|
|
قراءة في كتاب -ثورة 1936 – 1939 -*
نايف سلوم
كاتب وباحث وناقد وطبيب سوري
(Nayf Saloom)
الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 02:49
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
يضع غسان كنفاني عنوانا فرعياً لدراسته هذه وهو "خلفيات وتفاصيل وتحليل" الكتاب موضع القراءة طبعة دار المعرفة 2014. كتب كنفاني هذه الدراسة سنة 1972 بعد دراسته عن "المقاومة ومعضلاتها" 1970. وكما يترابط النضال الوطني الفلسطيني بالنضال الديمقراطي كذلك يترابط لدى غسان النضال السياسي والكفاح الثقافي في صراع وجودي أمام المشاريع التصفوية الأميركية الامبريالية- الصهيونية. تأتي أهمية دراسة أعمال كنفاني السياسية والابداعية في ظل ظروف وتحديات تهدد وجود الشعب العربي الفلسطيني وهويته سياسياً وحضارياً، بحيث تشكل إعادة الاعتبار للثقافة الشعبية الحقة وللفكر السياسي العلماني الاشتراكي واحدة من الأهداف الكبرى لأعمال غسان وذلك في مواجهة الثقافة الرجعية التي أفرزتها تلك الظروف والتي تجلت بشكلين داخل المجتمع العربي والفلسطيني خاصة: الأول سلفي تكفيري متخلف، والثاني براغماتي تفريطي إلى حدود الخيانة وتخديم العدو الامبريالي الأمريكي-الصهيوني. يقول ناشر الكتاب: إن جماهير الشعب الفلسطيني داخل الوطن بالكاد تعرف عن رجالاتها المبدعين في الشتات أمثال غسان كنفاني، جبرا إبراهيم جبرا، ماجد أبو شرار، معين بسيسو، كمال ناصر، ناجي العلي، حنا مقبل، مصطفى الحلاج، وهاني جوهرية وعشرات غيرهم من الادباء والمفكرين والمبدعين. ومن هنا جاءت فكرة تشجيع ونشر، وإعادة نشر الثقافة الشعبية، التي تستهدف تعميم المعرفة وإعادة طباعة هذه الاعمال حتى تكون في متناول جماهيرنا والفقراء منهم على وجه الخصوص، هؤلاء الذين كتب لهم غسان كنفاني وأنشد لهم معين بسيسو، ورسم هيئة معانيهم ناجي العلي. يقسم غسان كنفاني كتابه بشكل منهجي، حيث يدرس في البداية الشروط الاجتماعية التاريخية لفلسطين قبل قيام الثورة فيضع لذلك عنوان الفصل الأول: "النقاط الثلاث"، يتبع ذلك الخلفية الطبقية الاجتماعية، بحيث جاء الفصل الثاني بعنوان "العمال" والثالث "الفلاحون". بعد ذلك وفي الفصل الرابع يأتي إلى دراسة أعمال الثورة وحوادثها ونتائجها وأسباب هزيمتها. يكتب تحت عنوان النقاط الثلاث: “بين 1936-1939 " تلقت الحركة الثورية الفلسطينية ضربة ساحقة في النقاط الثلاث التي تبلورت منذ ذلك الوقت بصفتها المعضلة الأساسية التي يواجهها شعب فلسطين: 1-القيادات المرجعية المحلية، 2-والأنظمة العربية المحيطة بفلسطين (أنظمة دول الطوق)، 3-والحلف الامبريالي –الصهيوني. وسوف يترك هذا "العدو" المثلث (الشرط المعادي المثلث) بصماته على تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية التحررية منذ 1936 بصورة أوضح مما كانت عليه في أي وقت مضى، وحتى الهزيمة الثالثة التي تلحق الجماهير الفلسطينية والعربية عام 1967. يضيف كنفاني: "ستحاول هذه الدراسة أن تركز بصورة خاصة على هذه النقاط الثلاث، مفردة ومجتمعة" نأخذ عن سعد الله ونوس في مسرحية "الاغتصاب" وفي تناص مع كنفاني، وعلى