|
|
هيراقليطس
عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 00:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حتى ظهور هيراقليطس لم تظهر في اليونان نظريات يمكن مقارنتها من حيث طابعها التاريخاني بمعتقد الشعب المختار. حسب التفسير التأليهي أو بالأحرى متعدد التأليه لهوميرس، التاريخ ليس أكثر من صنيعة المشيئة الإلهية. لكن الآلهة الهوميرية ليست هي التي تضع القوانين العامة لتطوره. وما يحاول هوميرس إبرازه والتأكيد عليه ليس وحدة التاريخ، بل بالأحرى افتقاره إلى الوحدة. حيث مؤلف المسرحية على مسرح التاريخ ليس إله واحد؛ بل تنوع كامل من الآلهة مشاركون فيها. وما يجمع بين التفسير الهوميري وبين اليهودية هو شعور غامض بالقدر، وفكرة القوى العليا الواقفة من خلف الكواليس. لكن القدر النهائي، بحسب هوميرس، محجوب وغير ظاهر؛ بعكس نظيره اليهودي، يبقى القدر الهوميري غيباً محجوباً.
كان أول يوناني يقدم معتقد تاريخاني بصورة أكثر وضوحاً هو هسيودوس، الذي لا يستبعد تأثره بمصادر شرقية. هو أول من استعمل فكرة المنحى أو الميل العام في التطور التاريخي. وكان التشاؤم يغلب على تفسيره للتاريخ، حيث اعتقد أن البشرية، في تطورها انحداراً من عصرها الذهبي، كان مقدراً لها أن تنحط، بالمغزى المادي والأخلاقي معاً. ثم أتى تتويج شتى الأفكار التاريخانية كما صاغها أوائل فلاسفة اليونان على يد أفلاطون، الذي في مسعاه لتفسير التاريخ والحياة الاجتماعية للقبائل اليونانية، وبخاصة الأثينيين، رسم صورة فلسفية فخمة للعالم. كان أفلاطون متأثراً بقوة في تاريخانيته بأسلافه السابقين، وبخاصة هسيودوس؛ لكن التأثير الأهم جاء من هيراقليطس.
هيراقليطس هو الفيلسوف الذي اكتشف فكرة التغيير. حتى زمانه، كان الفلاسفة اليونان، تحت تأثرهم بالأفكار الآتية من الشرق، ينظرون إلى العالم كمعمار ضخم مادة بنائه من الأشياء المادية. هو كلية الأشياء، الكون (كوزموس) (اللفظة التي على ما يبدو كانت تعني في الأصل خيمة أو عباءة شرقية). والأسئلة التي سألها الفلاسفة لأنفسهم كانت من قبيل ’من ماذا صنع الكون؟‘ أو ’كيف صنع، وما هي خطة صناعته الأصلية؟‘ واعتبروا الفلسفة، أو الفيزياء (حيث بقيت الاثنتان مترادفتان لزمن طويل)، بمثابة استقصاء في ’الطبيعة‘، أو في المادة الأصلية التي قد صنع منها هذا المعمار، العالم. وإلى حد ما يتعلق الأمر بأي عمليات، تصوروا أنها إما كانت جارية داخل هذا المعمار، أو أنها تصنعه أو تحفظه، تخل أو تستعيد استقرار أو توازن المعمار الذي اعتبروه ساكناً بشكل أساسي. وكانت عمليات دائرية (بمعزل عن العمليات المتصلة بأصل هذا المعمار؛ كان السؤال ’من صنعه؟‘ محل نقاش من جانب الشرقيين ومن جانب هسيودوس ومن جانب آخرين). لكن هذه المقاربة الطبيعية جداً، طبيعية حتى لمعظمنا هذه الأيام، قد أسقطتها عبقرية هيراقليطس. وكانت وجهة النظر التي قدمها هي عدم وجود مثل هذا المعمار، لا بنيان مستقر، لا كون. ثم يضيف أن ’الكون، في أفضل الأحوال، يشبه كومة من القمامة المبعثرة بصورة عشوائية‘. هو تصور العالم ليس في صورة معمار، بل بالأحرى كعملية واحدة جبارة؛ ليس كحاصل جمع كل الأشياء، بل بالأحرى ككلية كل الأحداث أو التغييرات أو الحقائق. كان شعار فلسفته يقول: ’كل شيء في تغير مستمر ولا شيء ساكن‘.
