|
|
البطالة والحصار والاستيطان: اقتصاد يُدفع نحو الاختناق
جهاد عقل
(Jhad Akel)
الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 02:49
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
مقدمة في روايته "دبابة تحت شجرة عيد الميلاد" يرسم إبراهيم نصر الله مشهدًا تختصر فيه «الغارة» أكثر من لحظة عسكرية عابرة. طائرات تحوم وتقصف، جنود يفرضون سيطرتهم، ومكان فلسطيني يتحول تحت قوة السلاح إلى فضاء تتحكم به إرادة أخرى. وفي خلفية المشهد تبدو حقيقة سترافق الفلسطينيين طويلًا: لم يكن استهداف الأرض والإنسان منفصلًا يومًا عن استهداف قدرتهما على بناء حياة مستقلة. فالمشروع الاستعماري لا يحتاج فقط إلى السيطرة على الأرض، بل إلى منع المجتمع الواقع تحت الاحتلال من امتلاك مقومات استقلاله. ومن هنا لا يصبح تدمير منشأة، أو إغلاق طريق، أو مصادرة أرض، أو التحكم بحركة الناس والبضائع، مجرد إجراءات أمنية متفرقة؛ إنها، حين تتراكم وتستمر، تضرب الأسس التي يمكن أن يقوم عليها اقتصاد فلسطيني مستقل: الأرض والموارد، الإنتاج، السوق، حرية الحركة والاستثمار، وقبل كل ذلك العمل. وعلى امتداد عقود، جرى دفع الاقتصاد الفلسطيني إلى علاقة غير متكافئة مع الاقتصاد الإسرائيلي، بحيث بقيت قدرته على تطوير قاعدة إنتاجية مستقلة محدودة، فيما أصبح عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين مضطرين إلى البحث عن مصدر رزقهم داخل سوق العمل الإسرائيلية. وهكذا نشأت مفارقة قاسية: تُضيَّق إمكانات خلق العمل المنتج داخل الاقتصاد الفلسطيني، ثم يصبح الوصول إلى العمل خارج هذا الاقتصاد نفسه خاضعًا للحاجز والتصريح والقرار السياسي والأمني الإسرائيلي. ومن هنا فإن العامل الفلسطيني ليس مجرد ضحية أخرى للأزمة الاقتصادية، بل يقف في مركزها. فالسيطرة على الأرض تعني تضييق إمكانات الإنتاج، وتقييد الحركة يعني تعطيل الوصول إلى العمل والأسواق، والاستيطان والمصادرة يضيّقان المجال المتاح للزراعة والتنمية، والتحكم بالتجارة والمعابر والموارد يحد من قدرة الاقتصاد على النمو، أما نظام التصاريح فيجعل حق عشرات الآلاف في العمل والدخل قابلًا للتعليق بقرار من سلطة الاحتلال. وما حدث منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 كشف بصورة أكثر قسوة هشاشة هذه البنية. فعندما أُغلقت أبواب سوق العمل الإسرائيلية أمام أعداد واسعة من العمال الفلسطينيين، لم يكن الأمر مجرد فقدان فردي للأجور. انتقلت الضربة من العامل إلى أسرته، ومن الأسرة إلى المتجر والمصنع والمزرعة وقطاع الخدمات، ومنها إلى المالية العامة والاقتصاد الفلسطيني بأسره. لذلك، حين نتحدث اليوم عن البطالة والفقر وانكماش الاقتصاد وتراجع الدخل، لا تكفي قراءة الأرقام باعتبارها مؤشرات لأزمة اقتصادية تقليدية. خلف هذه الأرقام بنية كاملة من السيطرة حالت، ولا تزال تحول، دون امتلاك الفلسطينيين الشروط الطبيعية لتطوير اقتصاد قادر على الوقوف على قدميه وخلق فرص العمل لأبنائه. من "الغارة" التي يصورها إبراهيم نصر الله إلى الحاجز والمستوطنة والمصادرة والتصريح وإغلاق سوق العمل، تتغير الأدوات، لكن السؤال يبقى واحدًا: كيف يستطيع شعب أن يبني اقتصادًا مستقلًا بينما لا يملك حرية التصرف بأرضه وموارده وحركة عماله وبضائعه؟ ومن هذا السؤال ينبغي أن نقرأ واقع العمال الفلسطينيين اليوم، لا باعتبار البطالة والفقر قدرًا اقتصاديًا، بل بوصفهما أيضًا نتيجة لنظام طويل من القيود والسيطرة أضعف القدرة على بناء اقتصاد فلسطيني مستقل ومنتج.
