|
|
في ضرورة تجديد المشروع الديمقراطي: على ضوء اسهامات بيار روزنفلون ودومينيك روسو وهابرماس
محمد الحباسي
الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 15:34
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في ضرورة تجديد المشروع الديمقراطي قراءة في مساهمات بيار روزانفالون ودومينيك روسو ويورغن هابرماس مقدمة: أزمة الديمقراطية التمثيلية وصعود الشعبوية تعيش الديمقراطية المعاصرة أزمة تتجاوز مظاهرها التقليدية المرتبطة بتراجع المشاركة الانتخابية أو ضعف الانخراط الحزبي. فقد أصبحت الأزمة تمسّ الأسس التي قامت عليها الديمقراطية التمثيلية الحديثة: علاقة المواطن بالمؤسسات، والثقة في النخب السياسية، وفعالية التمثيل، ومصادر المشروعية، وقدرة المؤسسات على التعبير عن الإرادة العامة والاستجابة لتحولات المجتمع. ولم يعد السؤال الديمقراطي مقتصرًا على كيفية اختيار الحكام، وإنما أصبح يتصل بصورة متزايدة بكيفية ممارسة السلطة، وكيفية مراقبتها، وكيفية إشراك المواطنين في إنتاج الإرادة العامة، وكيفية حماية الحقوق والحريات، وكيفية ضمان جودة الأداء العام، وكيفية تجديد المشروعية السياسية باستمرار. لقد كانت الديمقراطية التمثيلية استجابة تاريخية لمشكلة حقيقية: كيف يمكن لمجتمعات واسعة ومعقدة ومتعددة المصالح أن تمارس السيادة الشعبية دون أن يكون الحكم المباشر ممكنًا بصورة مستمرة؟ ومن هنا لا ينبغي النظر إلى الديمقراطية التمثيلية باعتبارها نقيضًا للديمقراطية، وإنما باعتبارها تعبيرًا تاريخيًا عنها. غير أن هذا التعبير التاريخي لا ينبغي أن يتحول إلى تعريف نهائي للديمقراطية. فالتمثيل السياسي نفسه يظل مشروعًا مفتوحًا قابلًا للتطوير، وإلا تحولت الانتخابات من وسيلة لممارسة السيادة إلى لحظة تختزل فيها السيادة الشعبية بأكملها. لقد أنتجت الديمقراطية التمثيلية، على امتداد تاريخها، مؤسسات وقواعد وضمانات أساسية جعلت ممارسة السيادة الشعبية ممكنة في المجتمعات الحديثة. غير أن نجاحها التاريخي لا يعني اكتمالها. فالمجتمع الذي تمثله المؤسسات اليوم ليس هو المجتمع الذي مثلته المؤسسات عند نشأة الديمقراطية الحديثة؛ كما أن الحقوق والحريات والمطالب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والحضارية لم تعد هي ذاتها. لذلك فإن الديمقراطية لا يمكن أن تُفهم باعتبارها صيغة نهائية، وإنما باعتبارها مشروعًا تاريخيًا مفتوحًا على التجدد. وتكتسب في هذا السياق أعمال بيار روزانفالون ودومينيك روسو ويورغن هابرماس أهمية خاصة. فروزانفالون يكشف تعدد مصادر المشروعية الديمقراطية وضرورة الانتقال من شرعية الاختيار إلى شرعية الممارسة والأداء، وروسو يدفع في اتجاه مفهوم الديمقراطية المستمرة التي لا تتوقف بانتهاء الانتخابات، بينما يضيف هابرماس بعد التداول والفضاء العام باعتبارهما مجالين أساسيين لتكوين الإرادة السياسية. ومن خلال الجمع بين هذه المقاربات يمكن الانتقال من تصور ضيق للديمقراطية يقوم على الانتخابات والتمثيل إلى تصور أكثر تركيبًا، تصبح فيه المشروعية متعددة المصادر، والحقوق والحريات قابلة للتراكم والتوسع، والمؤسسات قابلة للتطوير، والمواطن حاضرًا بصورة مستمرة في الحياة العامة، والفضاء العام مجالًا لإنتاج الرأي والإرادة السياسية، والمرافق العامة أحد مجالات اختبار مشروعية الأداء. ومن هنا تطرح الشعبوية نفسها باعتبارها أحد أبرز التعبيرات عن أزمة الديمقراطية المعاصرة. فهي تستفيد من أزمات التمثيل والثقة والمشاركة، لكنها تقدم في الوقت نفسه تصورًا للديمقراطية يمكن أن يؤدي إلى اختزال التعددية واحتكار تعريف الشعب وتمثيله. ولذلك فإن مواجهتها لا يمكن أن تتم بإضعاف الديمقراطية، وإنما بإصلاح اختلالاتها وتعميقها وتجديدها. الأول: أزمة الديمقراطية التمثيلية وضرورة تنويع المشروعيات الديمقراطية تقوم الديمقراطية التمثيلية تقليديًا على أن الشعب هو مصدر السيادة، وأنه يمارسها من خلال انتخاب ممثلين يتولون إنتاج القواعد العامة وممارسة السلطة باسمه. وقد شكل هذا الحل تاريخيًا إنجازًا أساسيًا، لأنه جعل مبدأ السيادة الشعبية قابلًا للتحقق داخل مجتمعات واسعة ومعقدة. غير أن نجاح التمثيل في حل مشكلة ممارسة السلطة أوجد مشكلة أخرى تتعلق بالمسافة بين الممثل والمُمثَّل، وبين المجتمع والمؤسسات، وبين لحظة الاختيار الانتخابي وممارسة السلطة خلال الفترة التي تفصل بين انتخاب وآخر. ومن هنا يجب التمييز بين الديمقراطية التمثيلية