفلسطينيين بوصفهم «دروعاً بشرية».

وتستشهد في هذا السياق بالباحثين نيكولا بيروجيني ونيفي غوردون، اللذين ترى الكاتبة أن تحليلهما يوضح كيف إستخدمت إسرائيل أنفاق حماس وبنيتها العسكرية لتقديم مناطق واسعة من غزة بإعتبارها مناطق مرتبطة بأهداف عسكرية.

وبحسب الفكرة التي تنقلها بوستوفويتوفا، فإن هذه الرواية أدت إلى نتيجة خطيرة: إختفاء مفهوم المدني الفلسطيني من المشهد الإعلامي الإسرائيلي والغربي.

فإذا أصبحت كل منطقة يمكن أن توجد فيها بنية لحماس منطقة «درع بشري»، فإن وجود المدنيين فيها لا يعود، في الخطاب المتداول، سبباً كافياً لمنع الهجوم.

وهكذا، في نظر الكاتبة، تحول مفهوم «الدروع البشرية» من حجة عسكرية محددة إلى إطار واسع لتبرير أعداد هائلة من الضحايا المدنيين.



صورة الطفل الذي ينزف أمام الكاميرا

تستشهد بوستوفويتوفا كذلك بتحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية حول تسجيل من كاميرات المراقبة.

وتقول إن التسجيل أظهر جنوداً يطلقون النار على طفل، ثم يراقبونه وهو ينزف لمدة طويلة، بينما أطلقوا النار على والدته لمنعها من الوصول إليه، ومنعوا سيارات الإسعاف الفلسطينية من الوصول إلى المكان.

وتشير الكاتبة إلى أن التسجيل أظهر أيضاً قيام الجنود بوضع حجر قرب الطفل، بإعتباره، وفق روايتها، دليلاً على أن القوة الإسرائيلية تصرفت دفاعاً عن النفس.

لكن، بحسب بوستوفويتوفا، فإن مؤسسات إعلامية كبرى، ومنها نيويورك تايمز، قبلت الرواية الإسرائيلية التي قدمت الطفل بإعتباره «إرهابياً» حاول مهاجمة الجنود.

ومن هنا ترى الكاتبة أن نموذجاً تكرر طوال سنوات الحرب:

واقعة مصورة، ثم رواية إسرائيلية مضادة، ثم إنتقال النقاش من الضحية إلى تبرير سلوك القوة التي قتلتها.



تصريحات السياسيين: حين تصبح اللغة جزءاً من الحرب

تصل بوستوفويتوفا إلى تصريحات مسؤولين إسرائيليين ترى أنها تكشف طبيعة الخطاب الذي رافق الحرب.

وتورد في هذا السياق تصريحات نائب رئيس الكنيست عن حزب الليكود نسيم فاتوري، الذي قالت إنه دعا إلى تدمير غزة وعدم ترك أي طفل فيها، وإعتبر كل طفل يولد هناك إرهابياً منذ ولادته.

ولا تتعامل الكاتبة مع هذه التصريحات بإعتبارها مجرد أقوال هامشية.

بل تضعها ضمن الصورة التي رسمتها من خلال التقارير المتعلقة بقتل الأطفال وتجويع السكان وتدمير البنية المدنية.

وبالنسبة إليها، يصبح السؤال واضحاً:

إذا كانت اللغة التي تستخدمها شخصيات سياسية نافذة تتعامل مع الأطفال الفلسطينيين بإعتبارهم أعداء بطبيعتهم، فكيف يمكن فصل هذه اللغة تماماً عن الممارسات التي يجري توثيقها على الأرض؟



المظلة الغربية فوق نتنياهو

بعد إستعراض هذه الأمثلة، تعود بوستوفويتوفا إلى فكرتها الأساسية التي بدأت بها.

فهي ترى أن الإعلام الغربي، وبخاصة الإعلام الأنغلوسكسوني، يحافظ على ما تسميه «المظلة المعلوماتية» فوق رأس بنيامين نتنياهو وحكومته.

وتربط إستمرار هذه الحماية بالمصالح السياسية للولايات المتحدة وبريطانيا والإتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط.

ومن وجهة نظرها، فإن المسألة لا تتعلق بالدفاع عن إسرائيل في مواجهة حماس فحسب، وإنما بمصلحة أوسع تتمثل في إبقاء المنطقة في حالة حرب دائمة بين شعوبها ودولها.

وهنا تتحول غزة، في تحليلها، من حرب محلية إلى أداة ضمن بنية جيوسياسية أوسع.


إسرائيل في قلب مشروع إقليمي أوسع

لا ترى بوستوفويتوفا أن الدعم الغربي لإسرائيل منفصل عن السياسة الشرق أوسطية للولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا.

بل تعتبر أن إستمرار الحرب يخدم مصالح القوى الغربية التي تريد الحفاظ على وضع إقليمي مضطرب.

ومن هذا المنظور، تصبح إسرائيل أداة مركزية في هذه الإستراتيجية.

وهذا ما يفسر، بحسب الكاتبة، إستمرار الدعم السياسي والإعلامي لإسرائيل رغم تراكم التقارير المتعلقة بالإنتهاكات.

فالمسألة في نظرها ليست أن الغرب لا يعرف ما يحدث.

بل إنه يعرف، لكنه يفضل، لأسباب إستراتيجية، الإستمرار في دعم إسرائيل.



بين التوثيق والإنكار

هنا تلتقي جميع خيوط المقال.

التقارير موجودة.

الأرقام موجودة.

الشهادات موجودة.

التسجيلات موجودة.

الصور موجودة.

بل إن جزءاً من هذه المواد يأتي من داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها.