- هل هي بطالة أم خنق اقتصادي؟ لم تعد أزمة العامل الفلسطيني مجرد أزمة بطالة أو نقص في فرص العمل. فمنذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، وجد مئات الآلاف من العمال أنفسهم في قلب أزمة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، تتداخل فيها الحرب والاحتلال وإغلاق سوق العمل الإسرائيلي والقيود على الحركة والاستيطان والاستيلاء على الأرض ومصادر الرزق، مع أزمة مالية خانقة تعاني منها السلطة الفلسطينية وانعكاساتها على رواتب الموظفين والخدمات العامة والاقتصاد المحلي. وهكذا أصبح العامل الفلسطيني يدفع الثمن من أكثر من جهة: يفقد فرصة العمل، أو يتراجع أجره ودخله، أو تتعطل قدرته على الوصول إلى مكان عمله، فيما يفقد العامل الزراعي والفلاح ومربي المواشي الأرض والمراعي والمياه ومصادر الإنتاج. إنها، بهذا المعنى، ليست مجموعة أزمات منفصلة، بل حلقات مترابطة في أزمة واحدة تضرب العمل والدخل والإنتاج والحماية الاجتماعية وقدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود اقتصاديًا.
-294 ألف عاطل في الضفة وحدها تكشف أحدث بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني حجم الأزمة. ففي الربع الأول من عام 2026 وصل عدد العاطلين عن العمل في الضفة الغربية إلى نحو 294 ألف شخص، وارتفع معدل البطالة إلى 29.5%، مقارنة بـ27.5% في الربع الأخير من عام 2025. ولا تتوقف المشكلة عند البطالة. فقد بلغ إجمالي نقص استخدام قوة العمل نحو 330 ألف شخص، وهو مؤشر أوسع يكشف حجم الطاقات العمالية التي لا يجد الاقتصاد مجالًا لاستيعابها بصورة كاملة. أما بين الشباب الخريجين الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و29 عامًا ويحملون دبلومًا متوسطًا فأعلى، فقد بلغت البطالة 41.3%، وترتفع بين الشابات الخريجات إلى 49.2%. هذه ليست أرقامًا مجردة. وراء كل رقم عامل يبحث عن عمل، وشاب أنهى تعليمه ولا يجد مكانًا في الاقتصاد، وأسرة فقدت مصدرًا من مصادر دخلها.
- من أكثر من 170 ألف عامل إلى نحو 48 ألفًا تظهر أزمة العمال بصورة أوضح عند النظر إلى سوق العمل الإسرائيلي. قبل تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان أكثر من 170 ألف فلسطيني من الضفة الغربية يعملون في إسرائيل والمستوطنات، وفق بيانات ما قبل الحرب. أما في الربع الأول من عام 2026، فلم يتجاوز العدد 48 ألف عامل، بينهم نحو 30 ألفًا في إسرائيل و17.6 ألفًا في المستوطنات. أي أننا لا نتحدث فقط عن عشرات آلاف تصاريح العمل التي اختفت، بل عن كتلة هائلة من الأجور والدخل فُقدت من الاقتصاد الفلسطيني. وتزداد أهمية ذلك عندما نعرف أن متوسط الأجر اليومي للعامل الفلسطيني في إسرائيل والمستوطنات بلغ في الربع الأول من عام 2026 نحو 278 شيكلًا. فالعامل الذي يفقد عمله لا يفقد أجره وحده. الأجر الذي كان يدخل إلى أسرته كان يتحول إلى غذاء وتعليم وصحة وإيجار وبناء ومواصلات ومشتريات من المتاجر وتسديد للقروض. لذلك فإن إغلاق أبواب العمل أمام عشرات آلاف العمال يولد موجات من الانكماش تتجاوز العمال أنفسهم إلى السوق الفلسطيني كله.
