أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - سعيد مضيه - الثورة الكوبية ملهمة التحدي الشعبي لطغاة العالم















المزيد.....


الثورة الكوبية ملهمة التحدي الشعبي لطغاة العالم


سعيد مضيه

الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 15:06
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
    


لن تمحى من ذاكرة التاريخ

حمزة شهريار كاتب وصحفي يتناول قضايا السياسة العالمية والأفلام والثقافات، كتب عن معاناة الشعب الكوبي في مواجهة أشرس درجات الحصار الأميركي الجائر، بعد تصعيده على أيدي ترمب. يقول شهريار ان عبء الحصار الجديد، حيث هددت إدارة ترمب الدول والمؤسسات الاقتصادية بالحرمان من استعمال الدولار والمتاجرة مع اميركا إن هي قدمت النفط لكوبا. وانقطعت إمدادات النفط الواردة من فنزويلا بعد الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو .
كتب في 26حزيران/ يونيو 2026يتخيل ما يحدث لو انهار التحدي الكوبي تحت ضغوط الحصار الهمجي. يؤكد شهريار ان كوبا لن تمحى من ذاكرة التاريخ.
إن كان ثمة دولة واحدة استطاعت باستمرار تحدي حسابات الاحتمالات، فهي كوبا. حتى في الوقت الحالي، يُقال إن ترامب محبَط، إذ لم يحدث بعد انهيار الجزيرة وحكومتها تحت وطأة الحصار القاسي؛ مداركه لا تبلغ اغوار تلك الصلابة المانعة لثورة الأحد عشر مليونا. بعكس المشهد السياسي المنقسم في فنزويلا، لا يزال هناك قاعدة شعبية عميقة من الدعم للسيادة والكرامة التي ضحى شعب الجزيرة كثيرًا للحفاظ عليها. وبالنظر إلى كل شيء، فإنه لإنجاز رائع من الصمود الجماعي. نعلم أيضًا أن جهاز الدفاع في الجزيرة قضى عقودًا يستعد لهجوم أمريكي مباشر، حيث وضع تكتيكات متفاوتة لحرب عصابات تقاوم الهجوم الوشيك، مما يردد صدى الروح الاستراتيجية التي لا مثيل لها للطبيب الأرجنتيني الذي لعب دورًا هائلًا في ولادة الثورة.
علاوة على ما تقدم الاحتمال ضعيف للغاية أن تنجح في هافانا عملية جراحية شبيهة بخطف مادورو. حتى لو أفلحت دولة الأمن بالولايات المتحدة في اجتذاب عنصر متواطئ مثل ديلسي رودريغيز داخل الصفوف، فمن غير المرجح أن يتحمل الجمهور أو جهاز الحزب مثل هذه الشخصية. وإذا تم فرض بالقوة عميل مثل باتيستا على الجزيرة، فمن المؤكد أن يشعل لهيب حرب أهلية شاملة. لا أستطيع التنبؤ بما ستأتي به الأشهر القادمة؛ يمكنني فقط المراقبة والأمل والتضامن، مدركًا تماماً أن الوضع محفوف بمخاطر جمة.
مع ذلك، حتى لو تحقق الأسوأ فالخسارة تكتيكية والاستراتيجي مكسب للشعوب. روح ثورة كوبا ستبقى خالدة، شأن روح ثورة أكتوبر –ستبقى ذكرى الثورة الكوبية حتى لو نجحت الإمبراطورية الأمريكية، التي تغرب شمسها بتسارع ، وحققت أخيرًا الهدف الفردي الذي أمضت أكثر من ستة عقود في التخطيط له وفككت الحكومة الكوبية بالكامل، وألغت الاشتراكية عن الجزيرة، وهبطت بها الى مستوى الدولة التابعة من طراز مدن تشارتر مثل بروسپيرا . فما أنجزته للفئات المسحوقة في ارجاء المعمورة، أولئك الذين تحرروا من الأصفاد المادية والنفسية على حد سواء، لا يمكن أن تُمحى من ذاكرة التاريخ.
حصار كوبا انتهاك للقانون الدولي فالحصار لا يجوز إلا بقرار دولي يتخذ بموجب ميثاق الأمم المتحدة؛ اما ما تمارسه الامبراطورية الامبريالية فهو بلطجة قطاع طرق خارجين على القانون.