قد ترك اكتشاف هيراقليطس أثره على تطور الفلسفة اليونانية لزمن طويل. وعليه يمكن بأريحية وصف فلسفات بارمنيدس وديمقريطس كمحاولات لحل مشكلات ذلك العالم المتغير الذي اكتشفه هيراقليطس. ولا يمكننا أبداً التقليل من أهمية هذا الاكتشاف، الذي كان مدوياً بمعنى الكلمة في زمانه، وكان يشبه في تأثيره الفكري تأثير ’الزلزال المدمر، الذي يبدو فيه كل شيء .. آيلاً للسقوط‘. لا أشك أنا شخصياً أن هذا الاكتشاف قد فرض نفسه على هيراقليطس نتيجة تجارب شخصية مؤلمة جراء اضطرابات اجتماعية وسياسية عصفت بعصره. كان هيراقليطس، أول فيلسوف لا يكتفي بالتعامل مع ’الطبيعة‘ فقط لكنه تطرق أيضاً للمشكلات الأخلاقية-السياسية، يعيش في عصر تعتصره ثورة اجتماعية. وفي زمانه بدأ الأرستقراطيون القبليون اليونان يذوقون لأول مرة مرارة العيش تحت حكم القوى الديمقراطية الجديدة.
حتى نفهم مدى تأثير هذه الثورة، علينا العودة بالذاكرة إلى استقرار وجمود الحياة الاجتماعية في أرستقراطية قبلية، حيث ترسم حدود الحياة الاجتماعية المحرمات الاجتماعية والدينية؛ كل شخص له مكانه المرسوم ضمن كامل البنيان الاجتماعي؛ وكل شخص يشعر أن مكانه هو المكان الصحيح، ’الطبيعي‘ المرسوم له من قبل القوى التي تحكم العالم؛ كل شخص ’يعرف مكانه‘.
حسب هذا التقليد، كان مكان هيراقليطس هو ذلك المخصص لوريث عائلة ملكية من الملوك الكهنة بمدينة إفسوس، لكنه تنازل عن حقوقه في الملك لصالح شقيقه. ورغم رفضه المتفاخر للاضطلاع بدور في الحياة السياسية لمدينته، لكنه كان يدعم قضية الأرستقراطيين الذين حاولوا دون جدوى صد المد المتصاعد للقوى الثورية الجديدة. سنجد أصداء لهذه التجارب الشخصية على الصعيدين الاجتماعي والسياسي فيما تبقى من شذرات أعماله. حيث ينسب له خطابه الناري بمناسبة صدور قرار محكمة الشعب بنفي هيرمودوروس، أحد أصدقاء هيراقليطس الأرستقراطيين: ’حري بالإفسوسيين أن يشنقوا أنفسهم رجلاً رجلاً، كل البالغين، ويتركوا المدينة لحكم الصبية ...‘. والأكثر أهمية تفسيره لدوافع الشعب، الذي يظهر أن ترسانة الحجج المناهضة للديمقراطية لم تشهد تغييراً يذكر منذ أبكر أيام الديمقراطية. ’قالوا: لن نسمح لأحد بيننا يكون الأفضل؛ وإذا لمع نجم أحد منا، وجب علينا نفيه إلى مكان آخر، ليعيش وسط شعب آخر.‘ هذ العداء نحو الديمقراطية يفوح من كل كلمة مما بقى من شذرات مؤلفاته: ’الرعاع يملئون بطونهم مثل البهائم... يتخذون من المشعوذين والدجالين وعاظاً لهم، غير مدركين أن الكثرة غالباً على خطأ والقلة فقط هم على جانب الصواب... في مدينة برييني كان يعيش رجل يدعى باياس، بن تيوتاموس، كانت كلمة واحدة منه خير من كل كلام الآخرين. (قال: ’أغلب الناس ملعونين.‘) ... لكن الرعاع لا يبالون، لا يتعظون حتى من أخطائهم؛ لا يتعلمون الدرس- رغم ظنهم غير ذلك.‘ وفي نفس المنحى يقول: ’قد يأمر القانون أيضاً بوجوب الطاعة لمشيئة رجل واحد.‘ وإليكم تعبير آخر عن هذا التوجه المحافظ والمعادي للديمقراطية من جانب هيراقليطس والذي قد يقبل به الديمقراطيون من حيث الصياغة، رغم رفضهم البات له من حيث المضمون: ’على الشعب أن يفتدي بروحه قوانين مدينته كقتاله للدفاع عن أسوارها.‘
