أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال















المزيد.....


مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 18:12
المحور: الادب والفن
    


في قلب المدينة العتيقة، حيث تتنفس الجدران الطينية المتهدلة عبق أزمنة سحيقة، وتتسلل رائحة التوابل وندى الفجر كأنه عطر ينز من تاريخ قديم، كان يقبع ركن الحاج عبد الله. لم يكن قديسا معصوما اختار العزلة طوعا بمحبة خالصة، كان هروبا مرا من فشل عائلي وإرث أثقل كاهله. سنوات طويلة والباب الخشبي البالي لطاولته المتهالكة التي يعرضها يوميا أمام باب دكان مكتبة السندباد تفتح على عوالم منسية، بين دفتي رواية عتيقة طالها الغبار ومجلة ثقافية تعبق برائحة الحبر القديم. لم يكن الحاج يبيع الكتب، كان يرمم على طريقته المكسورة شيئا من اعتباره القديم وسط زقاق يعزله عن العالم. وجهه خريطة تضاريس رسمتها السنوات ببطء وقسوة، تجاعيد حفرها التأمل الطويل في صفحات المخطوطات كأنها أخدود أنهار جفت، وعينان تلمعان بصفاء غريب يخفي خلفه مرارة مكتومة، كأنهما نافذتان من زجاج قديم تطلان على أبدية ورقية هربا من جحيم الذاكرة الشخصية.
لم يأت الحاج إلى الزقاق مصادفة، تروى عنه في صباه حكايات هامسة بأنه ترك خلفه إرثا عائليا مترفا ومتاعا زائلا ليختار عزلة قاسية فرضها على نفسه. ومن كثرة عزلته وصرامته، أطلق عليه الطلبة لقب "الرواية" وأصبح لقبا لصيقا به يسخرون منه تارة ويحترمونه تارة أخرى، فالزقاق حيث يتواجد صار يعرف بزقاق عبد الله الرواية، مفضلا ركام المعرفة على قصور الوهم التي هرب منها. كل صباح يفتح الدكان فيغرس عيناه في الصفحات الصفراء. بيمناه التي ترتجف قليلا كأنها تعزف على سلك خفي من أثر الزمن، ويسراه التي تحفظ أسماء الدواوين عن ظهر قلب، ناول الحاج كتبا، ليتخرج من تحته جيل كامل.
وحين غاب الحاج يوما، تاركا طاولته وحيدة وسط صمت الزقاق، أدركت المدينة أن الرجل رحل، لكن ندوب صوته الحاد وظله العبوس ظلا معلقين في زوايا المكان، فالحبر الذي سكب في أرواحهم عبر عقود من الزمن كان مزيجا من وجع صامت يزهر في كل قصة كتبت على جدران الفراغ، لتظل ظاهرة بين دفوف مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال كأنها نبض واحد لا يموت.
في ليالي الشتاء الطويلة، يخلو الزقاق من المارة وتشتد عواصف البرد خارج الجدران المتهالكة، يجلس الحاج عبد الله وحيدا على مقعده الخشبي متأملا في الكون ولغز الحياة، يقلب ببطء صفحات دفتر قديم مغلف بجلد عتيق لا يظهره لأحد. لم تكن أسماء الكتب ما يملأ صفحات الدفتر، كانت خواطر ومقاطع نثرية خطها بمداد روحه عن مدينة بعيدة هجرها طائعا، وعن خيبة أمل كبرى في عالم يقدس المادة المزيفة ويزهد في جوهر المعنى الخالد. يؤمن بيقين مرير أن الكتب كائنات حية تنبض بأرواح كاتبيها المعذبة. وحين كان يأتيه طفل شارد بملابس رثة، أو شاب أثقلته أسئلة الوجود الحارقة، لم يكن يسأله عن ثمن الكتاب بحنو أبوي، ينظر عميقا في عينيه بنظرة فاحصة ومتجهمة كأنه يقرأ كتابا مفتوحا على سر الوجع البشري، ثم يختار له العنوان الذي يداوي ندوب روحه بصمت مبين.
فالعمق الإنساني المتصدع ما جعل طاولته تتحول إلى ملاذ، يلوذ به كل من ضاقت به سبل الحياة. وفي هجعة الليل، وحين تبتلع العتمة صخب النهار، يفتح ذلك الدفتر الذي لم يره أحد سواه، سفر للروح ومقبرة صغيرة لكل الأوجاع التي فضل أن يحملها وحده. وحين اشتدت عليه غصات العمر، خط في الصفحة قبل الأخيرة بخط مهتز:

