|
|
-أطول واحد بالحارة-: بروفايل سوري
ياسين الحاج صالح
الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 20:00
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
تقول النكتة الحمصية إن الحماصنة اخترعوا باصاً (حافلة ركاب) عريضاً، عمقه مقعد واحد، لأنهم يريدون كلهم الجلوس في المقعد الأول. كانت هناك مشكلة وحيدة: الباص لا يسير. ويُنسب إلى الرئيس السوري شكري القوتلي قوله لجمال عبد الناصر إثر توقيع اتفاق الوحدة بين البلدين عام 1958: "أنت لا تعرف بماذا تورطت يا سيادة الرئيس. إنك تأخذ شعباً يعتقد الكل فيه بأنهم سياسيون، ونصفهم بأنهم قادة، والربع بأنهم أنبياء، وعشرة بالمائة منهم على الأقل آلهة. ومن هذا الشعب الذي أخذتَ هناك من يعبدون الله، ومن يعبدون النار، ومن يعبدون الشيطان، ومن يعبدون *"، وهذا بحسب ما أورد دانيال نيب في كتابه الصادر حديثاً: سوريةـ تاريخ حديث، منسوباً إلى محمد حسنين هيكل. نيب يقول إن هيكل لم يورد الكلمة البذيئة التي جرى تمثيلها هنا بنجمة. ويجمع بين النكتة والقول المأثور أن السوريين محبون للعُلا، ولو كان شكلياً وبلا قيمة، ولعلهم يأخذون أنفسهم بقدر مبالغ فيه من الجدية إلى درجة التأله. وبالطبع يريد رُكّاب الباص أن يَرَوْا أنهم يُروْن أنهم في الصف الأمامي، مثلما يريد السياسيون والقادة والأنبياء والآلهة أن يعترف بهم: يُتّبَعوا أو يُهتدى بهم أو يُعبدوا. ويبدو أن الوجه الآخر لحب العلا وأخذ النفس بجدية زائدة هو تنافسية عدائية حيال الأقران، شائعة حقاً في أوساطنا. ينسب سوريون إلى السوريين أنهم "يُكسِّرون" ببعضهم، أي يقللون من شأن بعضهم، وقلما يشهد واحدهم شهادة طيبة بسوري آخر، أو يرجو الخير لمجايليه ومماثليه من أبناء بلده، وهذا خلافاً لشركائنا في الوحدة من المصريين الذين يُعتقد، في سورية على الأقل، بأنهم يؤازرون بعضهم ويدعم بعضهم بعضاً. وبالفعل، يشكل "التكسير" والكيد والتنافس العدائي بعض محتوى خبرة السوريين المباشرة ببعضهم، وقد يجري التعامل معها كخصائص قارة، عاهات نعيش بها أو معها، ولا سبيل إلى تغييرها. ربما. لكن يمكن أن نحاول تفسير هذا الجانب من تفاعلنا على الأقل.
نزع التقليدية يمكن التفكير في بعض اعتبارات ربما تساعد في الشرح. يحيل أولها إلى الأثر المتعاضد لحداثة الكيان السوري أو "اصطناعيته"، على ما كان يقول القوميون العرب عنه (وعن غيره)، والافتقار إلى تقاليد جامعة على النطاق السوري العام. التقاليد هي ما يألفه الناس من قواعد وأعراف، يغلب أن تكون مأثور طبقة أو فئة اجتماعية معترف بشرعيتها. وهي تنشئ روابط جمعية، تضبط بقدر ما سلوك الأفراد وتعاملاتهم، بقدر ما إنها تسبغ المعنى على أفعالهم وتدرجهم في استمرارية أطول. في سورية هناك تقاليد على نطاقات أضيق، في دمشق أو حلب مثلاً، أو ضمن جماعات أهلية بعينها، أو تقاليد محلية تميز بعض الأرياف، لكن البلد لم يشكل إطاراً اجتماعياً ثقافياً واحداً أو ما يقاربه في أي وقت. المدينة السورية لم تكن قادرة على استيعاب وافد بشري فاقت وتيرة وفوده إليها وتيرة نمو الاقتصاد والصناعة فيها، فانكفأت على نفسها وأخذت تُسمع الشكوى من "ترييف المدن" منذ سبعينات القرن العشرين. ومنذ استقلالها افتقرت سورية إلى مراكز قائدة شرعية، إن في شكل طبقة أو