كتعبير تاريخي عن الديمقراطية والتمثيل السياسي كمشروع مفتوح. فالمشكلة ليست في التمثيل ذاته، وإنما في اختزاله في التفويض الانتخابي، ولا في البرلمان، وإنما في اعتباره الفضاء الوحيد الذي تمارس داخله السيادة الشعبية. فالمجتمع لا يتوقف عن إنتاج المطالب والمواقف والاعتراضات بمجرد انتهاء الانتخابات، كما أن الإرادة العامة لا يمكن اختزالها نهائيًا في نتيجة انتخابية واحدة، لأن المجتمع متعدد ومتغير، ومصالحه وتطلعاته تتطور باستمرار. ومن هنا يبدأ تحليل بيار روزانفالون، الذي ينطلق من نقد اختزال الديمقراطية في الانتخابات. فالانتخاب ينتج مشروعية الاختيار، لكنه لا ينتج وحده كل أشكال المشروعية. إن السلطة المنتخبة لا تحصل بمجرد وصولها إلى الحكم على تفويض مفتوح في ممارسة السلطة كيفما شاءت، وإنما تظل مطالبة بإعادة إنتاج مشروعيتها من خلال طريقة حكمها، ومدى احترامها للحقوق، وقدرتها على الإصغاء والاستجابة، وخضوعها للرقابة والمساءلة. ولهذا يوسع روزانفالون مفهوم المشروعية الديمقراطية من خلال أبعاد متعددة، من أبرزها الحياد، والانعكاسية، والقرب. فالحياد يعني قدرة المؤسسات على تجاوز المصالح الخاصة والحزبية والفئوية، والتعامل مع المواطنين وفق مقتضيات المساواة والمصلحة العامة. والانعكاسية تعني قدرة النظام الديمقراطي على مراجعة نفسه، واستيعاب تعدد وجهات النظر، والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها. أما القرب فيتصل بقدرة المؤسسات على الإصغاء إلى المواطنين، وفهم أوضاعهم وتجاربهم وحاجاتهم، وعدم التعامل معهم باعتبارهم مجرد كتلة انتخابية. وهذه الأبعاد لا تأتي بعد المشروعية الانتخابية بوصفها إضافات ثانوية، وإنما تسمح بإعادة بناء مفهوم المشروعية نفسه. فالانتخاب يجيب عن سؤال: من يملك حق ممارسة السلطة؟ لكنه لا يجيب بصورة كافية عن سؤال: كيف تمارس هذه السلطة؟ ولصالح من؟ وتحت أي شروط؟ وكيف يمكن مراقبتها وتصحيحها؟ وبذلك تصبح المشروعية الديمقراطية متعددة الأبعاد. فهي مشروعية مصدر تستند إلى الانتخاب، ومشروعية ممارسة تتصل بطريقة استعمال السلطة، ومشروعية أداء تتعلق بقدرة المؤسسات على تحقيق الغايات العامة والاستجابة للحاجات الاجتماعية، ومشروعية إجرائية ترتبط بالشفافية والمسؤولية والمساءلة، ومشروعية نابعة من احترام الحقوق والحريات والضمانات التي تجعل ممارسة السلطة نفسها ديمقراطية. وتتجاوز المشروعية، بذلك، لحظة الوصول إلى السلطة لتصبح مرتبطة أيضًا بكيفية استعمال السلطة. فالسلطة قد تكون منتخبة بصورة صحيحة، لكنها لا تكون بالضرورة ديمقراطية في كل ممارسة من ممارساتها. ومن هنا يكتسب مفهوم روزانفالون عن الحكومة الجيدة أهميته: فالسؤال الديمقراطي لا ينبغي أن يكون فقط «من يحكم؟»، بل أيضًا «كيف يحكم؟». فالشفافية، والمسؤولية، والاستجابة، والإنصات، والوضوح، والمساءلة ليست مجرد معايير إدارية، وإنما عناصر تدخل في صميم مشروعية السلطة. وفي هذا الإطار تبرز المرافق العامة باعتبارها أحد المجالات الأساسية لمشروعية الأداء. فالمواطن لا يختبر الدولة فقط في الانتخابات والمؤسسات السياسية، وإنما يختبرها في المدرسة والمستشفى والنقل والإدارة والماء والكهرباء والثقافة وغيرها من المجالات التي تتجسد فيها قدرة الدولة على تحويل الحقوق المجردة إلى إمكانات فعلية للحياة. فالحق في التعليم لا يكتمل بمجرد الاعتراف به، والحق في الصحة لا يتحقق بمجرد إعلانه، وإنما يحتاج إلى مؤسسات ومرافق وموارد تتيح ممارسته بصورة فعلية. ومن ثم فإن جودة المرافق العامة وعدالتها واستمراريتها ليست مسألة تقنية أو إدارية منفصلة عن الديمقراطية، بل هي جزء من علاقة الدولة بالمواطن ومن مضمون مشروعية الأداء. كما أن توسع المرافق العامة وتحسن نوعيتها ينتج مع الزمن مكاسب حضارية لا ينبغي التعامل معها كامتيازات ظرفية قابلة للتراجع. فما يتحول تاريخيًا إلى مستوى طبيعي من الخدمات والحقوق يصبح جزءًا من توقعات المجتمع ومن الحد الأدنى الذي يقيس به أداء الدولة. لذلك فإن الدولة لا تكون مطالبة فقط بالحفاظ على المكتسبات، بل بتطويرها بما يتلاءم مع التطور الاجتماعي والعلمي والتكنولوجي والحضاري. ومن هنا تصبح مسألة التراجع عن المكاسب الحضارية مسألة تتجاوز السياسة العمومية الظرفية. فحين تتحول الخدمة العامة إلى حق مكتسب وإلى جزء من شروط الحياة الحديثة، يصبح تطويرها امتدادًا طبيعيًا لمفهوم المواطنة، لا منحة من السلطة. والمجتمع الديمقراطي لا ينبغي أن