دربه قوله: "لا يا سيدي. إن مشكلتنا مزدوجة. وإن للصهيونية الآن امتدادها العضوي في النظام العربي الراهن. هؤلاء جميعاً هم بعض امتدادات الصهيونية في جسدنا العربي. إن الورطة على ضفتينا معقدة. وإن الخروج منها يقتضي نضالاً مركباً وصعباً" (الاغتصاب: 107) وهنا يحضرني قول المتنبي الشاعر في مديحه لسيف الدولة: وسوى الرومِ خلف ظهركَ رومٌ فعلى أيّ جانبيكَ تميلُ ليس مصادفة أن تتزامن اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916 بين بريطانيا وفرنسا والتي جاءت بالكيانات القطرية العربية الحالية مع إعلان بلفور عام 1917 والذي جاء بدولة إسرائيل الصهيونية عام 1948. في كانون الثاني يناير 1919 وقّع الأمير فيصل مع حاييم وايزمان، الزعيم السياسي الصهيوني، اتفاقاً يسمح بزيادة "التسرب" اليهودي إلى فلسطين مقابل الدعم الصهيوني لدولته في سوريا. إن ضيق الأفق السياسي لفيصل جعله يخطئ في حساب رد الفعل الفلسطيني، فقد كانت هناك عند العرب الفلسطينيين-مسلمين ومسيحيين- معارضة موحّدة للحركة الصهيونية، ازدادت تماسكاً بعد العام 1908 وعبّرت عن نفسها محلياً بالاستياء الواسع من اليهود، ورسمياً من داخل البرلمان العثماني.. كان الاعيان الفلسطينيون الذين اعتبروا فيصلاً ممثل لهم قلّة، لم يكن العرب الفلسطينيون عموماً قد اهتزوا بالثورة الهاشمية عام 1916، واختاروا البقاء على التحام بإسطنبول والامبراطورية العثمانية حتى احتلال الحلفاء لفلسطين عام 1918" (خوري: 133). ففي الوقت الذي كانت تجري فيه مفاوضات فيصل-وايزمان ظهرت في دمشق منظمة سياسية ذات واجهة ثقافية، تتألف من مناضلين قوميين عرباً فلسطينيين وسوريين، وذات قيادة فلسطينية بحتة هي "النادي العربي" إلى جانب "العربية الفتاة وحزب الاستقلال العربي" (سوريون)، "وجمعية العهد" (عراقيون). وكان "النادي العربي" قد أنشئ خصيصاً للقيام بنشاطات مضادة للصهيونية وللضغط على فيصل للوقوف في وجه الحركة الصهيونية. وكان أعضاء عديدون في النادي يشغلون مناصب رئيسية في إدارة فيصل، بمن فيهم قائد شرطة دمشق وقائد الدرك. وعلى الرغم من أن فيصلاً وقّع الاتفاق مع وايزمان فإن دعاية النادي العربي المضادة للصهيونية والدور النافذ للفلسطينيين في حكومة فيصل أحبطا خطة الأمير لاستخدام الصهيونية في سبيل تأمين الدعم البريطاني لمفاوضاته المقبلة مع فرنسا" (خوري: 133) كان معظم قادة القوميين الفلسطينيين والسوريين مدنيين غالباً ما انحدروا من عائلات مدينية وجيهة بارزة (أعيان مدن) أما العراقيون فكان أكثرهم من ضباط الجيش ومن أصول اجتماعية أقل مرتبة وشهرة" (خوري: 136) في نهاية كانون الثاني يناير 1920 تمكن فيصل من أن يدفع الاعيان الوجهاء السوريين، بعد أن أحرج القوميون سياساته الفرنسية، إلى تشكيل حزب سياسي جديد تحت اسم "الحزب الوطني". لم يكن الحزب الوطني ملتزماً بالاستقلال الكامل لسوريا الطبيعية (سوريا، لبنان، فلسطين)، وأكثر من هذا فقد كان راغباً في الاعتراف بـ "وطن قومي" لليهود في فلسطين" (خوري: 142) عاد قادة القوميين إلى عقد المؤتمر السوري في مارس آذار 1920 طالب المؤتمر برئاسة الوجيه الحمصي