نخبة اجتماعية ذات مشروع عام. أو أسطورة جامعة. آخر أسطورة عرفتها سورية هي القومية العربية، وهي تداعت بعد عمر قصير بفعل هشاشتها الذاتية وهزائمها أمام أعداء أقوياء، فانقلبت من مشروع يوحد إلى إيديولوجية تُفرِّق. الانفعالات والعواطف الأوسع انتشاراً بين السوريين الذين تعرضت أوساطهم أكثر من غيرهم لنزع التقليدية ليست ودية كثيراً، بأثر المفعول المتعاضد بدوره لعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، ثم للطغيان السياسي المديد الذي كان يُضيِّق البلد، و"يضيق الأخلاق"، بحسب تعبير شائع في بعض البيئات السورية، أي يجعل الناس نزقين، ضيقين بأنفسهم وبغيرهم. وبينما زاد عديدنا أربع مرات ونيف منذ عام 1970 (من نحو 6 مليون إلى أزيد من 25 مليوناً اليوم)، فإن بنياننا الاجتماعي السياسي ثبت على حاله، فصار باعثاً على الاختناق. وتتجه الانفعالات غير الراضية نحو غيرنا ممن هم حولنا، أي نحو سوريين آخرين قلما يختلفون عنا كثيراً. لم نعد نعيش في القرية أو في الحارة حصراً، صرنا نختلط كثيراً، لكن اختلاطنا غير إيجابي، لا يترافق بتعاظم أوسع للفرص لأكثريتنا، الأمر الذي كان من شأنه أن ينعكس انفعالات أقل سخطاً. نحن عموماً غير آمنين، نشعر بالتهديد ممن هم حولنا: تهديد الفرص، وليس حصراً التهديد الأمني الذي نعلم أنه كان محسوساً وواسع النطاق في الحقبة الأسدية، ويحيل بصورة غير مباشرة إلى تهديد الفرص. وفي مواجهة هذا التهديد نطعن في غيرنا، نشكك في أهليتهم أو جدارتهم أو قدراتهم كي يكون الواحد منا هو المرشح الأفضل للفرصة المحتملة: فرصة الاعتراف، فرصة العمل، فرصة الحب، فرصة النفوذ أو السلطة.
الغيرة والحسد نغار من بعضنا ونحسد بعضنا بالارتباط بشح الفرص. ما هي الغيرة؟ أن يرغب طرفان في الشيء نفسه، الرغبة المماثلة أو المحاكية بتعبير رينيه جيرار في العنف والمقدس، وهي مبعث للعنف بحسب المفكر الفرنسي، ومصدر للبحث عن أكباش فداء. الحسد، أي تمني زوال نعمة عن الآخر، أو خسارة ما حظي به من خير، هو أدنى حد مقبول كبديل من رؤيته يضحى به، يذبح ككبش، كي يعود الوئام. الوئام لا يعود لأن الفرص قليلة، ولا يحظى بها غير قلة منا، حتى لو كنا جميعاً مثل بعضنا. نحن أسرى هذه الدائرة. لكن ما هو الشيء نفسه المرغوب من قبل الجميع؟ هو نفسه موضوع الفرص: الاعتراف، السلطة، الحب، العمل والدخل. نشعر بالتهديد من غيرنا لأنهم خطرون على فرصنا. نتفادى الخطر بالتقليل من شأنهم. وليس بمعزل عن هذا التكوين النفسي الجمعي الخطر أنتج الاجتماع السياسي السوري بعد الاستقلال غير قليل من أكباش الفداء، أفراد وجماعات ينبغي التضحية بهم لأنهم خونة، عملاء، رجعيون، متخلفون، انفصاليون، كفرة، علمانيون. حتى ليمكن وصف مجتمعنا بأنه مجتمع تضحية أو مجتمع قرباني، يبحث عن قرابين ويجدهم، لكنه يبدو دوماً في حاجة إلى المزيد. وهذا لأن المسألة ليست في قلة صفاء الجماعة بل في قلة فرص الجميع. (وعلى صعيد سياسي تاريخي عريض يمكن شرح ارتجاجات عنيفة في تاريخنا المعاصرة بغيرة الدين والدولة من بعضهما، رغبتهما في الشيء نفسه: السيادة. وقد كانت هذه الغيرة فتنة كبرى مستمرة، دامية جداً. وليس مؤكداً أن الغيرة الدينية الدولتية انتهت اليوم في سورية بحلول الدين في الدولة. نرجح أنها دخلت في طور جديد).