يكتفي بالدفاع عن المكتسبات القائمة، بل أن يجعل من توسيعها وتحسينها جزءًا من مشروعه الحضاري. وعليه، فإن المشروعية الديمقراطية لا تستنفد في شرعية المصدر. إنها تبدأ بالانتخاب، لكنها تتأكد بالحياد، وتتعمق بالقرب، وتتجدد بالانعكاسية، وتختبر بالمراقبة والمساءلة، وتكتسب مضمونها الملموس من جودة الأداء العام ومن قدرة الدولة على جعل الحقوق والخدمات والمرافق العامة واقعًا فعليًا في حياة المواطنين. إن الديمقراطية، بهذا المعنى، لا تكتفي بإنتاج سلطة شرعية من حيث مصدرها، وإنما تسعى إلى إنتاج سلطة جديرة بالمشروعية في ممارستها وأدائها. الثاني: الديمقراطية المستمرة: تجدد المضامين والآليات إذا كانت أزمة الديمقراطية التمثيلية تكشف محدودية اختزال السيادة الشعبية في الانتخابات، فإن فكرة الديمقراطية المستمرة عند دومينيك روسو تفتح المجال أمام تصور آخر للعلاقة بين المواطن والمؤسسات. فالشعب هو مصدر السيادة، لكنه لا ينبغي أن يتحول بعد الانتخابات إلى مجرد متلقٍ للقرارات التي تنتجها المؤسسات التمثيلية. إن المواطن يظل حاضرًا في المجال السياسي من خلال الحقوق والحريات، والمشاركة، والنقاش، والاعتراض، والمراقبة والمساهمة في إنتاج الإرادة العامة. ولا يعني هذا إلغاء التمثيل السياسي، وإنما إعادة صياغته باعتباره علاقة مستمرة بين المجتمع وممثليه. فالتمثيل لا ينبغي أن يكون تفويضًا مغلقًا ينتهي بمجرد إعلان النتائج، وإنما علاقة قابلة للمراجعة والنقد والمساءلة. ومن هنا تتخذ الحقوق والحريات موقعًا مركزيًا، لأنها ليست مجرد حدود خارجية على سلطة الأغلبية، بل شروط لممارسة السيادة الشعبية نفسها. فحرية التعبير والتنظيم والاجتماع والصحافة، والحق في المعارضة والمشاركة، واستقلال القضاء، والحق في التقاضي، كلها تجعل المواطن قادرًا على الوجود بوصفه فاعلًا سياسيًا. ولا تكون الإرادة الشعبية ديمقراطية إذا لم يكن الأفراد قادرين على التعبير عنها بحرية، ولا تكون الأغلبية ديمقراطية إذا استطاعت أن تلغي حقوق الأقلية أو تسلبها المجال الذي تمارس فيه السياسة. فالديمقراطية لا تختزل في قاعدة الأغلبية، وإنما تقوم كذلك على مجموعة من الحدود والضمانات التي تمنع تحول الأغلبية إلى سلطة مطلقة. وهنا تظهر فكرة تحديد الديمقراطية؛ أي أن الديمقراطية لا تعني أن كل ما تريده الأغلبية يصبح مشروعًا لمجرد أنه حاز الأغلبية. فالحقوق والحريات، واستقلال القضاء، والتعددية السياسية، وحرية المعارضة، تشكل حدودًا ديمقراطية لسلطة الأغلبية، وتحمي الفضاء الذي يسمح أصلًا باستمرار العملية الديمقراطية. لكن مركزية الحقوق والحريات لا تعني اعتبارها قائمة مغلقة ونهائية. فالديمقراطية تتجدد في مضمونها بقدر ما تتغير المجتمعات وتتغير حاجاتها واستحقاقاتها الحضارية. لقد انتقلت الديمقراطيات الحديثة تاريخيًا من التركيز على بعض الحقوق المدنية والسياسية إلى الاعتراف تدريجيًا بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ثم ظهرت استحقاقات جديدة مرتبطة بالبيئة والمعلومة والفضاء الرقمي والخصوصية والتحولات العلمية والتكنولوجية. ومن هنا يمكن الحديث عن التراكم اللامتناهي للحقوق. فكل مرحلة تاريخية تطرح إمكانات جديدة للحياة ومخاطر جديدة على الإنسان، وهو ما يفرض إعادة تعريف الحماية القانونية والسياسية. وما كان في مرحلة معينة مطلبًا متقدمًا قد يصبح في مرحلة لاحقة جزءًا من الحد الأدنى الديمقراطي. ولذلك فإن الديمقراطية التي تتوقف عن توسيع مضمون الحقوق قد تحافظ على مؤسساتها الشكلية، لكنها تفقد قدرتها على مواكبة المجتمع. فالتجدد الديمقراطي لا يعني تغيير شكل المؤسسات فقط، وإنما يعني أيضًا توسيع مضمون المواطنة بما يتناسب مع التطور الحضاري. وبقدر ما تتجدد الديمقراطية في مضمونها، فإنها تتجدد كذلك في آلياتها وضماناتها. فالفصل التقليدي بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ظل أحد أهم الأسس التاريخية لمنع تركيز السلطة، لكنه لم يعد وحده كافيًا لاستيعاب تعقيد الدولة الحديثة. فقد ظهرت سلطات وهيئات مستقلة ومتخصصة، وهيئات انتخابية ورقابية وتنظيمية، ومؤسسات لحماية الحقوق والحريات، وآليات جديدة للرقابة على السلطة وضمان استقلال القضاء والنفاذ إلى المعلومة. ولا يمثل هذا التطور إلغاءً للفصل التقليدي بين السلطات، وإنما إعادة بناء له في اتجاه أكثر تعقيدًا وتعددًا. فالديمقراطية الحديثة لا تحتاج فقط إلى منع سيطرة سلطة على أخرى، وإنما تحتاج أيضًا إلى تعدد