أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رندا قسيس - الشرق الأوسط: حقبة لم يرسمها أحد















المزيد.....


الشرق الأوسط: حقبة لم يرسمها أحد


رندا قسيس

الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 19:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ما يحصل من تغيرات في الشرق الأوسط هو دخوله عصراً آخر، ولا يحمل هذا التوصيف حكماً بالقيمة، فالمسألة ليست سلباً أو إيجاباً، بل تغير في قواعد اللعبة. فقد تغيرت التحالفات وتبدلت الاستراتيجيات، ولم يعد أي طرف يتحرك في مواجهة قوة واحدة أو تحت مظلة واحدة.

هذا التحول لم يبدأ في السابع من أكتوبر، ولا مع سقوط الأسد في دمشق؛ فالحدثان وقعا داخل منظومة كانت تتبدل قبلهما، والتبدل نفسه أقدم وأوسع مما حدث في المنطقة. فالعد التنازلي كان قد بدأ في العراق عام 2003، وما انتهى هناك ليس القوة الأمريكية بل قدرة هذه القوة على تحويل تفوقها العسكري والاقتصادي إلى نظام تحدد من خلاله شروط الصراع ونتائجه. الفارق بين الأمرين هو كل شيء: أمريكا بقيت الأقوى، لكن النظام الذي كانت تدير به المنطقة توقف. وهذا الفشل لم يصنع البديل، فمادته كانت تتراكم قبله في نمو الصين منذ التسعينيات وتعافي روسيا مع مطلع الألفية؛ لكنه هو الذي أخرجه إلى العلن. وهذا ما رأيناه بعد أربع سنوات تحديداً، في ميونخ عام 2007، حيث انتقل رفض الأحادية الأمريكية من موقف ضمني إلى خط سياسي معلن على لسان بوتين، ثم جاءت جورجيا فليبيا، لا لأن روسيا أصبحت القوة العظمى الأولى في العالم بل لأن أمريكا لم تعد قادرة على منع ما كانت تمنعه. غير أن روسيا كانت التعبير الأوضح عن هذا التشكل لا مركزه، فالصين في الأثناء كانت تخرج من حدود القوة الاقتصادية لتفرض نفسها قوة تكنولوجية وعسكرية، تبني الموانئ والممرات وتوقع اتفاقات طويلة الأمد خارج الدولار، وكانت هي التي تعطي البديل عمقه.

ولم يعد ممكناً لمنظومة إقليمية نشأت تحت هيمنة قطب واحد أن تبقى كما هي بعدما زالت الشروط التي أقامتها، ولم يقرر ذلك أحد ولم ترسمه خطة، كما يتهيأ البعض؛ بل إن زوال الشروط هو الذي أعاد تشكيل المنظومة نفسها.

وتأتي المواجهة الراهنة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كأول نزاع يُدار بكامله داخل هذا الإطار الجديد، وهنا لا تكمن أهمية هذه المواجهة في أطرافها وحدها، ولا في نتائجها العسكرية المباشرة، بل في كونها تكشف ملامح الحقبة التي تحل محل ما سبقها، ومن خلالها يمكن قراءة الشرق الأوسط الذي يتكوّن الآن.

