|
|
تحديث بيانات بنك الخرطوم، الغاية الصحيحة والأسلوب الخطأ
حسن بشير محمد نور
الحوار المتمدن-العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 14:03
المحور:
العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية
تحديث بيانات بنك الخرطوم: الغاية الصحيحة والأسلوب الخطأ
بروفيسور حسن بشير محمد نور
مقدمة
يمثل تحديث بيانات العملاء والتحقق من هوياتهم أحد المتطلبات الأساسية لسلامة العمل المصرفي، ولضمان الالتزام بمبادئ اعرف عميلك (KYC) ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم المالية. ومن هذه الزاوية، فإن مبدأ تحديث البيانات لا يثير، في حد ذاته، إشكالاً من الناحية المصرفية أو التنظيمية، بل يمثل ممارسة ضرورية لحماية الجهاز المصرفي والعملاء والاقتصاد الوطني.
غير أن المشكلة تبدأ عندما تنتقل المسألة من ضرورة تحديث البيانات إلى طريقة تنفيذ التحديث، ولا سيما إذا ترتب على ذلك تعطيل أو تقييد واسع لحسابات العملاء أو توقف جزء مهم من المعاملات المصرفية الإلكترونية عبر تطبيق بنكك، دون منح العملاء فترة زمنية كافية للتوفيق بين أوضاعهم، أو توفير بدائل عملية تضمن استمرار حصولهم على أموالهم وإجراء معاملاتهم الأساسية. من هنا تبرز أهمية التمييز بين الغاية الصحيحة والأسلوب الصحيح. فالغاية الأمنية والمصرفية قد تكون مشروعة وضرورية، لكن الأسلوب الذي تنفذ به يمكن أن ينتج آثاراً اقتصادية ومصرفية واجتماعية تتعارض جزئياً مع الهدف الذي يسعى القرار إلى تحقيقه.
نتعرض في هذا المقال لتوضيح عدد من الجوانب الخاصة بمشروعية القرار من حيث المبدأ والاثار السلبية لاسلوب التتفيذ:
أولاً: مشروعية تحديث البيانات ومشكلة أسلوب التنفيذ
تحديث بيانات العملاء والتحقق من الهوية وتطبيق مبدأ اعرف عميلك (KYC) يمثلان جزءاً أساسياً من منظومة الرقابة المصرفية الحديثة. كما أن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والاحتيال واستخدام الحسابات الوهمية تتطلب من المصارف معرفة عملائها ومتابعة أنماط معاملاتهم بصورة مستمرة.
وعليه، فإن السؤال الاقتصادي والمهني لا ينبغي أن يكون: هل ينبغي تحديث بيانات العملاء؟ فالإجابة عن ذلك واضحة، وهي نعم.
السؤال الأهم هو: كيف ينبغي تنفيذ هذا التحديث دون الإضرار باستمرارية الخدمات المصرفية وثقة الجمهور وحركة الأموال في الاقتصاد؟ فإذا أدى الإجراء إلى حرمان عدد كبير من العملاء مؤقتاً من استخدام أموالهم أو إلى تعطيل التحويلات اليومية، فإن التكلفة الاقتصادية والاجتماعية قد تتجاوز بكثير الفائدة التنظيمية قصيرة الأجل، خصوصاً في اقتصاد يمر بظروف استثنائية ويتسم بارتفاع الاعتماد على المعاملات الإلكترونية.
ثانياً: بنكك ودوره في حركة الأموال
تنبع حساسية الموضوع بصورة خاصة من المكانة التي يحتلها تطبيق بنكك في النظام المصرفي السوداني. فالتطبيق ليس مجرد وسيلة تقنية إضافية، وإنما أصبح قناة رئيسية للوصول إلى الحسابات وإجراء التحويلات والمدفوعات، بما في ذلك التحويل بين الحسابات والدفع الإلكتروني.
وبذلك أصبح بنكك جزءاً من البنية التحتية لحركة النقود في الاقتصاد السوداني. ولذلك فإن تعطيل واسع لاستخدامه لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مشكلة تقنية أو إدارية تخص علاقة البنك بعملائه، وإنما باعتباره قد يتحول إلى صدمة في نظام المدفوعات إذا كان عدد العملاء المتأثرين كبيراً وطالت فترة التعطيل.