العملية الترثيثية لم تنزع تقليدية بيئاتنا بالدرجة نفسها من الجذرية، في الأرياف أقل، وفي بعض بيئات مغلقة ومعزولة أقل. لكن نزع التقليدية هو الديناميكية الأقوى وأقرب إلى أن يكون شاملاً. وفي الوقت نفسه، حداثتنا السورية والعربية، أعني الديناميات الاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية- الإعلامية، والسكانية، والعسكرية والسياسية، المترتبة على اندراجنا في العالم الحديث، ليست منتجة لتقاليد جديدة مثلما في الغرب. أي بالضبط ليست ديناميات تمدين أو "عمليات تحضيرية". وفي الواقع خبرت سورية طوال جيلين على الأقل (الجيل ربع قرن) عملية ترثيثية (نقيض عملية نوربرت إلياس التحضيرية)، نازعة للتقليد بقدر ما هي نازعة للتحضر المتواضع قبلها أصلاً. وقد اجتمع في إحداث ترثيثنا انهيار قيمة العمل (لمصلحة السلطة والقرابة والريع)، وخصخصة الدولة فردياً أو عائلياً، وتدهور البيروقراطية والقانون، وسيلان العنف في الحياة اليومية، وتدهور مستوى النخبة السياسية والاجتماعية عبر أفضلية الولاء على الكفاءة، وإفقار سياسي جائر، وصعود الدين كحد للفقر السياسي، ما مهد لضروب برية من التدين التضحوي أو القرباني العدائي، واتساع نطاقات الفقر المادي، وتزايد سكاني منفلت، وبالتالي صراع بلا قيود على الفرص القليلة. وهذا لزمن طويل في مجتمع فتي. طول عمر الحكم الأسدي أفسده وأفسد البلد، واستنزف طاقات السوريين المحدودة، وهذا بقدر ما إن طول العمر ذاته جعل منه مدرسة الاجتماع والسياسية الوحيدة التي عرفها أكثر السوريون الأحياء. أولوية الولاء على الكفاءة التي اقتضاها ذلك الدوام المديد تسببت في قانون تطوري خاص: البقاء للأسوأ، لغير الكفء، لمعدوم الشخصية، للفاسد المتملق، لـ"كتّيب التقارير". خسرنا القاطرة التي لا بديل عنها لتنظيم الحياة العامة وحل المشكلات الاجتماعية: الدولة. ودون دولة أو بدولة مخصخصة، نحصل على مجتمع البداوة المحدثة، المجتمع المرثث أو البري، المنقسم على نفسه والمحترب، مجتمع التضحية الدائمة. وما نسميه متلازمة أطول واحدة بالحارة، استعارة من أغنية سعاد حسني الشهيرة "يا واد يا تئيل"، وما ينطوي عليه من فردانية برية متقلبة وعدوانية، هو من الأوجه النفسية الاجتماعية لنزع التقليدية وعدم اكتساب الحضارة على مستوى الشرائح الوسطى المتعلمة. أي المشتغلين في الشؤون العامة، السياسية والثقافية والقانونية، من "سياسيين" و"قادة" وأنبياء" و"آلهة"، بحسب رباعية القوتلي. والمؤسف أنه لم تدرس بنية الانفعالات السورية في علاقتها بتلك العمليات والتحولات الاجتماعية، وبخاصة الضيق المتزايد لأطر العمل العام بعد زمن القوتلي. نتصارع على المتاح القليل، ويطعن بعضنا في بعض، ويكيد بعضنا لبعض، لأنه حين يكون المتاح قليلاً، تتزعزع، وربما تنهار، قواعد المُباح وغير المباح التي قد تراعى في شروط رخيّة أكثر.