-هذا الدفتر ليس أوراقا تطوى، إنه مقبرة صغيرة لأخطائي وفشل عائلي أفرغني من معناه، فمن يفتحه بعد رحيلي.. فليعلم أنه لم يقرأ قصة بطل، بل استعاد نبض روحه الضائعة بين شظايا الكلمات.
وحين انتقل الدفتر بعد سنوات إلى يدي زياد الشاب، لم يشعر بالنور يسري في أصابعه، شعر بثقل لعين يرتجف تحت يديه، أمانة ثقيلة تروي له سر البدايات، وتذكره بأن الحبر، مهما استبد الظلام، يظل قنديلا معطوبا يحرس أفق المدينة من الانطفاء البطيء، لتتوارثه الأجيال عبر شاشات الهاتف ونبض الورق.
بعد سنوات طويلة من رحيل الحاج عبد الله الرواية، ظلت طاولته الخشبية مهجورة في الزاوية ذاتها، كأنما الزمن قد توقف عند آخر صفحة قلبها بيمناه المرتجفة. لكن عتمة الشاشات الرقمية وصخب العصر كانا يبتلعان إيقاع المدينة، ويهددان بطمس معالم الذاكرة وابتلاع الحروف في بحر الفراغ التكنولوجي البارد. الشاشات الزرقاء تضيء وجوه المارة بسطوة عمياء تجعل طاولة الخشب مجرد قطعة أثاث ميتة لا قيمة لها. وفي إحدى الأمسيات الممطرة، مر بالزقاق زياد الورداني، الشاب الذي كان قبل الأعوام يقف أمام طاولة الحاج حافي القدمين تقريبا، تقترب خطواته المثقلة بوزن السنين. توقف أمام الطاولة المفجوعة بغياب صاحبها، ولمس الخشب المتآكل بيده المرتجفة. هبت في أنفه فجأة رائحة الحبر القديم والورق الأصفر، فرأى طيف الحاج يقف أمامه بابتسامته المتجهمة، يناوله ديوان شعر أصفر الغلاف. أخرج زياد قلما وورقة بيضاء من معطفه المبلل، وكتب:

-يا سيد الحرف بلا شهادات.. لم تمتك الأيام فينا...

ترك الورقة فوق الخشب المتآكل ويعلم في قرارة نفسه أنه يكتب لنفسه لا لأحد آخر، ومعه عهد الأجيال بأن حكاية بائع الكتب لن تذبل أبدا في وجه زحف الإسمنت والشاشات الضوئية التي تحيط بالمكان كسياج من حديد، بينما تتردد أصداؤها بوضوح على شاشات الهاتف النقال ومكتبة السندباد.
في زقاق مكتبة السندباد الذي تقاسمت عتمته جدران الطين ومصابيح الشاشات، كان يوسف الفتى ذو الأربعة عشر ربيعا، يتربع على عتبة متآكلة. لم يكن يرى الزقاق ولا طاولة الحاج عبد الله؛ فقد أطبقت على عينيه ومضات أزرق باهت تنبعث من هاتفه الذكي. أصابعه المرنة كانت تعزف بآلية على ألعاب افتراضية تخترق السحب ولا تسقط أبدا.
اقترب منه زياد الورداني ببطء، ممسكا بديوان شعر قديم تفوح منه رائحة الغبار والحبر، وحاول لفت انتباهه بذلك الأثر المنسي:

-خذ، اقرأ شيئا يخرجك قليلا من هذا الرفات الافتراضي...؟

رفع يوسف عينين زجاجيتين باهتتين، وقال بصوت مقتضب وبارد، خال من أي دهشة:

-ما فائدة ورقة صفراء تأكلها الرطوبة.. بينما يمنحني الهاتف عالما كاملا، أتحكم فيه بلمسة أصبع، حيث الطيور لا تسقط، والأبطال لا يموتون؟"
تركه زياد واقفا مذهولا أمام الجدار الرقمي الصلب، مدركا أن المعركة لم تعد مجرد اختلاف في الأذواق، انه صراع مع عقل بديل يرفض حتى مجرد الإصغاء لصوت الماضي الماثل بين مكتبة السندباد وعوالم الشاشات.
حين آلت مسؤولية حراسة الركن إلى الشابة غفران أفنان، لم تفعل ذلك عشقا نقيا أو تضحية ملائكية، إنما بإحساس ثقيل بالورطة والعجز. كانت فتاة تعيش ضغطا نفسيا خانقا، ترى أقرانها يتسلقون سلالم الحياة والوظائف المريحة عبر الإنترنت، بينما تظل حبيسة جدران مهترئة ورائحة عفن الورق القديم، تشعر بأنها تسحب جثة تاريخ لم يبق منه سوى الغبار. وفي غرفتها الصغيرة المليئة بالكتب وصور الشعراء والكتاب، تنظر إلى صندوقها الخشبي بحنق، وتتساءل أحيانا بلوعة:
-لماذا اختارني هذان العجوزان لأحمل عبئا لا يهم أحدا...؟
كانت تفتح دفتر الحاج عبد الله، فلا تشم بخورا روحيا، تشم رائحة الفشل والعزلة. لكن هناك شيء يشبه العناد الأعمى يدفعها للبقاء، لا لأنها تؤمن بمعجزة الحرف، لأنها لم تعد تملك الشجاعة للهرب كما فعل من سبقوها. وفي أحد الأمسيات، عرض عليها أحد أصدقاء الطفولة القدامى، ممن تحولوا إلى صناع محتوى رقمي ناجحين، أن تحول مكتبة السندباد إلى استوديو صغير للبث المرئي لجذب المتابعين والأموال السريعة:

-حولي مكتبة السندباد إلى استوديو صغير للبث المرئي لجذب المتابعين والأموال السريعة."

وقفت غفران طويلا أمام العتبة، وتأملت الشاشات الزرقاء التي تحيط بالزقاق كأنها عيون عملاقة تلتهم الهدوء. مدت أصابعها نحو هاتفها النقال، وفتحت كاميرا البث المباشر، ووضعت الهاتف فوق الطاولة الخشبية بجانب الدفتر العتيق. نظرت إلى العدسة المضيئة، وتوقف لسانها عن الكلام، فأغلقت الهاتف ببطء شديد، ودمعة حارة تترقرق في عينيها، مدركة أن:

-الكلمة الحقيقية تفقد روحها إن تحولت إلى سلعة رخيصة تلهث خلف إعجابات العابرين.

في باحة المدرسة العتيقة، وحين حاولت غفران أفنان أن تستعيد شيئا من روح الحاج عبد الله، فوقفت محاطة بجمع من الطلاب تصنع طائرا ورقيا من صفحات مجلة ثقافية قديمة لتهديه لهم، اصطدمت بجدار أشد قسوة من التجاهل. على بعد خطوات منها، كانت الفتاة تجلس وجسدها شبه متخشب، عيناها مسمرتان في شاشة الهاتف بصرهما مأخوذ. لم تتابع خبرا أو لعبة، تتمايل ببرود مع إيقاعات صاخبة لأغنيات مصورة لمغنيين ومغنيات يعج بهم عالم التواصل الاجتماعي، إضاءة الشاشة تتقافز على وجهها البارد كأنها في عالم آخر.
اقتربت الفتاة ببطء متأفف نحو غفران، ولم تتردد في السخرية الهادئة. أخذت الطائر الورقي من يديها، وبحركة ميكانيكية استخفافية، كورته بلا مبالاة وألقت به في سلة المهملات، مخرجة هاتفها لتريه لها بحدة طفلة ترفض الوصاية، بينما أصوات الموسيقى تتسرب من سماعات أذنها:
-هذه الطيور الورقية تتبلل بالمطر وتمزقها الريح.. أما طائراتي الافتراضية فتخترق السحب ولا تسقط أبدا، تماما كما لا يسقط نجومي المفضلون على الشاشة.
صعقت غفران من الإغراق في التسطيح، وأدركت مرغمة أن الأجيال الجديدة لا تهرب من التكنولوجيا لأنها تخدعهم، لأنهم وجدوا فيها أمانا افتراضيا لا يملكه الورق الهش، وعالما صاخبا من الأغاني والأنوار يعفيهم حتى من ثقل مواجهة الواقع على شاشاتهم ومكتبة السندباد.
في غرفته الصغيرة التي تغص برائحة الدخان والتبغ الرديء والأوراق المتناثرة، كان زياد يجلس ساعات طوالا أمام مصباح باهت الضوء، يكتب بدموع القهر والعجز، يمزق الورقة تلو الأخرى، شاتما الحبر الذي لم يطعم جائعا قط ولم يوقف عجلة الزمن. نظر إلى أصابعه الملطخة بالسواد، فأتاه صوت خافت من عتمة الغرفة يعذبه:

-ماذا لو كنت أحارب طواحين الهواء...؟

حين يمسك بقلمه الحبري، لم يكن يخط سطورا عادية، ينحت تفاصيل وجع إنساني عميق ممزوج بخيبته الشخصية، يكتب عن المهمشين والمغتربين في المدينة، عن أولئك الذين يختارون الصمت البليغ في زمن الثرثرة الرقمية. أخذ قلما وكتب على هامش صفحة ممزقة:
-نحن لا نحارب الهواتف يا صديقي العجوز.. نحن نحارب غريزة البقاء لدى إنسان قرر أن يريح دماغه من ثقل التفكير، وأن يستبدل شقاء المعرفة براحة الوهم.
مرت السنون، وتغيرت ملامح المدينة، وتوسعت الشوارع. لم يعد زياد الورداني قادرا على حراسة الركن بنفسه، فقد غزا الزمن قامته وانحنى ظهره. لم يترك المكان خاويا، سلم مفتاح الذاكرة لغفران بكلمات جافة وموجعة:
-خذي هذا الدفتر.. وافعلي به ما شئت، أو احرقيه إن كان سيريحك.
وفي ليلة مقمرة، جلس زياد للمرة الأخيرة على المقعد الخشبي، وحين أشرقت شمس الفجر التالي، لم يجدوا زياد على المقعد، لكنهم وجدوا فوق الطاولة كتابا مفتوحا على صفحة بيضاء، خطت عليها عبارته الأخيرة:

-نحن لم نكتب التاريخ بالحبر الخالد، كتبنا أوهامنا على ورق بائس.. وما دام في الأرض شاشة تضيء، فقد أصبح الظلام سيدا للمكان.

نظرت غفران إلى المقعد الفارغ، وابتسمت بمرارة، وتركت الدفتر مفتوحا على الطاولة بينما أضواء الشاشات في أطراف المدينة تضيء وتنطفئ ببرود، شاهدة على ما بين مكتبة السندباد وهواتف العصر.
في كل عام، وحين تعانق ريح الخريف أزقة المدينة العتيقة، لم تكن مكتبة السندباد تكتفي بفتح أبوابها، أطلقت فكرة ، جائزة الحبر الأبدي. لم تكن جائزة تقاس بالأرقام، إنما عهدا أدبيا ووساما يقلد على صدور المبدعين الشباب. تحتشد نخبة صغيرة حول الطاولة الخشبية التاريخية، وتعتلي الحارسة الشابة غفران أفنان المنصة حاملة الدفتر العتيق، لتعيد تذكير العالم بأن:
-أن تكتب اليوم معناه أن تقاوم الموت بقطرة مداد صادقة.
في ظهيرة خريفية، لم توبخ غفران يوسف حين مر بجانب الطاولة بدون اكتراث، تركت مجلة أفق الحبر المطبوعة بعناية على الخشب المتبقي، دون شعارات رنانة ولا أحاديث عن حفر خندق للروح. أخذت تقلب الصفحات ببطء مقصود، لتفوح رائحة الحبر والورق الأصفر الخشن.
توقف يوسف للحظة، لا حنوا للماضي، انما لسبب تقني بحت، ففي عقل صبي يعيش أسيرا لنعومة الزجاج الرقمي والخطوط البرمجية الجاهزة، أحدث هذا التباين صدمة حسية بصرية. الشاشة من حوله ملساء، شفافة ومكررة، بينما الخط اليدوي المتهالك، وندوب الحبر التي تفرعت بعشوائية، شكلت بالنسبة له خامة بصرية فريدة لا تستطيع أحدث خوارزميات التصميم تقليدها بدقة.
مد يده بأصابع مرتعشة ولامس الغلاف الخشن، ثم أخرج هاتفه والتقط صورة سريعة للصفحة. مضى في طريقه صامتا، لكنه احتفظ بتلك اللقطة في زاوية هاتفه، لا حبا في التراث، انما ليعبث بتصميمها الرقمي لاحقا ويختبر مدى قدرتها على كسر رتابة الشاشات التي تضيء مكتبة السندباد.
في غرفة يوسف، حيث تضيء الجدران ومضات الألعاب الافتراضية وشاشات البث السريع، لم تكن صورة مجلة أفق الحبر مجرد ذكرى عابرة، لقد كانت بمثابة عطلة بصرية استفزت فيه حس المهندس ومهندس التفاصيل. فتح جهازه اللوحي، وبدأ يدمج خطوط الحبر المتهالكة مع خلفيات رقمية متحركة. وحين ظهر العمل على شاشته، انحبست أنفاسه لبرهة، لقد حدث سحر غريب، تباين صارخ وعنيف بين برودة الضوء الأزرق وعمق السواد القديم.
أدرك يوسف أن التباين السلاح المفقود في تصاميمه. عاد إلى مكتبة السندباد، ولا شيء في رأسه سوى سؤال المهندس: -
كيف يمكن لهذه الكتلة الخشبية والورقية العتيقة أن تحول إلى مادة بصرية صاخبة تسرق الانتباه...؟
اقترب من عتبة المكتبة، ووقف أمام غفران التي نظرت إليه بدهشة صامتة، ومد يده بهاتفه الذكي ليريها شاشته وقال بلهجته العملية المقتضبة:
-هذا الخط اليدوي.. ملمس الورق.. إنه خامة بصرية غريبة ومستفزة. الجميع على الشاشات يكررون نفس النعومة. لو دمجنا الورق العتيق مع برمجياتنا الحديثة، لصنعنا شيئا ليلتفت إليه الجميع. ولكي نلفت الانتباه على الشاشة، نحتاج إلى شيء حقيقي وموجع نختبئ خلفه.
أدركت غفران أن اللغة التي يفهمها يوسف ليست لغة الوعظ، بل لغة الأداة والصنعة. ناولته دون تردد دفترا عتيقا للحاج عبد الله وقالت ببرود واثق:

-اصنع منه ما تشاء.. المهم ألا يضيع...

لم يكتف يوسف بأن يعمل وحيدا في عزلته، حمل الدفتر والمجلة وخرج إلى باحة المدرسة والحي، حيث يتجمع أقرانه من مهووسي الألعاب والشاشات، و بين أزقة الحي العتيق وفناء المدرسة، نجح يوسف في استدراج أصدقائه لا عبر الخطب البليغة، عبر التحدي البصري. جمع حمزة خطاط الحي البارع، ومريم الباحثة عن تفاصيل وجوه العجائز والأماكن التي شكلت تاريخ المدينة ومنهم عبد الله الرواية، ووقف وسطهم يخاطب لغتهم:
-نريد تقديم المساعدة لابنة الحي نريد أن تفتخر بنا ونبرهن للجميع أننا لسنا مستهلكين للتكنولوجيا إنما صناع محتوى رقمي.
بدأ السحر الحقيقي، استطاع يوسف وأصدقاؤه تطويع أدواتهم الحديثة لتخدم التراث. صوروا مقاطع فيديو قصيرة ونابضة بالحياة، تمزج ببراعة بين لقطات حية لصفحات الدفتر العتيق المليئة بندوب الزمن وبين إيقاعات رقمية خفيفة وتصاميم بصرية مذهلة. تحولت لقطات مكتبة السندباد من ركن مهجور وميت إلى محتوى يضج بالحياة على الهواتف، ولأول مرة أحس يوسف أنه لا ينقذ ماضيا ميتا، انه يخلق فنا جديدا يربط الشاشة بالورق.
في الزقاق، بدأ يوسف يختبر أفكاره بصمت وعملية. جمع حوله في الفسحة المدرسية مجموعة من أصدقائه المهووسين بالهواتف والألعاب، لا ليعظهم بحنين أجوف، ليعرض عليهم التحدي التقني:
- كيف يمكن تحويل خواطر الحاج عبد الله المكتوبة بخط متهالك إلى محتوى بصري قصير يجذب الانتباه على شاشاتهم...؟
انضم إليه حمزة، مهووس الخط العربي، ومريم الباحثة عن تفاصيل وجه العجائز اللذين يريان في التجربة افاقا جديدا تخبر مدى قدرتهما على المشاركة في إيصال الرسالة الى الناس. جلس الثلاثة على مقعد خشبي في فناء المدرسة، يصورون مقاطع قصيرة تمزج بذكاء بين لقطات صفحات الدفتر العتيق والإيقاعات الرقمية. قال يوسف لرفاقه وهو يقلب هاتفه بفخر مهندس شاب:
-نحن لا نحارب الشاشات يا أصدقائي.. نحن نسرق انتباهها لنعيده إلى الخشب القديم. الشاشة تمنحكم أسرع طريق للطيران، لكننا هنا سنصنع لها ظلا.
تحت شجرة ياسمين عتيقة في فناء المدرسة، لم يكن اللقاء الشهري محاضرة تقليدية، انما ورشة عمل ومختبر بصري مفتوح. وقف يوسف وسط الطلاب حاملا هاتفه الذي يبث وقائع اللقاء مباشرة، بينما غفران توزع نسخا مطبوعة بعناية من مجلة أفق الحبر. اقتربت فتاة صغيرة تدعى سارة، وقرأت خاطرتها البسيطة عن شعورها بالثقل وسط صخب التكنولوجيا.
صفق الجميع، ولم يلقِ أحد شعارات رنانة عن حماية التراث. لقد كان الوعي يتشكل تدريجيا وبشكل عفوي ومبتكر، فالشباب لم يعودوا ينظرون إلى الورق كعدو تقليدي يهدد هواتفهم، انما كمنتج فني فريد وخامة بصرية خام قابلة لإعادة التدوير تقنيا وثقافيا بين مكتبة السندباد وسطوع الشاشات.
حين حل المساء، بقيت غفران مع يوسف في الغرفة الخلفية لمكتبة السندباد. على ضوء مصباح خافت، فتح يوسف جهازه اللوحي وبجانبه دفتر الحاج عبد الله المكتوب بمداد مهتز. قال يوسف وهو يستعرض دمجا تقنيا فريدا لصورة الصفحة القديمة على خلفية رقمية نابضة بالنجوم:

-انظري يا غفران.. لقد التقى العجوز الراحل بالزمن القادم. لم ينطفئ الحبر، إنه فقط يتعلم كيف يضيء في الظلام الرقمي دون أن يحرق أصابعنا.

ابتسمت غفران بمرارة زالت عنها غشاوة العبء الثقيل، ووضعت يدها فوق يده، مدركة أن المعركة انتهت، لا بالغلبة لأحدهما، إنما لصالح التوازن الذي يجمع الشاشة بالحبر الأبدي.
في كل خريف، لم تعد مكتبة السندباد مقبرة للأحزان ولا زقاقا منسيا، تحولت إلى منصة نابضة بالحياة. الشاشة العملاقة تعرض ببطء صفحات دفتر الحاج عبد الله متداخلة بفنية مع لوحات حمزة التصميمية، بينما يبث يوسف وقائع ملتقى الحبر الشهري لمئات المتابعين عبر العالم الرقمي.
وقف يوسف حاملا هاتفه بيد ومجلة ورقية باليد الأخرى، ليقول لكل تائه يعبر الزقاق:

-الشاشة تمنحنا أجنحة لنطير سريعا.. لكن الحبر وحده يمنحنا جذورا لنعرف أين نعود.

ظلت أبواب المكتبة مشرعة، لا كحصن يرفض العالم، بل كجسر يربط بين عتمة الذاكرة وسرعة الأضواء، معلنة أن الإنسان حين يتصالح مع أدواته، تصبح كل شاشة قنديلا، وكل قطرة مداد وطنا للأبد بين صفحات مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- طرقات على الجلد الميت
- أمير الدبابير وراعي الدودة
- دبيب النمل ووهج الصيف الحارق
- أنفاس الياسمين المتمردة
- حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
- من وهج الشاشة الى مداد القلم
- عَبرات فوق قبر أمي
- المكي بولهموز يطارد السراب
- زوجة على وشك السقوط
- حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
- سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
- ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
- ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
- ضفائر الطين وكحل الغياب
- الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
- سكاكين في ميزان الضمير
- خوارزمية الجشع في سيرة معلم
- البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
- مجنون طائر الحسون
- عرش من زجاج تحت أقدام الظل


المزيد.....




- وزير التربية والتعليم ورئيس مؤسسة اليابان يوقعان اتفاقية تعا ...
- ماتياس يايسله يترك الدوري السعودي ويتولى القيادة الفنية لفري ...
- منزل الفنان الروسي ريبين -بيناتي- يفتح أبوابه للزوار قبل اكت ...
- النائب نهلة الأفندي: -المدى- كرّست الإعلام الحر ورسخت ثقافة ...
- لوحات تروي الحكايات.. معرض يحتفي بإرث الفنان الروسي إيفان بي ...
- تكريم الممثلة الإيطالية إيزابيلا روسيليني في مهرجان لوكارنو ...
- فنانة مصرية توجّه استغاثة عاجلة لوزارة الداخلية
- أصالة تعود إلى دمشق بعد غياب.. رحلة إلى البيوت التي خبأت طفو ...
- الإرميتاج يبحث عن أسرار فينوس تاوريد.. من مصدر الرخام إلى أل ...
- حجر رشيد مفتاح فهم اللغة المصرية القديمة


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال