أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - نحو إعادة تأسيس الوظيفة الشيوعية في العراق المعاصر















المزيد.....



نحو إعادة تأسيس الوظيفة الشيوعية في العراق المعاصر


علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب

(Ali Tabla)


الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 02:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أطروحات مقدمة إلى المؤتمر الوطني الثاني عشر للحزب الشيوعي العراقي

د. علي طبله

نحو إعادة تأسيس الوظيفة الشيوعية في العراق المعاصر

تُقدَّم هذه الأطروحات إلى المؤتمر الوطني الثاني عشر للحزب الشيوعي العراقي من داخل الانتماء إلى المشروع الشيوعي العراقي، ومن موقع الحرص على ديمومته وتجديده واستعادة قدرته على المبادرة التاريخية. وهي لا تقترح القطيعة مع الحزب أو استبداله بتنظيم آخر، ولا تتجه إلى محاكمة أشخاص أو أجيال، ولا تتعامل مع تاريخه بوصفه كتلة من الأخطاء ينبغي التخلص منها أو تراثًا مقدسًا ينبغي الدفاع عنه كما هو. فالمنهج الماركسي نفسه لا يسمح بأي من الموقفين. التاريخ، في هذا المنهج، مادة للنقد والمعرفة، وما يبقى منه حيًا هو ما نستطيع أن نحوله إلى قدرة أكبر على فهم الحاضر وتغييره.

ولهذا لا يمكن أن تبدأ المراجعة التي يحتاجها الحزب اليوم من المؤتمر الحادي عشر وحده، ولا من تجربة انتخابية أخيرة أو تحالف سياسي بعينه. إن كثيرًا من الأسئلة التي نواجهها الآن ظهرت، بأشكال مختلفة، خلال مراحل طويلة من حياة الحزب. والحزب نفسه امتلك، في محطات متعددة، شجاعة العودة إلى تجربته ومحاكمتها نقديًا. فالتقييمات التي أعقبت مراحل الخمسينيات والستينيات، ومراجعة تجربة الجبهة، وتقييم الحركة الأنصارية، والمراجعات اللاحقة للتجارب الاشتراكية، جميعها تكشف أن الحزب عرف، في لحظات مهمة من تاريخه، أن الحركة التي لا تحول إخفاقاتها وأخطائها إلى معرفة محكومة بالنقد تكون معرضة لإعادة إنتاجها.

وتأخذ هذه المسألة دلالة خاصة حين نعود إلى ما أعقب كارثة شباط 1963. فقد خرج الحزب من واحدة من أقسى الضربات التي تعرضت لها حركة سياسية عراقية، وكان عليه في الوقت نفسه أن يعيد بناء تنظيمه وأن يعيد التفكير في طريقه. وفي تلك الظروف ظهر «خط آب» سنة 1964، الذي انطلق من قراءة لبعض إجراءات النظام العارفي، ومنها التأميمات والاقتراب من النموذج الناصري، باعتبارها علامات يمكن أن تشير إلى إمكان تطور غير رأسمالي. لكن المشكلة لم تكن في ملاحظة أهمية التأميمات أو في محاولة قراءة التناقضات داخل النظام السياسي. كانت المشكلة في الانتقال من قراءة بعض الإجراءات إلى استنتاج أوسع يتعلق بطبيعة القوة التي تنفذها ودورها التاريخي، ثم في إضعاف استقلال الطبقة العاملة وحزبها أمام افتراض أن قوة أخرى يمكن أن تحمل عملية التحول.

ولم يستمر هذا الخط طويلًا. فقد عاد الحزب في الكونفرنس الثالث سنة 1967 إلى نقده وإدانته، وسعى في الوقت نفسه إلى رفض الاتجاه المعاكس المتمثل في المغامرة اليسارية. وكانت تلك لحظة بالغة الدلالة في تاريخ الحزب؛ لأنها أظهرت أن النقد الشيوعي الحقيقي لا يعالج خطأً يمينيًا بقفزة إرادوية إلى اليسار، ولا يستبدل سوء قراءة موازين القوى بإهمالها. وكان الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من تلك التجربة، وهو درس ما يزال صالحًا اليوم، أن التأميم لا يجعل الدولة اشتراكية تلقائيًا، وأن الصدام مع الإمبريالية لا يجعل كل قوة تخوضه ممثلًا لمصالح الطبقة العاملة، وأن اسم السياسة لا يغني عن تحليل علاقات الملكية والعمل والدولة والفائض.

وعندما انعقد المؤتمر الثاني سنة 1970، بدا هذا الحرص على الاستقلال واضحًا في رفض فرض قيادة حزب واحد على الجبهة الوطنية، وفي التأكيد على الاستقلال الفكري والسياسي والتنظيمي للأحزاب، وفي التشديد على دور العمال والفلاحين في أي تحالف وطني. كما لم يتردد الحزب في نقد تبعيث الدولة وتمركز السلطة وتقييد الحريات. غير أن المسار الذي تلا ذلك انتهى إلى تجربة الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، وفي داخلها عاد السؤال القديم بصورة جديدة: كيف يتحالف الحزب مع قوة تمسك بالدولة وتمتلك مشروعها الخاص من دون أن يتحول التحالف من تكتيك سياسي إلى تصور استراتيجي طويل المدى؟

لقد قُبل في تلك المرحلة موقع متميز للبعث في قيادة الجبهة، كما قبل احتكاره للعمل السياسي داخل القوات المسلحة، وتطور تدريجيًا تصور يرى إمكان أن يحمل هذا التحالف اتجاهًا طويلًا نحو تحول اجتماعي أعمق. ثم عاد الحزب في تقييمه اللاحق، ولا سيما في منتصف الثمانينيات، إلى تسجيل أن الجبهة بقيت فوقية وعاجزة عن تعبئة الجماهير، وأن البعث تعامل معها بوصفها ائتلافًا تكتيكيًا بينما تعامل الحزب معها بدرجة أعلى من الاستراتيجية، وأن تطور السلطة نفسها أنتج برجوازية بيروقراطية وطفيلية ارتبطت أكثر فأكثر بالثروة والقمع والدولة.