هذه المواجهة ليست حرباً كسابقاتها في المنطقة، عندما كانت قوة عظمى واحدة تملك قرار الحرب وتوقيتها وقدرة حشد الآخرين وراءها، وإن لم تملك يوماً شروط نهايتها. فحرب العراق عام 2003 كانت آخر حرب من هذا النوع وأول علامة على نهايته: شنتها واشنطن وحشدت لها وحددت ساعتها، ثم عجزت عن إنهائها كما شاءت، ومنذ ذلك الحين بدأ العد التنازلي. أما ما يختلف اليوم فهو أن الولايات المتحدة لم تعد تملك حتى القرار والتوقيت والحشد وحدها. فعندما ضربت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، قاتلت الأخيرة داخل شبكة مع حلفاء كبكين وموسكو، حتى وإن لم تدخلا بشكل مباشر، غير أن دعمهما الدبلوماسي والتكنولوجي والاقتصادي ثابت، والمساعدة العسكرية الصينية كانت حاسمة في تمكين إيران من ضرب القواعد الأمريكية في المنطقة ضرباً موجعاً كما وصفه ترامب نفسه. ولكل من الحليفين حسابه: فبالنسبة إلى روسيا، تعد إيران الممر الشمالي الجنوبي الذي يربط اقتصادها بالمحيط الهندي ويلتف على العقوبات، وشريكاً في مجهودها الحربي في أوكرانيا. وفوق ذلك ثمة حساب استراتيجي بسيط: سقوط إيران أو إخضاعها لا يعني خسارة حليف بل خسارة ممر. أي خسارة روسيا طريقها إلى المحيط الهندي، وخسارة الصين الحلقة التي تربط غوادر بآسيا الوسطى وتؤمّن نفطها خارج الدولار، والأخطر من ذلك بالنسبة لهما، هو استعادة واشنطن ما فقدته منذ 2003: أي القدرة على عزل أطراف الشبكة واحداً بعد الآخر. لهذا لا تدافع بكين وموسكو عن إيران بل عن قاعدة أن العزل الفردي لم يعد ممكناً. أما القاسم المشترك فهو المصداقية أمام الدول غير المنحازة*: فالتخلي عن طهران تحت الضغط الأمريكي أو الإسرائيلي إشارة ضعف لا يستطيع أي منهما تحمل كلفتها. لهذا فإن الرهان على صفقة كبرى تطلب فيها واشنطن من موسكو التخلي عن إيران مقابل تنازلات في أوكرانيا وهم مزدوج: فلا واشنطن تحترم مثل هذا الاتفاق ولا موسكو.

وبالنسبة إلى الصين، حساباتها أيضاً أعمق من إيران ذاتها، ومن يظن أن بكين ستتراجع خوفاً من صدمة نفطية يقرأ استراتيجيتها خطأ. فالورقة التي طالما احتفظت بها واشنطن لخنق الصين هي مضيق ملقا، الذي تعبره الحصة الكبرى من نفطها المستورد، ولذلك تعمل الصين منذ سنوات على إبطال هذه الورقة لا على التعايش معها، وذلك عبر مسارات عدة لا مسار واحد؛ ومنها أنبوب النفط والغاز عبر ميانمار الذي ينطلق من خليج البنغال إلى يونان الصينية ويتجاوز المضيق كلياً، ومنها الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، من ميناء غوادر على بحر العرب إلى شينجيانغ، بطرق وسكك وأنابيب مصممة لنقل نفط الخليج براً من دون المرور بملقا ولا ببحر الصين الجنوبي. كما أن الصين تدعم في تايلاند مشروعين يقطعان شبه جزيرة كرا التي يلتف حولها المضيق: قناة كرا البحرية التي طرحت مراراً وتعثرت لكلفتها وحساسيتها السياسية، ثم الجسر البري الذي يقوم مقامها بميناءين على الجانبين وسكة تصلهما، وهو المشروع الذي تدفعه بانكوك اليوم. من جهة أخرى، تقيم الصين مع ماليزيا، على ضفة المضيق ذاته، شراكات لوجستية ومينائية مع فاعلين خليجيين كالإمارات، مما يجعل الصين طرفاً في المضيق لا مجرد مستخدم له. وفي الشمال أخيراً هناك الطريق القطبي، الذي يفتحه ذوبان الجليد على مسار روسي بعيد كلياً عن أي مضيق تسيطر عليه واشنطن أو حلفاؤها.