- العامل الفلسطيني بين البطالة والعمل منخفض الأجر حتى من بقي في سوق العمل الفلسطيني لا يعني بالضرورة أنه خرج من دائرة الأزمة. فالاقتصاد الضعيف لا يستطيع استيعاب العمال الذين فقدوا وظائفهم في إسرائيل بأجور وشروط مماثلة. وهنا تظهر مخاطر انتقال أعداد منهم إلى أعمال مؤقتة أو غير منتظمة أو منخفضة الأجر، بما يزيد هشاشة سوق العمل. وهذا يضع الحركة النقابية أمام تحدٍّ مضاعف: الدفاع عن العاطلين عن العمل من جهة، والدفاع عن أجور وشروط عمل من استطاعوا البقاء في سوق العمل من جهة أخرى. فالبطالة المرتفعة ليست خطرًا على العاطلين وحدهم؛ إنها تضغط كذلك على أجور العاملين وعلى قدرتهم التفاوضية.
- عندما تصبح الأرض مكان العمل لكن صورة العامل الفلسطيني لا تكتمل إذا حصرناه بالعامل المأجور. الفلاح عامل، ومربي المواشي عامل، والأسرة التي تعتمد على أرض زراعية أو قطيع من الأغنام تعيش من وسيلة إنتاج ومصدر رزق. ومن هنا يصبح الاستيلاء على الأرض أو منع الوصول إليها قضية عمالية واقتصادية أيضًا. حين تُحرق أشجار الزيتون، أو تُخرب الأراضي والمحاصيل، أو يُمنع الرعاة من الوصول إلى المراعي، أو تتعرض المواشي ومصادر المياه للاعتداء أو المصادرة أو السرقة، لا يجري الاعتداء على ممتلكات فحسب، بل يجري تدمير مكان عمل ومصدر دخل ووسيلة إنتاج. وقد وثقت الأمم المتحدة منذ بداية عام 2026 وحتى منتصف تموز/يوليو أكثر من 1,260 اعتداءً للمستوطنين أسفرت عن إصابات أو أضرار بالممتلكات أو كليهما، وطالت نحو 250 تجمعًا فلسطينيًا، بمعدل يقارب ستة اعتداءات يوميًا. وفي حالات عديدة استهدفت الاعتداءات بصورة مباشرة الأراضي الزراعية والأشجار والمياه والمواشي والبنية الإنتاجية. وهنا تلتقي قضية الاستيطان مباشرة بقضية العمل.
- من الاعتداء على الأرض إلى التهجير الاقتصادي تكشف أرقام النزوح جانبًا آخر من هذه العلاقة،فبين كانون الثاني/يناير 2023 ومنتصف تموز/يوليو 2026 تعرض أكثر من 6,200 فلسطيني للنزوح في سياق اعتداءات المستوطنين والقيود المرتبطة بالوصول، وأكثر من 2,300 منهم خلال عام 2026 وحده. وكانت التجمعات البدوية والرعوية في المنطقة المصنفة «ج» من الأكثر تعرضًا لذلك. ماذا يعني تهجير أسرة رعوية؟ إنه لا يعني فقدان البيت فقط، بل فقدان المرعى ومصدر المياه ومكان تربية الحيوانات وشبكة العلاقات الاقتصادية التي بنت الأسرة حياتها حولها. وبذلك يمكن الحديث عن تهجير اقتصادي يسبق أحيانًا التهجير الجغرافي أو يرافقه: تصبح كلفة البقاء والإنتاج والوصول إلى مصادر الرزق أكبر من قدرة الأسرة على الاحتمال.
- أزمة السلطة تصل إلى جيب العامل إلى جانب ذلك كله تأتي الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية،فاحتجاز أو اقتطاع إيرادات المقاصة والضغوط المالية لا تبقى مسألة حسابية بين السلطة والحكومة الإسرائيلية، بل تصل سريعًا إلى العامل والموظف والسوق. عندما يتلقى الموظف العام راتبًا جزئيًا أو متأخرًا، تتراجع قدرته الشرائية. وحين تتراجع القدرة الشرائية لمئات آلاف الأسر، تتراجع مبيعات المتاجر والخدمات، وتتضرر المنشآت الصغيرة، ويضعف الطلب، وتتقلص قدرة الاقتصاد على خلق وظائف جديدة،وهكذا تنشأ دائرة مغلقة: أزمة مالية ← رواتب ودخول متراجعة ← انخفاض الاستهلاك ← ركود المنشآت ← فقدان وظائف ← مزيد من البطالة والفقر،والعامل هو، في النهاية، من يقف في مركز هذه الدائرة.