إن إعادة قراءة هذه التجربة اليوم لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة أخلاقية للحلفاء السابقين. فالمسألة ليست أن طرفًا «خان» وطرفًا آخر كان حسن النية. السياسة الماركسية لا تستطيع أن تبني نفسها على انتظار وفاء الطبقات والقوى الأخرى. كل قوة تتحرك وفق بنيتها ومصالحها وضغوطها التاريخية. والسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلينا هو لماذا نُسب أحيانًا إلى قوة سياسية تمسك بالدولة وتضيق بالتعددية وتحتكر أدوات القوة دور تاريخي يتجاوز طبيعتها الاجتماعية؟ ولماذا عوملت بعض السياسات الاقتصادية أو المواجهات الخارجية بوصفها قرائن كافية على اتجاه يمكن أن يقود معها إلى الاشتراكية؟

التحالف في ذاته ليس الخطأ. الحزب الذي يرفض كل تحالف لا يصبح أكثر ماركسية، بل قد يتحول إلى جماعة معزولة عن الصراع الفعلي. القضية هي شروط التحالف وحدوده، وموقع الحزب داخله، وقدرته على التمييز بين وحدة هدف مرحلي وبين اختلاف المشروع الطبقي. ومن هنا يظهر واحد من أهم الدروس التي ينبغي أن تكون حاضرة في المؤتمر الثاني عشر: التحالف يكون تكتيكًا عندما تدخله قوة اجتماعية مستقلة تعرف برنامجها وطبقتها وحدود الالتقاء والاختلاف مع حلفائها، لكنه يستطيع أن يصبح بديلًا عن بناء القوة المستقلة عندما يدخل الحزب إليه أساسًا لتعويض ضعف جذوره الاجتماعية.

وبعد انهيار الجبهة والقمع الدموي الذي أعقبها، دخل الحزب مراحل جديدة من الكفاح المسلح والمنفى والحروب والحصار والتحولات الكبرى في الحركة الشيوعية العالمية. ثم جاءت سنة 1993 لتشكل واحدة من أهم لحظات المراجعة الفكرية والتنظيمية في تاريخه الحديث. فقد اتجه مؤتمر الديمقراطية والتجديد إلى إعادة النظر في الكثير من المفاهيم وآليات الحياة الداخلية، وإلى فهم الماركسية بوصفها منهجًا لا مجموعة نصوص مغلقة، وإلى فتح المجال أمام تعددية فكرية أوسع وديمقراطية داخلية وقيادة جماعية، وإلى إعادة التفكير في العلاقة بين الاشتراكية والديمقراطية.

وكان لهذا التحول مبرره التاريخي العميق. فقد أظهرت التجارب التي انهارت في الاتحاد السوفيتي وشرق أوروبا أن الملكية العامة وحدها لا تصنع الاشتراكية، وأن الدولة تستطيع أن تمتلك وسائل الإنتاج بينما تبقى الطبقة العاملة نفسها بعيدة عن القرار، وأن غياب الديمقراطية والمركزية المفرطة وتضخم البيروقراطية ليست أخطاء ثانوية يمكن إهمالها بحجة الدفاع عن النظام الاشتراكي. ومن هنا جاءت المراجعات اللاحقة للتجارب الاشتراكية لتقر بأن أسباب انهيارها لا يمكن ردها إلى التآمر الخارجي وحده، وأن الاشتراكية التي تفقد الديمقراطية تفقد جزءًا جوهريًا من مضمونها التحرري.

لكن التاريخ لا يحل تناقضًا من دون أن يفتح آخر. فإذا كان الخطر في مرحلة سابقة هو التعامل مع الاشتراكية بوصفها يقينًا تاريخيًا مغلقًا ومع الديمقراطية بوصفها مجرد أداة أو مرحلة يمكن تجاوزها، فإن الخطر المقابل الذي ظهر بعد ذلك هو اتساع المسافة بين الاشتراكية بوصفها أفقًا تاريخيًا بعيدًا وبين البرنامج الديمقراطي المباشر إلى حد أن الأولى تستطيع أن تتحول إلى هوية موروثة بينما يصبح الثاني هو السياسة الفعلية كلها.

إن رفض حرق المراحل كان ضرورة. لا تنتقل المجتمعات إلى الاشتراكية بمجرد إرادة حزب أو إعلان سياسي. لكن رفض حرق المراحل لا يعني تحويل المرحلة الراهنة إلى أفق نهائي مكتفٍ بذاته. الديمقراطية ليست جسرًا نعبره ثم نهدمه، ولكنها كذلك لا تكتمل إذا بقيت سلطة الثروة الخاصة ومراكز القرار الاقتصادي بعيدة عن المساءلة الاجتماعية. وهنا تبدأ المسألة التي ينبغي أن تكون في صلب نقاش المؤتمر الثاني عشر: كيف نجعل الديمقراطية جزءًا أصيلًا من المشروع الاشتراكي، وفي الوقت نفسه نمنع المشروع الديمقراطي من أن يستقر داخل حدود الرأسمالية بوصفها الأفق الأخير؟

جاء عام 2003 ليضع الحزب أمام واقع شديد التناقض. سقطت الدكتاتورية عبر الحرب والاحتلال، وانفتح المجال أمام حياة سياسية جديدة في الوقت نفسه الذي انهارت فيه مؤسسات الدولة واتسعت التدخلات الخارجية وصعد نظام المحاصصة والهويات الفرعية. وفي هذا السياق كان دفاع الحزب عن الديمقراطية والمواطنة والدستور والانتخابات والدولة في مواجهة الاستبداد والانقسام الهوياتي ضرورة تاريخية فعلية. ثم تطورت صياغاته باتجاه الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية والعدالة الاجتماعية، ولاحقًا باتجاه «التغيير» و«التغيير الشامل».

لكن السؤال الذي ظل يحتاج إلى إجابة أكثر حسمًا هو ما إذا كان تحليل الحزب للطبقات قد تطور بالعمق نفسه الذي تطور به تحليله للنظام السياسي. فالمحاصصة شُخّصت بصورة متقدمة، والفساد جرى ربطه ببنية الحكم، والأزمة وُصفت في السنوات الأخيرة بأنها أزمة بنيوية، كما ظهر وعي متزايد بالطبيعة الريعية للاقتصاد وبوجود أقلية تجمع الثروة والقرار والنفوذ، وبدأت وثائق الحزب تتحدث بصورة أوضح عن الطبقة العاملة وشغيلة الاقتصاد غير المنظم. وقد كشفت انتفاضة تشرين نفسها، كما سجلت وثائق الحزب، أن المسألة لم تكن مجرد احتجاج مواطني على سوء الإدارة، بل تضمنت صراعًا اجتماعيًا عميقًا بين أقلية مرفهة ومتحكمة وغالبية واسعة محرومة ومهمشة.