ومن يريد من الخبراء والمحللين قياس هذه البدائل بطاقتها اليوم يقع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه من قاس الصين عام 2007 بمكانتها يومها، ولا شك أن ما تحمله الأنابيب البرية العاملة من ميانمار وكازاخستان وروسيا لا يتجاوز مليوناً ونصف المليون برميل يومياً مقابل سبعة ملايين تعبر ملقا، إلا أن هذا الرقم يعكس الوضع الراهن، لا الاتجاه الذي يسير إليه، فالمسار الروسي يتوسع وأصبح المورد الأول بنحو خمس الواردات، والجسر البري التايلاندي قيد التنفيذ، وممر باكستان طريق وسكة عاملتان وأنبوب مخطط، وقناة كرا مشروع مؤجل لم يُستبعد، والطريق القطبي يفتحه المناخ سنة بعد سنة. وفوق ذلك كله مخزون استراتيجي يقارب مليار وأربعمئة مليون برميل يكفي لأشهر، ومصادر موزعة على تسعة وأربعين بلداً لا يتجاوز أي منها الخمس. لهذا لا تحتاج الصين إلى الاستغناء عن ملقا الآن، بل إلى جعل إغلاقه بلا جدوى. فعندما يصبح سلاح الخنق مكشوفاً، يبدأ الطرف المستهدف ببناء ما يحصنه منه، ومع كل سنة تمر تصبح كلفة خنقه أعلى وفاعليته أقل، لأن ما كان حيوياً يتحول تدريجياً إلى واحد من عدة مسارات. وإيران في صلب هذا البناء؛ فهي جزء أساسي من طرق الحرير الجديدة، وترتبط مع الصين باتفاق استراتيجي يمتد لخمس وعشرين سنة خارج سوق الدولار، وفي الاتجاه نفسه يأتي ميناء غوادر المطل على بحر العرب ليضيف إلى شبكة الطرق والأنابيب منفذاً آخر يقلص اعتماد الصين على الطرق البحرية التي تحاول الولايات المتحدة خنقها. ما بُني بصمت منذ 2007 لم يكن مجرد بنية تحتية، بل استعداداً ليوم كهذا: أن تدخل الصين الحرب من دون أن ترتجف أمام سعر البرميل.

وفي الداخل الإيراني، فإن الرهان على أن يقود الضغط الخارجي إلى انهيار النظام حساب خاطئ، فثمة شعور قومي عميق يتجاوز الانقسامات السياسية، وأشد المواطنين نقداً للنظام الديني يرفضون أن يتعرض بلدهم لعدوان خارجي أو إملاء أمريكي. لهذا يُنظر إلى البرنامج النووي والقدرة الصاروخية كضمانتين للسيادة ورمزين للكرامة الوطنية، لا كملف يخص النظام وحده. وإيران تدرك بالتجربة، منذ نقض اتفاق 2015، أن الالتزام المكتوب من واشنطن لا يضمن شيئاً، فلا سبب لديها لتتنازل مقابل وعد.
ولا ينتهي عمق إيران عند حدودها، فالعراق شريانها اللوجستي وامتدادها الاستراتيجي؛ معابره وطرق إمداده، إلى جانب الفصائل الأشد التصاقاً بطهران، ككتائب حزب الله وحركة النجباء، والتي تضمن استمرارية الطريق البري الممتد غرباً. والرهان على أن سلطة الأمر الواقع بقيادة أبو محمد الجولاني في سوريا تستطيع قطع هذا الشريان وهم كامل، فالحدود السورية العراقية تمتد إلى مئات الكيلومترات من الصحراء، وجيش سلطة الأمر الواقع لا يملك العديد ولا الامتداد العشائري لإحكامها. إضافة إلى ذلك، الفصائل العراقية وحزب الله يتقنان التهريب الثقيل بالأنفاق والتمويه داخل التدفقات التجارية والتواطؤات المحلية. أما القافلة التي اعترضها الجولاني، فقد كانت عرضاً سياسياً ورسالة تقرّب إلى ترامب، لكن على الأرض، هو يتجنب الصدام بأي ثمن مع قوى مسلحة تفوقه تسليحاً.