وفي الاقتصادايات الحديثة، أصبحت كفاءة وسائل الدفع وسرعة انتقال الأموال بين الأفراد والمنشآت والمؤسسات أحد مكونات كفاءة النشاط الاقتصادي نفسه.
ثالثاً: الأثر على الودائع والسيولة المصرفية
من الضروري التمييز بين انخفاض الودائع محاسبياً وبين انخفاض قدرة العملاء على استخدام ودائعهم. فمن الناحية المحاسبية، لا يعني توقف تطبيق بنكك بالضرورة انخفاض الودائع المصرفية؛ فالوديعة تظل التزاماً على البنك حتى لو تعذر على العميل الوصول إليها إلكترونياً.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في سلوك المودعين وتغير تفضيلاتهم. فعندما يشعر العميل بأن الوصول إلى أمواله أصبح غير مضمون أو مرتبطاً بإجراءات يصعب عليه استكمالها، فقد يعيد النظر في الاحتفاظ بأمواله داخل الجهاز المصرفي، ويفضل الاحتفاظ بجزء أكبر منها نقداً خارج المصارف.
وهنا يمكن أن تبدأ سلسلة من الآثار الاقتصادية منها:
زيادة الطلب على السحب النقدي، زيادة الاحتفاظ بالنقد خارج المصارف، انخفاض استخدام الودائع في المعاملات اليومية، وانخفاض سرعة دوران الأموال داخل النظام المصرفي، وزيادة الضغط على السيولة النقدية في الفروع والصرافات.
وعلى المدى المتوسط، قد يؤدي استمرار هذه الظاهرة إلى إضعاف قدرة المصارف على إعادة تدوير الودائع في صورة تمويل للنشاط الاقتصادي.
ومن ثم فإن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في سحب الودائع فعلياً، وإنما في تغير تفضيلات الجمهور من النقود المصرفية إلى النقود خارج الجهاز المصرفي.
رابعاً: التأثير على حركة النقود في الاقتصاد السوداني
تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في ظل الظروف الاقتصادية والمصرفية الاستثنائية التي يعيشها السودان نتيجة الحرب، وما ترتب عليها من تدمير للبنية التحتية، واضطراب النشاط الاقتصادي، وتراجع الثقة في المؤسسات، وصعوبة الوصول إلى الخدمات المصرفية في عدد كبير من المناطق.
في مثل هذه الظروف تصبح تطبيقات الدفع والتحويل الإلكتروني جزءاً من البنية التحتية الاقتصادية، وليست مجرد خدمات تكنولوجية. وعندما تتعطل نسبة مهمة من المعاملات الإلكترونية، فإن النتيجة المحتملة تتمثل في انخفاض سرعة دوران النقود المصرفية، وزيادة الطلب على النقد، وارتفاع التعاملات خارج الجهاز المصرفي، وانخفاض كفاءة نظام المدفوعات، وارتفاع تكلفة المعاملات. وقد يحدث ذلك حتى دون انخفاض الكتلة النقدية الاسمية؛ إذ يمكن أن تبقى الأموال موجودة في الحسابات المصرفية، لكن قدرتها على الحركة والتداول تصبح أقل بسبب القيود التشغيلية. وهذا يوضح أن سرعة دوران النقود وكفاءة انتقالها بين الوحدات الاقتصادية لا تقل أهمية عن حجم النقود نفسها.
خامساً: الآثار على القطاع التجاري
لا تقتصر آثار تعطيل الخدمات الإلكترونية على أصحاب الحسابات الشخصية، وإنما تمتد بصورة مباشرة إلى القطاع التجاري. فالتاجر الذي يعتمد على التحويل الإلكتروني أو وسائل الدفع الرقمية لتحصيل قيمة مبيعاته قد هى يجد نفسه أمام مشكلة في تحصيل الإيرادات وتسوية معاملاته.
وقد يترتب على ذلك تأجيل عمليات البيع والشراء، والعودة إلى التعامل النقدي، وزيادة مخاطر حمل الأموال، وارتفاع تكاليف نقل وحراسة النقد، وصعوبة تسوية الحسابات بين التجار، وتعطيل بعض سلاسل التوريد، وزيادة تكلفة المعاملات التجارية.