وهذا التطور في التشخيص مهم. لكنه يطرح سؤالًا أكبر لا يمكن تجنبه: إذا أصبح التشخيص طبقيًا وبنيويًا، فلماذا لا تتحول الاستراتيجية بالوضوح نفسه إلى استراتيجية طبقية وبنيوية؟

إذا كنا نقرر أن النظام عاجز عن حل تناقضاته داخل بنيته، فلا يكفي أن يكون مشروعنا هو تحسين إدارة هذه البنية. وإذا كنا نرى أن الاقتصاد الريعي الزبائني يعيد إنتاج أقلية تحتكر الثروة والقرار، فلا يكفي أن نطالب باقتصاد «منتج ومتنوع» من دون أن نسأل من سيملك هذا الاقتصاد ومن سيقرر اتجاهه ومن سيحصل على ثمرة إنتاجيته.

فالرأسمالية الصناعية اقتصاد منتج أيضًا. وليست الصناعة بذاتها اشتراكية. والسؤال الماركسي لا يتوقف عند ما إذا كان الاقتصاد منتجًا أو ريعيًا، بل يبدأ من سؤال الملكية والعمل والفائض والسلطة.

ومن هنا ينبغي أن نعيد النظر في المحاصصة نفسها. لقد كان نقدها ضروريًا وسيبقى كذلك، لكنها ليست أصل الأزمة الأخير. إنها واحدة من الصيغ السياسية التي اتخذتها بنية أعمق تشابكت فيها الدولة مع الريع والنفط والاستيراد والمصارف والعقار والمقاولات والعقود والامتياز والنفوذ السياسي. وحين تصبح السيطرة على الوزارة أو المنفذ أو العقد وسيلة لتحويل السلطة إلى ملكية، تصبح المحاصصة أكثر من ترتيب للمناصب؛ تصبح آلية من آليات التراكم وتوزيع النفوذ.

ولهذا فإن تعبير «القوى المتنفذة» لم يعد كافيًا لوثيقة تريد أن تكون ماركسية صارمة. نحن بحاجة إلى أن نعرف من هي الكتلة الاجتماعية الحاكمة لا من هي أسماؤها السياسية فقط. نحتاج إلى فهم موقع رأس المال التجاري والاستيرادي، ودور المصارف، وتكوين الرأسمال العقاري والمقاولاتي، والعلاقة بين الشركات والعقود العامة، والروابط بين السلطة السياسية ورأس المال، وموقع المكاتب الاقتصادية والجماعات المسلحة، والتشابك بين الرأسمال المحلي والإقليمي والعالمي.

قد تتصارع أجزاء هذه الكتلة فيما بينها بشدة، وقد تصل صراعاتها إلى حدود العنف، لكن خلافاتها لا تعني تلقائيًا أنها تمثل بدائل طبقية مختلفة. يمكن لقوتين سياسيتين أن تتصارعا على الدولة وهما تتحركان داخل المنطق الاجتماعي نفسه. وهذه معرفة ضرورية للحزب حتى لا يتحول إلى احتياط في صراعات أجنحة لا تمثل مشروعه.

وفي المقابل، إذا كنا نريد أن نعيد الطبقة العاملة إلى مركز المشروع، فعلينا أولًا أن نعيد اكتشافها كما هي اليوم. الطبقة العاملة العراقية في القرن الحادي والعشرين ليست نسخة مطابقة للعامل الصناعي في خمسينيات القرن الماضي. هناك عامل النفط والميناء والنقل والكهرباء والبناء والخدمات، والعامل في الشركات المتعاقدة، والعامل المؤقت واليومي، وشغيلة الاقتصاد غير المنظم، وعمال المنصات والأشكال الرقمية الناشئة للعمل، وشرائح واسعة من الموظفين الذين لا يملكون وسيلة عيش مستقلة عن بيع قوة عملهم، إلى جانب كتلة كبيرة من العاطلين والباحثين عن العمل الذين يؤثر وجودهم مباشرة في قوة العمال التفاوضية.

لا يستطيع حزب أن يقول إنه حزب هذه الطبقة ثم يعتمد على صورة قديمة عنها. ولذلك فإن واحدة من أهم وظائف الحزب المقبلة يجب أن تكون إنتاج معرفة مستمرة بالمجتمع الذي يريد تغييره. البحث في الأجور والعقود والعمل الهش والبطالة والقطاعات المتوسعة والمتراجعة والملكية والثروة والهجرة والتكنولوجيا ليس نشاطًا أكاديميًا هامشيًا؛ إنه جزء من التنظيم ذاته. فالمنظمة التي لا تعرف أين تتحرك الطبقة التي تريد تمثيلها لا تستطيع أن تحدد أين ينبغي أن تضع كوادرها ومواردها وأولوياتها.

وهذا يقود بصورة طبيعية إلى سؤال التنظيم. فقد تعرف الأحزاب التاريخية، مع مرور الزمن، ظاهرة يمكن وصفها بالمقراتية التنظيمية، حين يصبح المقر والاجتماع والتقرير الداخلي مركز النشاط، بينما تتحول مواقع العمل والسكن والدراسة إلى محيط يذهب إليه الحزب عند الحاجة. وليس المقصود هنا التقليل من شأن المقر أو الانضباط أو المركزية. كلها ضرورية. لكن وظيفتها أن تجعل الحزب أكثر حضورًا في المجتمع، لا أن تجعل المؤسسة الحزبية هدفًا قائمًا بذاته.

إن المركز الذي نحتاجه ليس مركزًا أضعف، بل مركزًا مختلف الوظيفة. مركز خادم يملك المعرفة والأدوات والقدرة على التدريب والتنسيق والدعم القانوني والإعلامي والبحثي، ويضمن وحدة الاتجاه، لكنه يقيس قوته بمقدار ما تصبح التنظيمات القاعدية أكثر قدرة على المبادرة، لا بمقدار ما تصبح أكثر اعتمادًا عليه.

وهنا تتصل المسألة التنظيمية مباشرة بتجربة التحالفات. فكلما ضعفت الجذور الاجتماعية للحزب أصبح أكثر اعتمادًا على التحالف، وكلما ازداد اعتماده على التحالف زاد احتمال أن يصبح الحفاظ عليه عاملًا يؤثر في خطابه وأولوياته. ولهذا فإن الضمانة الأهم لاستقلال الحزب داخل أي جبهة مقبلة ليست عبارة مكتوبة عن «الاستقلال التنظيمي»، بل وجود قوة اجتماعية مستقلة للحزب بين العمال والكادحين والمنتجين.

ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة الدعوة الراهنة إلى جبهة شعبية سياسية واسعة. فهي يمكن أن تكون ضرورة ومهمة حقيقية، لكن الجبهة لا تصبح شعبية بمجرد زيادة عدد الأحزاب المشاركة فيها. تصبح كذلك حين تكون الحركة الاجتماعية نفسها جزءًا من تكوينها؛ حين يدخل العمال والنقابات والطلاب والحركات النسائية والتنظيمات المهنية وحركات السكن والخدمات والبيئة وشغيلة الاقتصاد غير المنظم في إنتاج برنامجها وحركتها، لا أن يبقوا جمهورًا تنتظر منه القيادات تأييد اتفاق جرى التوصل إليه في الأعلى.