مراكز الرقابة والتوازن، بحيث لا تتحول أي سلطة أو مؤسسة إلى مجال مغلق غير قابل للمساءلة. وتتصل بذلك أشكال جديدة من الديمقراطية التشاركية التي توسع حضور المواطن خارج لحظة التصويت. فالاستشارات العمومية، والعرائض، والمشاركة المحلية، والحوار المجتمعي، وآليات الرقابة المدنية، كلها لا تلغي التمثيل وإنما تصححه وتدعمه، وتعيد وصل المؤسسات بالمجتمع. ومن ثم فإن الديمقراطية المستمرة تتجدد في مستويين مترابطين: في مضمونها من خلال التوسع المستمر في دائرة الحقوق والحريات، وفي آلياتها من خلال تطوير المؤسسات والضمانات وأشكال المشاركة والرقابة. وهذا التطور ليس ترفًا مؤسساتيًا، وإنما تعبير عن حقيقة أن الديمقراطية نفسها تتغير بتغير المجتمع. فإذا كان المجتمع الحديث قد أنتج البرلمان والانتخاب والفصل بين السلطات باعتبارها آليات أساسية لمواجهة السلطة المطلقة، فإن المجتمعات المعاصرة أنتجت، وتواصل إنتاج، حاجات جديدة إلى الرقابة والمشاركة والشفافية والاستقلال المؤسسي. ومن هنا يصبح التجدد الديمقراطي عملية مزدوجة: تجدد في المضمون وتجدد في الآليات. الأول يتعلق بما يعتبره المجتمع حقًا وحماية وضمانًا من ضمانات المواطنة؛ والثاني يتعلق بكيفية تنظيم السلطة وتوزيعها ومراقبتها وإشراك المواطنين في إنتاج القرار. الثالث: التداول والفضاء العام إلى جانب التصويت وفضاء البرلمان إذا كان التصويت يمثل إحدى الآليات الأساسية لتكوين السلطة، وكان البرلمان يمثل فضاءً مركزيًا لتحويل الإرادة السياسية إلى قواعد عامة، فإن الديمقراطية لا يمكن اختزالها في لحظة التصويت ولا في المجال البرلماني. وهنا يكتسب تصور يورغن هابرماس للديمقراطية التداولية أهميته، لأنه يربط مشروعية القرار بالطريقة التي تتشكل بها الإرادة السياسية، وبإمكان المواطنين والفاعلين الاجتماعيين المشاركة في النقاش العمومي وتبادل الحجج والتأثير في تكوين الرأي العام. فالفضاء العام يمثل المجال الذي تتشكل فيه المطالب والآراء والاعتراضات قبل انتقالها إلى المؤسسات، أو الذي تعود إليه القرارات بعد صدورها لكي تخضع للنقاش والتقييم والنقد. ومن ثم لا يكون البرلمان بديلاً عن الفضاء العام، كما لا يكون الفضاء العام بديلاً عن البرلمان؛ بل إن الديمقراطية تحتاج إلى العلاقة الحيوية بينهما. فالبرلمان يمنح الإرادة السياسية شكلًا مؤسساتيًا، بينما يمنحها الفضاء العام بعدها الاجتماعي والتعددي والتداولي. ومن خلال هذا التفاعل يصبح القرار السياسي أكثر اتصالًا بالمجتمع، وتصبح المؤسسات أكثر تعرضًا للنقد والمراجعة. ولا يعني التداول أن المجتمع سيصل دائمًا إلى الإجماع. فالاختلاف جزء طبيعي من الديمقراطية، بل إن الديمقراطية تفقد معناها إذا تحولت إلى مجرد إنتاج إجماع مصطنع. المطلوب هو أن تتم إدارة الاختلاف داخل فضاء يسمح بالحجة والنقد والرد، وأن يتحول الاختلاف من مصدر للعداء إلى عنصر من عناصر إنتاج الإرادة العامة. وهنا تصبح المعارضة جزءًا من إنتاج المشروعية الديمقراطية. فهي ليست مجرد قوة تسعى إلى إسقاط الحكومة والوصول إلى السلطة، وإنما تؤدي وظيفة رقابية وتكشف الاختلالات وتقدم البدائل وتحافظ على تعدد الإرادات داخل المجتمع. فالمعارضة لا تقع خارج الشعب، والأقلية السياسية لا تفقد حقوقها لأنها أصبحت أقلية، بل تظل جزءًا من الجماعة السياسية التي تستمد منها الديمقراطية معناها. إن الديمقراطية التداولية، بهذا المعنى، تضيف إلى الديمقراطية الانتخابية بعدًا أساسيًا: الإرادة العامة لا تتشكل فقط بالتصويت، وإنما أيضًا بالنقاش والحجاج والتفاعل العمومي. وهذا يجعل الفضاء العام جزءًا من البنية الديمقراطية وليس مجرد فضاء اجتماعي خارجي عن السياسة. ومن هنا يصبح المواطن أكثر من مجرد ناخب. إنه مواطن يناقش، وينتقد، ويقترح، ويعترض، ويراقب، ويشارك في تشكيل الرأي العام. وتصبح السياسة عملية مستمرة لا تتوقف عند إعلان نتائج الانتخابات. وهذا ما يجعل التمثيل السياسي نفسه مشروعًا مفتوحًا. فالممثل لا ينفصل عن المجتمع بمجرد انتخابه، والمواطن لا يفقد صفته السياسية بمجرد انتهاء الانتخابات. وإنما تستمر العلاقة بين الطرفين من خلال المؤسسات، والفضاء العام، والإعلام، والمجتمع المدني، والمعارضة، والرقابة والمشاركة. وبذلك يصبح الانتقال من الديمقراطية الانتخابية إلى الديمقراطية المتجددة ليس إلغاءً للتصويت ولا تقليلًا من أهمية البرلمان، وإنما إدماجًا لهما في منظومة ديمقراطية أوسع تضم الحقوق