كما قد يدفع تعطل القنوات المصرفية الرسمية بعض الأنشطة إلى البحث عن بدائل غير رسمية، وهو ما يمثل نتيجة عكسية جزئياً للهدف الأساسي من تعزيز الرقابة المصرفية. فالسياسة التي تستهدف زيادة شفافية المعاملات المالية ينبغي ألا تؤدي، بصورة غير مقصودة، إلى دفع جزء من النشاط الاقتصادي إلى خارج القنوات المالية الرسمية.
سادساً: الأثر على الجمهور المصرفي
العميل المصرفي لا ينظر إلى حسابه باعتباره مجرد سجل محاسبي، وإنما باعتباره حقاً في الوصول إلى أمواله عندما يحتاج إليها. وعندما تتوقف المعاملات بصورة مفاجئة نتيجة تحديث البيانات، يمكن أن يواجه العميل صعوبات في الوفاء باحتياجاته اليومية والتزاماته المالية، بما في ذلك دفع المصروفات الأساسية وتحويل الأموال إلى أفراد الأسرة وتسوية الالتزامات التجارية ودفع الإيجارات والمصاريف التعليمية والطبية وغيرها.
كما قد يتحمل العميل تكاليف إضافية للوصول إلى الفرع، تشمل تكاليف المواصلات والانتظار وفقدان وقت العمل، وهي تكاليف قد تكون أكثر قسوة على كبار السن والمرضى والأشخاص الذين يعيشون بعيداً عن الفروع، وعلى العملاء الذين تحول ظروف الحرب أو النزوح او ختى وجودهم بالخارج دون وصولهم بسهولة او عدم امكانية وصولهم إلى الخدمات المصرفية التقليدية. ومن ثم فإن تكلفة القرار لا تتحملها المصارف وحدها، بل يتحمل جانباً مهماً منها الجمهور والقطاع الخاص.
سابعاً: الثقة المصرفية باعتبارها أصلاً اقتصادياً
ربما تكون الثقة هي أهم عنصر غير مادي في النظام المصرفي. فالعميل يضع أمواله في البنك لأنه يفترض أن أمواله آمنة، وأنه يستطيع الوصول إليها واستخدامها عندما يحتاج إليها. وإذا تكررت حالات تعطل الوصول إلى الأموال أو التحويلات، فقد يبدأ الجمهور في إعادة تقييم درجة الثقة في الودائع المصرفية والقنوات الإلكترونية.
وقد تتخذ هذه العملية الشكل التالي:
انخفاض الثقة، ثم زيادة الاحتفاظ بالنقد، انخفاض الإيداعات أو تباطؤ نموها، ثم زيادة التعاملات خارج الجهاز المصرفي، ضعف الوساطة المالية، ثم تراجع قدرة المصارف على تمويل النشاط الاقتصادي.
وهذه الحلقة السلبية قد تكون أخطر على المدى الطويل من الضرر المباشر الناجم عن توقف التطبيق. لذلك فإن الثقة في النظام المصرفي يجب أن تعامل باعتبارها أصلاً اقتصادياً ينبغي حمايته، وليس مجرد نتيجة تلقائية للسلامة المصرفية.
ثامناً: الأمن المصرفي والأمن الاقتصادي
من المهم التمييز بين الأمن المصرفي والأمن الاقتصادي.
قد يكون الهدف الأمني من تحديث البيانات هو الحد من غسل الأموال وتمويل الإرهاب والاحتيال وتمويل الحرب واستخدام الحسابات الوهمية والجرائم المالية. وهذه أهداف مشروعة وضرورية لحماية النظام المالي. لكن إذا أدى الإجراء الأمني إلى تعطيل واسع للنظام المصرفي، فإنه قد ينتج مخاطر من نوع آخر، تتمثل في الإضرار بالأمن الاقتصادي.
فمفهوم الأمن الاقتصادي يتطلب، إلى جانب مكافحة الجرائم المالية، استقرار الجهاز المصرفي، واستمرار حركة الأموال، وضمان الوصول إلى المدخرات، وانتظام المدفوعات، واستمرار النشاط التجاري، وحماية الثقة في المؤسسات المالية، والمحافظة على قدرة الجهاز المصرفي على تمويل الإنتاج. ومن هنا فإن الأمن المصرفي لا ينبغي أن يتحول، نتيجة لسوء تصميم أو تنفيذ الإجراءات، إلى مصدر لعدم الأمن الاقتصادي.