ولا يوجد تناقض بين الجبهة الواسعة والاستقلال الطبقي ما دام الحزب يعرف أين يلتقي مع الآخرين وأين يختلف عنهم. يبدأ الخطر عندما يصبح اتساع الجبهة أهم من اتجاهها، أو حين يتحول الحد الأدنى المشترك إلى سقف لا يستطيع الحزب تجاوزه. والتاريخ الطويل للتحالفات، من تجارب السبعينيات إلى تحالفات ما بعد 2003، ينبغي أن يتحول هنا إلى معرفة مؤسسية لا إلى ذاكرة خلافية.

فالتحالف لا ينبغي أن يُقيّم فقط بعدد المقاعد أو حجم الظهور السياسي الذي أتاحه. ينبغي أن نسأل هل خرج الحزب منه أكثر تجذرًا بين طبقته، وهل توسعت منظماته، وهل ازداد استقلاله الفكري، وهل أصبح جمهوره أكثر قدرة على التمييز بين مشروعه ومشروع حلفائه. فإذا كسبنا موقعًا سياسيًا وخسرنا وضوحنا الطبقي، فإن ميزان الربح والخسارة يحتاج إلى مراجعة أعمق.

الأمر نفسه ينطبق على الانتخابات. فالبرلمان ساحة لا يجوز تركها، والانتخابات حق ديمقراطي وميدان للصراع. لكن الحزب لا يستطيع أن يجعل الدورة الانتخابية هي الإيقاع الذي يحدد حياته. الحضور الاجتماعي ينبغي أن يكون الأصل، والتمثيل الانتخابي أحد تعبيراته. أما حين يصبح العمل الجماهيري نشاطًا يتصاعد قبيل الانتخابات ثم يخفت بعدها، يبدأ التنظيم بالتحول تدريجيًا من حزب للصراع الاجتماعي إلى حزب للمنافسة على التمثيل.

ولا تختلف وسائل التواصل الاجتماعي في جوهر المسألة. المتابع ليس عضوًا، والمشاهدة ليست تنظيمًا، والإعجاب ليس وعيًا طبقيًا. الإعلام الرقمي مهم، وربما أصبح من أهم ميادين العمل السياسي المعاصر، لكن قيمته بالنسبة للحزب تقاس بقدرته على نقل الإنسان من المتابعة إلى الفهم، ومن الفهم إلى المشاركة، ومن المشاركة إلى التنظيم والفعل الجماعي.

وهنا تتضح مجددًا وظيفة التوعية. لقد كان الحزب الشيوعي، في مراحل ازدهاره، أكثر من منظمة سياسية؛ كان مدرسة اجتماعية. والعودة إلى هذه الوظيفة لا تعني العودة إلى التلقين أو حفظ النصوص. التوعية التي نحتاجها اليوم هي مساعدة الناس على رؤية العلاقات التي تختبئ خلف الظواهر اليومية.

حين ترتفع الأسعار، لا يكفي أن نعلن رفضنا لارتفاعها؛ علينا أن نوضح سلسلة السلعة، ودور الاستيراد والاحتكار والمصارف والوساطة والأرباح. وحين ينتشر الفقر، لا يكفي أن نطالب بإعانات أكبر، بل ينبغي أن نشرح العلاقات التي تنتج الفقر وتعيد إنتاجه. وحين تنهار المدرسة العامة، لا نراه خللًا في قطاع خدمات فقط، بل نرى كيف يستطيع القادر شراء تعليم أفضل بينما تحمل الطبقات الشعبية عبء الانهيار، وكيف يصبح التعليم نفسه أداة لإعادة إنتاج التفاوت الطبقي.

وحين يطالب العامل بأجر أفضل، لا نحتاج إلى أن نبدأ معه بمحاضرة في فائض القيمة. نبدأ من تجربته نفسها: من يقرر أجره؟ ما العلاقة بين ما ينتجه وما يحصل عليه؟ لماذا يملك طرف قدرة أكبر على التفاوض من الطرف الآخر؟ وكيف يؤثر وجود البطالة والعمل الهش في هذه العلاقة؟ عندها تتحول التجربة اليومية إلى مدخل لفهم بنية أوسع.

وهذا هو معنى أن تكون الماركسية معرفة للحياة، لا معرفة محفوظة داخل التنظيم.

ومن هنا يجب أن نعيد مفهوم الاستغلال إلى مكانه. الفقر نتيجة يمكن رؤيتها، أما الاستغلال فهو العلاقة التي ينبغي كشفها. قد يرتفع دخل العامل ولا تزول علاقته التابعة برأس المال. وقد تكون الدولة قليلة الفساد ويظل توزيع الثروة شديد الاختلال. لذلك فإن مكافحة الفساد، مهما كانت ضرورية، ليست بديلًا عن الصراع الطبقي.

في العراق يمتلك الفساد الكبير بعدًا إضافيًا؛ لأنه يستطيع أن يعمل كقناة لتحويل السلطة العامة إلى ملكية خاصة. ومن ثم فإن محاسبة الأشخاص واسترداد الأموال واستقلال القضاء والحسابات الختامية والشفافية كلها ضرورات، لكنها لا تكفي إذا بقيت العلاقات التي تسمح بتحويل الموقع السياسي إلى ثروة قائمة. يمكن للنظام أن يضحي بفاسد ويعيد إنتاج الوظيفة التي أنتجته.

وعند هذه النقطة لا نستطيع تجنب سؤال الملكية. من يملك النفط والأرض والمصارف والبنى الأساسية؟ من يملك المعرفة والبيانات والمنصات والتكنولوجيا التي ستزداد أهميتها في الاقتصاد الجديد؟ ومن يملك القدرة على اتخاذ القرار حتى في المؤسسات المملوكة للدولة؟

إن الدفاع عن القطاع العام ضروري، لكن تجارب القرن العشرين نفسها تمنعنا من مساواة ملكية الدولة بالاشتراكية. فالملكية الحكومية تستطيع أن تتعايش مع بيروقراطية قوية وعامل ضعيف لا يشارك في القرار. ولذلك ينبغي أن يتطور مفهومنا من الملكية الحكومية إلى الملكية الاجتماعية الديمقراطية، حيث تقترن الملكية العامة بالشفافية والرقابة الاجتماعية والعمالية والمساءلة والمشاركة.

