أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - الثقافة الإيرانية في سينما ومسرح بهرام بيضائي .. نماذج الوجود والانتماء (1959–1979):















المزيد.....


الثقافة الإيرانية في سينما ومسرح بهرام بيضائي .. نماذج الوجود والانتماء (1959–1979):


محيي الدين ابراهيم

الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 20:14
المحور: الادب والفن
    


هذا الكتاب للمؤلف الإيراني: سعيد طلاجوي وقد صدر باللغة الإنجليزية في 280 صفحة من القطع الكبير عن دار النشر: بلومزبري للنشر / I.B. Taurisوكانت الطبعة الأولى في بريطانيا ، 2023.

مقدمة:
لعل السبب الحقيقي الذي دفعني إلى الحديث عن هذا الكتاب المهم؛ هو أنني لا أراه مجرد دراسة أكاديمية لبهرام بيضائي، ولا مجرد بحث في السينما والمسرح الإيرانيين، وإنما أراه نافذة نادرة يطل منها القارئ العربي على ثقافة معاصرة لا يزال يعرف عنها، رغم قربها التاريخي والجغرافي والحضاري، أقل مما ينبغي.
لقد اعتدنا أن تصل إلينا إيران عبر السياسة، وعبر الأخبار والصراعات والتحولات الكبرى، حتى كادت صورتها في الوعي العربي تختزل في هذه الدوائر وحدها، بينما تختبئ خلفها ثقافة عميقة، شديدة التعقيد، ممتدة الجذور، تعيد باستمرار مساءلة علاقتها بالتاريخ والهوية والمرأة والأسطورة والحداثة والسلطة والذاكرة. ومن هنا تأتي أهمية كتاب سعيد طلاجوي؛ لأنه يمنحنا فرصة نادرة لكي نرى إيران من الداخل، لا من خلال خطابها السياسي، وإنما من خلال فنانيها ومسرحها وسينماها وذاكرتها الثقافية.
وما يجعل الكتاب أكثر قيمة بالنسبة إلى القارئ العربي أنه لا يقدم الثقافة الإيرانية بوصفها تراثًا ساكنًا محفوظًا في الماضي، بل يكشف عن ثقافة حية تتصارع مع أسئلتها المعاصرة؛ ثقافة تحاول أن تفهم ماذا بقي من الماضي في الحاضر، وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على جذوره دون أن يتحول إلى أسير لها، وكيف يمكن للفن أن يستعيد الأصوات التي أسكتها التاريخ، وأن يمنح المهمشين والنساء والغرباء والمختلفين حقهم في أن يكونوا جزءًا من الحكاية.
ولذلك أعتقد أن أهمية هذا الكتاب بالنسبة إلينا لا تتوقف عند التعرف إلى تجربة بهرام بيضائي، وإنما تمتد إلى ما هو أبعد: التعرف إلى إيران الثقافية التي لا تظهر كثيرًا في صورتنا العربية الراهنة عنها. فحين نقرأ سينما بيضائي ومسرحه من خلال هذه الدراسة، نكتشف أن وراء الجغرافيا السياسية جغرافيا أخرى أكثر اتساعًا؛ جغرافيا من الأساطير والذاكرة والفنون والأسئلة الإنسانية.
ومن هنا أرى أن قراءة هذا الكتاب ليست ترفًا ثقافيًا، بل هي محاولة لاستعادة معرفة غائبة؛ لأننا لا نستطيع أن نفهم شعبًا من خلال سياسته فقط، كما لا نستطيع أن نفهم ثقافة من خلال تاريخها الرسمي وحده. إن الثقافة الحقيقية تسكن أيضًا في المسرح، وفي الفيلم، وفي الحكاية، وفي المرأة التي تستعيد ذاكرتها، وفي الإنسان المهمش الذي يبحث عن صوته، وفي الفنان الذي يحاول أن يعيد كتابة ما ظن الجميع أنه كُتب وانتهى.
وهذا تحديدًا ما يجعل كتاب «الثقافة الإيرانية في سينما ومسرح بهرام بيضائي: نماذج الوجود والانتماء» كتابًا يستحق أن يصل إلى القارئ العربي؛ لأنه لا يكتفي بأن يقول لنا من هو بهرام بيضائي، وإنما يفتح أمامنا سؤالًا أكبر وأكثر إلحاحًا:
من هي إيران الثقافية المعاصرة التي لم نمنحها، نحن العرب، ما يكفي من الوقت لكي نراها؟
وربما يكون الفن، في النهاية، هو الطريق الأكثر أمانة للإجابة؛ لأنه حين تسقط كل الأقنعة السياسية، يبقى الإنسان واقفًا في مواجهة مرآته، يبحث عن وجهه في ذاكرة وطنه، وعن وطنه في ذاكرة الفن.