تاسعاً: النتائج الاقتصادية غير المقصودة
تمثل هذه الحالة مثالاً واضحاً على ما يعرف في تحليل السياسات المالية العامة بـ "Unintended Economic Consequences"، أي النتائج الاقتصادية غير المقصودة للقرار.
فالجهة التنظيمية قد تستهدف حسابات محددة لا تستوفي المتطلبات أو تحتاج إلى تحديث بياناتها، ولكن استخدام أسلوب جماعي أو واسع في التعطيل قد يؤدي إلى تأثر عدد أكبر بكثير من العملاء النظاميين. ومن منظور الكفاءة الاقتصادية والأمنية، يكون من الأفضل استخدام منهج يقوم على تصنيف العملاء والحسابات وفق درجة المخاطر، والاستهداف الفردي للحالات التي تستدعي التدخل، والإنذار المسبق، ومنح فترة تصحيح مناسبة، وتوفير قنوات بديلة لاستمرار الخدمات الأساسية. وبذلك يمكن تحقيق الهدف الأمني دون إحداث صدمة واسعة في النظام المصرفي.
عاشراً: أثر القرار على إدارة السيولة
توجد هنا مفارقة مصرفية مهمة: فإذا توقف بنكك بينما يحتاج العملاء إلى أموالهم، فقد يحاول جزء منهم الحصول على أموالهم نقداً من الفروع أو الصرافات، مما يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في الطلب على السيولة النقدية.
وهذه ليست بالضرورة مشكلة ملاءة مصرفية، لكنها يمكن أن تتحول إلى مشكلة في إدارة السيولة إذا حدثت عمليات سحب جماعية أو متزامنة. وفي المقابل، إذا لم يتمكن العملاء من السحب أو التحويل، فقد يحدث وضع مختلف يتمثل في وجود أموال داخل الحسابات لكنها غير فعالة اقتصادياً من حيث قدرتها على الحركة.
وهنا يمكن الحديث عن مفهوم "Frozen Transactional Liquidity"، أي وجود سيولة مصرفية محاسبياً، لكن قدرتها على التداول والاستخدام في المعاملات اليومية أصبحت محدودة بسبب القيود التشغيلية.
وهذه الحالة تؤكد أن كفاءة الجهاز المصرفي لا تقاس فقط بحجم الأرصدة، وإنما أيضاً بقدرة العملاء على استخدام هذه الأرصدة وتحويلها في الوقت المناسب.
الحادي عشر: دفع الاقتصاد نحو التعامل غير الرسمي
من أخطر التداعيات المحتملة لأي تعطيل واسع للقنوات المصرفية الرسمية أن يدفع جزءاً من المعاملات إلى خارج القطاع المصرفي. فكلما أصبحت القنوات الرسمية أكثر صعوبة، زادت جاذبية النقد الورقي والوسطاء الماليين غير الرسميين والتحويلات الشخصية وشبكات التحويل غير المصرفية والفساد وبعض أشكال التجارة التي لا تمر عبر النظام المالي الرسمي. وهذه نتيجة تتعارض جزئياً مع الهدف الأصلي من تحديث بيانات العملاء. فإذا كان الهدف هو زيادة الشفافية والسيطرة على حركة الأموال، فإن تقليص استخدام النظام المصرفي الرسمي قد يؤدي، بصورة غير مقصودة، إلى جعل جزء من النشاط المالي أقل شفافية وليس أكثر.
الثاني عشر: تأثير القرار على الشمول المالي والتحول الرقمي
يحتاج السودان في هذه المرحلة إلى توسيع الشمول المالي وتعزيز التحول الرقمي، وليس إلى إعادة الجمهور إلى الاعتماد الكامل على النقد. ويعتبر تطبيق بنكك إحدى الأدوات المهمة في توسيع الوصول إلى الخدمات المصرفية الرقمية، وخاصة في بيئة تعاني من ضعف انتشار الفروع المصرفية وصعوبة الوصول إليها في ظروف الحرب. ومن ثم فإن تعطيل الاستخدام على نطاق واسع يمكن أن يؤدي إلى انتكاس مؤقت في الشمول المالي، ويدفع بعض العملاء إلى العودة إلى التعامل النقدي التقليدي.
وهذا لا يمثل مجرد تراجع تكنولوجي او تقني، وإنما قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف المعاملات وانخفاض شفافية التدفقات المالية وتراجع قدرة النظام المالي على تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو النشاط الاقتصادي.