والحريات، والتداول، والمشاركة، والمراقبة، والمساءلة، والمؤسسات المستقلة. الرابع: مواجهة الشعبوية بتعزيز الديمقراطية وتجذيرها لا يمكن فهم صعود الشعبوية خارج السياق التاريخي والسياسي الذي أتاح لها أن تتحول من ظاهرة هامشية أو احتجاجية إلى أحد أهم التعبيرات السياسية عن أزمة الديمقراطيات المعاصرة. فالشعبوية لم تظهر في فراغ، ولم تنشأ فقط نتيجة براعة بعض القادة في توظيف الخطاب السياسي، وإنما ارتبط صعودها بتحولات عميقة مست التمثيل السياسي، وعلاقة المواطنين بالمؤسسات، وتراجع الثقة في الأحزاب والنخب، واتساع المسافة بين الحياة السياسية والمؤسسات من جهة، والتجارب الاجتماعية الفعلية للمواطنين من جهة أخرى. لقد أدى تحول الديمقراطية التمثيلية إلى منظومة سياسية شديدة التخصص والمؤسساتية إلى نشوء مفارقة أساسية: كلما ازدادت قدرة المؤسسات على تنظيم الحياة السياسية، ازداد في بعض الحالات شعور المواطن بأنه ابتعد عن مركز القرار. وأصبحت الانتخابات، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المواطنين، لحظة دورية لممارسة السيادة، يعقبها انقطاع نسبي عن عملية إنتاج القرار ومراقبة السلطة. وفي الوقت نفسه، أدى تراجع الوسائط التقليدية، وخاصة الأحزاب السياسية، وتغير أشكال العمل والنقاش العمومي، وصعود وسائل الاتصال الجديدة، إلى إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والسياسة. وفي هذا السياق تجد الشعبوية مجالًا خصبًا للنمو، لأنها تستفيد من فقدان الثقة في المؤسسات، ومن الشعور بأن التمثيل السياسي لم يعد يعبر بصورة كافية عن المجتمع، ومن الإحساس بأن القرار العام أصبح بعيدًا عن المواطنين. لكن الشعبوية لا يمكن اختزالها في مجرد خطاب معادٍ للنخب، أو في استعمال لغة شعبية، أو في رفض الأحزاب التقليدية. فهذه الظواهر قد توجد داخل الديمقراطية دون أن تكون شعبوية بالضرورة. وهنا تكتسب مساهمة بيار روزانفالون في كتابه «عصر الشعبوية» أهمية خاصة. فهو لا يتعامل مع الشعبوية بوصفها مجرد أسلوب في الخطاب أو استراتيجية انتخابية، وإنما يسعى إلى الكشف عن بنيتها السياسية والفكرية باعتبارها تصورًا خاصًا للديمقراطية والشعب والتمثيل والسيادة والمساواة، فضلًا عن اعتمادها على تعبئة العواطف السياسية. وتتمثل إحدى أهم خصائص هذا التصور في بناء صورة للشعب باعتباره كيانًا متجانسًا يمكن التعرف إلى إرادته بصورة مباشرة. فالشعب، وفق المنطق الشعبوي، لا يظهر باعتباره تعددًا اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا، وإنما باعتباره «شعبًا واحدًا» له إرادة واحدة، في مقابل نخب يجري تصويرها باعتبارها منفصلة عن هذا الشعب أو خائنة لإرادته. ومن هنا يصبح الخلاف السياسي قابلًا للتحول من اختلاف طبيعي بين مواطنين ومصالح واتجاهات إلى مواجهة بين «الشعب» و«النخبة». وهذا التصور يحمل في داخله مشكلة ديمقراطية عميقة. فالديمقراطية لا تفترض وجود شعب متجانس لا خلاف داخله، وإنما تفترض العكس تمامًا: أن المجتمع متعدد، وأن المصالح والقيم والتصورات متعارضة، وأن الديمقراطية هي الطريقة التي تجعل هذا التعدد قابلًا للتعبير والتنظيم والتفاوض والتداول داخل مؤسسات وقواعد مشتركة. ومن هنا فإن المشكلة في الشعبوية ليست في استحضار مفهوم الشعب، فالشعب هو أساس الديمقراطية، ولا في الدفاع عن السيادة الشعبية، فالسيادة الشعبية هي المبدأ المؤسس للنظام الديمقراطي. وإنما تكمن المشكلة في احتكار تعريف الشعب واحتكار التعبير عن إرادته. فعندما تدعي جهة سياسية أو قائد سياسي أنه يمثل الشعب الحقيقي وحده، يصبح من السهل تحويل المعارض إلى شخص يقف خارج الشعب، وتحويل الاختلاف السياسي إلى نوع من الخيانة، وتحويل التعدد إلى عائق أمام الإرادة الشعبية. وتتصل بذلك علاقة الشعبوية بالتمثيل السياسي. فهي تنتقد التمثيل التقليدي باعتباره سببًا في اغتراب المواطن عن السلطة، لكنها لا تلغي التمثيل فعليًا؛ بل تميل إلى إعادة تركيزه في شخصية سياسية أو قيادة تدعي امتلاك علاقة مباشرة بالشعب. وهنا تنشأ المفارقة: يتم رفض الوسطاء السياسيين والمؤسسات التمثيلية باسم السيادة الشعبية، لكن النتيجة قد تكون ظهور وسيط أقوى، يدعي أنه وحده يجسد الإرادة الشعبية. ولهذا فإن الشعبوية تستفيد من أزمة التمثيل، لكنها قد تعالجها بطريقة تؤدي إلى تعميقها. فهي تكشف بالفعل عن وجود مسافة بين المواطن والمؤسسات، لكنها قد تستبدل أزمة التمثيل التعددي بمشكلة أخطر تتمثل في احتكار التمثيل. وتكشف