قراءة في الثقافة الإيرانية في سينما ومسرح بهرام بيضائي: نماذج الوجود والانتماء (1959–1979):
ثمة كتبٌ تكتب عن فنان، وثمة كتبٌ تجعل الفنان ذريعةً لإعادة النظر في الإنسان والتاريخ والثقافة. وهذا الكتاب لسعيد طلاجوي ينتمي، في جوهره، إلى النوع الثاني؛ لأنه لا يضع بهرام بيضائي أمامنا بوصفه مخرجًا أو كاتبًا مسرحيًا فحسب، وإنما يضعه في منطقة أكثر اتساعًا: منطقة الإنسان الذي يحاول أن يستعيد حقه في أن يرى نفسه داخل تاريخ لم يُكتب كاملًا، وثقافة جرى اختزالها، وذاكرة تتعرض باستمرار لخطر المحو.
ومن هنا تصبح عبارة «الوجود والانتماء» في العنوان ليست وصفًا لموضوع الكتاب، وإنما مفتاحًا فلسفيًا له؛ فالوجود عند طلاجوي ليس مجرد حضور الإنسان في العالم، والانتماء ليس مجرد انتساب إلى وطن أو ثقافة، وإنما كلاهما سؤالان متلازمان: كيف أكون؟ وكيف أعرف إلى أي عالم أنتمي؟ ومن يملك الحق في أن يعرّف هذا العالم؟
وهنا تحديدًا تبدأ القيمة الحقيقية للكتاب.
فالمؤلف لا يتعامل مع بيضائي باعتباره ظاهرة فنية منفصلة، بل باعتباره ظاهرة ثقافية متشابكة مع التاريخ الإيراني الحديث، ومع صراع السلطة على إنتاج الحقيقة، ومع محاولات إعادة تشكيل الهوية الإيرانية. ولذلك يؤكد أن بيضائي جمع بين الباحث والفنان، وبين المعرفة الأكاديمية بالثقافات وفنون الأداء والأساطير وبين القدرة الأدبية والبصرية التي جعلت أعماله ذات مستويات متعددة من الدلالة.
النواة الفكرية: حين يصبح الفن محاولةً لاستعادة الإنسان
يمكن اختزال النواة العميقة للكتاب في سؤال واحد:
هل يستطيع الفن أن يعيد للإنسان حقه في إنتاج المعنى بعد أن تصادر السلطة والتاريخ الرسمي والثقافة المهيمنة هذا الحق؟
هذا السؤال هو النبض الخفي الذي يربط أجزاء الكتاب كلها.
ولهذا لا يرى طلاجوي أن مهمة بيضائي هي مجرد «إحياء التراث»، فهذه عبارة صغيرة جدًا على مشروع بهذا الاتساع. بيضائي، في قراءة الكتاب، يستعيد التراث لكي يعيد مساءلته، ويستعيد الأسطورة لكي يكشف ما أخفته، ويعود إلى التاريخ لكي يبحث عن الذين لم يكتب التاريخ الرسمي أسماءهم.
وهنا تتحول العودة إلى الماضي إلى فعل مستقبلي.
فالماضي عند بيضائي ليس مقبرةً للذاكرة، وإنما مختبرٌ لإعادة اكتشاف الحاضر.
وهذه واحدة من أجمل المفارقات التي يشتغل عليها الكتاب:
كلما عاد بيضائي إلى الماضي، كان في الحقيقة يزداد التصاقًا بالحاضر.
فالأسطورة ليست هروبًا من الواقع، والتاريخ ليس حنينًا إلى زمن مفقود، والتراث ليس متحفًا مغلقًا؛ كلها أدوات لإعادة بناء السؤال: من نحن؟