الثالث عشر: الأمن السيبراني والرقابة المصرفية
لا ينبغي أن تقتصر معالجة المخاطر الأمنية على تقييد حسابات العملاء أو تحديث بياناتهم. فحماية النظام المصرفي الرقمي تتطلب منظومة متكاملة تشمل الأمن السيبراني، وكشف الاحتيال، ومراقبة الأنماط غير الطبيعية للمعاملات، والتحقق متعدد العوامل، وحماية البنية التحتية الرقمية، وتأمين التطبيقات، وحماية بيانات العملاء.
وبالتالي فإن تحديث بيانات العملاء يجب أن يكون جزءاً من منظومة أوسع لإدارة المخاطر المصرفية، وليس بديلاً عن تطوير أمن التطبيقات والبنية التحتية ونظم الكشف المبكر عن الاحتيال.
الرابع عشر: كيف اذن ينبغي أن ينفذ تحديث البيانات؟
إن البديل الأفضل ليس إلغاء متطلبات تحديث البيانات، وإنما تحسين طريقة تنفيذها.
ويقتضي ذلك اعتماد منهج قائم على المخاطر (Risk-Based Approach)، بحيث لا يعامل جميع العملاء والحسابات بالطريقة نفسها. ويمكن أن يقوم هذا المنهج على مجموعة من المبادئ، أهمها:
- منح العملاء إنذاراً مسبقاً ومدة زمنية مناسبة لاستكمال البيانات.
- إتاحة تحديث البيانات إلكترونياً دون الحاجة إلى زيارة الفروع إلا في الحالات التي تستدعي ذلك.
- عدم تعطيل الخدمات الأساسية بصورة كبيرة ومفاجئة مثل ما يحدث نتيحة للازدحام الحالي حول الفروع.
- استخدام التدرج في القيود وفق طبيعة المخالفة ودرجة المخاطر.
- إتاحة آلية سريعة للاعتراض واستعادة الخدمة في الحالات التي يثبت فيها استيفاء المتطلبات.
- الإبقاء على حد أدنى من الخدمات الأساسية خلال فترة التحديث باستحداث وسائل متاحة
- توفير قنوات اتصال الكترونية واضحة ومستمرة لإرشاد العملاء.
- إجراء تقييم مسبق للأثر الاقتصادي المتوقع قبل تنفيذ قرارات واسعة النطاق.
الخامس عشر: مؤشرات قياس الأثر الاقتصادي للقرار
حتى يمكن تقييم القرار بصورة موضوعية، ينبغي ألا يقتصر التقييم على عدد الحسابات التي تم تحديث بياناتها، بل ينبغي متابعة مجموعة من المؤشرات، من أهمها:
- عدد الحسابات المتأثرة. - قيمة الودائع المرتبطة بالحسابات المتأثرة. - عدد وقيمة المعاملات الإلكترونية التي توقفت أو انخفضت. - التغير في حجم السحب النقدي. - التغير في النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي. - التغير في حجم التحويلات الإلكترونية. - التغير في استخدام وسائل الدفع الرقمية. - معدل الشكاوى المقدمة من العملاء. - المدة الزمنية اللازمة لاستعادة الخدمة. - التغير في ثقة الجمهور بالخدمات المصرفية الرقمية.
هذه المؤشرات يمكن أن توفر أساساً كمياً لتقييم التكلفة الاقتصادية للقرار، وتمكن السلطات النقدية والمصرفية من تعديل السياسات إذا ظهرت آثار غير مقصودة، إذا كان هناك من اهتمام بمثل هذا التقييم.
السادس عشر: التقييم النهائي
يمكن تلخيص النشكلة في معادلة بسيطة:
تحديث بيانات العملاء يمثل ضرورة مصرفية وأمنية مشروعة.