هاشم الاتاسي بالاستقلاب المطلق لسوريا الكبرى، وانسحاب كامل الجيوش الأجنبية، والرفض الكامل للصهيونية ولفكرة "الوطن القومي" اليهودي في فلسطين" (خوري: 142) إن عنف التجربة الوطنية الفلسطينية التي تفجرت منذ 1918 والكفاح المسلح الذي رافقها لم تستطع أن تؤثر في البنية الفوقية للحركة الوطنية وتغير طبيعتها، أي لم تستطع انتاج مثقفين عضويين وقادة سياسيين أكثر حداثة وأوسع أفق من القيادة التقليدية وأقل مصلحة في الجمود. إن تعبير "شبه الاقطاعية-شبه الدينية" خاص بتحليلات غسان كنفاني وحركة التحرر الوطني الفلسطينية للفترة ما قبل العام 1948. ويعني بهما أن الملاك الكبار للأراضي الزراعية في الولايات العثمانية الناطقة بالعربية كانوا نتاج حركة الإصلاح العثماني (التنظيمات 1839-1876) وقانون الأراضي 1858 وقانون الملكية 1861، حيث جرى تملك "اقطاعات الالتزام" و"اقطاعات الضريبة". وأما "شبه الدينية" فكانت تعني المكانة الاجتماعية التي يختلط بها النفوذ العائلي بالنفوذ الديني. إن بقاء قيادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني لفترات طويلة (1918-1948) تحت هيمنة القيادات شبه الاقطاعية-شبه الدينية يعود لسببين متداخلين: 1-وجود وفاعلية الحركة الصهيونية التي ضاعفت من ثقل وهيمنة التحدي القومي على جميع التحديات الاخرى. وعكس هذا التحدي نفسه بشكل مضاعف على الطبقات الكادحة العربية (عمال وفلاحين فقراء) التي كانت تعاني من الغزو الصهيوني المدعوم من الامبريالية البريطانية معاناة يومية مباشرة. إن التحدي القومي لا يفسر كامل المشهد، فالصين عانت من الاحتلال الياباني في ثلاثينيات القرن العشرين، وكانت المسألة القومية وحرب التحرير حاضرة بقوة، لكن ذلك لم يمنع الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو (رغم هيمنة البيروقراطية السوفياتي بقيادة ستالين على الأممية الشيوعية) من الوصول إلى قيادة حركة التحرر القومي والهيمنة عليها. السبب الآخر يذكره غسان عند حديثه عن "الحزب الشيوعي الفلسطيني" وقادته المؤسسين من اليهود المهاجرين الذين التحق معظمهم بالحركة الصهيونية في الثلاثينيات من القرن العشرين بعد الفشل في تعريب الحزب سنة 1931 2-وجود حد من التناقض بين القيادات العائلية الاقطاعية الدينية العربية في فلسطين وبين الامبريالية البريطانية يجعل دفع الثورة إلى مدى معين من مصلحة طبقة الاعيان هذه لوجود عميل منافس ملائم أكثر" وأكثر موثوقية للإمبريالية البريطانية ألا وهو الحركة الصهيونية. هذه الطبقات التقليدية التي تتواطأ بشكل شبه كامل مع الامبريالية في الظروف العربية غير الفلسطينية، ما يجعل الحديث عن التميز الفلسطيني أو "الاستثناء" الفلسطيني أمراً وارداً. إن هاتين المسألتين المتشابكتين قد جعلتا لنضال الشعب الفلسطيني "خصوصية" أو تميزا عن حركات التحرر العربي الأخرى، مثلها في ذلك مثل "خصوصية " نشأة الحركة الشيوعية في المشرق العربي والتي انطلقت من فلسطين بقيادة شخصيات يهودية مهاجرة أو مندوبين من الأممية الشيوعية من أصول يهودية. "ترجع "جذور الحركة العمالية اليهودية في فلسطين، وبشكل أساسي، إلى