ضعف الثقة في المؤسسات، لكنها قد تضعف المؤسسات التي يفترض أن تضمن تعدد المجتمع وتوازن السلطات. وتنتقد النخب السياسية، لكنها قد تنتهي إلى بناء سلطة أكثر تركيزًا حول القيادة. ومن هنا ينبغي ألا تكون العلاقة مع الشعبوية علاقة إنكار أو تبسيط. فالشعبوية ليست مجرد مرض يأتي من خارج الديمقراطية، وإنما هي في جانب أساسي منها عرض من أعراض أزمتها. إنها تستثمر التناقضات التي أنتجها النموذج التمثيلي، وتستفيد من نقاط ضعفه، وتخاطب مشاعر حقيقية لدى مواطنين يشعرون بأن المؤسسات لم تعد تسمعهم أو تمثلهم بصورة كافية. ولهذا السبب فإن مواجهة الشعبوية لا يمكن أن تتم بمجرد مهاجمة الشعبويين أو وصف جمهورهم بالجهل أو الانفعال، لأن مثل هذا الموقف يزيد المسافة بين النخب والمؤسسات وبين الفئات التي تشعر بالتهميش السياسي. كما لا يمكن مواجهتها بإغلاق المجال السياسي، أو بتقليص الحقوق والحريات، أو بإضعاف المعارضة، أو بتركيز السلطة التنفيذية، لأن ذلك لا يعالج أسباب الشعبوية وإنما يوفر لها أسبابًا جديدة. إن السؤال الحقيقي ليس: كيف نقضي على الشعبوية؟ وإنما: كيف نعالج الشروط الديمقراطية التي تجعل الشعبوية قادرة على اكتساب هذا النفوذ؟ وهنا تظهر الفكرة المركزية: إصلاح أخطاء الديمقراطية لا يكون بمزيد من السلطوية، وإنما بمزيد من الديمقراطية. فإذا كانت الشعبوية تستفيد من أزمة التمثيل، فإن العلاج يكون بتجديد التمثيل، لا بإلغائه. وإذا كانت تستفيد من ضعف المشاركة، فإن العلاج يكون بتوسيع المشاركة، لا بإبعاد المواطنين عن المجال العام. وإذا كانت تستفيد من فقدان الثقة في المؤسسات، فإن العلاج يكون بإصلاح المؤسسات وجعلها أكثر شفافية وقربًا واستجابة، لا بإضعافها. وإذا كانت تستفيد من غياب المواطن بين الانتخابات، فإن العلاج يكون بالديمقراطية المستمرة، التي تجعل المواطن حاضرًا في النقاش والمراقبة والمساءلة والتأثير في القرار العام. وإذا كانت الشعبوية تجد قوتها في الشعور بأن الحقوق السياسية لا تنتج دائمًا شروطًا فعلية للحياة الكريمة، فإن الديمقراطية مطالبة كذلك بتوسيع مضمونها الاجتماعي. فالمواطنة الديمقراطية لا يمكن أن تبقى منفصلة عن نوعية التعليم والصحة والنقل والسكن والماء والطاقة والثقافة وبقية الخدمات والمرافق العامة. إن الدولة التي تعترف للمواطن بحقوقه نظريًا ثم تعجز بصورة مستمرة عن تحويلها إلى واقع ملموس تخلق فجوة بين القانون والتجربة الاجتماعية، وهي الفجوة التي يمكن للخطاب الشعبوي أن يستثمرها. ومن هنا تكتسب مشروعية الأداء أهمية خاصة في مواجهة الشعبوية. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى أن يكون ممثلًا سياسيًا، وإنما يحتاج أيضًا إلى أن يرى أثر المؤسسات العامة في حياته اليومية. وكلما ارتفعت جودة المرافق العامة، واتسعت قدرتها على الاستجابة، وتحولت الخدمات العمومية إلى مكاسب حضارية مستقرة وغير قابلة للتراجع، ازدادت قدرة الدولة الديمقراطية على إنتاج الثقة من خلال الأداء نفسه. لكن مواجهة الشعبوية تقتضي أيضًا حماية المجال الذي يسمح بالتعدد والاختلاف. فلا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية قوية إذا كان المواطن لا يستطيع التعبير عن رأيه، وإذا كانت المعارضة محرومة من المجال العام، وإذا كانت الصحافة خاضعة للسلطة، وإذا كانت الجمعيات والنقابات والمنظمات المستقلة عاجزة عن ممارسة أدوارها، وإذا أصبح الاختلاف السياسي مناسبة لتجريم الخصم أو عزله من الجماعة الوطنية. ولهذا فإن الحقوق والحريات ليست مجرد وسائل للدفاع عن الديمقراطية، بل هي وسائل لإعادة إنتاجها باستمرار. وكلما ظهرت حاجات اجتماعية وحضارية جديدة، وجب أن تتطور الحقوق والضمانات المواكبة لها. فالديمقراطية تتجدد في مضمونها بقدر ما تتجدد حاجات المجتمع، كما تتجدد في آلياتها من خلال تطوير الفصل بين السلطات، وتعدد هيئات الرقابة، وتعزيز استقلال القضاء، وإحداث مؤسسات جديدة لحماية الحقوق، وتطوير الآليات التشاركية. وبذلك تصبح مقاومة الشعبوية مرتبطة بصورة مباشرة بقدرة النظام الديمقراطي على التجدد. فالديمقراطية التي لا تتغير تفقد قدرتها على تمثيل مجتمع متغير، والمؤسسات التي لا تراجع نفسها تتحول إلى هياكل مغلقة، والحقوق التي لا تتطور تصبح عاجزة عن الاستجابة للاستحقاقات الحضارية الجديدة. إن الديمقراطية لا تستطيع أن تواجه أزمة الديمقراطية بالجمود. فإذا كان أحد أسباب الشعبوية هو شعور المواطن بأن المؤسسات أصبحت بعيدة عنه، فإن الرد لا يكون بإبعاده أكثر، وإنما بإعادة إدماجه في عملية إنتاج القرار. وإذا كان أحد أسبابها هو فقدان الثقة، فإن الرد لا يكون بطلب الثقة، وإنما ببناء شروطها من خلال الشفافية والمساءلة والأداء الجيد. وإذا كان أحد أسبابها هو ضعف التمثيل، فإن الرد لا يكون بإلغاء التمثيل، وإنما بجعله أكثر تعددية وقربًا وانفتاحًا على المجتمع. وهنا تلتقي أفكار روزانفالون ودومينيك روسو وهابرماس في نقطة مركزية. فالمشروعية لا تتجدد بمجرد تكرار الانتخابات، وإنما من خلال قدرة النظام السياسي على الإصغاء والمراجعة والتصحيح. والديمقراطية المستمرة تجعل المواطن حاضرًا بين الانتخابات، والديمقراطية التداولية تجعل الفضاء العام مجالًا لإنتاج الرأي والإرادة السياسية، بينما يسمح تعدد مصادر المشروعية عند روزانفالون بتجاوز الاختزال الانتخابي للديمقراطية. إن أفضل طريقة لمواجهة الشعبوية ليست إذن الدفاع عن الديمقراطية القائمة كما هي، وإنما تجذيرها وتوسيعها وتعميقها. ذلك يعني ديمقراطية أكثر تمثيلًا، ولكن أيضًا أكثر مشاركة؛ أكثر مؤسساتية، ولكن أيضًا أكثر قربًا من المجتمع؛ أكثر احترامًا لقرار الأغلبية، ولكن أكثر حماية للحقوق والحريات؛ أكثر اعتمادًا على البرلمان، ولكن أكثر انفتاحًا على الفضاء العام؛ أكثر انتظامًا في قواعدها، ولكن أكثر قدرة على مراجعة هذه القواعد عندما تتغير حاجات المجتمع. وهنا يصبح التصحيح الذاتي جوهر القوة الديمقراطية. فالنظام الديمقراطي لا يكون قويًا لأنه لا يرتكب الأخطاء، وإنما لأنه يمتلك الوسائل التي تسمح له باكتشافها وتصحيحها. ولا تكون شرعية الديمقراطية في عصمة المؤسسات، وإنما في قابلية المؤسسات للمراجعة والمساءلة والتغيير. وهذا تحديدًا ما يجعل الديمقراطية أكثر قدرة على مقاومة الشعبوية من أي نظام يقوم على إغلاق المجال السياسي. فالشعبوية تزدهر عندما يشعر المواطن بأن صوته لا قيمة له، وأن المؤسسات لا تسمعه، وأن السياسة مغلقة أمامه. أما عندما تصبح لديه وسائل حقيقية للتعبير والمشاركة والمراقبة والاعتراض والتأثير، فإن الحاجة إلى خطاب يدعي أنه الصوت الوحيد للشعب تتراجع. لذلك فإن الدفاع عن الديمقراطية لا يعني الدفاع عن كل ما هو قائم داخل الديمقراطية. بل قد يكون الدفاع الحقيقي عنها هو نقد عيوبها، وكشف اختلالاتها، وتطوير مؤسساتها، وتوسيع حقوقها، وتجديد آلياتها. إن الديمقراطية لا تحتاج إلى أن تكون كاملة لكي تكون ديمقراطية؛ لكنها تحتاج إلى أن تكون قادرة على التحسن. ومن هنا يمكن صياغة المبدأ الحاسم في مواجهة الشعبوية: أخطاء الديمقراطية تُصلح بمزيد من الديمقراطية، لا بتقليصها. أزمة التمثيل تُعالج بتمثيل أفضل، لا بإنهاء التمثيل. أزمة المشاركة تُعالج بمشاركة أوسع، لا بإقصاء المواطنين. أزمة الثقة تُعالج بالشفافية والمساءلة والأداء الجيد، لا بالسلطة المغلقة. أزمة المؤسسات تُعالج بإصلاح المؤسسات واستقلالها، لا بتجاوزها. أزمة الحقوق تُعالج بتوسيع الحقوق والحريات، لا بتقييدها. وأزمة الشعبوية نفسها لا تُعالج بإبعاد الشعب عن السياسة، وإنما بإعادة بناء قدرته الفعلية على أن يكون شريكًا دائمًا في الحياة العامة. في هذا المعنى، لا تكون مواجهة الشعبوية دفاعًا عن نظام سياسي ضد خصم سياسي، وإنما دفاعًا عن فكرة الديمقراطية ذاتها من اختزالها. فالديمقراطية ليست حكم الأغلبية فقط، وليست الانتخابات فقط، وليست المؤسسات فقط، وليست الإرادة الشعبية المجردة فقط. إنها منظومة متكاملة تجمع بين الانتخاب والتمثيل والحقوق والحريات والتداول والمشاركة والرقابة والمساءلة وجودة الأداء العام. ومن ثم فإن الديمقراطية القادرة على مقاومة الشعبوية هي الديمقراطية التي لا تخاف من المجتمع، ولا من المعارضة، ولا من النقد، ولا من الاختلاف، ولا من مراجعة نفسها. إنها ديمقراطية تملك من المرونة ما يسمح لها بالتغير، ومن المؤسسات ما يمنع انهيارها، ومن الحقوق ما يحمي التعدد، ومن الآليات ما يسمح بتصحيح الأخطاء. وعند هذه النقطة يتحول مفهوم الديمقراطية المتجددة من مجرد استجابة لأزمة الديمقراطية التمثيلية إلى مشروع سياسي كامل: مشروع يجعل التمثيل علاقة مفتوحة، والحقوق تراكمًا حضاريًا لا يتوقف، والفصل بين السلطات منظومة قابلة للتطوير، والفضاء العام شريكًا في إنتاج الإرادة العامة، والمواطن فاعلًا مستمرًا، والمرافق العامة تجسيدًا ملموسًا لمشروعية الأداء، والمساءلة آلية دائمة لإعادة إنتاج الثقة. وبذلك لا تكون الديمقراطية المتجددة