ولا يعني ذلك تجاهل اختلاف أشكال الملكية الخاصة أو وضع صاحب الورشة الصغيرة والحرفي والفلاح والمنتج الصغير في الموقع نفسه الذي يحتله رأس المال المالي أو العقاري أو الاحتكاري. إن السياسة الانتقالية الجادة تميز بين رأس مال يرتبط بالإنتاج الفعلي ويمكن أن يتعايش في مرحلة طويلة مع مشروع تنموي اجتماعي، وبين رأس مال يراكم من المضاربة والاحتكار والريع والامتياز. هذا التمييز ليس تنازلًا عن الماركسية، بل تطبيق لها على التركيب الملموس للمجتمع.

والقول إننا نريد اقتصادًا منتجًا يجب أن يخضع للصرامة نفسها. إنتاجية الاقتصاد ليست في ذاتها معيارًا لتحرره. فقد ينتج المجتمع ضعف ما كان ينتجه من قبل بينما يحصل العامل على نصيب أصغر من الثروة. وإذا أدت التكنولوجيا إلى مضاعفة إنتاجية العمل، يستطيع منطق رأس المال أن يحول ذلك إلى أرباح أكبر وتسريح للعمال، بينما يستطيع منطق اجتماعي آخر أن يحوله إلى وقت عمل أقل وحياة أغنى.

وهنا يصبح الزمن نفسه موضوعًا للصراع الطبقي. العامل لا يبيع جهدًا مجردًا، بل جزءًا من حياته. وكل تقدم تقني ينبغي أن يقاس أيضًا بمقدار ما يستطيع أن يحرره من زمن الإنسان، لا فقط بمقدار ما يزيد الإنتاج.

ومن هنا يمكن أن تدخل قضايا الذكاء الاصطناعي والأتمتة إلى قلب المشروع الشيوعي المعاصر. ليست التكنولوجيا عدوًا للعمال، كما أنها ليست قوة محايدة تحقق التقدم تلقائيًا. السؤال هو من يملكها، ومن يملك البيانات، ومن يستفيد من إنتاجيتها، وهل تستخدم لتقليل زمن العمل الضروري أم لزيادة الخوف من البطالة وتركيز الثروة.

والأمر نفسه يصدق على قضايا المرأة. لا يكفي أن نتحدث عن تمثيل النساء أو مساواتهن القانونية، مع ضرورة ذلك. فالمرأة العاملة تستطيع أن تتعرض للاستغلال في العمل ثم تحمل بعده القسم الأكبر من عمل الرعاية غير المدفوع. وحين لا توفر الدولة حضانات ورعاية صحية وخدمات لكبار السن، يجري تحميل الأسرة، والنساء بصورة خاصة، كلفة اجتماعية ضخمة لا تظهر في الحسابات الاقتصادية. وهكذا تصبح الرعاية والعمل المنزلي والاستقلال الاقتصادي والمساواة في الأجر جزءًا من الاقتصاد السياسي، لا ملفًا منفصلًا يسمى «قضية المرأة».

والشباب لا يمكن التعامل معهم بوصفهم جمهورًا نحتاج إلى خطاب أحدث للوصول إليه. أزمتهم مادية قبل أن تكون اتصالية: تعليم لا يضمن عملًا، وعمل لا يضمن دخلًا كافيًا، ودخل لا يضمن سكنًا، وسكن لا يسمح ببناء حياة مستقلة. وحين لا يقدم الحزب تفسيرًا لهذه السلسلة، لا تستطيع أي منصة رقمية أن تعوض غياب التفسير.

ومن هنا يبرز مفهوم شروط الحياة بوصفه أحد الجسور المهمة بين النظرية الماركسية والتجربة اليومية. فالناس يعرفون الخوف من البطالة، والانتظار في المستشفى، وكلفة الدواء، وإيجار المنزل، ورداءة التعليم، وضياع الساعات في النقل، والقلق على مستقبل أبنائهم. وهذه ليست مشكلات متفرقة. السكن يقود إلى سؤال الأرض والملكية. والأجر يقود إلى توزيع الفائض. والكهرباء تقود إلى الدولة والعقود والاستثمار. والتعليم يقود إلى توزيع المعرفة. والبطالة تقود إلى نمط التراكم. والزمن يقود إلى علاقة العمل.

إن البرنامج الشيوعي يصبح برنامجًا توعويًا حين يساعد الناس على رؤية هذه الروابط.

ومن هنا أيضًا يأتي معنى البرنامج الانتقالي. فالبرنامج الانتقالي ليس قائمة أطول من المطالب، ولا مجموعة شعارات أكثر راديكالية. إنه الطريقة التي تربط الحاجة المباشرة بالسؤال البنيوي. يبدأ النضال من الكهرباء ويصل إلى الملكية والتسعير والعقود. يبدأ من السكن ويصل إلى الأرض والعقار والائتمان. يبدأ من الأجر ويصل إلى علاقة العمل والفائض. يبدأ من الصحة والتعليم ويصل إلى الصراع بين الحق الاجتماعي ومنطق السوق.

وبهذه الطريقة لا نقفز فوق وعي الناس، ولا نبقى أسرى حدوده الراهنة. ننطلق من التجربة التي يعيشونها ونجعل الصراع نفسه مدرسة لفهم النظام.

وهذا هو الجسر الذي نحتاجه بين التغيير الديمقراطي الراهن والأفق الاشتراكي. فلا يمكن أن نضع الدولة المدنية الديمقراطية في أول البرنامج والاشتراكية في آخره ونترك المسافة بينهما فارغة. لأن هذا الفراغ هو الذي يسمح للسياسة اليومية بأن تتحول إلى إدارة أفضل للرأسمالية بينما تبقى الاشتراكية إعلانًا لهوية تاريخية.

يمكن أن نفكر في التحول المطلوب بوصفه مسارًا وطنيًا ديمقراطيًا اجتماعيًا ذا اتجاه اشتراكي. ليس مرحلة جامدة لها تاريخ بداية ونهاية، ولا وصفة منسوخة من تجربة أخرى، بل اتجاه تتغير فيه موازين القوة بصورة متزايدة لمصلحة العمل والمجتمع، وتتوسع فيه الملكية العامة والاجتماعية والتعاونية، ويحاصر الريع والاحتكار والمضاربة، ويخضع رأس المال الكبير لحقوق العمل والبيئة والمصلحة العامة، وتتعمق الديمقراطية السياسية والاجتماعية معًا.

والسؤال في كل خطوة ليس: هل أصبحت اشتراكية كاملة؟ بل: في أي اتجاه تحرك ميزان القوة؟ هل زادت قدرة رأس المال على تقرير حياة الإنسان أم نقصت؟ هل أصبحت الخدمات أكثر خضوعًا للسوق أم أكثر تحررًا منه؟ هل توسعت الملكية الاجتماعية؟ هل ازداد الوقت الحر؟ هل أصبحت قدرة المجتمع على تحديد اتجاه الموارد والاستثمار أكبر؟

بهذا المعنى تصبح الاشتراكية بوصلة للحاضر، لا فقرة للمستقبل.

وهذا يقودنا إلى الدولة. فقد كان شعار الدولة المدنية الديمقراطية ضروريًا في مواجهة المحاصصة والهوياتية والاستبداد، ولا ينبغي التخلي عن الديمقراطية أو المواطنة أو القانون. لكن الدولة ليست وعاءً محايدًا نستبدل داخله إدارة سيئة بإدارة جيدة. إنها تكثيف لموازين القوى الاجتماعية. وفي بلد تمر أغلب موارده عبر الدولة، تصبح السيطرة عليها جزءًا مباشرًا من الصراع على الثروة.

ولهذا لا يكفي أن نقول إننا نريد دولة قوية. يجب أن نسأل: قوية في فعل ماذا ولصالح من؟ فقد تكون الدولة قوية في فرض الخصخصة، وقوية في كبح الإضرابات، وقوية في حماية الاحتكار. ما نحتاجه هو دولة تتغير وظيفتها الاجتماعية بحيث توسع قدرة المجتمع على التحكم بموارده وشروط حياته، وتخضع سلطة رأس المال بصورة متزايدة للمصلحة العامة.

وفي هذا الإطار تصبح الديمقراطية السياسية والديمقراطية المادية وجهين لمشروع واحد. حرية التنظيم والصحافة والتعبير والانتخاب والتعددية وحق المعارضة ليست امتيازات مرحلية. إنها منجزات إنسانية يجب أن تبقى وتتعمق. لكن الحرية القانونية لا تعني قدرة متساوية على استخدامها إذا كان طرف يملك الثروة والإعلام والتعليم والوقت بينما يعمل الطرف الآخر ساعات طويلة ويعيش تحت تهديد البطالة.

الديمقراطية المادية تعني توفير الشروط التي تجعل الحرية قابلة للممارسة: الصحة والتعليم والسكن والعمل والأمن الاجتماعي والمعرفة والوقت. وهي لا تلغي الديمقراطية السياسية؛ بل تعطيها مضمونًا أعمق.

ومن هنا يجب أن يكون موقف الحزب واضحًا في شأن تجربة الاشتراكية نفسها. لا اشتراكية بلا ديمقراطية. لا يمكن تحرير العمل بإلغاء حرية العامل، ولا يمكن بناء سلطة الكادحين بإبعادهم عن القرار. وفي الوقت ذاته، لا يمكن اعتبار الديمقراطية مكتملة حين تبقى القرارات التي تحدد الأجر والاستثمار والسكن والائتمان والملكية خارج كل سيطرة اجتماعية لأنها مصنفة باعتبارها شؤونًا خاصة.

وهكذا يصبح سؤال السلطة مختلفًا عما اعتدنا أحيانًا. السلطة ليست الحكومة وحدها. توجد سلطة في مكان العمل، وفي المصرف، وفي الأرض، وفي الإعلام، وفي الموازنة، وفي المنصة الرقمية. ولذلك فإن بناء سلطة اجتماعية جديدة يبدأ قبل الوصول إلى الحكومة. كل نقابة قوية تنقل جزءًا من القدرة على القرار. كل تعاونية، وكل رقابة شعبية، وكل مشاركة فعلية في إدارة مؤسسة عامة، وكل تنظيم في موقع العمل يغير شيئًا في ميزان القوة.

ولا يكون الحزب بديلًا عن هذه الحركة. الحزب ضروري لأنه يوحد التجربة ويطور الوعي ويصل بين النضالات ويصوغ الاستراتيجية، لكنه لا يصبح مالكًا لإرادة الطبقة. القيادة الشيوعية لا تعني الحلول محل الناس، بل زيادة قدرتهم على فهم شروطهم وتنظيم أنفسهم وقيادة صراعهم.

وهذا يعيدنا إلى الحياة الداخلية للحزب. فالحزب الذي يريد أن يعلم المجتمع النقد لا يستطيع أن يخشى النقد في داخله. ومن أهم مكتسبات مسار التجديد الذي بدأ بصورة واضحة منذ التسعينيات توسيع الديمقراطية الداخلية وإعادة النظر في المركزية البيروقراطية. لكن هذا المسار يجب أن يستمر. وحدة الحزب لا تعني وحدة الرأي في كل شيء، ولا ينبغي تحويل الخلاف الفكري إلى قضية شخصية أو تشكيك في النيات والانتماء.

النقد والنقد الذاتي ليسا طقسًا تنظيميًا، بل طريقة لإنتاج المعرفة. الحزب القوي ليس الحزب الذي لا يختلف أعضاؤه، بل الحزب الذي يستطيع أن يجعل الاختلاف المنضبط مصدرًا للتعلم، ثم يحول القرار الديمقراطي إلى فعل موحد.

وعند هذه النقطة يمكن فهم المقصود بإعادة التأسيس الشيوعي من دون أي التباس. فإعادة التأسيس لا تعني حل الحزب أو إنشاء بديل له أو محو تاريخه أو استهداف أجياله وقياداته. إنها إعادة تأسيس الوظيفة: علاقة الحزب بالطبقة بعد أن تغيرت الطبقة، وعلاقته بالماركسية بعد أن تغيرت الرأسمالية، وعلاقته بالديمقراطية بعد دروس القرن العشرين، وعلاقته بالدولة بعد تجربة العراق منذ 2003، وعلاقته بالتحالف بعد ما راكمه من تجارب، وعلاقته بالمركز والقاعدة، وبالمعرفة والتكنولوجيا، وبالاشتراكية بوصفها مشروعًا حاضرًا لا ذاكرة فقط.

ومن هذه الزاوية لا يصبح تاريخ الحزب عبئًا على التجديد، بل أحد أقوى الحجج لمصلحته. فالحزب الذي امتلك الجرأة على مراجعة خط آب، وعلى تقييم تجربة الجبهة، وعلى إعادة النظر في بنيته الفكرية والتنظيمية في التسعينيات، وعلى محاكمة التجارب الاشتراكية نفسها، يستطيع أن يقوم بمراجعة جديدة اليوم. بل إن الوفاء لهذا التقليد يفرض عليه ذلك.

لكن المراجعة المطلوبة اليوم أوسع، لأن العالم الذي يعمل فيه الحزب تغير بصورة عميقة. تغيرت الرأسمالية، وتغير العمل، وتغيرت الدولة، وتغيرت وسائل إنتاج المعرفة والهيمنة، وظهرت التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي وأزمات المناخ والمياه، وتحول تركيب الطبقات. ولذلك لا يكفي أن نسأل ماذا يقول الحزب. يجب أن نسأل أين يوجد اجتماعيًا، ومن هم أعضاؤه، وأين يعملون، وأي طبقات وشرائح تصل إليهم منظماته.