الجناح الصهيوني العمالي "بوعالي تسيون" (عمال صهيون) داخل الحركة العمالية اليهودية في روسيا القيصرية، الذي كان ينطلق، في موقفه وسياساته، من إمكانية الجمع بين الصهيونية والاشتراكية (سلوم: الحركة الشيوعية في المشرق) ومن هؤلاء المبعوثين (المندوبين) إلى المنطقة العربية ومن سوء حظ الحركة الشيوعية العربية خاصة في فلسطين: أبو زيام (حيدر) اسمه الحقيقي وولف أورباخ ، يهودي روسي ، أحد خبراء ومبعوثي الكومنتيرن إلى البلاد العربية . أرسل إلى فلسطين عام 1922 وساهم في تأسيس وقيادة الحركة الشيوعية هناك ما بين 1924-1929 شمل نشاطه الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان ". أيضاً، "بييرجيه (ي. بيرغر) اسمه الحقيقي جوزيف ميكائيل زيلسنيك، يهودي بولوني معروف باسم بارزيلي من خبراء الكومنتيرن ومبعوثيه إلى فلسطين عام 1920 من ثم إلى سوريا ولبنان. تحول إلى صهيوني فيما بعد"). وهناك يعقوب تيبر (شامي) خبير في شؤون البلاد العربية لدى الكومنتيرن ومبعوث من قبله إلى فلسطين، ساهم في تأسيس وقيادة الحزب الشيوعي الفلسطيني. شمل نشاطه الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان. ولد في روسيا ثم هاجر إلى بلجيكا حيث التحق بالحزب الصهيوني العمالي (بوعالي تسيون) ثم التحق بالشيوعية وأرسل من قبل الكومنتيرن إلى فلسطين ثم سوريا "). ومن المبعوثين أيضاً "أفيجدور (بهيل كوسى) ولد في أكرا نيا عام 1892 والتحق بالحركة الثورية في وقت مبكر وهاجر إلى الولايات المتحدة قبيل الحرب العالمية الأولى. التحق في أميركا بالفيلق اليهودي Jewish Legion الذي كان قيد التأليف وقتئذ، ثم ذهب إلى فلسطين لوقت قصير عام 1918 وأقام في مصر عاما ونصف ثم عاد إلى روسيا . لم يلاحظ الشيوعيون اليهود أن التناقض على أرض فلسطين لا يمكن حله عبر "جبهة عمالية متحدة " مزعومة بين مهاجرين يهود مستوطنين وبين سكان فلسطين من الفلاحين والحرفيين التقليديين وبعض عمال المشاغل. لم تفشل الجبهة العمالية المتحدة نتيجة تدني الوعي الطبقي عند العمال العرب كما يزعم ماهر الشريف ، بل جاء الفشل الذريع من الطابع "القومي- الصهيوني " للحركة العمالية اليهودية " كما يقول هو ذاته: "إن تطبّع الحركة العمالية اليهودية بطابع "قومي - صهيوني " كان يشكل عائقاً موضوعياً أمام تحقيق وحدة العمال العرب واليهود الأممية : "فالعمال العرب في فلسطين كانوا يعتبرون الأول من أيار /مايو [عيد الأممية البروليتاريا] عيداً قومياً يهودياً، وذلك بعد أن نجح الاشتراكيون الصهيونيون في أن ينزعوا عن هذا اليوم معناه البروليتاري الثوري ، وحولوه إلى عيد قومي بورجوازي صغير "" ويأتي الفشل أيضاً من كون أي تعاون "أممي مزعوم في فلسطين" هو تعاون يتحرك على الكف الصهيوني كتحرك القرد على كف معلمه بوذا . كانت الجبهة العمالية الطبقوية في فلسطين تصب الماء في طاحونة الاستراتيجية الصهيونية إننا نحاول بهذه الاستشهادات أن نفسر تلك الاستطالة غير العادية التي عاشتها القيادات الاقطاعية –الدينية على رأس حركة الجماهير الفلسطينية من (1918-1948). وما يؤكد استشهادنا السالف الذكر قول كنفاني: "ذلك