لننتقل إلى اليمن، حيث يمسك الحوثيون بباب المندب والبحر الأحمر، وهكذا هم يعطون طهران القدرة على خنق التجارة البحرية بكلفة زهيدة، وعلى تهديد منشآت الخليج وضرب جنوب إسرائيل، وهو المقبض الثاني بعد هرمز على التجارة العالمية. وحزب الله، رغم ما تلقاه، لا يزال درعاً لا يستطيع جيش الجولاني ولا أي مقاول تركي تفكيكه. والمسألة ليست إن كان هؤلاء يحتفظون بقوتهم السابقة؛ فالحوثيون أعادوا فتح جبهة البحر الأحمر مع بداية الحرب وأسقطوا كل ما تحقق منذ هدنة تشرين الأول، والفصائل العراقية تمسك بالمعابر، وحزب الله ما زال يفرض على إسرائيل جبهة شمالية مفتوحة.
لا تحتاج هذه الأطراف إلى استعادة قوتها السابقة كي تؤدي وظيفتها، فيكفي أن ترفع مجتمعة كلفة عزل إيران وضربها، وأن تفتح في الوقت نفسه أكثر من مساحة ضغط. هذا هو معنى العمق الاستراتيجي: ليس المطلوب أن تحسم كل جبهة المعركة بمفردها، بل أن يُجبر الخصم على توزيع قوته وموارده بين الجبهات، وهرمز ليس استثناءً في هذا البناء بل مضيقه الثالث.

ولأن أياً من الدول الكبرى لا يريد مواجهة مباشرة مع الآخر، فالمواجهة تنتقل إلى ما دون ذلك، أي إلى المضائق وأسعار الخام وعملات التسوية والحروب بالوكالة التي تختبر فيها الأسلحة على جبهة قبل أن تُنشر على أخرى. وهذا ما يجعل الحرب الإيرانية حرباً من الزمن الجديد، أي أنها لا تُحسم بالأدوات التي حسمت بها واشنطن حروبها منذ 1991، لأن الشروط التي قامت عليها تلك الأدوات لم تعد موجودة، وهذا ما يكشفه اليوم مضيق هرمز.

إذن، لم يعد المضيق، منذ آذار، ممراً حراً ولا ممراً مغلقاً، بل أصبح نظام تصاريح، والسفينة التي تريد العبور تتقدم بطلب مسبق تكشف فيه ملكيتها وتأمينها وطاقمها وحمولتها، وسماح المرور يأتي بعد التدقيق. ومن يمر يدفع نحو مليوني دولار للرحلة الواحدة، بحسب حجم السفينة ونوع الحمولة، على أن يُقتسم الرسم مع عمان، ويُسدد باليوان أو بالعملات المشفرة. والأرقام تكشف حجم التحول بوضوح، فقبل الحرب كان يعبر المضيق ما بين ثمانين ومئة وثلاثين سفينة يومياً بحسب بيانات بورت ووتش التابع لصندوق النقد الدولي. ومنذ آذار، تكدست أكثر من مئة وخمسين ناقلة خارجه، كما خفضت دول الخليج إنتاجها عشرة ملايين برميل يومياً بعدما امتلأت خزاناتها. أما بين حزيران وتموز، وبعد مذكرة إسلام آباد التي أعادت العبور بلا رسوم مؤقتاً، عاد المعدل إلى نحو خمس وعشرين سفينة يومياً، ثم انهارت المذكرة في تموز فهبط العبور إلى نحو عشر سفن يومياً. وفي مطلع آب هبط العبور في بعض الأيام إلى سفينة أو سفينتين فقط.

عمدت إيران إلى تقسيم العبور إلى من يسمح له بالمرور، ومن يعفى من الدفع، والدول المعفاة من الدفع هي روسيا وماليزيا، أما الصين فهي تحظى بمعاملة تفضيلية لم تعلن تفاصيلها، بينما تمر كل من الهند وباكستان والعراق والفلبين مقابل رسوم مدفوعة. لكن الأهم أن الصين لا تحتاج إلى إعفاء أصلاً؛ فهي الطرف الذي يشتري النفط الإيراني، وأكثر من تسعة أعشاره ينتهي في المصافي المستقلة في شاندونغ. ومع أن الخصم على الخام الإيراني ضاق مع الحصار بدل أن يتسع، بسبب ندرة البراميل، تواصل الصين الشراء. فلو كان الحساب تجارياً بحتاً لتراجعت، لكنها مستمرة لأن شراء النفط الإيراني بالنسبة إليها قرار استراتيجي، تحدد به وحدها كم تأخذ ومتى. في المقابل تتحمل إيران كلفة أسطول الظل والتأمين والوسطاء والمخاطر، لكن المعادلة أبعد من حساب الكلفة، فالرافعة على المضيق إيرانية، فيما يكاد شراء النفط الإيراني يكون حكراً صينياً. وهنا يصطدم أي حصار أمريكي بالمشكلة ذاتها، فالمتنفس ليس ثغرة في الطوق يمكن إغلاقها، بل هو الصين نفسها، التي تشتري النفط الإيراني، ولا مصلحة لها في نجاح واشنطن، بل مصلحة صريحة في إفشالها.

أما الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية، الذي أعيد فرضه في منتصف تموز بعد انهيار مذكرة إسلام آباد، فقد نجح جزئياً في تعطيل التحميل، لكنه فشل في تحقيق الهدف الذي فُرض من أجله، وهو إجبار طهران على التنازل. وجزيرة خرج، التي تخرج منها تسعة أعشار الصادرات وتقع داخل الخليج غرب المضيق، بقيت فارغة قرابة شهر، ولم ترصد الأقمار الاصطناعية ناقلة عملاقة واحدة على أرصفتها، وقدمت واشنطن هذه الصور دليلاً على أن الطوق يضيق. لكن توقف التحميل من خرج لم يوقف التصدير؛ فقد لجأت إيران إلى مخزون عائم ضخم قبالة تشابهار وجاسك خارج المضيق، وإلى أسطول الظل الذي راكمته على مدى ثلاثين سنة من الالتفاف على العقوبات، وقنوات الدفع باليوان التي بنتها لهذا السيناريو. ومنذ حزيران خرج نحو ثمانين مليون برميل من خليج عُمان، ووصلت ست وعشرون ناقلة إيرانية إلى مضيق سنغافورة للتفريغ من سفينة إلى أخرى قبالة ماليزيا، قبل أن يعود التحميل من خرج نفسها في الثاني عشر من آب. هذا لا يعني أن الحصار كان بلا كلفة، فخزانات خرج لم تمتلئ رغم توقف التحميل، ما يعني أن إيران خفضت الإنتاج في بعض الحقول لتفادي نفاد سعة التخزين، وهو ما قد يضر بالمكامن على المدى الطويل. كما ارتفع المخزون العائم إلى نحو مئة وخمسة وثلاثين مليون برميل. لكن الضرر لا يعني الإخضاع السياسي. وهنا يقع الخلط؛ فالحصار أضر بالاقتصاد والإنتاج، لكنه لم يغيّر السلوك الذي استهدف تغييره. فلم تتنازل إيران في الملف النووي، ولم تتراجع عن نظام الإذن في المضيق، ولم تقبل شروط واشنطن للتفاوض. أي أنه وقع الضرر ولم يقع الإخضاع. وبذلك نجح الحصار في رفع الكلفة، وفشل في تحويلها إلى تنازل، بل إن ما جرى خلال الأشهر الستة الماضية أفضى إلى نتيجة معاكسة، فالحصار الذي كان يُفترض أن يضيّق هامش إيران انتهى إلى توسيعه، والمضيق الذي أرادت واشنطن استخدام الضغط عليه لخنق طهران أصبح في يد الأخيرة أداة لفرض شروط العبور.

والدليل الأوضح يظهر في المسار الأمريكي نفسه، ففي نيسان كان روبيو يصف الرسم الإيراني بأنه غير قانوني، فيما قال ترامب إنه قد يكون "مشروعاً مشتركاً" مع إيران. وفي منتصف تموز أعلن ترامب نفسه رسماً أمريكياً بنسبة 20٪ على الشحنات مقابل حماية المضيق، ثم تراجع عنه في أقل من أربع وعشرين ساعة تحت ضغط الخليجيين، واستبدله بوعود استثمار لم يحدد لها مبلغاً ولا دولاً. انتقلت واشنطن من رفض مبدأ الرسوم إلى محاولة تبنيه، ثم تخلت عنه حين اصطدم بالتطبيق.

لكن قبل أي شيء أريد تصحيح فكرة شائعة عن دونالد ترامب، فهو ليس محافظاً جديداً مهووساً بتغيير الأنظمة، بل رجل لا يفهم إلا لغة الصفقات، العقارية منها خصوصاً. وهذا كان خطأه الفادح، فقد دخل هذه الحرب من دون أية نظرية للنصر. فاستخدم أدواته القديمة كالتهديد، ومن ثم ضرب إيران وحاصرها. فردّت إيران بالصمود والمناورة سياسياً. وما تستطيع طهران تحمّله مع مرور الوقت، أصبح هو نفسه مصدر ضغط متزايد على واشنطن.

طهران تخسر براميل وإيرادات وتؤذي حقولها، لكنها أثبتت استعدادها لتحمل ألم اقتصادي كبير مقابل الاحتفاظ باليد على المضيق. أما واشنطن فتواجه مشكلة من نوع آخر، فكل دولار يضاف إلى البرميل يغذي التضخم ويضرب القدرة الشرائية للأسر الأمريكية ويهز الأسواق، كما أن الحلفاء الخليجيين قد خفضوا إنتاجهم، وتقترب الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة فيما يرفض قطاع من الرأي العام تورطاً عسكرياً جديداً في الشرق الأوسط. وإضافة إلى التكلفة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة، أحدثت هذه الحرب فجوة في مخزونات عسكرية لا يمكن تعويضها بالسرعة التي استنزفت بها؛ فوفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، استُهلك نحو ثلثي المخزون الأمريكي السابق للحرب من صواريخ باتريوت الاعتراضية، فيما تشير معلومات نقلتها شبكة سي إن إن عن مصادر مطلعة على أحدث جرد داخلي إلى استهلاك ما يقارب 80٪ من مخزون صواريخ منظومة "ثاد"، إلى جانب تراجع ملموس في مخزونات صواريخ توماهوك وذخائر دقيقة أخرى بعيدة المدى. صحيح أن إيران تخسر بعضاً من عائدات النفط، لكن ترامب يخسر رصيداً سياسياً، فيما تستنزف الولايات المتحدة مخزوناً عسكرياً ووقتاً يصعب تعويضهما.

نظرياً ثمة مخارج كثيرة، لكن السؤال الوحيد الذي يهم: هل يوجد مخرج يسمح لواشنطن بتحقيق أهدافها الأصلية، مضيق حر وإيران بلا نووي، من دون تنازل ومن دون إعادة تعريف للنصر؟ الجواب لا. فالتصعيد نحو خرج يعني تفجير الأسعار وتعريض جنود أمريكيين للمسيرات الإيرانية على بعد ثلاثة وثلاثين كيلومتراً من الساحل، قبل أسابيع من الانتخابات، وكيف يبرر لقاعدته حرباً تتناقض مع وعوده بإنهاء الحروب اللانهائية؟ والتوقيع يعني المصادقة على نظام رسوم إيراني، سبق أن أعلن أنه غير مقبول. أما الانتظار، فيعني ترك عاملي الوقت والأسعار يعملان لصالح طهران. يبقى مخرج آخر، وهو ترتيب تكتيكي يُسوق بوصفه نصراً، فالخطة العمانية للإدارة المشتركة للمضيق، مع "رسوم طوعية" بدلاً من ضريبة إيرانية أحادية، ترسم لواشنطن باب نجاة، حيث تحتفظ إيران بالرافعة، فيما تستطيع الولايات المتحدة الادعاء بأن ما تدفعه ليس رسماً تفرضه طهران. لكن يبقى السؤال عن الثمن الذي ستطلبه طهران لتترك ترامب يخرج بلا إذلال ظاهر. فقد طبق الضغط الأقصى على نظام قامت هندسته السياسية منذ 1979 على امتصاص هذا النوع من الضغط، من دون أن تكون لديه خطة لما يحدث إذا لم تتنازل إيران، واليوم، اصطدم بهذا الاحتمال.

وليست أوكرانيا بعيدة عن هذا الحساب، فما يجري في الشرق الأوسط ينعكس مباشرة على الجبهة الأوكرانية، فإيران زودت روسيا بآلاف مسيرات شاهد وبتكنولوجيا باليستية، وموسكو تنقل إلى طهران منظومات دفاع جوي وتكنولوجيا فضائية واستخبارات أقمار اصطناعية. والأهم أن العتاد يُختبر ويعدل في جبهة قبل أن يُنشر على الأخرى. وقد تكرس ذلك في معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين. وكل بطارية باتريوت وكل صاروخ اعتراضي يُعاد نشره لحماية القواعد الأمريكية في الخليج هو مورد ينقص على الجبهة الأوكرانية؛ فاشتعال الشرق الأوسط يخفف آلياً الضغط الذي يحاول الغرب فرضه على روسيا في أوروبا الشرقية. وكل دولار يضاف إلى البرميل بسبب التوتر حول هرمز مدخول مباشر لميزانية حرب بوتين. وبكل إنصاف، يعمل الاستنزاف في الاتجاهين: أوكرانيا تستنزف روسيا جزئياً، بشرياً ومالياً، وتستهدف المسيّرات منشآت النفط الروسية، فتضرب مورداً تعتمد عليه موسكو نفسها. لكن هذا الاستنزاف لا ينفي الأطروحة بل يؤكدها، فروسيا، رغم خسائرها، تزيد إنتاجها من الأسلحة وتستخدم صواريخها ضد أوكرانيا لإبقائها تحت الضغط، وفي الوقت نفسه لم تتخلَّ عن إيران ولم تخفض دعمها لها، لسبب بسيط هو أن إضعاف إيران سيحرر جزءاً من القوة والموارد الأمريكية الموجهة ضدها، لتعود واشنطن إلى تركيزها على روسيا.

نحن لسنا في انتظار حرب عالمية ثالثة بالمعنى الكلاسيكي، وهذا لا يستبعد اتساع الحروب القائمة أو اندلاع حروب جديدة. فالصراع اليوم موزع على مستويات متعددة، عسكرياً في أوكرانيا والشرق الأوسط، واقتصادياً عبر العقوبات والحصارات، وطاقياً في المضائق والأنابيب، وتكنولوجياً في الرقائق والمسيرات، ونقدياً في عملات التسوية، وكل جبهة منها تغذي الأخرى. وفي هذه المنظومة روسيا تربح من كل دولار يُضاف إلى سعر البرميل، والصين تتحمل لأنها أعدّت لهذا اليوم منذ عقدين، فيما تدفع الولايات المتحدة الكلفة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً في آن واحد.

لم يولد النظام الأحادي عام 1945، بل نشأ النظام الغربي داخل توازن ثنائي فرضه وجود الاتحاد السوفيتي، ثم تحول بعد 1991، مع اختفاء القطب المقابل، إلى نظام تهيمن عليه الولايات المتحدة. وفشله في العراق لم يكن دليلاً على انهيار المؤسسات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، بل على فشل تلك اللحظة الأحادية التي ورثتها واشنطن بعد نهاية الحرب الباردة، ومنذ ذلك الحين بدأت الولايات المتحدة بفقدان الشروط التي أتاحت لها العمل، بينما أخذ البديل يتشكل تدريجياً؛ وتجلى ذلك بالتحدي السياسي منذ 2007، وتراكمت البنى الاقتصادية والتكنولوجية لدول أخرى خلال العقدين التاليين، حتى جاءت المواجهة الإيرانية لتكشف حدود قوة الولايات المتحدة، ولتكشف معها شرق أوسطٍ تتعدد فيه المظلات ويتحرك الجميع وفق قواعد لم يرسمها أحد.


* أتجنب مصطلح "الجنوب العالمي" الشائع في الأدبيات الغربية، لأنه يوهم بكتلة واحدة ذات مصلحة واحدة، بينما هذه الدول متباينة في مصالحها واقتصاداتها وموقعها الجغرافي، من آسيا إلى أفريقيا إلى أمريكا اللاتينية. ما يجمعها ليس هوية بل موقف: رفض الاصطفاف الإجباري وراء قطب واحد. ولهذا أستخدم "الدول غير المنحازة" بمعناها الوصفي، لا بوصفها إحالة إلى عضوية حركة عدم الانحياز الرسمية.



#رندا_قسيس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مصادرة حزب ونهاية حزب: تركيا في نهاية حقبة
- رندا قسيس - كاتبة وسياسية معارضة سورية، ومؤسسة ورئيسة حركة ا ...
- الثورات العربية و الإسلام السياسي
- الذاكرة و الوعي_الجزء الثاني
- الذاكرة و الوعي_الجزء الأول
- النظام السوري و فلسفة الاستبداد
- الإسلام السياسي و الأيدلوجيات وجهان للاستبداد
- الشارع المنتفض: صانع مصائر الشعوب
- الإلهام السامورائي في مواجهة الإسلاميين
- تونس تحت الإنعاش
- تمرد -البوعزيزي- بداية لمشروع حياة جديدة
- و في البدء كان الحيوان الطوطمي_الجزء الثاني
- و في البدء كان الحيوان الطوطمي_الجزء الأول
- أين موقع الثقافة العربية من العلمانية؟
- حق الاختلاف في منهجية التفكير
- نحو يوم وطني لفض غشاء البكارة!
- العصاب لدى رجال الدين
- الدين: المسبب الأول للعجز الادراكي
- ذروة النشوة و انسجام الذات
- الدين و علاقته بالتعنيف اللفظي


المزيد.....




- مصر: -مذبحة الشوش- تثير جدلاً واسعاً.. ودفاع المتهم بـ-قتل ز ...
- «بازار صعيد مصر» يتحول لمنفذ دائم.. منصة لتسويق منتجات 10 مح ...
- بعد هدف زيزو.. كم لاعب مصري سجل في مرمى برشلونة؟
- حديث حمزة عبد الكريم مع فليك.. لحظة خروجه من مباراة برشلونة ...
- “القومي للإعاقة” ومحافظ بورسعيد يتحركان لتسريع بطاقات الخدما ...
- أمن ملعب برشلونة يطرد جماهير الأهلي من المدرجات
- 42 ألف شخص من ذوي الإعاقة ببورسعيد مقابل 6 آلاف بطاقة خدمات ...
- بعد فشل الصفقة.. صلاح ووكيله يوجهان رسالة ساخرة لـ”بشكتاش”
- إيمان كريم ومحافظ بورسعيد يتفقدان مصنع “صقر” للأدوات الكهربا ...
- عضو شعبة المواد الغذائية : استقرار السوق لا يتحقق بالرقابة و ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رندا قسيس - الشرق الأوسط: حقبة لم يرسمها أحد