- غزة: انهيار سوق العمل أما في قطاع غزة، فقد تجاوزت المسألة مفهوم الأزمة التقليدية في سوق العمل، فالحرب والدمار الواسع للبنية الاقتصادية والمنشآت ووسائل الإنتاج أدت إلى انهيار فرص العمل ومصادر الرزق على نطاق هائل. وكانت تقديرات منظمة العمل الدولية والجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني قد أظهرت، منذ مراحل مبكرة من الحرب، فقدان مئات آلاف الوظائف في الأراضي الفلسطينية، فيما وصلت البطالة في غزة إلى مستويات كارثية. ولهذا ينبغي التعامل مع إعادة إعمار غزة مستقبلًا ليس باعتبارها إعادة بناء الحجر فقط، بل باعتبارها أيضًا مشروعًا لإعادة بناء سوق العمل الفلسطيني: المنشآت، وفرص العمل، والتدريب، والحماية الاجتماعية، والأجور، وحقوق العمال.
- أزمة اقتصادية تتحول إلى أزمة اجتماعية عندما تتراكم البطالة وفقدان الأجر وتراجع الرواتب وتدمير مصادر الرزق الزراعية وارتفاع كلفة الحياة، تكون النتيجة الطبيعية اتساع دائرة الفقر والحاجة. وتبدأ آثار الأزمة بالظهور في قدرة الأسرة على شراء الغذاء، وفي التعليم والصحة والسكن، وفي تراكم الديون، وفي اعتماد أعداد أكبر من السكان على المساعدات. ولهذا فإن أي تقليص للمساعدات الدولية أو لتمويل المؤسسات الإنسانية، وفي مقدمتها المؤسسات التي تقدم خدمات للاجئين، يحدث في لحظة يعاني فيها المجتمع أصلًا من انهيار غير مسبوق في مصادر الدخل.
- أين النقابات من هذه المعركة؟ هنا نصل إلى القضية التي يجب ألا تغيب عن النقاش الفلسطيني والدولي: ماذا تستطيع الحركة النقابية أن تفعل عندما يتعرض سوق العمل نفسه للتفكيك؟ لم تعد مهمة النقابات الفلسطينية مقتصرة على التفاوض بشأن الأجر وشروط العمل داخل المنشأة. هناك عشرات آلاف العمال الذين فقدوا أماكن عملهم، وعمال يحتاجون إلى حماية اجتماعية، وعمال زراعيون تتعرض وسائل إنتاجهم للخطر، وشباب يدخلون سوقًا عاجزًا عن استيعابهم. وهناك كذلك ضرورة للدفاع عن المؤسسات النقابية نفسها وعن حقها في العمل والتنظيم بحرية. ولهذا يصبح مطلوبًا من الحركة النقابية الفلسطينية تطوير برنامج اجتماعي واقتصادي واضح يضع في مركزه الحق في العمل، والحماية الاجتماعية للعاطلين، والأجر اللائق، وحماية العمال الزراعيين، وتنظيم العاملين في الاقتصاد غير الرسمي، والدفاع عن حقوق العمال الفلسطينيين العاملين أو الذين كانوا يعملون داخل إسرائيل.
- ومسؤولية الحركة النقابية الدولية لكن العامل الفلسطيني لا يستطيع مواجهة هذه الظروف وحده، على الحركة النقابية الدولية أن تتعامل مع القضية الفلسطينية أيضًا باعتبارها قضية حقوق عمالية. فالحق في العمل، وحرية الحركة، والأجر، والحماية الاجتماعية، وحرية التنظيم النقابي، وحماية العامل في مكان عمله، ليست مطالب سياسية مجردة، وإنما حقوق أساسية أقرتها معايير العمل الدولية ومبادئ حقوق الإنسان. والتضامن النقابي الدولي المطلوب يجب أن يتجاوز البيانات إلى الدفاع العملي عن هذه الحقوق، ودعم المؤسسات النقابية الفلسطينية، والمساهمة في برامج الحماية والتشغيل وإعادة بناء سوق العمل الفلسطيني.
- العامل في قلب الأزمة… ويجب أن يكون في قلب الحل الأرقام تقودنا في النهاية إلى نتيجة واضحة: العامل الفلسطيني أصبح أحد أبرز من يدفعون ثمن الأزمة المركبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني. فالعامل الذي مُنع من الوصول إلى عمله، والموظف الذي لا يحصل على راتبه كاملًا، والشاب الذي لا يجد فرصة عمل، والفلاح الذي لا يستطيع الوصول إلى أرضه، والراعي الذي يفقد المرعى أو المياه أو المواشي، جميعهم يمثلون أوجهًا مختلفة لأزمة واحدة. لهذا لا يمكن الحديث عن معالجة الفقر الفلسطيني من دون معالجة أزمة العمل، ولا عن تنمية الاقتصاد الفلسطيني من دون حرية الحركة والوصول إلى الأرض والموارد، ولا عن صمود المجتمع من دون حماية الأجور والدخل والحماية الاجتماعية. إن الدفاع عن العامل الفلسطيني وعن حقه في العمل والأجر والتنظيم والحماية الاجتماعية هو، في الوقت نفسه، دفاع عن قدرة المجتمع الفلسطيني على البقاء والإنتاج والصمود، وعن حقه في بناء اقتصاد يستطيع أن يعيش ويتطور بحرية.
- وهنا نعود مرة أخرى إلى إبراهيم نصر الله. في "دبابة تحت شجرة عيد الميلاد"، التي عالج فيها واقع الانتفاضة، تحضر تجربة تأسيس "مزرعة بيت ساحور الحديثة" لتربية الأبقار في سياق السعي إلى الاكتفاء الذاتي. لم تكن المبادرة مجرد مشروع لإنتاج الحليب؛ فقد حملت معنى أعمق: أن يبدأ الفلسطيني بإنتاج ما يحتاج إليه، وأن يقلل اعتماده على الاقتصاد الإسرائيلي، وأن يحول الصمود من موقف سياسي إلى ممارسة اقتصادية يومية. ولهذا يصبح المشروع الصغير مصدر قلق. فالخطر ليس في عدد الأبقار، بل في الفكرة التي يمكن أن تنتشر: أن يتحول الاكتفاء الذاتي إلى خطوة نحو استقلال اقتصادي أوسع. ومن هنا تأتي المفارقة التي تكثف جوهر العلاقة بين الاحتلال والاقتصاد: مبادرة إنتاجية محلية يمكن أن تُقرأ باعتبارها "بؤرة تخريب"، لا لأنها تهدد الأمن، بل لأنها تهدد علاقة التبعية الاقتصادية إذا ما جرى تعميمها. وبعد عقود من تلك التجربة، تبدو المسألة أكثر إلحاحًا. فالحاجز والتصريح والمستوطنة ومصادرة الأرض والتحكم بالمعابر والموارد وإغلاق سوق العمل ليست قضايا منفصلة عن الاقتصاد؛ إنها جزء من البيئة التي تحدد إمكان قيامه أصلًا. ولهذا ربما لا يكون السؤال: هل هناك حل شافٍ لمستقبل اقتصادي فلسطيني مستقل؟ بل السؤال الأسبق والأصعب: كيف يمكن بناء اقتصاد فلسطيني مستقل إذا ظلت الأرض والموارد وحركة العمال والبضائع ومصادر الرزق نفسها خاضعة للسيطرة؟ إن أي مشروع جدي لمستقبل الاقتصاد الفلسطيني لا يمكن أن يبدأ من إدارة البطالة والفقر فحسب، بل من كسر الشروط التي تعيد إنتاجهما. وهذا يعني بناء قاعدة إنتاجية فلسطينية، وحماية الأرض والزراعة، وتوسيع التشغيل المحلي، وتقوية الحماية الاجتماعية، وحماية حقوق العمال وتنظيمهم، وتقليل الارتهان لسوق العمل الإسرائيلي. فالاستقلال الاقتصادي ليس ملفًا منفصلًا عن الحرية السياسية، كما أن الحق في العمل ليس نتيجة مؤجلة للتحرر؛ إنه أحد شروطه الأساسية.
#جهاد_عقل (هاشتاغ)
Jhad_Akel#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
غسان صليبا.. النقابي الأممي الذي جعل التضامن جسراً بين العما
...
-
الشباب وتجديد الحركة النقابية: من التمثيل إلى القيادة
-
من العمل السري إلى التنظيم العلني ،جذور الحركة النقابية العر
...
-
من ديترويت إلى أديلايد- مؤتمرات النقابات العالمية ترسم ملامح
...
-
من الحر القاتل إلى إسكات النقابات: لماذا وضع العالم الولايات
...
-
مؤتمر اتحاد عمال السيارات الأمريكي (UAW): من نقابة قطاعية إل
...
-
الحرارة لم تعد ظرفاً مناخياً… بل قضية حقوق عمالية (2-2)
-
الحرارة لم تعد ظرفاً مناخياً… بل قضية حقوق عمالية (1-2)
-
العمل اللائق أولاً: لماذا ترى الحركة النقابية العالمية أن إن
...
-
بين أرقام الأمم المتحدة وصوت العمال هل تكفي مؤشرات التنمية ا
...
-
ترامب وماسك والحرب على الدولة والنقابات: هل انتهت تجربة DOGE
...
-
مؤشر الحقوق العالمي 2026: حين يصبح الهجوم على النقابات هجوما
...
-
اليوم العالمي للخدمة العامة: عمال الخدمات العامة بين التحديا
...
-
الحركة النقابية الأمريكية تستعيد قوتها: من مينيابوليس إلى دي
...
-
العمال الفلسطينيون بين الحاجة الاقتصادية والتجريم الأمني: من
...
-
أكبر إضراب نقابي في العالم،عندما قال ملايين العمال الهنود: ن
...
-
في افتتاح أعمال المؤتمر الثلاثين للاتحاد الأمريكي للعمل ومؤت
...
-
المؤتمر الرابع عشر لنقابات عمال فيتنام: قيادة جديدة ورؤية مت
...
-
المؤتمر الرابع والخمسون للكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية (
...
-
المؤتمر الرابع والخمسون للكونفدرالية العامة للشغل الفرنسية (
...
المزيد.....
-
نقابة الأطباء تحذر من قبول طلاب الطب بمجموع 50% : “لا يصلحون
...
-
الفلاحون يتظاهرون أمام المالية للمطالبة بصرف مستحقاتهم المال
...
-
المغرب.. في الفنيدق يلتقي واقع البطالة بحلم العبور إلى سبتة
...
-
الفنيدق.. واقع البطالة يتقاطع مع حلم الهجرة إلى سبتة
-
تقرير أممي: أكثر من نصف ضحايا العاملين في المجال الإنساني عا
...
-
نقابة المحامين تنظم محاضرة حول الإجراء الجنائي وتأثيره في تغ
...
-
صيادو المخا في مرمى التصعيد.. وقفة احتجاجية بعد هجمات باب ال
...
-
التعليم العالي: الاختيار الصحيح للتخصص يبدأ بالتعرف على ميول
...
-
تحرك قضائي بمصر لحظر قيد الأجانب والفلسطينيين بنقابة المهندس
...
-
بطالة نينوى عند 35%.. نقابة العمال تطالب بحصة ثابتة للعاطلين
...
المزيد.....
-
النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب
...
/ حمده درويش
-
ملامح من تاريخ الحركة النقابية
/ الحاج عبدالرحمن الحاج
-
تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة
...
/ ماري سيغارا
-
الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح
...
/ ماري سيغارا
-
التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت (
...
/ روسانا توفارو
-
تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات
/ جيلاني الهمامي
-
دليل العمل النقابي
/ مارية شرف
-
الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا
...
/ خميس بن محمد عرفاوي
-
مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال
/ حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
المزيد.....
|