تحديث الرثاثة ليست الطائفية شيئا أساسياً هنا. هي في أحسن الأحوال عامل معزز ومثبت. الطوائف ليست حتى أطر تقاليد فرعية. إنها تفعيل حديث لروابط معتقدية أقدم، يحفزها هي ذاتها التنافس على السلطة والموارد، وقلما شكل أي منها إطار تقليد واحد جامع. تظهر طوائفنا (وعشائرنا) أدوات صراع على السلطة، "منظمات شعبية"، لا أثر لما تدعيه من عقائد وتقاليد على سلوك المنسوبين إليها. ومنها بالمناسبة السلفية الجهادية التي ما كان يمكن أن تظهر هذا الظهور العاصف إلا لأن التقليد الإسلامي في أزمة عميقة منذ القرن التاسع عشر، تفاقمت وتعقدت بعد جيل من استقلال بلداننا في ارتباط مع تنامي تبعية هذه البلدان الاقتصادية والسياسية والأمنية. الإسلامية، بما فيها السلفية الجهادية، هي تشكيلات سياسية حديثة الظهور، ظهرت بفعل تراكب أزمة الدولة الاستقلالية وأزمة التقليد الإسلامي. ولذلك فإن متلازمة طويل الحارة الأوحد تعمل داخل الطوائف، وداخل الجماعات المحلية، والعشائر، ولا تكاد تصمد في وجهها قليلاً غير العائلة. لا نعتز بواحد من طائفتنا إلا في سياق منافسات طائفية تعيد جمعياً إنتاج البنية الغيورة الحسودة ذاتها التي تميز الأفراد في مجتمعنا السوري. ولأن التقليد المنزوع ينقلب إلى إيديولوجية غير متمفصلة اجتماعياً، ومثله الحضارة غير المكتسبة، فهما يوافقان الفردنة البرية المتسعة النطاق في مجالنا. كإيديولوجيتين، يصير التقليد والحداثة من عدد الصراع على المعنى والحرمان من المعنى، حيث يمكن للتضحية المعنوية (إنكار معناك) أن يمهد للتضحية الفعلية (قتلك)؛ أو لإنكار معناهم (تخوينهم أو تكفيرهم) أن يمهد لإبادتهم.
الأطول والاستبداد المحدث ولعله على هذا التركيب الفردي الشائع يقوم الاستبداد الحديث، أو "المِلْك الطبيعي" العربي المحدث. نتكلم على ملك محدث لأنه لا يستند إلى العصبية التي تكلم عليها ابن خلدون، بل على نموذج من الفردانية شائع جداً ومفتقر للأصالة. فردانيتنا مبتذلة، تجمع بين الإطلاق والرثاثة، ليست تعبيراً عن استقلال فكري، عن ذاتيات حرة. لسنا حيال فردنة برجوازية، أسست للذات الحقوقية والموطن. كان يمكن أن تتجه الفردانية الناجمة عن نزع التقليدية نحو النموذج البرجوازي لو اتسعت مراتب الطبقة الوسطى والدخول والتعليم والحقوق، أما دون هذه العمليات، فقد حلت الفردانية الرثة شبه الطبيعية محل العصبيات الطبيعية في الملك الطبيعي المحدث. لا يتعلق الأمر باستقلال فكري أو سياسي؛ بل بظهور عدد كبير من أفراد بلا روابط، متروكين ليتدبروا أمرهم، ويتواتر أن يحتاجوا إلى دعم القريب وصاحب النفوذ من جماعتهم لـ"تدبير الرأس". ولذلك لا يتعارض هذا الشكل من الفردانية مع الطائفية والعشائرية بوصفها شبكات محسوبية تسهل الدعم وتسيير الأمور. ويتوافق نموذج أطول واحد بالحارة مع الاستبداد المحدث من مدخل أنه الأقل ملاءمة لنصب حواجز أمام الشكل الإكراهي من السلطة، إن بفعل بنيته القائمة على تنافس عدائي، أو بفعل ما يبدو من استعداد متميز أصحاب هذا التكوين لأن يكونوا تابعين لطويل أقوى من خارجهم. هرب "السياسيون والقادة والأنبياء والإلهة" السوريون إلى حكم عبد الناصر الذي حل مشكلات تنازعهم بأن حلهم هم أنفسهم. وهذا قبل أن يقعوا بعد سنوات تحت سلطة قوي داخلي، حكم بالقِصَر (والقصور) على جميع السوريين. كان حافظ الأسد أطول واحد بالحارة السورية طوال سنوات حكمه الثلاثين. ومثله ابنه الركيك الذي كان يفتي في الدين والثقافة والوطنية وكل شيء دون تهيب. يظهر الاستبداد المحدث من هذا المدخل شيئا علائقياً، ليس فعل متسلطين أقوياء حصراً، وإنما كذلك نتاج تخاصم لا ينتهي على مستوى النخب. ومن عواقب هذ التكوين في الأساس الحيلولة دون ظهور مستوى قيادي، أو نخبة بديلة، يمكن أن توفر بديلاً معقولاً لقطاعات من الجمهور العام. خصوصاً وأن الأمر يتعلق بقطاعات متعلمة، يحوز غير قليل من أفرادها طاقات مميزة فعلاً، لكنها تهدر بحروب المكانة ونوازع التضحية البديلة (أو المعنوية)، الشغالة أبداً.
مفارقة الأطول كنا كلنا في الصف الأول في الباص الحمصي، لكننا لا نتحرك. وبلد السياسيين والقادة والأنبياء والآلهة لم يعرف قط كيف يسير سيراً متوازناً: إما يتقلب ولا يكف عن الوقوع أرضاً، أو هو يقف على قدم واحدة، فلا يكاد يمشي، وبعد حين يقع أرضاً كذلك. هل نقول إن هناك شيئا صغيراً، أو قصيراً، في حبنا للعُلا وزعمنا الزعامة؟ شيء مسكين وبائس: جوع للاعتراف، صراع على الانتباه الشحيح تعززه اليوم ثورة المعلومات؟ عبادة للنفس؟ حين عدد القوتلي معبودات السوريين، الله والشيطان والنار وال*، لم يتكلم على عبادة النفس. ربما كانت أندر في أيامه، أيام كانت مشاريع الناس خارج أنفسهم، وليست أنفسهم بالذات. محنة أطول واحد بالحارة أنه لا يستغني عن الاعتراف به بأنه الأطول. فإذا جاء الاعتراف من قصيرين كان قليل القيمة، شهادة أتباع لولي نعمتهم، ضعفاء للقوي، وهي لا تأتي من طوال إما لأنهم منافسون، أو لأنهم غير موجودين بفعل تمكن أطول واحد بالحارة من القضاء عليهم. هنا مفارقة التنافسية السائدة في مجتمعنا: تقلل من شأن من تريد اعترافهم، فيقل شأن الاعتراف المحتمل من طرفهم، فلا تكف عن طلبه ولا تشبع مما يأتي منه. ألف "مسيرة شعبية مليونية" تهتف بالروح والدم ليست شيئاً لأنها من تابعين. متلازمة أطول واحد بالحارة تنتمي إلى عالم اللانهاية السيئة التي تكلم عليها هيغل: أكثر وأكثر من الأشياء، عالم المزيد، عالم الإطلاق الذي لا يحده حد. كانت دولة حافظ الأسد مبنية على هذه المفارقة: لا يستغني عن مديح أتباعه، لكنه مديح أتباع صغار، مديح صغير هو ذاته. وبما أن الأنفس من التنافس، أي من تفاعل الأنفس المختلفة، فإن الأنفس التي تتشكل عبر هذه الصيغة التقزيمية من التنافس تتمخض في النهاية عن مجتمع أقزام. نبدأ من الرغبة بأن نكون الأطول وننتهي أقزاماً لأن الواحد منا لا يضمن أن يبقى الأطول إلا بأن يجعل من حوله أقزاماً، فينتهي هو إلى أن يكون القزم الأقل قزامة في أحسن الأحوال. هل نحن بعيدون عن ذلك؟ ألم يكن هذا تجاه تطورنا خلال جيلين على الأقل؟
طويل بين طوال يمكن تصور تنافس، وأنفس، مغايرة: العمل على أن يكون الواحد منا طويلاً بين طوال، من أجل أن يكون اعترافهم به ذا قيمة. هذا ينفتح على ما سماها هيغل اللانهاية الجيدة، ما يعي نفسه وما يحدد نفسه بنفسه، أي الذات الحرة بتعبيره. أو ربما نصفها بالذات الدستورية بالنظر إلى التحديد الذاتي. ومن ذوات حرة، يحتاج الاعتراف بكل واحدة منها إلى أن يكون المعترِفون أحراراً بدورهم، يتكون مجتمع حر. وبوصفها دستورية، تحد ذاتها بذاتها، فإنها تؤسس للحكم الدستوري، خلافاً للنفس المطلقة، التي هي أساس الاستبداد المحدث في مجالنا مثلما تقدم. لكن، هل هذ التصور المتوافق مع "المصلحة المستنيرة" للأفراد الطامحين لأن يكونوا طوالاً معترفاً بهم هو الأساس الصالح لتجاوز متلازمة أطول واحد بالحارة؟ هو أساس قوي، ومُكرّس، وعليه تقوم الديمقراطية الليبرالية المعاصرة: تفسح المجال إلى أن يكون الجميع طوالاً، وتقر في الوقت نفسه حرية الامتياز أو الحق في الامتياز. لكن ربما يلزم أساس آخر، أساس أخلاقي. ما يجمع بين عابدي النفس الفردية من الأوساط منزوعة التقليدية وعابدي النفس الجمعية من الإسلاميين هو ضعف البعد الأخلاقي، المتصل بالمساواة والاحترام والعدالة، وبالالتزامات حيال الغير وحدود التعامل المقبول، مما لبته الحداثة الغربية وجمعت بينه وبين الذات الدستورية، ولم تلبه حداثتنا الرثة ولا الإسلامية، الرثة بدورها). الأولى لم تنشغل بالشؤون النفسية والأخلاقية والقانونية، لأنها لم تسائل ذاتها ولم تطور وعياً ذاتياً، ولم تحدد ذاتها، والثانية لم تنشغل بها كذلك، بزعم أنها متجسدة فيها سلفاً. الواقع أنها، في صيغتها العدمية بخاصة، ارتداد نحو القرابين البشرية. وتبدو الحاجة ملحة في كل مكان لإحياء قيمة التواضع التقليدية، أننا "حيا الله"، قصار كلنا، ومقصرون من كل وجه. الاهتمام بهذه الشؤون النفسية والأخلاقية، وإن متأخراً، هو محاولة لفهم قيودنا وأوجه قصورنا، أي لوعي الذات. ملحوظات ختامية - إن صحت التقديرات السابقة فإن تكسيرنا لبعضنا ليس أمراً قاراً، ليس طبيعة سورية لا تزول. لهذا التكوين تاريخ حديث، هو بصورة ما تاريخ سورية كبلد حديث التكوين ومجتمعه منزوع التقاليد على نطاق واسع، وليس فقط لم يتحضر بل تعرض طوال جيلين لعملية ترثيثية نازعة للحضارة بالأحرى. انتهى الأمر بأن يلتقي استعداد انقسامي أقدم بحرمان من الدولة التي كان يمكن أن تسعف في تجاوز الانقسام. بل ما يتحاوز الحرمان إلى انقلابها إلى مضخة رثاثة، تطورنا بفضلها إلى مجتمع بدوي محدث، مجزأ، نفتقر فيه إلى عالم مشترك، إلى واقع جامع نشترك عيشه وتأويله. وهو ما تفاقم بفعل الثورة والحرب، ثم أكثر بأثر سقوط الحكم الأسدي وتفجرات العنف التي أعقبته. - النفس المعبودة بين الإسلاميين، هي النفس الجمعية (المعبود هو الإسلام، أو الأمة). هذا يحد من عبادة النفس الفردية، ويوفر مشروعاً خارج النفس، لكن التكسير والتنافس العدائي يعملان بدورهما جمعياً عند الإسلاميين. القوم يُكسّرون في غيرهم من أتباع ديانات وعقائد أخرى ولا يشهدون بأي منها شهادة طيبة. القربانية هنا ليست بديلة فحسب، ويمكن أن تأخذ شكل المذبحة، القربان البشري الجمعي. - الوضع الموصوف هنا يخص عالم الذكورة السوري. ليس أن عالم النساء منزه من التنافس التكسيري وحب العلا، لكن لا يكاد يرصد المرء غير قليل من نماذج أول واحدة بالحارة بين النساء. هناك عناصر فحولة وعنف نفسي ولفظي، وربما فيزيائي، في النموذج يبدو أنها لا تجتذب النساء. الفحولة ليست مقياساً للكفاءة الجنسية، بل هي علاقة بين الذكور موضوعها الإناث. - وسائل التواصل الاجتماعي سهلت ظهور نموذج أطول واحد بالحارة، إن في صورة المبُلغ بالحقيقة المرة التي لا تقال، أو في صورة العارف بكل الأسرار، أو بصورة المُبهدِل العام الذي لا يكف عن تقريع الغير. لكنها كذلك أظهرت ابتذال النموذج. وهذا أيضاً وجه من أوحه مفارقة الأطول: إذ يفترض أن الأطول نادر، لكن النموذج شائع ومنتشر بكثرة. - المفعول النوعي لنموذج أطول واحد بالحارة هو تضييق العالم، وهذا لرغبة الطويل بتقريب المنافسين كي يروا بأم أعينهم أنه الأطول. السجن الذي يكون الأطول آمره هو المحصلة النهائية.