أن التحول في الهيكل الاقتصادي والاجتماعي في فلسطين، والذي كان يحدث بسرعة مذهلة، كان يصيب بالدرجة الأولى القطاع اليهودي على حساب البورجوازية الفلسطينية المتوسطة والصغيرة وخصوصاً حساب الطبقة العاملة العربية (الفلسطينية). إن تحول الاقتصاد من اقتصاد أسري إلى رأسمالي كان يجري بتمركز متزايد في يد الحركة الصهيونية وبالتالي في يد المجتمع اليهودي في فلسطين" (12) كان كبار بورجوازيي المدن العرب الفلسطينيين في الثلاثينيات وبداية الاربعينيات مجرد وسطاء للإمبريالية حيث بدأت مصالحهم تتسلق المصالح المتسعة للبورجوازية اليهودية الآخذة في شق طرق التصنيع خالقة في الوقت ذاته وكلاءها منهم. ومع ذلك راحوا ينوحون ويحسون بالمهانة العربية على سبيل النفاق. في غضون ذلك كانت البلاد العربية المحيطة بفلسطين تلعب دورين متعاكسين، ففي حين كانت حركة الجماهير العربية تدفع النفس الثوري للجماهير الفلسطينية، وتبني مع حركتها علاقة جدلية متبادلة التأثير، كانت الأنظمة المسيطرة في هذه البلدان تبذل كل ما في وسعها لكبح حركة الجماهير الفلسطينية وإجهاضها (13) كان من شأن الصراع المركّب والحاد على الساحة الفلسطينية أن يطور أشكال النضال في البلدان العربية ويطرح احتمالات ثورية أعلى، وكان هذا الواقع القلق يدفع الطبقات الحاكمة من الاعيان المدينيين إلى الوقوف إلى جانب الامبريالية البريطانية ضد شركائها الطبقيين (الاعيان الفلسطينيين) الذين كانوا يقودون الحركة الوطنية الفلسطينية. يقول غسان: "من جهة أخرى كان الحلف الصهيوني الامبريالي يزداد متانة، وقد تبلورت في تلك الفترة بالذات (1936-1939)" ليس فقط الطبيعة العسكرية العدوانية لمجتمع الغزو الذي أرست الصهيونية جذوره في المجتمع اليهودي بفلسطين، لكن أيضاً الهيمنة شبه الكاملة على البنية التحتية للاقتصاد الفلسطيني الذي سيكون له تأثيرات (تبعات) جذرية على الصراع القائم. في تلك الفترة قضت الصهيونية متحالفة مع الانتداب البريطاني على كل آمال نشوء أو تطور حركة عمالية يهودية، وعلى آمال أخوة بروليتارية عربية-يهودية، وهيمن الهستدروت (هو الاسم العبري لاتحاد العمال العام) الرجعي كلياً على الحركة العمالية اليهودية (التي كانت مؤهّلة لذلك بفعل بوعالي تسيون (بالعبرية عمال صهيون) وتفشي الاشتراكية الصهيونية بين المهاجرين اليهود من أوروبا الشرقية وروسيا). فيما أخذ النفوذ الذي كان آخذاً بالتصاعد بالنسبة للقوى التقدمية العربية في جمعيات العمال العرب في حيفا ويافا بالتراجع، مفسحاً المجال لهيمنة القيادات الرجعية من الاعيان التي كانت تحتكر العمل السياسي آنذاك مثل بقية أعيان المدن في البلدان العربية الأخرى، خاصة في مصر وسوريا والعراق ولبنان وشرق الأردن. يقول غسان: "إن الانعكاسات الاقتصادية للهجرة اليهودية كانت حادة في حد ذاتها، لكنها تضاعفت أيضاً بسبب النتائج القومية والدينية التي حملتها معها بالطبيعة" (15) يقول غسان مفسراً تفاقم الهجرة اليهودية اعتبارا من عام 1933 مع صعود هتلر إلى السلطة: "وإذا كانت الهتلرية هي المسؤولة عن إرهاب اليهود الالمان ودفعهم إلى الهرب، فإن الرأسمالية "الديمقراطية" هي التي كانت مسؤولة جنباً إلى جنب مع الحركة الصهيونية، في توجيه جزء كبير نسبياً من هذه الهجرة إلى فلسطين" (15) فمن أصل 2562000 يهودي هربوا من الاضطهاد النازي بين 1935-1943 استقبلت الولايات المتحدة 6.6% وبريطانيا 1.9% وفلسطين 8.5% والاتحاد السوفياتي 75.3% (وهي نسبة ملفتة ومعبرة). أي أن العبء الأكبر كان من نصيب الاتحاد السوفياتي وفلسطين، مع أن "المسألة اليهودية" مشكلة أوروبية بالأساس. كانت الهجرة، في الوقت الذي تحرص فيه على تأمين تمركز رأسمالي يهودي في فلسطين يهيمن على عملية تحول الاقتصاد من زراعي أسرىّ إلى اقتصاد صناعي –تجاري، فإنها كانت تحرص أيضاً على تزويد هذا التحول ببروليتاريا يهودية. وكان لهذا السلوك الذي أعطى نفسه شعار "اليد العاملة اليهودية فقط" نتائج خطيرة، إذ أنه ساق بسرعة لا مثيل لها نحو بروز الفاشية في مجتمع المستوطنين اليهود" (17) هذه الانعكاسات الاقتصادية للهجرة اليهودية باتت أكثر خطورة، خاصة أن الانتداب البريطاني سهل استيلاء الرأسمال اليهودي على البنية التحتية للاقتصاد، ما أدى إلى انهيار شبه كلي في الاقتصاد العربي، وفي شهادة قادة جمعية العمال العرب أمام لجنة بيل (بريطانية 1936 وأصدرت تقريرها 1937 حيث طرحت مشروع تقسيم فلسطين) كان 98% من العمال الفلسطينيين يعيشون تحت خط الفقر. وقد رفضت الحكومة البريطانية إعطاء إذن لتظاهر قرر القيام به ألف عامل عاطل عن العمل في يافا في 6/ 12/ 1935. وقالت مذكرة جمعية العمال العرب للحكومة أنه إذا لم تقم هذه الأخيرة بحل المشكلة "فإن الأيام المقبلة ستضطرها إلى إطعام العمال خبزاً أو رصاصاً. كانت الثورة عند ذاك على الابواب" (19) إن جورج منصور (كان شيوعياً في السابق) يقدم للجنة بيل أمثلة حسية مذهلة عن البطالة بين العمال العرب، ويعدد خمسة أسباب لهذه البطالة أربعة منها تتعلق بالهجرة اليهودية أساساً: 1-الهجرة 2-نزوح الفلاحين إلى المدن 3-طرد العمال العرب من أعمالهم 4-سوء الحالة الاقتصادية 5-تحيز حكومة الانتداب البريطانية الشنيع للعمال اليهود" طبعاً غير التعديات الدامية على العمال العرب. ويقول يهودا باور (بوير) (كاتب ومؤرخ إسرائيلي 1926-2024): إن أفضل وصف لحالة العمال العرب هذه أن "البروليتاريا العربية كانت ضحية الاستعمار البريطاني والرأسمالية اليهودية، وعلى الأول تقع المسؤولية". يعلق كنفاني بالقول: إن كلام بوير يحذف بالطبع العامل الأهم وهو الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتصاعدها" يضاف عامل آخر حين توقف تدفق الرأسمال الخاص فجأة نتيجة التخوف من انفجار الحرب في المتوسط وتهاوى الازدهار الذي كان قائماً على أسس هشة، وتقوض نظام التسليف وظهرت علامات البطالة بصورة جدية وتنافصت أعمال البناء كثيراً، وطرد العمال العرب من أماكن عملهم اليهودية والعربية. إن عمليات طرد العمال العرب من الاعمال اليهودية قد بدأ قبل ذلك بكثير، وكانت قوافل من الفلاحين العرب، في هذه الاثناء، تطرد وتقتلع من أراضيها وتتدفق إلى المدن نتيجة الاستعمار الصهيوني في الأرياف. كانت الحركة الصهيونية منذ البدء على وعي بما يحصل، يقول