مجرد وسيلة لمقاومة الشعبوية، بل تصبح في ذاتها نقيضًا ديمقراطيًا عميقًا للمنطق الشعبوي: بدل شعب واحد وإرادة واحدة، تعدد وتنوع؛ بدل احتكار التمثيل، تعدد للتمثيلات؛ بدل القائد الذي يدعي تجسيد الشعب، مؤسسات ومواطنون وفضاء عام؛ بدل الإرادة الفورية غير القابلة للنقاش، تداول وحجاج ومراجعة؛ وبدل السلطة التي تستمد مشروعيتها مرة واحدة من الانتخابات، سلطة مطالبة بإعادة إنتاج مشروعيتها بصورة مستمرة من خلال الحقوق والمشاركة والمساءلة وجودة الأداء. وهكذا فإن مقاومة الشعبوية لا تبدأ من الشعبوية نفسها، وإنما من إصلاح الديمقراطية التي جعلت ظهورها ممكنًا. وكلما أصبحت الديمقراطية أكثر تمثيلًا، وأكثر مشاركة، وأكثر تداولًا، وأكثر حقوقية، وأكثر قدرة على الأداء، وأكثر خضوعًا للمراقبة والمساءلة، تراجعت الحاجة السياسية إلى أولئك الذين يقدمون أنفسهم باعتبارهم الصوت الوحيد للشعب. إن الرهان الحقيقي، في النهاية، ليس حماية الديمقراطية من الشعبوية فقط، وإنما جعل الديمقراطية نفسها قادرة على تجديد أسباب شرعيتها باستمرار. فالديمقراطية التي تستطيع أن تسمع النقد، وتستوعب الاحتجاج، وتراجع قراراتها، وتوسع حقوقها، وتحسن أداء مؤسساتها، وتغير قواعدها وآلياتها بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية والحضارية، هي ديمقراطية تمتلك مناعة داخلية ضد الشعبوية. ومن هنا فإن المعركة ليست بين «الديمقراطية» و«الشعب»، كما يوحي الخطاب الشعبوي، وإنما بين تصورين للشعب وللديمقراطية: تصور يختزل الشعب في وحدة متجانسة ويمنح جهة واحدة حق التحدث باسمه، وتصور ديمقراطي يرى الشعب في تعدده واختلافه، ويعتبر أن سيادته لا تتحقق باحتكار صوته، وإنما بتوفير الشروط التي تمكن جميع أصواته من الظهور والمشاركة والتداول والتأثير. وعلى هذا الأساس، فإن دمقرطة الديمقراطية تظل الرد الأكثر عمقًا على الشعبوية: ديمقراطية لا تتوقف عند صندوق الاقتراع، ولا تنغلق داخل البرلمان، ولا تختزل المواطن في الناخب، ولا تختزل الحقوق في قائمة ثابتة، ولا تعتبر المؤسسات مكتملة ونهائية، وإنما تنظر إلى الديمقراطية باعتبارها مشروعًا مفتوحًا لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة والمجتمع والسلطة. فالديمقراطية لا تُنقذ بالعودة إلى ماضيها، وإنما بقدرتها على إنتاج مستقبلها.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من أزمة الديمقراطية الى الى تجديد المشروع الديمقراطي: قراءة
...
-
تونس : هل لا يزل خطر الفكر التكفيري لحركة النهضة داهما ؟
-
تونس : ما الذي يمنع المعارضة من التوحّد ؟
-
السجون التونسية بين المعايير والقواعد النموجذية الدولية والو
...
-
ضد الفاشية الشعبوية الهاجمة...ضد الفاشيات اليمينية الرابضة،
...
-
شعار الدولة الاجتماعية بين المقتضيات الموضوعية وزيف الدعاية
...
-
شعار الدولة الاجتماعية بين المقتضيات الموضوعية و زيف الدعاية
...
-
ثقافة ثورية : النسوية، الجندر الطبقة والتنظيم
-
كيف يحدد الاقتصاد أخلاق الطبقات والفئات الاجتماعية الأساسية
...
-
محمود عباس ، رجل فقد ظله.
-
هل يتعرض راشد الغنوشى لمحاكمة سياسية ؟
-
أزمة الرأسمالية وراهنية البديل الاشتراكي
-
فشل الرأسمالية وراهنية البديل الاشتراكي
-
في الذكرى العاشرة للثورة التونسية : حول راهنية شعار الشعب ير
...
-
في الذّكرى العاشرة للثّورة: في راهنيّة شعار “الشّعب يريد إسق
...
-
كورونا والشعبوية كماشتا الرأسمالية اللتان تعصران الشعوب
-
تونس ، هذه التجاعيد السياسية
-
حول حقيقة حملة الاعتقالات الاخيرة لبعض رموز الفساد في تونس:
...
-
الى الرفيقات والرفاق بمناسبة 8 مارس
-
تهنئة الى رفيقاتي ورفاقي بمناسبة 8 مارس
المزيد.....
-
مذكرة تفاهم بين دمشق وموسكو بشأن مستقبل قاعدتي طرطوس وحميميم
...
-
الحوثيون يكثفون هجماتهم والعليمي يطالب العالم وواشنطن بالضغط
...
-
سقوط طائرة بدون طيار أمريكية من طراز -MQ-9- في جيبوتي (فيديو
...
-
سوريا.. الأمن الداخلي يعلن توقيف خلية مرتبطة بتنظيم -داعش- ف
...
-
مخزن للكيماويات يتحول إلى جحيم في مصر ويوقع قتلى ومصابين
-
مكتبة حسين..جسر ثفافي بين الجزائر وروسيا
-
وزير خارجية باكستان ينشر 7 نقاط توضيحية حول -اتفاقية مكة للد
...
-
هدوء حذر في صرمان بعد توقف الاشتباكات
-
ليبيا تفقد 390 هكتارا من الغطاء الشجري خلال 25 عاما
-
إسرائيل ترفض خطة النقاط الـ15 بشأن غزة
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|