حصار خانق لنظام العدل الاجتماعي

خلال الأشهر القليلة الماضية، تصاعدت الى مستويات كارثية أعمال العنف والفظائع التي يفرضها القائد الأعلى للولايات المتحدة على الشعب الكوبي. منذ عودته إلى المنصب، يقوم دونالد ترامب بخنق الشعب الكوبي من خلال تصعيد الحصار على الجزيرة إلى درجة غير مسبوقة وبدون رحمة، وهو حصار غير قانوني من الأساس.
منذ الأول من مايو/أيار 2026 بدأت الولايات المتحدة بفرض عقوبات على الشركات الأجنبية لمجرد أنها تحافظ على علاقات اقتصادية مع كوبا. هذا يعني أن الشركات الدولية التي لا ترتبط بأي شكل بالولايات المتحدة قد تواجه قيودًا مصرفية، أو استبعادًا من التعاملات بالدولار، أو عقوبات اقتصادية، وحتى تجميد أصولها من قبل الولايات المتحدة لمجرد التجارة مع كوبا. ونتيجة لذلك، بدأت الشركات الأوروبية الكبرى بإلغاء العقود والخدمات لأن المخاطر مرتفعة جدًا.
تصعيدات ترامب جديدة، لكن جذورها وجدت بشكل ما منذ فرض الحصار لأول مرة عام 1960، بعد فترة قصيرة من قيام فيدل كاسترو وتشي غيفارا ورفاقهما بالإطاحة بدكتاتورية فولخينسيو باتيستا القاسية لإقامة دولة اشتراكية. وضعت الثورة في المقام الأول حقوق المظلومين، من الفلاحين والعمال بدون أرض، الذين كانوا في السابق مُستضعفين لقبضة القمع الهائل تحت نظام باتيستا المدعوم من الولايات المتحدة؛ ولهذا تعرضت الثورة لغضب نظام العقوبات، الذي تصاعد تدريجيًا كل عام.

لماذا راؤول كاسترو؟!

ومن بين آخر خطوات القسوة الأمريكية على كوبا، اتهام الولايات المتحدة وإصدارها تهما جنائية ضد راؤول كاسترو لإسقاطه طائرتين مملوكتين لرأسماليين كوبيين مواليد ميامي. كان هؤلاء الأفراد جزءًا من مجموعة إرهابية، إخوة للإنقاذ، التي حاولت الإطاحة بالحكومة الكوبية. خوسيه باسولتو، عميل وكالة المخابرات المركزية ومؤسس المجموعة، الذي كان متورطًا سابقًا في مخططات متعددة لمهاجمة كوبا، بما في ذلك غزوة خليج الخنازير الفاشلة، صرح بانه كان"قد تلقى تدريبا كإرهابي على أيدي عناصر أميركية." تأتي هذه التهم ضد كاسترو، الذي أصبح الآن في الرابعة والتسعين من عمره، بعد ثلاثين عامًا من إسقاط الطائرات. وهي تمثل محاولة جديدة من قبل ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو وبقية الإدارة التي تقود الامبراطورية الأمريكية المتدهورة بسرعة، لصناعة قبول لغزو ما.

خبرات إسرائيل تقلدها أميركا
حين ضغط الشرطي الأميركي بركبته على رقبة الأميركي الأسود حتى لفظ الأنفاس، تناقلت الأخبار ان هذا أسلوب إسرائيلي استوردته الولايات المتحدة. بات معلوما ان الأمن الإسرائيلي يعقد مؤتمرا سنويا يسوق خلاله، لدى الدول التي تراقب سعوبها ، خبراته وأجهزته الأمنية المكتسبة والمبتكرة. الإبادة الطبية خبرة إسرائيلية تطبق في كوبا، حيث تميزت الجزيرة الثورية بمنجزاتها في هذا المضمار. والأن جاء دور حرمن الجزيرة الثورية من هذا الامتياز .
بسبب القسوة الأميركية الهادفة، ارتفع معدل وفيات الأطفال الرضع بشكل هائل. وجدت دراسة حديثة أجراها مركز البحوث الاقتصادية والسياساتية أن معدل وفيات الأطفال في كوبا ارتفع من 4 لكل 1000 مولود حي عام 2018 إلى 9.9 عام 2025 – أي زيادة بنسبة 148 في المئة. خلص معدّو التقارير إلى أن العقوبات الأمريكية هي "على الأرجح السبب الرئيسي للأزمة الاقتصادية والإنسانية الحالية في كوبا". الوضع كارثي. يعكس الواقع القاتم الذي يعيشه من هم تحت نير الاستعمار الجديد والإمبريالية: عالم مبني من رماد أجساد النساء والأطفال المحرومين والممزقين في غزة؛ داروينية اجتماعية منحطة، حيث تسود القسوة.
إذ تبلغ الفظائع درجة غير مسبوقة تلك التي يتعرض لها الشعب الكوبي حاليًا على يد ترامب، فأنها جديرة بتكرار القول انها استمرار للحصار السام المفروض منذ عام 1960. حافظت عليه كل إدارة أميركية منذ ذلك الحين، باستثناء فترة قصيرة وغير كافية من الانفراج تحت حكم أوباما.
في الواقع، من اللافت أن تصعيد ترامب للحصار كان بالفعل فظيعًا لم يفكك الحكومة الثورية حتى الآن. إن نزعة الفظاظة في سلوك الرئيس الأمريكي جعلت الجزيرة وسكانها الذين يزيد عددهم عن 10 ملايين شخص يعانون من أوجاع لم تُخطر من قبل على خيال أحد. الأزمة الحالية في كوبا هي نتيجة مباشرة لهذا الحصار المكثف، الذي زاد تعقيده الخطف غير القانوني للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير، والذي كانت حكومته تزود كوبا بالنفط الذي لا تستطيع إنتاجه محليًا – حتى، بالطبع، تمت الإطاحة بمادورو في واحدة أخرى من الانقلابات اللامتناهية لواشنطن في أمريكا اللاتينية.
نتيجة لذلك، تحدث انقطاعات التيار الكهربائي تستمر لأيام متتالية؛ الجزيرة بأكملها تعاني من الجوع لأن الطعام لا يكفي للبقاء على قيد الحياة. يعيش الناس في مبانٍ متهالكة ومجوفة لم تتلق أي صيانة لعقود؛ والمستشفيات الكوبية ونظام الرعاية الصحية الشهير - اللؤلؤة الثمينة بين العديد من إنجازات الثورة، والتي ألهمت قوى الأممية والاشتراكيين في جميع أنحاء العالم – لم تعد قادرة على العمل بسبب نقص شديد في الموارد والمعدات الأساسية؛ العمليات الجراحية تم تأجيلها إلى أجل غير مسمى، أجهزة التنفس الاصطناعي تعطلت، مما يجبر الأطباء على ضخ الأكسجين يدويًا للأطفال حديثي الولادة لمنحهم فرصة البقاء على قيد الحياة؛ وغالبًا ما يتوفون. في مارس، قدرت الحكومة الكوبية أن هناك 96,387 شخصًا ينتظرون الجراحة، منهم 11,193 طفلًا. منذ الثورة، حافظت كوبا على أعلى معدلات الحياة المتوقعة (حتى وقت قريب، تفوقت على الولايات المتحدة) وأدنى معدلات وفيات الأطفال الرضع في المنطقة. هذه المؤشرات تنهار الآن أيضًا.

في عام 1960، عندما نجح كاسترو وحركة 26 يوليو في تحرير الشعب الكوبي من نير طاغية – ساندته الامبريالية مثل كثير من الدكتاتوريين في أمريكا اللاتينية – ولم تستطع الولايات المتحدة تقبل التغيير الحاد؛ بعد ذلك بوقت قصير، حاولت وكالة المخابرات المركزية الإطاحة بالحكومة الثورية النامية، مما أدى إلى غزوة خليج الخنازير الشهيرة بفشلها المدوي في 17 أبريل 1961. كانت الخطة فشلاً مذهلا؛ تم احتواء الغزاة تقريبًا بمجرد أن وطأوا أرض كوبا، مما أزعج حكومة الولايات المتحدة ووكالة المخابرات المركزية الأميركية.
منذ ذلك الحين، احتفظت الولايات المتحدة بحصارها غير القانوني ضد كوبا وقامت بتصعيده، مما حرم الجزيرة فعليًا من التجارة بشكل طبيعي مع أي دولة ترغب في الاحتفاظ بالوصول إلى الأسواق الأمريكية. إنه مثال نموذجي لإمبراطورية مارقة . يتم كل عام التصويت بالجمعية العمومية للأمم المتحدة ضد توحش هذا الحصار – والجمعية العمومية مؤسسة جرى تصميمها بحيث تظل تأثيراتها رمزية فقط - باستثناء إسرائيل والولايات المتحدة، يصوت باقي العالم تقريبًا بالإجماع لإنهاء هذا الحصار الوحشي كل عام. ومع ذلك، وبغض النظر عن الحصار، ازدهرت كوبا في السنوات التي تلت الثورة. وقد حدث ذلك بأساليب غير مطروقة لا تزال غير مسبوقة.

مكاسب يراد لها ان تتبدد

يممت الحكومة شطر الاهتمام بمصالح العمال بدلاً من الرأسماليين ومالكي الأراضي – وبدعم مالي وسياسي من الاتحاد السوفيتي بقيادة نيكيتا خروتشوف – حققت كوبا مكاسب هائلة. لفهم حجم هذه الإنجازات، من المهم إلقاء نظرة سريعة على الواقع المأساوي لكوبا قبل الثورة.
قبل عام 1959، احتضنت البلاد نشاطا سياحيا يقوم على تجارة الجنس تحت حكم ديكتاتور وصل السلطة بانقلاب دعمته الولايات المتحدة عام 1952. كان فيدل كاسترو ابن السابعة والعشرين قد عرّى فساد النظام عام 1953، لدى محاكمته، حيث قال،" التاريخ سيبرئني ...". تحدث بالتفصيل كيف أن الغالبية العظمى من المزارعين الصغار واجهوا الإخلاء المستمر، حيث تمركزت الأراضي الخصبة بأيدي الأجانب، وتم تقليص المستشفيات العامة لتصبح أدوات للفساد السياسي بينما كان آلاف الأطفال يموتون سنويًا بسبب نقص كامل في المرافق الصحية والطبية الأساسية. في 1 يناير 1959 فر باتيستا إلى جمهورية الدومينيكان بعد ان حول ما بين 300 و 400 مليون دولار من المال العام إلى حسابات مصرفية خاصة. تُركت كوبا مفلسة تمامًا، ومع ذلك، وسط هذه الكارثة المالية، بدأ فجر جديد.

خلال الحقبة التالية من القرن الماضي برزت كوبا مثالا يقتدى لحكم المساواة التقدمي، رغم وطأة الحصار الهائلة؛ وحتى وقت قريب، كانت البلاد تتمتع بمعدل متوسط أعمارأعلى من الولايات المتحدة، ومعدل وفيات أطفال أقل. منذ الثورة، ظلت جمبع نماذج الرعاية الطبية مجانيّة تمامًا، ولعب الأطباء الكوبيون دورًا ضخمًا في بعثات الرعاية الصحية في بلدان العالم. عام 2015، باتت كوبا أول دولة في العالم تقضي بنجاح على انتقال مرض نقص المناعة والزهري من الأم الى الوليد.
هذا غيض من فيض إنجازات الجزيرة في مجال التكنولوجيا الحيوية، والتي تشمل تطوير لقاحات علاجية رائدة لسرطان الرئة غير صغير الخلايا المتقدم، مثل CIMAvax-EGF. عندما منعت العقوبات الأمريكية كوبا من الحصول على لقاحات كوفيد-19 الأجنبية، طور العلماء المحليون نسخهم الخاصة، مما أدى إلى تلقيح ما يقرب من جميع السكان قبل أن تضرب موجات فيروسية لاحقة، ثم صدّروا هذه اللقاحات إلى عدة دول في الجنوب العالمي. وثّق فيلم مايكل مور لعام 2007 "سيكو" التقدم الهائل الذي أحرزته كوبا في مجال الطب، مقارنة بشكل حاد بالنظام الطفيلي الربحي داخل الولايات المتحدة.
اليوم، تتولى 23 كلية طبية تعليم المواطنين والطلاب الأجانب مجانًا. بالنتيجة تمتلك كوبا واحدة من أعلى النسب العالمية أطباء - مرضى: أكثر من 8 أطباء لكل 1000 مواطن – أي أكثر من ضعف النسبة بالولايات المتحدة أو المملكة المتحدة. أما على الصعيد التعليمي، فالمؤشرات أكثر إثارة للإعجاب؛ عام1958 لم يلتحق نصف الأطفال الكوبيين بالمدرسة؛ واليوم، تفتخر كوبا بنسبة 99.7 بالمائة من المواطنين يتقنون القراءة والكتابة. في الواقع، بحلول 1962 ارتفعت نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة بالفعل إلى 96 بالمئة، حيث كان أحد المبادرات الفورية لكاسترو حملة وطنية هائلة لمحو الأمية.
وحولت الثورة كذلك هذه الجزيرة الصغيرة إلى قوة أولمبية عالمية. كوبا تمتلك عددًا من الميداليات الأولمبية أكثر من أي دولة أخرى في أمريكا اللاتينية، رغم أن عدد سكانها حوالي 11 مليون نسمة. يعود الفضل لهذا النجاح الرياضي مباشرة إلى كون الدولة قد ضمنت لكل مواطن فرصة الانتساب المجاني والشامل إلى الأكاديميات الرياضية المتخصصة. والإنجاز الأكثر تقدما هو قانون الأسرة في كوبا. فما زال يُعتبر ربما أكثر إطار قانوني مدني تقدمًا بالعالم، حيث استبدل المفاهيم المجردة لحضانة الأطفال بـ "مسؤوليات الوالدين" بالتحديد تجاه الأطفال، جنبًا لجنب الحماية الواسعة للنساء ومقدمي الرعاية. يضمن القانون وسائل منع الحمل عند الطلب، والتمكن التام من الإجهاض، والرعاية الصحية والتمويل الكامل للرعاية الصحية القائمة على الجندر للأفراد المتحولين جنسيًا. جرى إقرار هذه القوانين عام 2022 بعد ثلاث سنوات من الاجتماعات عبر مشاركة ديمقراطية مباشرة، حضرها الآلاف والمراجعات العامة قبل الموافقة عليها بنسبة 67 بالمئة.
يأتي بعد هذا الالتزام التاريخي د عم الحركات المناهضة للاستعمار بالخارج، والذي تم، بما يشكل مفارقة مع تحليلات الغربيين، بكلفة ضخمة بلا مقابل مادي على الأطلاق. لم يكن بالإمكان تحرر أنغولا بنجاح من وحشية الدكتاتور العسكري جوناس سافيمبي وجيش جنوب أفريقيا العنصرية الذي قدم له المساعدات المالية والعسكرية لولا الدعم العسكري المباشر من كوبا. نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا بالذات تعرض للتهشيم من قبل قوات امبالا الثورية والجيش الكوبي، فتكسرت هيبتها الإقليمية بشكل عجّل بكثير تعرية نظامها. لحقت هزيمة ساحقة في معركة كويتو كوانافالي، بوحدات جنوب إفريقيا على أيدي قوات كوبا وفصائل حركة املالا. شكلت نقطة تحول أدت في النهاية إلى سقوط نظام الفصل العنصري، وضمنت التحرر الحقيقي لكل من أنغولا وناميبيا. كما قدمت كوبا الماوى لنشطاء حركة التحرر الوطني للسود المطلوبين لواشنطن، ومنهم نيهاندا أبيودون وأساطا شاكور، وقدمت بصمت جميع طلبات عودتهم مع المكافأة.
لب القضية ان كوبا تحولت بسرعة من ساحة لعب للنخب الغربية، مُعرف بعدم المساواة والعنصرية والفقر والخصخصة الممنهجة إلى نموذج حقيقي للحكم التقدمي؛ كل ذلك وهي تبحر في حصار لا يرحم يوقع بالمواطنين كل عام نقص الحاجات الضرورية. على كل حال، شأن كل دولة تتحدى واشنطن بنجاح، يواجه التحدي اقصى انتقام بنيوي. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، باتت الأوضاع أشد خطورة؛ بينما تثابر الدعاية الغربية على تصوير سقوط جدار برلين لحظة تاريخية لانتصار تحطيم القيود، فإن انهيار الاتحاد السوفييتي شكل كارثة بالنسبة لشعوب العالم الثالث.
كان الإحساس حادا بالضربة في البلدان التي اعتمدت مباشرة على التجارة مع الاتحاد السوفييتي لتكابد أخطار العقوبات الأميركية العقوبات الأمريكية. تلقت كوبا ضربة قاسية، مما اجبر الحكومة على فتح أبوابها للسياحة الدولية كي تبقى على قيد الحياة. هذه البنية الاقتصادية الجديدة أبرزت بسرعة ديناميات الطبقات الاجتماعية وعدم المساواة التي كانت غريبة عن المشروع الاشتراكي الأصلي، مما أجبر السكان الذين تحرروا قبل ثلاثين عامًا من عار خدمة النخب الأجنبية على العمل من جديد لصالح السياح الأثرياء لتأمين الاحتياجات الأساسية فقط. فيلم جون ألبيرت التوثيقي "كوبا ورجل الكاميرا" يحيط بالواقع الثقيل على القلب لهذا التحول وما سببه من اغتراب.
مع ذلك، لم ينطفئ بالكامل جوهر الثورة . تمكنت كوبا من اجتياز أسوأ مراحل ما يسمى بالفترة الخاصة؛ ومع مطلع القرن، بدأت الأوضاع في الاستقرار. من خلال إعادة هيكلة اقتصادها حول السياحة وصادرات الطب، وتطوير علاقات تجارية جديدة مع روسيا والصين وفنزويلا، تمكنت كوبا من تحقيق توازن جديد. لم تستعد أبدًا بالكامل الأمن المادي الذي كان قبل عام 1989، لكنها احتفظت بسيادتها وبالتزاماتها الدولية وبنيتها التحتية الاشتراكية.
منذ العام 2015، زمن إدارة أوباما، دخلت واشنطن وهافانا مرحلة هدنة تاريخية. شطبت الولايات المتحدة كوبا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وقام بااك أوباما بزيارة الجزيرة، والتقى وجها لوجه مع راؤول كاسترو. أدى تخفيف الأنشوطة الاقتصادية إلى تحسن ملموس وفوري في ظروف المعيشة اليومية لسواد الكوليين؛ على كل حال، انتخب الأمريكيون بعد مدة قصيرة، انتخاب دونالد ترامب رئيسًا.
لدى دخوله المكتب البيضاوي، ألغى ترامب فورًا هذا الانفراج، وأعاد إدراج كوبا في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وشدد من الخناق الاقتصادي. عندما تولى جو بايدن منصبه عام 2021، رفض بوضوح اعادة العلاقات إلى مستواها فى عهد أوباما، محتفظًا بالضغوط الاقتصادية حتى رحيله. على عجل وبخطوة بائسة رفع كوبا من قائمة الإرهاب ليعيدها ترمب حال عودته إلى السلطة في اليوم الأول.
عل كل ورغم كل الصعاب التي نزلت بكوبا من خلال تجارب تاريخية لا مثيل لها – سواء كانت غزو خليج الخنازير، أزمة أكتوبر، الفترة الخاصة، وكل ما جرى بينها – يبدو الآن أن الإبقاء على تصاعد الهمجية المنفلتة لأحقر إدارة أميركية ربما أقسى مما تحتمله الجزيرة؛ إذ بدون قيادة الأخوين كاسترو، ومساعدة الاتحاد السوفيتي، أو نفط فنزويلا، تواجه الثورة الكوبية أعظم خطر يهدد وجودها حتى الآن. وقد تنهار أخيرًا تحت ظروف فظيعة تقف ظروف ما بعد الانهيار السوفييتي شاحبة حيالها.



#سعيد_مضيه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التضامن مع فلسطين بالولايات المتحدة اندمج مع النضال المناهض ...
- هل حقا تسيد قانون الغاب في العلاقات الدولية؟!
- البديل يكمن في توجيه التراكم المالي: للتنمية بدل المضاربات
- ترمب ينشر ثقافة الفاشية كي يحيلها نظام حكم بالولايات المتحدة ...
- انتصار المقاومة الوطنية رهن المشاركة الشعبية الواعية
- نتنياهو يعوض انتكاساته بانتصار يسجله بفلسطين
- الامبريالية لم تخلع جلدها
- أزمة اليسار وحركة التحرر ثقافية في جوهرها
- سلطوية النظام الأبوي تتلاعب بوعي المجتمع
- للثقافة دور مركزي في السيطرة الامبريالية وفي التحرر الاجتماع ...
- سبيطة وصعبة .. التحولات الاشتراكية تعترضها إعاقات وضغوط
- بسيطة لكن صعبة .. التحولات الاشتراكية تعترضها إعاقات وضغوط
- هشام شرابي يقدم للجمهور العربي تجربة ناجحة في التحرر الذاتي
- إدمان تزييف التاريخ والأرض فصم صلة الإسرائليين بالواقع
- هشام شرابي يكشف إحدى قضايا التخلف الاجتماعي
- انتهى عهد الهيمنة المطلقة للولايات المتحدة لكنها قد تنزل كوا ...
- تعود الذكرى والذاكرة مثقوبة..إذ تغيب المراجعة النقدية ؟
- هزال على وهن-أنيميا مجتمعية: التربية في النظام الأبوي-2
- هزال على وهن-أنيميا مجتمعية: التربية في النظام الأبوي-1
- بالهدر تقوض الأنظمة الأبوية مجتمعات المنطقة -2


المزيد.....




- حزب التجمع يختتم مؤتمر قسم السيدة زينب بمحافظة القاهرة
- حزب التجمع يعقد مؤتمر مركز ومدينة طيبة بمحافظة الأقصر
- استعدادًا للمؤتمر العام التاسع لحزب التجمع  انتخاب عدد من أ ...
- Liberating Theory – Getting Started Plus Method, Motivation, ...
- Elon Musk and 21st Century State Capitalism
- The Other Thing Work Produces
- One Land, Two Nationalisms: Islamism V. Zionism
- Colluding With Violence: Aiding Israeli Settlers in the West ...
- رسالة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بمناسبة المؤتمر الوطن ...
- أفغانستان بعد 5 سنوات من الاحتلال


المزيد.....

- إشكاليات القوى الثورية(2من2) / عبد الرحمان النوضة
- مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة / عبد الرحمان النوضة
- الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ ... / محمد الحنفي
- الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية / مصطفى الدروبي
- جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني ... / محمد الخويلدي
- اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956 / خميس بن محمد عرفاوي
- من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963.......... / كريم الزكي
- مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة- / حسان خالد شاتيلا
- التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية / فلاح علي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية - سعيد مضيه - الثورة الكوبية ملهمة التحدي الشعبي لطغاة العالم