تيودور هرتزل: "إن الأراضي الخاصة في المناطق الممنوحة لنا يجب أن نستولي عليها من أيدي المالكين، ويجب اجلاء السكان الفقراء بهدوء خارج الحدود وذلك عن طريق توفير أعمال لهم في البلاد التي يُرحّلون إليها، ولكننا نحرم عليهم أي عمل في بلادنا، أما أصحاب الأملاك فسينضمون إلينا" إن هرتزل يكذب في كل ما يقول باستثناء الاستيلاء على الأراضي بالقوة وبمعية الاستعمار البريطاني، وانضمام أصحاب الأملاك إلى الصهاينة. يقول كنفاني: "إن الهستدروت يضع هذه الحقيقة بصورة واضحة: إن السماح للعرب للتغلغل في سوق اليد العاملة اليهودية ، يعني أن يستخدم ضخ الرأسمال اليهودي لمصلحة التطور العربي ضد الأهداف الصهيونية ، بالإضافة إلى ذلك فإن توظيف العمال العرب في الصناعة اليهودية سيؤدي إلى تقسيم طبقي في فلسطين يتبع الخطوط العرقية: اليهود كرأسماليين يستخدمون العرب كعمال" بهذا الشكل شرعت الحركة الصهيونية تتجه بسرعة نحو الفاشية والإرهاب المسلح. كانت القيادة الاقطاعية- الدينية الفلسطينية لا تتحمل بدورها نشوء حركة نقابية عربية خارج هيمنتها، مثلما لا تتحمل الحركة الصهيونية الفاشية الممثلة بأحزابها "العمالية "قيام حزب شيوعي في فلسطين حتى لو كانت كل قياداته من اليهود المهاجرين. ولم يكن لحركة نقابية حقيقية أن تنمو إلا خارج هيمنة كل منهما. هكذا تعرضت هذه الحركة الوليدة إلى إرهاب القيادات الاقطاعية: ففي أوائل الثلاثينات اغتالت جماعة المفتي أمين الحسيني ميشيل متري رئيس جمعية العمال العرب في يافا، وبعد ذلك بحوالي عشر سنوات اغتيل بالطريقة نفسها النقابي سامي طه رئيس جمعية العمال العرب في حيفا." (25) أما الحزب الشيوعي الفلسطيني ذو القيادات اليهودية والذي ينشط ضمن الطبقة العاملة اليهودية بقي انعزالياً بنزعة عمالوية وصمت شيطاني عن الحركة الصهيونية يميل إلى نبذ تكتيكات الجبهات الشعبية والتحالفات بين طبقات الثورة حتى مؤتمره السابع "فإن وثائق المؤتمر السابع للحزب الشيوعي الفلسطيني 1930-1931 هي من أثمن وأدق التحليلات في تاريخ هذا الحزب، ففيها يكرس الحزب أولوية حل قضية العرب القومية كواجب من أهم واجبات الكفاح الثوري، وفيها يعترف بأن الانقطاع عن حركة الجماهير "كان نتيجة انحراف صهيوني أعاق تعريب الحزب" تشكو الوثائق من مساع انتهازية لتجميد تعريب الحزب" (28) لكن الحزب لم يستطع قط أن ينجز مهام التعريب، ولذلك ظلت الشعارات الصحيحة التي أقرها المؤتمر بريقاً نظرياً لا أكثر. لم ينجز الحزب الشيوعي الفلسطيني مهمة التعريب. وهكذا تهاوى بنيان المخطط برمته، وبقي الميدان مفتوحاً أمام هيمنة القيادات الاقطاعية-الدينية" (29) كان الخط الجديد في الحزب الشيوعي الفلسطيني انعكاساً للموقف المتصلب والثوري للكومنترن (الأممية الشيوعية) في الفترة 1928-1934. ورغم صغر عددهم، وعزلهم وعدم نجاحهم الكامل في تعريب الحزب، وفشلهم في الوصول إلى الريف، فقد ألقى الشيوعييون بكل ثقلهم في ثورة 1936 وأخذوا مواقف شجاعة وتعاونوا مع القادة المحليين، وأيدوا المفتي وخسروا كثيراً من الشهداء والمعتقلين، ولكنهم لم يفلحوا في أن يكونوا قوة مؤثرة. ويبدو أن شعار