ومع ذلك، تقول بوستوفويتوفا، فإن إسرائيل تستطيع إنكار الإتهامات، وإتهام منتقديها بمعاداة السامية، والتشكيك في المحققين الأمميين، ثم تجد في الإعلام الغربي مؤسسات مستعدة لتبني أو إعادة إنتاج هذه الروايات.

وبذلك يصبح الإنكار نفسه جزءاً من المعركة.

فكل دليل جديد لا يؤدي بالضرورة إلى مزيد من المساءلة، وإنما قد يؤدي إلى معركة جديدة حول تفسيره.



السؤال الذي يتركه المقال

في خاتمة مقالها، تعود يلينا بوستوفويتوفا إلى الفكرة التي تشكل العمود الفقري لنصها كله:

هناك كتلة ضخمة ومتنامية من الوثائق المتعلقة بالإنتهاكات الإسرائيلية في غزة، ومع ذلك لا تزال إسرائيل قادرة على مقاومة المساءلة.

والسبب، في تصور الكاتبة، لا يكمن في نقص المعلومات، بل في منظومة سياسية وإعلامية تحمي إسرائيل.

ومن هنا يأتي عنوان المقال: «هل لإسرائيل ما هو مسموح لغيرها؟»

فالإجابة التي تقدمها بوستوفويتوفا، في مجمل النص، هي أن إسرائيل تتمتع، في الواقع السياسي الذي تصفه، بهامش واسع من الحماية يجعل القواعد التي يفترض أن تنطبق عليها أقل فاعلية من القواعد التي تُفرض على خصومها.

وتنتهي الكاتبة إلى تحذير أوسع: إذا كان الشرق الأوسط سيبقى ساحة لحرب دائمة، وإذا كان الإعلام الغربي سيواصل توفير الغطاء السياسي والمعلوماتي للحكومة الإسرائيلية، فإن غزة لن تكون مجرد حرب أخرى في تاريخ المنطقة.

ستكون نموذجاً على العلاقة بين القوة العسكرية، والإعلام، والتحالفات الدولية، والقدرة على الإفلات من المساءلة.

وهكذا فإن السؤال الذي تطرحه بوستوفويتوفا لا يتعلق فقط بما يحدث في غزة، وإنما بمن يملك القدرة على تعريف الجريمة، ومن يملك القدرة على نفيها، ومن يملك في النهاية القوة الكافية لمنع إنتقال الأدلة من صفحات التقارير والصور ومقاطع الفيديو إلى ساحات المحاسبة.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من صفحات التاريخ - كيف ساعدت فرنسا وروسيا على إنتصار الثورة ...
- فرنسا بعد غزة: هل أصبحت معاداة الصهيونية جريمة سياسية؟
- الهزيمة المحتومة: قراءة في تحليل جون ميرشايمر للحرب الأمريكي ...
- روسيا بين «الخطر الأبدي» و«السحر الثقافي»
- ميرشايمر يعيد فتح السؤال الأصعب: لماذا فشل الردع في منع حرب ...
- روسيا أمام مفترق تاريخي: شبح الخلافة وهاجس الإنهاك البنيوي
- ألكسندر دوغين - فوتشيتش ضعيف الإرادة وهروب الذكاءات الاصطناع ...
- غضب موسكو وحدود صبرها: هل تقترب الحرب الأوكرانية من مرحلة أك ...
- بمناسبة مئويته: فيديل كاسترو... حين تحوّلت الثورة إلى مشروع ...
- من لشبونة إلى فلاديفوستوك: كيف ضاع البيت الأوروبي المشترك؟
- من «عاصفة الصحراء» إلى النظام الأحادي: كيف وُلد «النظام العا ...
- من غزة إلى هرمز: شرق أوسط بلا هدنة
- بين الحسم والتوازن: ماذا تكشف حرب 2026 عن حدود القوة الأميرك ...
- من صفحات التاريخ - كيف بدأت الحرب الباردة؟ الرواية الروسية ب ...
- حرب الوقود: كيف أصبحت الطاقة ساحة مواجهة بين الإستنزاف العسك ...
- حرب الوقود: كيف أصبحت الطاقة ساحة مواجهة بين الإستنزاف العسك ...
- العودة إلى السوفيات؟
- الأخطاء العسكرية التي كشفتها الحرب على إيران
- روسيا وحيدة في ساحة المعركة: دروس التاريخ في مواجهة واقع الح ...
- ناجي العلي... الرصاص الذي لم يقتل حنظلة


المزيد.....




- مصر تحذف إسرائيل من الخريطة.. غضب في تل أبيب بعد تداول صورة ...
- سوريا.. رابطة الناجين من الأسلحة الكيماوية: أكثر من 1466 شهي ...
- حزب -يشار- يطيح بالليكود في استطلاعات الرأي.. وثقة الناخبين ...
- -لن نسمح بالتستر على الجرائم-.. تركيا تصدر مذكرة توقيف دولية ...
- رابطة العالم الإسلامي تطلق خطة لمكافحة التطرف وتعزيز السلم ف ...
- ترامب بدلاً من -بطل بيرل هاربر-.. البحرية الأميركية تدرس إعا ...
- بعد نجاح -آلية منع الاحتكاك- مع بوتين.. هل يستطيع نتنياهو تج ...
- طهران تتوعد برد -مدمر- بعد تهديد واشنطن بفرض -أقسى عقوبات في ...
- الاتحاد الأوروبي يصنف تونس -بلد منشأ آمن- .. كابوس للمعارضة؟ ...
- الأردن..جهود مكثفة لإحباط تهريب المخدرات


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - غزة: عندما تتراكم الأدلة وتتعطل المساءلة