لكن تضحيات هيراقليطس لفداء قوانين مدينته القديمة كانت دون جدوى، وفي النهاية فرضت عليه سُنة التغيير نفسها بقسوة. تعبر نظريته عن التغيير عن هذا الشعور: ’كل شيء في تغير مستمر؛ لا يمكن لأحد الاستحمام مرتين في نفس النهر.‘ وتحت تأثير الإحباط، احتج ضد الاعتقاد في ديمومة النظام الاجتماعي القائم للأبد: ’دعونا لا نتصرف مثل من نشأوا على ضيق الأفق ونردد ورائهم: "بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا".‘
هذا التشديد على التغيير، وبخاصة التغيير في الحياة الاجتماعية، هو من الخصائص الهامة ليس في فلسفة هيراقليطس فقط لكن في التاريخانية بوجه عام. التغيير يجتاح كل شيء، ولا ينجو من أثره حتى الملوك أنفسهم. هذه الحقيقة بحاجة إلى إبرازها خاصة لهؤلاء الذين يأخذون بيئتهم الاجتماعية كمسلمة. هناك الكثير من التغيير الذي يجب الإقرار به. لكن في فلسفة هيراقليطس تتجلى إحدى الخصائص التاريخانية غير المحمودة كثيراً، وهي بالتحديد الإفراط في التشديد على سُنة التغيير، مقترناً مع معتقد تكميلي في قانون القدر المحتوم والذي لا مفر منه.
نصادف في هذه النظرة توجهاً رغم تناقضه من الوهلة الأولى مع مبالغة التاريخاني في إبراز التغيير لكنه يعبر عن سمة تغلب على معظم، إذا لم يكن كل، التاريخانيين. ربما نستطيع تفسير هذا التوجه إذا اعتبرنا مبالغة التاريخاني في إبراز التغيير كعرض للجهد اللازم للتغلب على مقاومته اللاشعورية لفكرة التغيير. هكذا يمكن أيضاً تفسير التوتر الانفعالي الذي يؤدي بكثير من التاريخانيين (حتى يومناً هذا) لإبراز بدعة الفتح الروحاني الذي يتعين عليهم اجتيازه. ومن ذلك يمكن استنتاج أن يكون هؤلاء التاريخيون، في الحقيقة، خائفون من التغيير، وأنهم لا يستطيعون قبول فكرة التغيير من دون صراع نفسي مبرح. سنجدهم غالباً كمن يحاولون مواساة أنفسهم عن خسارتهم لعالم مستقر عبر التشبث بنظرة أن التغيير ذاته محكوم بقانون لا يتغير. (في بارمنيدس وفي أفلاطون سنصادف حتى نظرية أن العالم المتغير الذي نعيش فيه ليس سوى سراب وأن هناك عالم حقيقي آخر خالد لا يتغير.)
في حالة هيراقليطس، سيقوده التشديد على التغيير إلى نظرية أن كل الأشياء المادية، سواء الصلبة أو السائلة أو الغازية، هي أشبه بألسنة اللهب- هي عمليات أكثر منها أشياء، هي جميعاً تحولات من النار؛ التراب الصلب ظاهرياً (المكون من رماد) هو مجرد نار في حالة تحول، وحتى السوائل (الماء، البحر) هي نار متحولة (وقد تصبح وقود، ربما في صورة نفط). ’التحول الأول للنار هو البحر؛ لكن من البحر، النصف تراب والنصف هواء ساخن.‘ هكذا الوضع مع كل ’العناصر‘ الأخرى- التراب والماء والهواء- هي نار متحولة: ’كل شيء مقابل النار، والنار مقابل كل شيء؛ تماماً مثل الذهب مقابل البضائع، والبضائع مقابل الذهب.‘
لكن بعد اختزال كل الأشياء إلى ألسنة لهب، إلى عمليات مثل الاحتراق، يميز هيراقليطس في هذه العمليات قانوناً، ميزاناً، عقلاً، حكمة؛ وبعدما هدم الكون كمعمار، وأعلن أنه لا يزيد عن كومة من القمامة، أعاد انتاجه في صورة نظام مقدر سلفاً من الأحداث في العملية العالمية.