لكن: التحديث المفاجئ والواسع، مع تعطيل الوصول إلى الحسابات وغياب البدائل، قد يؤدي إلى تكلفة اقتصادية واجتماعية ومصرفية مرتفعة. ومن ثم فإن تقييم القرار ينبغي ألا يقتصر على سؤال ما إذا كان تحديث البيانات قانونياً ومطلوباً؟ بل يجب أن يمتد إلى أسئلة أكثر أهمية من منظور السياسة الاقتصادية مثل:
هل تتناسب طريقة التنفيذ مع درجة المخاطر؟ هل تم منح العملاء إنذاراً مسبقاً ووقتا كافيا مع حساب الظروف الحالية؟ هل توجد فترة السماح المحددة كافية؟ هل توجد وسيلة إلكترونية سهلة وآمنة لتحديث البيانات؟ هل يستطيع العميل استخدام جزء من أمواله خلال فترة زمنية مناسبة مع التحديث؟ هل توجد آلية سريعة للاعتراض واستعادة الخدمة؟ كم عدد الحسابات المتأثرة؟ ما هي قيمة الودائع التي أصبحت غير قابلة للاستخدام مؤقتاً؟ كم انخفض حجم المعاملات الإلكترونية؟ هل ارتفع السحب النقدي؟ هل ارتفع حجم النقد خارج الجهاز المصرفي؟
هذه الأسئلة الموضوعية والمؤشرات هي التي تسمح بقياس التكلفة الاقتصادية الحقيقية للقرار، وليس مجرد تقييمه من زاوية الالتزام الإداري أو الأمني.
ختاما: يعتبر تحديث بيانات عملاء بنك الخرطوم، من حيث المبدأ، إجراء ومشروع لحماية الجهاز المصرفي وتعزيز الامتثال لمتطلبات اعرف عميلك ومكافحة الجرائم المالية ولاعتبارات أمنية معروفة. غير أن مشروعية الغاية لا تعني بالضرورة سلامة كل أساليب التنفيذ.
فإذا أدى التحديث إلى توقف واسع في معاملات بنكك، فإن آثاره المحتملة تتجاوز مشكلة العملاء الفردية لتصل إلى مستوى الجهاز المصرفي والاقتصاد الكلي، من خلال إضعاف الثقة المصرفية، وتشجيع الاحتفاظ بالنقد خارج المصارف، وزيادة الطلب على السيولة النقدية، وإبطاء حركة النقود المصرفية، وتعطيل المدفوعات والتحويلات التجارية، ورفع تكلفة المعاملات، وتشجيع بعض الأنشطة على اللجوء إلى قنوات غير رسمية، وإضعاف الشمول المالي والتحول الرقمي.
والأهم من ذلك أن تحميل الجمهور والتجار التكلفة المباشرة لإجراء تنظيمي مصرفي واسع قد يؤدي إلى نتيجة عكسية؛ إذ قد يدفع العملاء إلى الابتعاد عن الجهاز المصرفي في الوقت الذي تحتاج فيه البلاد والاقتصاد السوداني إلى تعميق الثقة في المصارف وزيادة الودائع وتوسيع الشمول المالي وتعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكترونية.
وعليه، فإن السياسة المصرفية الرشيدة لا تتمثل في المفاضلة بين الأمن المصرفي واستمرارية النشاط الاقتصادي فقط، وإنما ايضا في تصميم إجراءات تحقق الهدفين معاً.
فالغاية الصحيحة هي حماية الجهاز المصرفي من غسل الأموال والاحتيال والجرائم المالية وتمويل الحرب، أما الأسلوب الصحيح فينبغي أن يقوم على التدرج والتناسب وتصنيف المخاطر والإنذار المسبق وإتاحة التحديث الإلكتروني وتوفير البدائل وضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية.
وبذلك يمكن تحقيق المعادلة المطلوبة: رقابة مصرفية أكثر كفاءة، وأمن مالي أقوى، وثقة مصرفية أعلى، وحماية أفضل للجمهور، واستمرار حركة الأموال والنشاط الاقتصادي.
إن الأمن الاقتصادي لا يتحقق فقط بمنع الاستخدام غير المشروع للحسابات، وإنما يتحقق أيضاً بضمان استمرارية النظام المالي، وحماية ثقة الجمهور، وضمان إمكانية الوصول إلى المدخرات، واستمرار حركة المدفوعات، والحفاظ على قدرة الجهاز المصرفي على أداء وظيفته الأساسية في تعبئة المدخرات وتمويل النشاط الاقتصادي.
ومن هنا فإن الرسالة الأساسية هنا، ليست رفض تحديث البيانات، وإنما الدعوة إلى تحديث البيانات بالوسيلة الصحيحة، وفي الوقت الصحيح، وبالقدر الذي يحقق الهدف الأمني دون أن يتحول الإجراء الأمني إلى مصدر لاضطراب اقتصادي ومصرفي.