من الفنان إلى "الإنسان الثقافي"
من أهم إنجازات طلاجوي أنه يرفض الفصل بين الفنان ومنتجه الثقافي.
بيضائي، في هذه القراءة، ليس عقلًا منفصلًا عن بيئته، كما أن أعماله ليست جزرًا جمالية مستقلة. إنه نتاج الثقافة، ولكنه في الوقت نفسه منتجٌ للثقافة؛ أي إن الإنسان يتشكل بواسطة الرموز والممارسات التي يرثها، ثم يعيد تشكيل هذه الرموز عندما يدخلها في تجربته الخاصة.
وهنا يتولد مفهوم بالغ الأهمية في الكتاب: الإبداع بوصفه إعادة صياغة للوجود.
الفنان لا يخلق من العدم؛ إنه يأخذ ما وجده أمامه: أسطورة، حكاية، طقسًا، لغة، ذاكرة، صورة، خوفًا، جرحًا، تاريخًا، ثم يعيد ترتيب هذه الأشياء بحيث تصبح قادرة على قول شيء لم تكن قادرة على قوله من قبل.
لذلك فإن بيضائي لا «يستعيد» الثقافة الإيرانية بقدر ما يعيد اختراع علاقتها بنفسها.
وهذا هو الفارق بين التراث بوصفه أيديولوجيا والتراث بوصفه مادةً حية للإبداع.

الوجود والانتماء: المعادلة الفلسفية المركزية:
أكثر ما يثير الانتباه أن الكتاب لا يعامل «الهوية» باعتبارها شيئًا مكتملًا.
الهوية عند طلاجوي، من خلال بيضائي، ليست بطاقة تعريف؛ إنها سردية قابلة لإعادة الكتابة.
الإنسان يروي نفسه لكي يمنح وجوده معنى، والأمة تفعل الشيء نفسه. ولهذا فإن الصدمات التاريخية ــ الحرب والثورة والاحتلال والاستبداد وفشل الإصلاح ــ لا تغيّر الواقع فقط، وإنما تجبر الفرد والجماعة على إعادة كتابة قصتهما عن نفسيهما.
وهنا تصبح الثقافة أشبه بمرآة مكسورة:
كل قطعة منها تعكس جزءًا من الذات، لكن لا توجد قطعة واحدة تكفي لتفسير الإنسان كله.
ومن هنا تأتي أهمية بيضائي؛ لأنه لا يقدم هوية إيرانية مغلقة، بل يضعها في حالة سؤال دائم.
الهوية عنده ليست «من نحن؟» فقط، وإنما «من يمكن أن نصبح؟».
وهذا التحول من الهوية بوصفها ماضيًا إلى الهوية بوصفها إمكانية هو أحد أعمق مستويات الكتاب.

بيضائي وفلسفة "المنبوذ":
هنا يدخل الكتاب إلى أكثر مناطقه فلسفةً وإبداعًا.
يستدعي طلاجوي أسطورة فيلوكتيتس، وأساطير زال وسيمرغ، ليؤسس لفكرة أن المنبوذ قد يمتلك امتيازًا معرفيًا لا يمتلكه الموجود في مركز الجماعة.
فالذي يقف خارج الباب يرى الباب.
أما الذي يعيش في الداخل فقد ينسى أنه موجود.
هذه الاستعارة التي يقدمها الكتاب عن «الباب» بالغة القوة: الإنسان الذي تنفتح له الأبواب تلقائيًا لا يفكر في الباب ولا المقبض ولا القفل ولا الجدار. أما من يُغلق الباب في وجهه، فإنه يبدأ في تفكيك البنية كلها بحثًا عن سبب الإغلاق.
وهنا يصبح التهميش، paradoxically، مصدرًا للرؤية.
ليس لأن الألم فضيلة، وإنما لأن المسافة عن المركز تمنح العين قدرةً على رؤية المركز نفسه.
ومن هذه الزاوية يقرأ طلاجوي بيضائي بوصفه فنانًا يمتلك ما يسميه «الامتياز المعرفي» و«النظرة الخارجية»، إضافة إلى «نظرة الهاوي» عند إدوارد سعيد.
وهذا يفسر لماذا يظهر المهمش في أعمال بيضائي لا بوصفه ضحية فقط، بل بوصفه حاملًا لإمكانية معرفية جديدة.

الفن ضد احتكار الحقيقة:
هنا ينتقل الكتاب من جماليات الفن إلى فلسفة السلطة.
استدعاء فوكو ورانسير وبورديو ليس استعراضًا نظريًا، بل محاولة لفهم السؤال التالي:
من يملك حق تعريف الحقيقة؟
فإذا كانت المؤسسات السياسية والدينية والتعليمية والإعلامية قادرة على إنتاج «أنظمة الحقيقة»، فإن الفن يستطيع أن يدخل في صراع معها لا بالضرورة عبر الخطاب السياسي المباشر، وإنما عبر إعادة توزيع ما يمكن رؤيته وسماعه وتمثيله.
ولهذا يستند طلاجوي إلى مفهوم رانسير عن «توزيع المحسوس»: السياسة لا تتعلق فقط بمن يحكم، بل بمن يُرى، ومن يُسمع، ومن يُسمح له بالكلام.
ومن هنا يمكن فهم بيضائي بصورة أكثر عمقًا:
هو لا يقاوم السلطة فقط بما يقوله، وإنما بما يجعلنا قادرين على رؤيته.
وهذا فارق نقدي بالغ الأهمية.
فقد تكون الصورة سياسية دون أن تقول جملة سياسية واحدة.
وقد يكون استدعاء امرأة منسية في الأسطورة أكثر ثورية من خطاب مباشر عن حقوق المرأة.
وقد يكون استعادة لغة شعبية أو طقس قديم فعل مقاومة للهيمنة الثقافية.

الأسطورة ليست ماضيًا... بل جهاز كشف:
في أعمال بيضائي، كما يكشف الكتاب، لا تعمل الأسطورة بوصفها حكاية جاهزة، بل باعتبارها آلة لتفكيك الحاضر.
يعيد الفنان تركيب الأسطورة لكي يكتشف ما تخفيه الأسطورة نفسها.
وهذا ما يجعل العودة إلى زال وسيمرغ، أو يزدجرد، أو سياوش، أو غيرهم، ليست استعادةً رومانسية للماضي الإيراني، بل عملية تفكيك للسرديات التي صنعت مفاهيم:
البطولة، الرجولة، التضحية، القيادة، الوطنية، المرأة، الحرب، الحداثة والتقدم.
فالكتاب يؤكد أن أعمال بيضائي تعيد قراءة الروايات التاريخية والأسطورية بهدف تقويض السرديات التبسيطية حول هذه المفاهيم، وتمنح المهمشين موقعًا جديدًا داخل التاريخ.
وهنا يتضح أن بيضائي لا يقدس التراث.
إنه يحاكم التراث من داخله.
وهذه هي جرأة المشروع.

اللغة: الوطن الذي لا تستطيع السلطة مصادرته بسهولة:
من المحاور التي تستحق التوقف أن الكتاب يولي اللغة أهمية خاصة.
فطلاجوي يرى أن استخدام بيضائي للغة ظل ظاهرة فريدة في الدراما والسينما الإيرانية، وأن انتقاله بين مستويات الفارسية، واشتغاله على اللغة الفصحى في أعماله المبكرة، أسس لأسلوب تعبيري تطور لاحقًا في أعمال مثل «موت يزدجرد» و«إنشاد سياوش» و«تقرير أردافيراف».
لكن المفارقة التي يسجلها المؤلف مهمة: الكتاب نفسه مكتوب بالإنجليزية، ولذلك فإن تحليله للغة بيضائي يظل محدودًا بسبب الاعتماد على الترجمة بدل النص الفارسي الأصلي.
وهذه ملاحظة نقدية يجب ألا تمر عابرًا.
لأن هناك شيئًا لا تستطيع الترجمة أن تنقله بالكامل:
روح اللغة.
فاللغة عند بيضائي ليست مجرد وعاء للفكرة؛ إنها جزء من الهوية ذاتها.
ومن ثم فإن أي قراءة لتراثه باللغة المترجمة تظل، مهما بلغت دقتها، قراءةً تقف على عتبة النص الأصلي.

المسرح والسينما: صراع الشكل مع الذاكرة:
من أجمل ما يفعله الكتاب أنه لا يفصل المسرح عن السينما عند بيضائي.
المسرح هو الأصل الذي منحه وعيًا بالفضاء، والجسد، والطقس، والصوت، والتمثيل، واللغة.
ثم جاءت السينما لتمنح هذه العناصر إمكانية أخرى: الكاميرا، المونتاج، الصورة، الصوت، الذاكرة البصرية، والتلاعب بالزمن.
ولذلك تظهر في أفلامه نزعة تأملية ذاتية تجعل الفيلم يفكر في نفسه، وفي معنى الفن والصورة والصوت، وفي العلاقة بين التسجيل والذاكرة والوجود.
إن السينما عنده لا تصور الواقع فقط.
إنها تسأل: هل ما نصوره هو الواقع فعلًا؟
وهنا يصبح المونتاج فلسفة.
والصورة ذاكرة.
والصوت شاهدًا.
والزمن شخصيةً من شخصيات العمل.

«العم ذو الشارب»: تفكيك الذكورة:
في قراءة فيلم "العم ذو الشارب"1970، يضع طلاجوي منذ البداية مفتاحًا شديد الدلالة: «تفكيك كرنفالي للذكورة المهيمنة».
وهذا يكشف عن إحدى أهم وظائف الفن عند بيضائي: تفكيك النموذج الاجتماعي الذي يبدو طبيعيًا لأنه تكرر طويلًا.
فالذكورة ليست حقيقة بيولوجية في عالم بيضائي، بل بنية اجتماعية قابلة للنقد.
ومن هنا تتصل هذه القراءة بفيلم «المطر الغزير»، حيث يستخدم بيضائي تقنيات تأملية تجعل السينما نفسها موضوعًا للنقاش، ويقيم حوارًا مع الثقافة السينمائية حول الذكورة المهيمنة والعنف المبرر ضد النساء والأطفال والمهمشين.
إذن فالمقاومة هنا ليست شعارًا.
إنها إعادة ترتيب للعلاقات.

المرأة: ليست ضحية التاريخ بل قارئة له:
وهنا يصل الكتاب إلى واحدة من أهم نقاط قوته.
المرأة في عالم بيضائي ليست مجرد موضوع للاضطهاد الأبوي.
إنها في كثير من الأحيان الذات التي تكتشف أن التاريخ ناقص.
وفي «الغراب» تحديدًا تظهر آسية بوصفها معلمة ومثقفة تعيد قراءة الماضي والحاضر، وتكتشف من خلال ذاكرتها وعملها أن فهم الزمن شرط لفهم الذات والمجتمع.
وهذا يحول المرأة من «موضوع» إلى منتجة للمعرفة.
وهو تحول شديد الأهمية في بنية الكتاب النقدية.
فالمرأة لا تستعيد حريتها فقط لأنها خرجت من سلطة الرجل، وإنما لأنها امتلكت حق تفسير العالم.

