حمدي حسين
الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 07:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
من المسؤول عن تردي الأوضاع في مصر؟
سؤال مُلحٌ يبحث عن إجابة، وحقيقةٌ تستوجب الكشف.
المسؤولية الأولى: سياسات الإصلاح التي أملتها المؤسسات الدولية
عندما نسأل: من المسؤول عن تردي الأوضاع المعيشية والاجتماعية والاقتصادية؟ فإن الإجابة تبدأ من اتفاقيات القرض مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تلك المؤسسات التي فرضت على مصر ثلاثة برامج للإصلاح الاقتصادي في أقل من عشر سنوات.
شروط الصندوق كانت واضحة وقاسية: تحرير سعر الصرف، وخفض الدعم الحكومي، والتخارج من ملكية الشركات العامة، ورفع أسعار الوقود تدريجياً حتى إلغاء الدعم نهائياً. وكانت النتيجة أن ارتفعت أسعار السلع والخدمات - الوقود والغاز والكهرباء - بشكل جنوني، بينما ظل التضخم مرتفعاً عند 20.4%.
المثال الواقعي: في مارس 2025، صرفت مصر الشريحة الرابعة من قرض الصندوق بقيمة 1.2 مليار دولار، مقابل التزامات تقشفية أثقلت كاهل المواطن البسيط. واللافت أن وزير المالية السابق محمد معيط انتقل مباشرة إلى منصب المدير التنفيذي في صندوق النقد الدولي، كما يشغل محمود محيي الدين منصب المدير التنفيذي للصندوق ممثلاً لمصر والمجموعة العربية. فهل يصح أن يتفاوض مسؤولون مصريون مع مؤسسة سينتقلون للعمل فيها لاحقاً؟ ولماذا يجلس وزراء في الحكومة كان عملهم السابق في هذه المؤسسات الراسمالية الاستغلالية.
المسؤولية الثانية: التفريط في الأصول والثروات المصرية
من المسؤول عن بيع أرض مصر وثرواتها للمستثمرين الأجانب بأسعار بخسة؟
في أغسطس 2025، تمت صفقة استحواذ جهاز "مستقبل مصر للتنمية المستدامة" على 89.6% من أسهم شركة حكومية لاستصلاح الأراضي بسعر 5 جنيهات للسهم، بينما كانت القيمة السوقية تقارب 100 جنيه قبل الصفقة. أي أن الأرض الزراعية العامة بيعت بـ 5% فقط من قيمتها الحقيقية! بلغت الحصيلة 23.3 مليون جنيه بدلاً من 490 مليوناً.
هذه ليست حالة معزولة. فالقانون رقم 170 لسنة 2025 وسّع نطاق بيع الأصول العامة ليشمل كل الكيانات المملوكة للدولة. ومع الحديث عن مبادلة الديون بالأصول، فإن مستقبل ثروات مصر - من مناجم وحفريات ومواد خام ومياه - يُرهن اليوم لسداد ديون الأمس.
المسؤولية الثالثة: الإعلام المنافق وأحزاب الموالاة
من المسؤول عن تغييب الوعي وتبرير كل قرار يزيد الفقراء فقراً والأغنياء غنى؟
الإعلام الحكومي يمارس دوراً تبريرياً للسياسات، حيث واجه انتقادات لتغطيته غير الموضوعية. وتصنف منظمة "مراسلون بلا حدود" مصر في المرتبة 170 من أصل 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة. ورصدت مؤسسات حقوقية 296 انتهاكاً مرتبطاً بحرية التعبير خلال عام 2025.
أما أحزاب "الموالاة" - تلك التي تصفق لكل قرار حكومي وتقول "آمين" - فإنها تشارك في مشهد التغطية على معاناة المواطنين. فبينما تتردى الأوضاع، تبقى هذه الأحزاب صامتة أو مناصرة، متناسية أن دورها الأساسي الرقابة والمحاسبة. فخريطة المقاعد البرلمانية تُظهر هيمنة حزب "مستقبل وطن" بـ 320 مقعداً في مجلس النواب، ما يحول البرلمان إلى أداة مصادقة لا رقيب.
المسؤولية الرابعة: تدخل الدين في السياسة
من المسؤول عن توظيف الدين لخدمة السياسة؟
تُستخدم الدين في الحياة السياسية كأداة لتوجيه الرأي العام، مستغلةً حساسيته في المجتمعات العربية وما يثيره من قوة ردع. الأنظمة استخدمت الدين لخدمة السياسة بشكل لافت، بدءاً بالسيطرة على المساجد ومنابرها. وهذه الممارسات تُسهم في تشويه صورة الدين وتحويله من رسالة روحانية إلى أداة لتبرير سياسات تتعارض مع مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية.
المسؤولية الخامسة: معاناة العمال وأصحاب المعاشات
لماذا يضطر العامل للعمل 12 و16 بدلا من ٨ ساعة يومياً؟ ولماذا ينتقل المواطن من عامل فقير إلى صاحب معاش تحت خط الفقر؟
تشير تقارير منظمة العمل الدولية إلى أن الإفراط في ساعات العمل يعرض حياة الإنسان لخطر الإصابة بأمراض القلب، وتتناقص الإنتاجية مع زيادة الساعات. لكن العامل المصري يضطر لذلك لأن راتبه لا يكفي احتياجاته الأساسية في ظل التضخم وغلاء المعيشة.. فيضطر يشتغل في أكثر من عمل إلى جانب كما ذكرت في مقالات سابقة عن العمالة المزدوج في غزل المحلة (عامل + فلاح أجير )
أما المتقاعدون من أصحابالمعاشات، فالواقع أكثر قسوة: يعاني نحو 11.5 مليون من أصحاب المعاشات من أوضاع معيشية صعبة، حيث تتراوح المعاشات بين 1500 و3000 جنيه شهرياً، وهو مبلغ يقل كثيراً عن الحد الأدنى للأجور البالغ 7000 جنيه. نحو 80% من أصحاب المعاشات يتقاضون أقل من 3000 جنيه شهرياً، ما يضعهم فعلياً تحت خط الفقر العالمي البالغ 2.15 دولار يومياً.
المسؤولية السادسة: الفجوة الصارخة بين البذخ والجوع - مشاهد من العلمين نموذجاً
بينما يعاني الملايين من غلاء الدواء والطعام، وتحت رعاية الحكومة، يتحول الساحل الشمالي إلى واجهة للاستعراض الصارخ الذي يستفز كرامة المصريين.
في مدنية العلمين الجديدة، وبحماية ورعاية رسمية، يفترش رجال الأعمال والمستثمرون الشواطئ، وتُرفع أسعار البلاجات إلى مبالغ خيالية تفوق دخول عامة الشعب بأضعاف. ولا تقف الأمور عند حد الاستحمام، بل في الوقت الذي يكافح فيه العامل والموظف المصري لتدبير احتياجات أسرته الأساسية، تصل أسعار بعض حفلات الساحل الشمالي إلى أرقام يصعب حتى تخيلها بالنسبة لغالبية المصريين.
في حفل شيرين عبد الوهاب ببورتو جولف العلمين، وصلت التذكرة العادية إلى 20 ألف جنيه، بينما بلغ سعر الـRoyal Lounge نحو 600 ألف جنيه لطاولة تستوعب حتى 10 أشخاص.
أما حفل محمد رمضان، فتراوحت الأسعار المتداولة للفئات المختلفة بين مئات الجنيهات وآلافها.
المشكلة ليست في أن يستمتع الناس بالفن، ولا في أن يحقق الفنان أجرًا عادلًا، وإنما في المفارقة الصارخة بين مصر التي تستطيع فيها فئة دفع عشرات الآلاف في ليلة واحدة، ومصر التي يعجز فيها ملايين العمال عن توفير احتياجاتهم الأساسية من أجورهم الشهرية.
السؤال ليس: لماذا يدفع الأغنياء هذه الأموال؟
السؤال الأهم: كيف وصلنا إلى مجتمع أصبح فيه ثمن ليلة ترفيهية لفئة محدودة يساوي دخل العامل البسيط لسنوات؟
هذه ليست قضية حفلة أو فنان... إنها صورة من صور التفاوت الاجتماعي الصارخ الذي أصبح يفرض نفسه على حياتنا اليومية.
لكن القمة والأكثر استفزازاً للشارع المصري، كانت حكاية الكلبة "سكرا" التائهة والتي هزّت مشاعر الملايين: حيث قامت إحدى السيدات الثريات بالاعلان عن تقديم مكافأة قدرها 2 مليون جنيه لمن يعيد إليها كلبتها الصغيرة سكرا "التائهة"!(عن قناة الشمس والسوشيال ميديا ) ويقال انهم لقوها ولم يقولوا لقوها فين ومن حصل على المكافأة وأصبح مليونيرا .....؟؟؟
"كلبة تايها يا ولاد الحلال".. عبارة تحمل في طياتها صرخة أخلاقية، فبينما يُبذل مليونان من الجنيهات للبحث عن الكلبة سكرا ، هناك ملايين من الأسر المصرية لا تجد قوت يومها، وأطفال يتسولون لقمة الخبز، وعمال يومية ومؤقتة ينهكون أجسادهم في 16 ساعة عمل يومياً لقاء أجر لا يشتري كيلو لحمة مقابل ما يُنفق في تلك الحفلات والاعلانات المستفزة .
هذا المشهد ليس مجرد ترف، بل هو استفزاز رسمي ممنهج للشعور الوطني، وكأنه رسالة من الحكومة ورجال أعمالها إلى المواطن الفقير تقول: "هذه هي مصر الجديدة، وهي ليست لك". فالحكومة التي ترعى هذه المظاهر الباذخة، هي نفسها التي تطلب من المواطن تحمل التقشف وتبرير رفع الأسعار باسم "الإصلاح الاقتصادي".
أين العدالة الاجتماعية في مشهد يُقام تحت حماية الدولة؟ وأين دور الدولة في ردع هذا التباهي المقيت الذي يفتت النسيج الاجتماعي ويُذل كرامة الملايين؟ إن تغاضي الحكومة عن هذا الاستعراض الصارخ، بل وتوفير الغطاء الأمني والإعلامي له، يجعلها شريكاً رئيسياً في هذه الإهانة اليومية للشعب.
خلاصةالقول : المسؤولية مشتركة ومتداخلة ...
▪︎ الحكومة التي وقّعت على اتفاقيات ترهن مستقبل البلاد، وترعى مظاهر البذخ أمام الفقر المدقع.
▪︎ صندوق النقد والبنك الدوليان بفرضهما شروطاً تقشفية تخدم مصالحهما لا مصالح الشعوب.
▪︎ الإعلام المنافق الذي يغطي الحقيقة ويبرر الفشل، ويتجاهل تغطية الاستفزازات اليومية بحجة "تنشيط السياحة".
▪︎ أحزاب الموالاة التي تتنازل عن دورها الرقابي وتصفق لكل قرار.
▪︎ النخب التي تنتقل من كراسي الوزارة إلى كراسي المؤسسات الدولية، حاملةً معها ولاءً للصندوق لا للوطن.
فمن يتشدق بمطالبته بالعدالة الاجتماعية لا يجب أن يكون منصاعاً لتعاليم الإمبريالية وشروط الصندوق والبنك التابعين لها. فالعدالة الحقيقية تبدأ باستعادة السيادة الوطنية على القرار الاقتصادي، واستعادة الثروات المنهوبة، ووقف نزيف الأصول، وتحرير الإعلام، ومحاسبة الفاسدين، وإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية التي تآكلت تحت وطأة الفقر والقهر.
فإلى متى يظل السؤال بلا إجابة؟ وإلى متى يظل المواطن المصري رهينةً لسياسات لا تعبأ بحياته ولا كرامته؟
الحقيقة أن الخوف الحقيقي ليس في السؤال، بل في التطبيع مع الإجابة. عندما يصبح المواطن المصري قادرًا على أن يسأل "لماذا؟" و"من المسؤول؟"، فهذا يعني أن بذرة الوعي ما زالت تنبض، وهذه هي الكرامة الحقيقية التي لا يمكن لأي صندوق أو بنك أو سلطة أن تصادرها.
المشكلة ليست في أن السياسات فاشلة فقط، بل في محاولة تسويق هذا الفشل على أنه "إصلاح"، وفي تحويل المتقاعد على المعاش والعامل إلى مجرد أرقام، وبينما يُطلب من الفقير الصبر، يُستفزه الغني أو الغنية التي تبحث عن كلبها التائه وتعرض مكافأة مليونين جنيه لمن يجد المحروس كلبها !.
أتمنى أن يظل هذا التساؤل حاضرًا بقوة، لأنه الطريق الوحيد لكسر حالة الرضا بالعبودية واستعادة الحق في حياة حرة كريمة
#حمدى_حسين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