ولا يكفي أن نقيس قوته بعدد الاجتماعات والبيانات. يجب أن نرى مقدار القوة الاجتماعية التي أنتجها. هل ظهرت منظمات جديدة في مواقع العمل؟ هل ازدادت قدرة العمال على التنظيم؟ هل تحول متابعون شباب إلى فاعلين؟ هل ارتفعت مشاركة النساء العاملات في القيادة؟ هل أنتج الحزب معرفة جديدة عن المجتمع؟ هل تغير شيء في ميزان القوة نتيجة نشاطه؟

إن الحزب ليس موجودًا لكي يدير وجوده. وجوده مبرر بقدرته على المساهمة في تغيير المجتمع.

وهذا أيضًا يعيد تعريف الصحافة والثقافة والتثقيف الحزبي. فالصحافة الشيوعية لا ينبغي أن تكتفي بنشر موقف الحزب من الحدث، بل أن تكشف البنية التي أنتجت الحدث. من حصل على العقد؟ من يملك الشركة؟ كيف تتوزع الأرباح والأجور؟ من يستفيد من الخصخصة؟ لماذا ترتفع الأسعار؟ كيف ينتقل المال؟ من يملك الأرض؟ حين تجيب الصحافة عن هذه الأسئلة، تصبح ممارسة يومية للاقتصاد السياسي، ويتعلم القارئ أن يرى المجتمع خلف الخبر.

وهذه الوظيفة التوعوية مركزية في أي تجديد حقيقي. فالحزب لا يحتاج إلى أن يطلب من العامل أن يصبح أكاديميًا في الاقتصاد السياسي. يحتاج إلى أن يجعل أدوات الاقتصاد السياسي جزءًا من قدرته على فهم حياته. وحين يستطيع العامل أن يربط أجره بالبنية الاقتصادية، والمرأة أن تربط عبء الرعاية بتوزيع العمل، والشاب أن يربط بطالته بنمط التراكم، والمواطن أن يربط الخصخصة بسؤال الملكية، تكون الماركسية قد خرجت من حلقات التثقيف المغلقة وأصبحت قوة اجتماعية.

وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن نعيده إلى التعليم أيضًا. التعليم ليس قطاع خدمات بين قطاعات أخرى. من يملك المعرفة يملك جزءًا من القدرة على تنظيم حياته وفهم المجتمع. وتدهور التعليم العام لا يصيب الجميع بصورة متساوية. يستطيع الميسور أن يشتري البديل، بينما يتحمل الفقير انهيار المدرسة. وهكذا يصبح التعليم ميدانًا لإعادة إنتاج الفوارق الطبقية، ويصبح الدفاع عنه جزءًا من الصراع الطبقي نفسه.

ويصدق الأمر على المناخ والمياه والبيئة. ليست آثار التلوث والحرارة والجفاف موزعة بالتساوي. من يملك المال يستطيع شراء وسائل حماية أكبر، بينما يتحمل الكادحون والريف والعمال والفقراء جزءًا أكبر من الكلفة. ولهذا فإن البيئة ليست قضية منفصلة عن الطبقة، بل واحدة من صور توزيع الأرباح والخسائر داخل المجتمع.

كل هذه المسارات تقود إلى الفكرة المركزية نفسها: الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين يجب أن تعود إلى الإنسان الحقيقي، لا الإنسان المجرد. الإنسان الذي يعمل ويخاف البطالة ويدفع الإيجار ويربي الأطفال ويحتاج إلى العلاج ويقضي ساعات من عمره في النقل والعمل ويبحث عن وقت للحياة.

وحين نقول إن الإنسان في المركز، فهذا لا يعني مغادرة الماركسية. بل يعني العودة إلى غايتها التحررية. فالاشتراكية ليست عبادة للدولة، ولا عبادة للنمو الاقتصادي، ولا إدارة أكثر كفاءة للمصانع. إنها مشروع لتقليل خضوع الإنسان لشروط يسيطر عليها رأس المال، وزيادة قدرته على التحكم بعمله ووقته ومعرفته وموارده ومستقبله.

ومن هنا يمكن أن نفهم الماركسية واللينينية المتجددتين بعيدًا عن خيارين كلاهما عقيم. لا نحتاج إلى ماركسية مخففة حتى تبدو حديثة، ولا إلى ماركسية مغلقة تعتقد أن الإجابات كلها كتبت في القرن التاسع عشر أو العشرين. الماركسية حية لأنها منهج يستطيع أن يضع نفسه أمام الواقع ويقبل أن يصححه الواقع. واللينينية لا تختزل في شكل الجهاز الحزبي، بل في سؤال كيف ننتقل من وعي متفرق إلى قدرة منظمة، وكيف نوحد الاستراتيجية والمبادرة، والقيادة وعدم الحلول محل الطبقة.

وحين نفهمها على هذا النحو يصبح العامل بعقد مؤقت موضوعًا ماركسيًا بقدر عامل المصنع التقليدي، وتصبح المنصة الرقمية جزءًا من سؤال الملكية، ويصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من الصراع على الوقت والعمل، وتصبح الرعاية المنزلية جزءًا من الاقتصاد السياسي، وتصبح المياه والمناخ جزءًا من توزيع المخاطر بين الطبقات.

هذه ماركسية أشد التصاقًا بالحياة، لا أقل جذرية.

ولذلك فإن المؤتمر الوطني الثاني عشر يستطيع أن يمثل أكثر من محطة تنظيمية ناجحة. يستطيع أن يصبح نقطة انتقال إذا امتلك الجرأة على أخذ استنتاجات وثائق الحزب الأخيرة إلى نهاياتها. فإذا كانت الأزمة بنيوية، يجب أن يكون التجديد بنيويًا. وإذا كان للسياسة الاقتصادية مضمون طبقي، يجب أن يكون للحزب برنامج طبقي واضح. وإذا كان النظام الريعي يعيد إنتاج أقلية متحكمة، ينبغي أن نحدد القوة الاجتماعية التي تستطيع أن تبني البديل. وإذا كنا ندعو إلى جبهة واسعة، ينبغي أن ندخلها بقوة مستقلة لا لتعويض غياب تلك القوة.

ليس المطلوب تغيير اسم الحزب، ولا إلغاء تاريخه، ولا استبدال جماعة بأخرى. المطلوب أن يستعيد الحزب معنى أن يكون حزبًا شيوعيًا في عراق القرن الحادي والعشرين: أن يعرف طبقته ويعيش بينها، وأن يقرأ الرأسمالية كما تعمل اليوم، وأن يواجه التبعية الخارجية من دون أن يقع في تبعية معاكسة، وأن يدافع عن الديمقراطية ويعمقها ماديًا، وأن يجعل النقد والعلم جزءًا من حياته الداخلية، وأن يقيس نجاحه بمدى انتقال العمال والكادحين والمنتجين من التذمر إلى الفهم، ومن الفهم إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى امتلاك قدرة متزايدة على التحكم بشروط حياتهم.

إن القراءة النقدية لمسار الحزب منذ 1963 حتى اليوم لا تقود إلى نتيجة تقول إن تاريخه سلسلة إخفاقات، كما لا تسمح بتحويله إلى سلسلة من الانتصارات. إنها تكشف شيئًا أكثر قيمة: قدرة متكررة على المراجعة، يقابلها تناقض متكرر في العلاقة بين استقلال المشروع الطبقي ومتطلبات التحالف الوطني والديمقراطي.

مرة جرى التعويل أكثر مما ينبغي على قوة اعتُقد أنها تستطيع حمل اتجاه اشتراكي من خارج الطبقة العاملة. ومرة اتسعت المسافة بين الديمقراطية والاشتراكية. ومرة سبقت الحاجة إلى التحالف عملية بناء القوة الاجتماعية المستقلة القادرة على ضبط شروطه.

ليس المطلوب حل هذا التناقض بالانسحاب من التحالفات أو التخلي عن الديمقراطية. المطلوب تجاوزه.

أن يكون الحزب ديمقراطيًا لأنه شيوعي، لا رغم شيوعيته. وأن يكون شيوعيًا لأن الديمقراطية في نظره لا تكتمل من دون تحرير شروط الحياة من سيطرة رأس المال. وأن يكون وطنيًا لأن السيادة جزء من تحرير الإنسان من التبعية. وأن يكون أمميًا لأن العامل العراقي ليس منفصلًا عن عالم العمل والرأسمال العالميين. وأن يتحالف لأنه يعرف قوته وموقعه وحدوده، لا لأنه يحتاج إلى حليف لكي يمنحه ما لم يبنه في المجتمع.

وهذه ليست مهمة يوم مؤتمر واحد. إنها مسار طويل.

لكن لكل مسار لحظة يبدأ عندها بوضوح.

وقد يستطيع المؤتمر الوطني الثاني عشر أن يكون تلك اللحظة؛ اللحظة التي لا يعلن فيها الحزب تأسيس حزب جديد، بل يقرر أن يبدأ مرحلة تاريخية جديدة في حياة الحزب القائم، وأن يعيد وصل ما تباعد بين الطبقة والحزب، وبين الديمقراطية والاشتراكية، وبين المطلب اليومي والأفق التاريخي، وبين النظرية والحياة.

إن السؤال الذي تختصر فيه هذه الأطروحات ليس ما إذا كنا نريد حزبًا أكثر حدة في لغته أو أكثر يسارية في شعاراته. السؤال أبسط وأعمق:

هل نستطيع أن نجعل الحزب الشيوعي العراقي قوة تجعل العمال والكادحين والمنتجين أكثر قدرة على فهم العالم الذي يعيشون فيه، وأكثر قدرة على تنظيم أنفسهم، وأكثر قدرة على السيطرة الديمقراطية على شروط حياتهم، وأكثر قدرة، عبر تراكم نضالاتهم، على تجاوز النظام الذي يجعل العمل تابعًا لرأس المال والإنسان تابعًا لشروط لم يخترها؟

إذا استطعنا أن نضع هذا السؤال في قلب المؤتمر، وأن نجعله معيارًا للبرنامج والتنظيم والتحالف والإعلام والثقافة والاقتصاد والديمقراطية، فإن المؤتمر الوطني الثاني عشر لن يكون مجرد محطة أخرى في تاريخ الحزب.

سيكون بداية مرحلة جديدة من هذا التاريخ.



#علي_طبله (هاشتاغ)       Ali_Tabla#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «ما العمل؟» بوصفه مسارًا لا وصفة جاهزة
- ثورة بلا سلطة شعبية
- من حزب الشهداء إلى حزب المعصومين: لماذا يضر خطاب الطهارة بال ...
- قراءة نقدية ماركسية في بيان اجتماع اللجنة المركزية للحزب الش ...
- الإداروية والمقراتية وأزمة الممارسة اليومية حين ينشغل الحزب ...
- ملاحظات نقدية حول خطاب الحزب الشيوعي العراقي
- الاشتراكية في مواجهة الليبرالية والنيوليبرالية والدولة المدن ...
- العشائرية والطائفية والقومية والذكورية والمناطقية: البنى ما ...
- الدين الشعبي والطائفية السياسية: بين فهم المجتمع ونقد سلطة ا ...
- رد على اطروحات الرفيق ساطع هاشم حول الحلقة الثانية: الحزب أم ...
- الدولة الريعية الطائفية التابعة: العراق بعد الاحتلال وإعادة ...
- الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظ ...
- النقد بوصفه وفاءً للحزب لا خروجًا عليه - نحو إعادة تأسيس شيو ...
- مساهمة ماركسية ولينينية في نقد الأزمة وإعادة التأسيس
- الدولة الطرفية ونزعة شبه الإمبريالية
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ...
- قراءة نقدية في خطاب الحزب الشيوعي العراقي في ظل الدولة الريع ...
- من مأزق اليسار الديمقراطي إلى أفق إعادة التأسيس الشيوعي
- التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية
- الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة


المزيد.....




- انتهاء مهلة الـ60 يوما للتوصل إلى اتفاق بين أمريكا وإيران.. ...
- هل فقد الجيل زد حماسه للذكاء الاصطناعي؟
- كيف تحولت رواية -مزرعة الحيوانات- إلى مرجع لفهم السلطة والاس ...
- الذكاء الاصطناعي القتالي الروسي.. مقاتلة -سو-57- منصة لقيادة ...
- الدفاع الروسية: إسقاط 205 مسيرات أوكرانية غربي البلاد
- خبير نرويجي: استخدام كييف درونات بريطانية ضد العمق الروسي قد ...
- الطقس يتدخل ويمنع زحف حرائق غابات بلجيكا نحو ألمانيا (فيديوه ...
- انتهاء مهلة الـ60 يوما بين واشنطن وطهران دون اتفاق.. وإيران ...
- سفير روسيا لدى ألمانيا: ساسة أوروبا يعيشون بعقلية العجوز شاب ...
- موسكو.. أم تضع مولودها الـ15 بعمر 41 عاما


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي طبله - نحو إعادة تأسيس الوظيفة الشيوعية في العراق المعاصر