«الغراب»: عندما يصبح الزمن مكانًا:
هنا يبلغ المشروع الفلسفي للكتاب ذروة واضحة.
يقرأ طلاجوي «الغراب» (1977) باعتباره فيلمًا عن مآزق الحداثة الإيرانية في سبعينيات القرن العشرين، وعن الفقد والحنين والزمن والذاكرة. الزمن فيه ليس خطًا مستقيمًا، بل سلسلة من الفضاءات المتغيرة، بينما يصبح العقل مساحة أكثر استقرارًا نسبيًا.
وهذا يجعل عنوان الفيلم نفسه ــ «الغراب» ــ قابلًا لقراءة رمزية كثيفة:
الغراب طائر الذاكرة.
طائر المدينة.
طائر الخراب.
وطائر النظر من أعلى.
ومن ثم تصبح رحلة آسية محاولة لاستعادة مدينة لم تعد موجودة إلا في الذاكرة.
لكن المفارقة أن البحث عن المدينة القديمة يكشف أن المدينة الجديدة تعيد إنتاج أسئلة الحداثة القديمة نفسها.
كأن التاريخ لا يكرر نفسه؛ بل يغير ملابسه فقط.

الصوت والضجيج: من القمع إلى الحوار:
من أجمل الاستعارات النقدية في الكتاب تلك المتعلقة بالصوت.
فالضجيج يمكن أن يتحول إلى صوت، والصوت إلى كلام، والكلام إلى حوار.
وهذه ليست تقنية سينمائية فحسب؛ إنها فلسفة للتحرر.
فالذي يتم إسكات صوته يتحول صمته إلى ضجيج.
والذي يجد مساحة للكلام يستطيع أن يحول الضجيج إلى خطاب.
ومن هنا يرى طلاجوي أن الفن يوسع مجال «المحسوس» بحيث يسمح لأصوات كانت مهمشة أو غير مسموعة بأن تدخل فضاء الرؤية والسمع.
وهذه الفكرة يمكن اعتبارها واحدة من المفاتيح الكبرى لفهم الكتاب كله:
الفن هو عملية تحويل ما كان غير مسموع إلى صوت، وما كان غير مرئي إلى صورة.

الزمن: الجرح الذي لا يلتئم:
ثمة علاقة عميقة بين بيضائي والزمن.
فالكتاب يكشف أن اهتمامه بالزمن ليس مجرد تقنية سردية، بل قلق وجودي مبكر.
الذاكرة القوية تصبح عبئًا؛ لأن من يتذكر أكثر يستطيع أن يرى المسافة بين ما كان وما أصبح.
ومن هنا يمكن أن يصبح الإبداع وسيلةً لإعادة تنظيم الماضي، لا لمحو الماضي.
في «الغراب» خصوصًا، ترتبط الذاكرة بجذور الإيرانيين وهويتهم و«وجودهم في الزمن».
وهنا أرى أن الزمن في مشروع بيضائي يمكن قراءته باعتباره الخصم الخفي للإنسان.
فالإنسان يريد أن يعيش، لكن الزمن يريد أن يحوّل حياته إلى ماضٍ.
والفن هو محاولة الإنسان الأخيرة لكي يقول للزمن:
لقد مررتَ بي، لكنك لم تستطع محوي.

البعد النفسي: الصدمة تتحول إلى معرفة
لا يقدم طلاجوي الإبداع بوصفه موهبة مجردة، وإنما يربطه بالتهميش والصدمة والنبذ.
وهذا لا يعني أن الألم ينتج الفن بصورة آلية، وإنما أن الإنسان الذي اضطر إلى إعادة بناء نفسه بعد الصدمة قد يكتسب قدرة على رؤية العالم من الخارج.
وهنا تتقاطع الأسطورة مع علم النفس ومع التاريخ.
فالمنبوذ قد يعود من هامش المجتمع حاملًا شيئًا لم يكن المركز قادرًا على إنتاجه.
ولهذا يقرأ طلاجوي أسطورة زال باعتبارها نموذجًا للإنسان المختلف الذي يتحول اختلافه من سبب للنبذ إلى مصدر للحكمة والإبداع.
ومن هذه الزاوية يصبح بيضائي نفسه، في قراءة الكتاب، مثالًا لهذا المبدع الذي لا يكتفي بالانتماء إلى ثقافته، بل يعيد تشكيلها من موقع نقدي شبه خارجي.
هل الكتاب يكتب عن بيضائي أم عن إيران؟
هنا نصل إلى أهم سؤال نقدي.
في ظاهره الكتاب عن بهرام بيضائي.
لكن في جوهره هو كتاب عن:
إيران وهي تبحث عن صورتها.
بيضائي هو العدسة.
أما الموضوع الحقيقي فهو صراع الثقافة الإيرانية مع:
• الحداثة.
• الاستعمار الثقافي.
• السلطة.
• التاريخ الرسمي.
• الدين.
• القومية.
• الذكورة.
• التهميش.
• الذاكرة.
• المرأة.
• الأسطورة.
• الهوية.
ولهذا يقول المؤلف صراحة إن الكتاب لا يريد فقط إبراز نقاط قوة أو ضعف أعمال بيضائي، بل تحليلها في ضوء النظرية المعاصرة وربطها بجوانب متعددة من الثقافة الإيرانية، ودراسة إسهامها الجمالي والموضوعي في الحوار مع الدراما والسينما العالمية.
محيي الدين إبراهيم
القاهرة في 16 أغسطس 2026



#محيي_الدين_ابراهيم (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ميني دراما -حكمت المحكمة حضورياً-
- أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياسة المعاصرة ( الجزء الثاني )
- من الأيديولوجيا إلى الإرث: أثر الفكر الشيوعي في تشكيل السياس ...
- تحت المظلة لنجيب محفوظ .. حين يتحول الإنسان من فاعل إلى متفر ...
- حين يخشى العقل الحياة
- قراءة في مسرحية نشيد الأنشاد لتوفيق الحكيم في ضوء المدرسة ال ...
- مسرح الأقاليم (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثالث
- مسرح الأقاليم - (وجهات نظر عالمية ) - المقال الثاني:
- مسرح الأقاليم ( وجهات نظر عالمية ) - المقال الأول
- نوبار باشا بين ذاكرة رجل الدولة وضمير المؤرخ:
- المسرح الوصفي: قراءة نقدية في محاولة لتأسيس شكل مسرحي جديد م ...
- كيف يمكن للأزواج النجاة من الخيانة العاطفية؟
- المسرح البصري .. حين تكتب الصورة نصها الخاص
- مستقبل التفكير الإنساني ما بعد الذكاء الاصطناعي
- المسرح الرقمي - المقال الحادي عشر
- المسرح الرقمي - المقال الثالث عشر
- هل ماتت الرومانسية في زماننا المعاصر؟
- فن البورلسك المسرحي
- المسرح الرقمي المقال الثامن
- المسرح الرقمي المقال العاشر


المزيد.....




- -سيبيريا-.. توبولسك تستضيف أول مهرجان للموسيقى التقليدية لشع ...
- لاعب عراقي ينسحب من بطولة العالم للفنون القتالية رفضا لمواجه ...
- -الانتقال المجتمعي المعطّل-.. قراءة في تفكيك البنى العميقة ل ...
- -أثينا- و-أوديسيوس- بين الأسماء غير المألوفة لمواليد موسكو ب ...
- -بوحشية مروعة-.. كيف أنشأ النازيون مفوضية الرايخ في أوكرانيا ...
- انطلاق المنتدى الثقافي الدولي الخامس للأطفال في موسكو بمشارك ...
- أفلام -الفراشة الماسية- الفائزة بالدورة الأولى تعرض في بكين ...
- السجن 6 سنوات لوكيل وزير الثقافة الأسبق بملف كنز النمرود
- اللوح والدواية في خلاوى القرآن.. إرث تعليمي وروحانية تتوارثه ...
- -اسأل صهيوني-.. حين تتحول الرواية إلى مواجهة مع الرواية الأخ ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محيي الدين ابراهيم - الثقافة الإيرانية في سينما ومسرح بهرام بيضائي .. نماذج الوجود والانتماء (1959–1979):