الغاية يمكن ان تكون صحيحة، ولكن نجاحها يتوقف على صحة الأسلوب وتجنب الخسائر المحتملة ليس اقتصاديا فقط وانما من حيث تداعياتها الاجتماعية والمعيشية ايضا.
#حسن_بشير_محمد_نور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
متطلبات استئناف الدراسة بالجامعات السودانية في مقارها الأصلي
...
-
اجتماعات اديس ابابا ومسار البحث عن حل سوداني: اختراق سياسي ا
...
-
لقاء نيروبي بين فراغات مؤتمر برلين وامكانية بناء كتلة سوداني
...
-
الازمة السودانية بين التسويات الهشة وتضارب المصالح الاقليمية
...
-
مؤتمر برلين والأرتقاء الي مستوى الأزمة السودانية
-
صيغة مقترحة لوثيقة حول تأسيس جبهة وطنية عريضة
-
الافراط الاستراتيجي في منظور الاقتصاد السياسي
-
حول التدعبات السياسية والاقتصادية للحرب الأمريكية/ الاسراييل
...
-
زيارة وفد البنك الدولى الي بورتسودان، الأهداف، النتائج المحت
...
-
سلام على مكان يسمى السودان ( Please called Sudan )
-
تراجيديا الفاشر في (عالم الفصام القيمي الخطير)
-
اذا اردت ان تكون انسانا فكن (سيد عكاشة)
-
الاستفادة من الدروس الروسية في التغلب علي العقوبات الغربية
-
رؤية حول مشروع وطني للتغيير الجذري في السودان، مقاربة سياسية
...
-
نحو أعادة اعمار الخرطوم كمدينة حديثة: رؤية سياسية واقتصادية
...
-
الحرب في السودان: بعض تحديات الاستقرار والتعافي الاقتصادي وا
...
-
الحرب في السودان: كيف تؤثر ازمة الحكم علي الانتقال السلمي ال
...
-
الحرب في السودان: سياسات توطين الجوع وتوريث الفقر
-
الحرب في السودان: مسار السلام في السودان التعقيدات والتحديات
-
الحرب في السودان: تداعيات الافلات من العقاب من منظور سياسي/ا
...
المزيد.....
-
الحزب الشيوعي: استهداف كردستان اعتداء على العراق وسيادته
-
حزب التجمع يعقد مؤتمر مركز شبين الكوم بمحافظة المنوفية
-
من “السّقف الزجاجي” إلى هدم جدران المنزل: الرحلة الماركسية ل
...
-
حزب التجمع يعقد مؤتمر قسم عين شمس وينتخب أمانته الجديدة
-
حزب التجمع يعقد مؤتمر قسم ثاني شبرا الخيمة وينتخب أمانته الج
...
-
A People’s History of Howard Zinn
-
AI Is a Symptom, Not the Cause: Labor, Overcapacity, and Sta
...
-
Solidarity is Not Enough: Why the World Must Force Accountab
...
-
Cuba After Six Months of the Oil Blockade: Crisis and the Ro
...
-
Revolution or Silent Servitude? How Algorithms are Reshaping
...
المزيد.....
-
إشكاليات القوى الثورية(2من2)
/ عبد الرحمان النوضة
-
مَشْرُوع تَلْفَزِة يَسَارِيَة مُشْتَرَكَة
/ عبد الرحمان النوضة
-
الحوكمة بين الفساد والاصلاح الاداري في الشركات الدولية رؤية
...
/ وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
-
عندما لا تعمل السلطات على محاصرة الفساد الانتخابي تساهم في إ
...
/ محمد الحنفي
-
الماركسية والتحالفات - قراءة تاريخية
/ مصطفى الدروبي
-
جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ودور الحزب الشيوعي اللبناني
...
/ محمد الخويلدي
-
اليسار الجديد في تونس ومسألة الدولة بعد 1956
/ خميس بن محمد عرفاوي
-
من تجارب العمل الشيوعي في العراق 1963..........
/ كريم الزكي
-
مناقشة رفاقية للإعلان المشترك: -المقاومة العربية الشاملة-
/ حسان خالد شاتيلا
-
التحالفات الطائفية ومخاطرها على الوحدة الوطنية
/ فلاح علي
المزيد.....
|