#ياسين_الحاج_صالح (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سورية والأزمة الوطنية الجيليّة
-
قوى ثورية أم أوضاع ثورية: كيف تحدث الثورة؟
-
أين الخطأ في كتاب بارتوف: -إسرائيل، أين الخطأ؟-؟
-
الشرعية في مجتمع مُنقسِم
-
السويداء والمصالحة الوطنية السورية
-
التبعية العربية والعدمية الإسلامية
-
لو كانوا بيننا اليوم: عن ممكن آخر!
-
خواطر في المسألة العربية
-
الدولة والأمة في سورية، أمس واليوم
-
تعليقات على كتاب دانيال نيب: سورية، تاريخ حديث
-
انتقال سوري: دكتاتورية أكثر، طائفية أقل
-
من سورية إلى العالم: التمثل وحدوده
-
جذور الإبادة: إسرائيل، الغرب، العرب
-
حوار الفرد والسلطة والعائلة في المجتمع
-
بين أمجد يوسف وسمير كعكة: العدالة والسياسة في سورية
-
سميرة ورزان ووائل وناظم، القصة مرة أخرى
-
سورية اليوم: أين كانت؟ أين هي الآن؟ وإلى أين تسير؟
-
أساسيات سورية: متى يكون احتكار العنف شرعياً؟
-
في الثورة الثقافية: مناقشة لتصور عبد الله العروي
-
في العنف وعوالمه
المزيد.....
-
فرنسا.. القضاء يُبطل مشروع قانون حظر استخدام وسائل التواصل ل
...
-
ما هي أضرار مكيّف الهواء على أجسادنا والبيئة؟ وما أفضل طريقة
...
-
ميلوني تدافع عن تعليق شنغن مع إسبانيا وتحدد -أولوية أوروبا-
...
-
الكوسا على مائدة الصيف.. فوائد صحية وطرق طهي تحافظ على قيمته
...
-
إرث النياندرتال.. جين قد يجعل حامليه أكثر قوة وكتلة عضلية
-
حروق الشمس لا تضر الجلد فقط.. تأثيرات خفية تطال المناعة والخ
...
-
لافروف: روسيا تسعى لتطوير التعاون الشامل مع تايلاند
-
أكسيوس: إدارة ترامب تقيم اتصالات غير معلنة مع المعارضة الإسر
...
-
تطورات محاكمة اللواء السوري عادل عيسى في لبنان بعد أنباء عن
...
-
مقاتلات الناتو تعترض وتُسقط طائرة مسيرة في أجواء لاتفيا
المزيد.....
-
خواطر في المسألة العربية
/ ياسين الحاج صالح
-
سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام
...
/ غازي الصوراني
-
المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية
/ ياسين الحاج صالح
-
قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي
/ رائد قاسم
-
اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية
/ ياسين الحاج صالح
-
جدل ألوطنية والشيوعية في العراق
/ لبيب سلطان
-
حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة
/ لبيب سلطان
-
موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي
/ لبيب سلطان
-
الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق
...
/ علي أسعد وطفة
-
في نقد العقلية العربية
/ علي أسعد وطفة
المزيد.....
|