كل عملية في العالم، وتحديداً النار نفسها، تتطور وفقاً لقانون محدد، ’ميزانها‘. وهو قانون حتمي لا مفر منه، وإلى هذا الحد يشبه تصورنا الحديث للقانون الطبيعي فضلاً عن تصور التاريخانيين المحدثين للقوانين التاريخية أو التطورية. لكنه يختلف عن هذه التصورات إلى حد ما يعتبر مرسوماً صادر من عقل، يجري إنفاذه تحت العقوبات، تماماً مثل القانون الذي تفرضه الدولة. ويعد هذا الإخفاق في التفرقة بين التشريعات أو الأعراف القانونية من جهة وبين القوانين أو السنن الطبيعية من الجهة الأخرى من خصائص الحرمانية القبلية: حيث يُنظر إلى كلا نوعي القانون على حد سواء نظرة سحرية، ما يجعل من النقد العقلاني لمحرمات من صنع الإنسان عملاً لا يمكن تصوره كمحاولة للتحسين على الحكمة العظمى من قوانين أو سنن العالم الطبيعي: ’كل الأحداث تسير في ركاب ضرورة القدر... الشمس لا تخرج عن ميزان مدارها؛ وإلا عرفت ربة القدر، حواري العدل، كيف تستعدنها.‘ لكن الشمس لا تطيع القانون فقط؛ النار، في صورة الشمس و(كما سنرى) صواعق زيوس، تسهر على حفظ القانون، وتصدر أحكامها وفقاً له. ’الشمس هي حارسة وحافظة الدورات، تحدد وتقدر وتجلي وتجسد التغييرات والمواسم التي تبعث الحياة في كل الأشياء... هذا النظام الكوني الواحد لكل الأشياء لم يُخلق، لا من قبل الآلهة ولا من قبل البشر؛ كان دائماً، ولا يزال، وسيبقى للأبد نار حية، تتوهج وفقاً لميزان، وتنطفئ وفقاً لميزان... في صعودها، ستتجلى النار في كل شيء وتقدره وتنفذه.‘
بالاقتران مع الفكرة التاريخانية عن القدر المحتوم نصادف أيضاً في مرات كثيرة عنصراً من العرفانية الروحية. سأقدم تحليلاً نقدياً للعرفانية في الفصل 24، وأكتفي هنا فقط بإلقاء الضوء على دور كل من اللاعقلانية والعرفانية في فلسفة هيراقليطس: ’الطبيعة تحب التستر، والرب الذي أنزل وحيه في دلفي لا يُظهر ولا يُخفي، بل يشير إلى معانيه بالعلامات.‘ ويعد تحقير هيراقليطس للعلماء ذوي العقل التجريبي سمة مشتركة بينه وبين جميع من يتبنون هذا التوجه: ’هذا الذي يعرف أشياء كثيرة ليس بحاجة إلى أمخاخ كثيرة؛ وإلا لكان لدى هسيودوس وفيثاغورس، فضلاً عن زينوفانيس، أمخاخاً أكثر مما لدى بقية الناس... فيثاغورس هو الأب الروحي لكل المحتالين.‘ بمحاذاة هذا الاستهزاء بالعلماء تمضي النظرية العرفانية عن الإدراك الحدسي. تأخذ نظرية هيراقليطس عن العقل نقطة انطلاقها من حقيقة أننا، إذا كنا مستيقظين، نحيا في عالم مشترك، حيث نستطيع التواصل والتعايش مع بعضنا البعض؛ وفي ذلك يكمن التأكيد على أننا لسنا ضحايا للسراب. لكن هذه النظرية تأخذ معنى ثان، رمزي وعرفاني. هي نظرية الحدس العرفاني الذي لا يُعطى إلا للمختارين، لهؤلاء المستيقظين، من يملكون القدرة على الرؤية والسمع والتحدث: ’على المرء ألا يتحرك ويتكلم كما لو كان نائماً... هؤلاء المستيقظون يعيشون في عالم واحد مشترك؛ أما هؤلاء النيام، يتحولون إلى عوالمهم الخاصة... لا يقدرون لا على الانصات ولا على الكلام... حتى لو أنصتوا يكونون أشبه بالصم. ينطبق عليهم القول: صم بكم عمي فهم لا يعقلون... الحكمة تعني شيء واحد ولا شيء غيره: أن تفهم الفكرة التي تدفع كل شيء في كل شيء.‘ العالم المشترك في وعي المستيقظين هو عالم الوحدة العرفانية، وحدانية كل الأشياء التي لا يمكن إدراكها سوى بواسطة العقل: ’على المرء أن يتبع ما هو مشترك بين الكل... العقل هو المشترك بين الكل... الكل يصبح واحد والواحد يصبح الكل... الواحد الذي هو وحده الحكمة يرغب ولا يرغب في أن ندعوه بالاسم زوس... هو الصاعقة التي تدفع كل الأشياء.‘
يكفينا ما سبق لتوضيح السمات العامة لفلسفة هيراقليطس عن التغيير الكوني والقدر المخفي. حيث تنبثق من هذه الفلسفة نظرية القوة الدافعة وراء كل تغيير؛ نظرية تكشف عن طابعها التاريخاني من تشديدها على أهمية ’المحركات الاجتماعية‘ مقابلة مع ’الثوابت الاجتماعية‘. تؤكد محركات هيراقليطس للطبيعة بشكل عام وللحياة الاجتماعية بشكل خاص النظرة أن فلسفته كانت مدفوعة بتجاربه الشخصية في عصر غلبت عليه الاضطرابات الاجتماعية والسياسية. لهذا يعلن أن الصراع أو الحرب هما المحرك فضلاً عن المبدأ الخلاق لكل تغيير، وبصفة خاصة لكل الاختلافات بين الناس. وفي تأكيد لتاريخانيته، سنجده يقبل بحكم التاريخ كحكم أخلاقي؛ حيث يرى محصلة الحرب دائماً عادلة: ’الحرب هي الأم والأصل لكل الأشياء. هي ما تعلي البعض إلى مصاف الآلهة وتخسف بالآخرين دون دنيا البشر، لتحول هؤلاء إلى عبيد والأوائل إلى سادة... يجب أن نعرف أن الحرب سُنة كونية، وأن العدل صراع، وأن كل الأشياء تتطور من رحم الصراع وبحكم الضرورة.‘
لكن إذا كان العدل يعني الصراع أو الحرب؛ إذا كانت ’ربات القدر‘ هن في الوقت نفسه ’حواري العدل‘؛ إذا كان التاريخ، أو بدقة أكبر، إذا كان النجاح، أي النجاح في الحرب، هو معيار الجدارة، حينئذٍ لابد أن يكون مقياس الجدارة ذاته ’في تغير مستمر‘. يحاول هيراقليطس حل هذه المشكلة من خلال نسبيته، وبمعتقده عن تماثل الأضداد. وهو ما يعزى إلى نظريته عن التغيير (التي تبقى الأساس لنظرية أفلاطون ومن بعده أرسطو بدرجة أكبر). الشيء المتغير لابد أن يخلع صفة ما ويكتسب صفة مضادة. هو ليس شيئاً بقدر ما هو عملية انتقال من حالة إلى حالة مضادة، وبذلك تتحد الأحوال المتضادة: ’الأشياء الباردة تصبح دافئة والأشياء الدافئة تصبح باردة؛ وما هو رطب يصبح جافاً وما هو جاف يصبح رطباً... المرض يجعلنا نثمن الصحة... الحياة والموت، حين نستيقظ وحين ننام، في الشباب والشيخوخة، كل ذلك متماثل؛ لأن الأول يتحول إلى الأخير والأخير يتحول إلى الأول... التباين يتفق مع ذاته: هو تناغم ناتج عن توترات ضدية، كما في الحالة القوس، أو في حالة القيثارة... حيث ترجع الأضداد إلى بعضها البعض، وينتج أفضل تناغم من التباين، وينمو كل شيء من رحم الصراع... الدرب المؤدي لأعلى والدرب المؤدي لأسفل متماثلان... الدرب المستقيم والدرب المتعرج هما درب واحد والدرب نفسه... بالنسبة للآلهة، كل الأشياء جميلة وخير وعدل؛ بينما الانسان هو الذي يختص بعض الأشياء بصفة العدل، ويختص أخرى بصفة البغي... الخير والشر متماثلان.‘
لكن نسبية القيم (التي يمكن وصفها أيضاً كنسبية أخلاقية) الماثلة في هذه الشذرة الأخيرة لا تمنع هيراقليطس من أن يشيد على خلفية نظريته عن عدالة الحرب وقضاء التاريخ منظومة قبلية ورومانسية من أخلاقيات المجد والقدر وسمو كبير القوم، التي تتشابه جميعاً وبشكل لافت مع بعض الأفكار الحديثة جداً: ’كل من يقتل في ساحة المعركة هو شهيد مثواه الجنة... وكلما كانت التضحية أكبر كانت المثوبة أعظم... الأفاضل هم من ينشدون شيئاً واحداً مقدم على كل ما عداه: المجد الأبدي... رجل واحد يساوي أكثر من عشرة آلاف، إذا كان عظيماً.‘
مما يبعث على الدهشة أن نعثر في هذه الشذرات المبكرة، التي يعود تاريخها إلى حوالي 500 سنة قبل الميلاد، الكثير مما تتصف به الميول التاريخانية والمناهضة للديمقراطية الحديثة. لكن بمعزل عن حقيقة أن هيراقليطس كان صاحب فكر عميق وأصالة نادرة، وبالتالي كان الكثير من أفكاره (عبر وساطة أفلاطون) جزء من الجسم الرئيسي للتقليد الفلسفي، ربما يمكن عزو تشابه المعتقد في الحالتين القديمة والحديثة إلى تشابه الشروط الاجتماعية في الحقبتين المعنيتين. يبدو الأمر كما لو كانت الأفكار التاريخانية تنشط وتسود بسهولة أكبر في أزمنة التغييرات الاجتماعية الكبرى. حيث قد ظهرت حين انهارت الحياة القبلية اليونانية، وكذلك حين تشتت اليهود تحت وطأة الغزو البابلي. ولا يساورني شك كبير في أن فلسفة هيراقليطس هي تعبير عن شعور بالغربة؛ شعور يبدو كرد فعل نمطي ضد تفسخ الأشكال القبلية القديمة للحياة الاجتماعية. سنلاحظ بعث الأفكار التاريخانية في أوروبا الحديثة خلال الثورة الصناعية، وبخاصة تحت تأثير الثورات السياسية في أمريكا وفرنسا. وليس من قبيل المصادفة أن يكون هيجل، الذي تبنى الكثير جداً من فكر هيراقليطس ومرره إلى كل الحركات التاريخانية الحديثة، بوقاً لرد الفعل الرجعي ضد الثورة الفرنسية.
#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سحر أفلاطون
-
المجتمع المفتوح وأعداؤه
-
ضد الاستبداد وأعوانه
-
هل يستطيع الإنسان أن يحيا بلا دين؟
-
هل الله ذَكَر؟
-
نظرة دينية لكن بالمقلوب
-
هل صحيح أن المسلمين يقدسون محمداً أكثر من تقديسهم لله؟
-
هل صحيح أن القرآن كلام الله؟
-
هل صحيح أن ليس في الإسلام كهنوت؟
-
هل تُنجب المسلمة من هندوسي؟
-
دعوة التوحيد
-
بين الوطنية واللصوصية- أزمة دولة ناصر
-
لماذا فشلت الجمهوريات الثورية ونجحت الممالك الرجعية؟
-
خيبة الأمل في 23 يوليو
-
المصريون بين طرحةً ناصر وحجاب المُرشد
-
شكوى إلى الله ضد إسرائيل
-
في الدولة جنة الإنسان على الأرض، أو هكذا ينبغي
-
ما هي حقيقة الدولة؟
-
هل كانت 30 يونيو ثورة؟
-
هل كانت 25 يناير ثورة؟
المزيد.....
-
طائرة ركاب تابعة لخطوط -كانتاس- تُحلّق آلاف الكيلومترات بأدا
...
-
كيف تحوّلت مارلين مونرو إلى دمية -باربي- في عيدها المئة؟
-
بينهم 5 أمريكيين ومدير استخبارات الإكوادور.. مقتل 7 أشخاص في
...
-
لبنان يسلم سوريا اللواء السابق عادل عيسى من نظام الأسد المته
...
-
إسرائيل تفتح باب العطاءات لمشروع استيطاني بالغ الحساسية في ا
...
-
حزب باشينيان يدرج -الإطاحة بكاثوليكوس الأرمن- في برنامجه الح
...
-
زلزال جديد يضرب جزيرة فلوريس الإندونيسية وارتفاع عدد ضحايا ز
...
-
القاتل رقم واحد على وجه الأرض!
-
إيران.. دعوات للانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية
...
-
قاليباف في بغداد: هدف الولايات المتحدة هو نهل دول الخليج
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|