التعريب ضاع في مكان ما بعد ذلك بفعل غياب أي استراتيجية ثورية لدى السوفيات بقيادة ستالين، خاصة وأن الكومنتيرن قد جرى حله خلال الحرب في مايو أيار 1943. فقد تجرأت الازفزتيا (الاخبار بالروسية) في 22/1/1946 أي بعد عشر سنوات في محاباة رخيصة، على تشبيه "نضال اليهود" في فلسطين بالنضال البلشفي سنة 1917، بحجة مفارقة، وهي كسب ود يهود روسيا ضد الغرب الرأسمالي. وقد انشطر الحزب من القاعدة خلال ثورة 1936 وتتالت الانشقاقات، إذ أن المنشقين كانوا من دعاة تبني سياسة "بنّاءة" تجاه الصهيونية. (30) إن غياب دور الحزب الشيوعي على هذه الصورة، وضعف البورجوازية العربية الصاعدة وتزلفها للرأسمال اليهودي، وتشتت الحركة العمالية العربية، جعل القيادات الاقطاعية-الدينية مرشحة للعب دور رئيسي عندما تصاعدت الاحداث إلى انفجار 1936. إذا ما تحدثنا عن الريف الفلسطيني فإنه يمكن الحديث عن طرد الفلاحين من أراضيهم وإفقارهم. لكن العامل القومي هنا يلعب دوراً رئيسياً. فالحياة الزراعية (الإنتاج الاسري) في العالم المتخلف عموماً، وبصورة خاصة في العالم العربي، ليست نمطاً من الإنتاج فحسب، بل هي أيضاً وبدرجة مساوية أسلوب حياة اجتماعية ودينية وطقوسية راسخة. بالتالي فإن الصدام على هذا الصعيد يأخذ بالدرجة الأولى شكل الصراع القومي البحت." (32) لكن من خلال انسحاق الفلاح العربي بين كابوس مثلث: الغزو الصهيوني للأرض، والملكية الاقطاعية العربية، وفداحة الضرائب التي تفرضها حكومة الانتداب، فإن التحدي الذي يأخذ مكان الصدارة هو التحدي القومي. إن كثيراً من الفلاحين العرب الصغار في انتفاضة آب 1929 (ثورة البراق)، وانتفاضة 1933 (بدأت في القدس، وامتدت إلى حيفا ويافا ونابلس) باعوا أراضيهم للملاكين العرب الكبار كي يشتروا بأثمانها سلاح لمقاومة الغزو الصهيوني والانتداب البريطاني. في كثير من الحالات كانت العناصر الاقطاعية التي تشتري تلك الأرض تبيعها للرأسماليين اليهود." (33-34) وهذه العناصر إما ملاكين غائبين كأعيان دمشق وبيروت أو ملاكين فلسطينيين حاضرين. فقد جرى طرد 8730 فلاحاً من مرج ابن عامر الذي باعته عائلة سرسق الاقطاعية البيروتية لليهود سنة 1921. عشرة بالمائة من الأراضي المباعة لليهود من الفلاحين وتسعون بالمائة من الملاكين الكبار. إن السياسة التي اتبعتها حكومة الانتداب ترمي إلى وضع الفلاح في حالات اقتصادية تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي". إن فئة اجتماعية "طبقة" لم تعط الاهتمام الكافي في الدراسات الفلسطينية هي "طبقة البدو". هذه القوة (35%) من السكان في الثلاثينيات، شاركت مشاركة بارزة في ثورة 1936، ولعبت دوراً هاماً في انتفاضة آب 1929، ولفتت نظر الحزب الشيوعي الفلسطيني في مؤتمره السابع. إن الجوع يجعلهم بحالة غضب وعلى حافة الانتفاضة، في الوقت نفسه إن شيوخ وزعماء هذه القبائل يمكن أن يفسدوا بالمال. يقول كنفاني: "لا نعرف كاتباً أو أديباً فلسطينياً واحداً في الفترة التي نحن بصددها (في الثلاثينيات) لم يخض غمار الدعوة المناهضة للعدو الاستعماري بهذه الدرجة أو تلك" إن الفقر والانسحاق، وتعاقب قرون عديدة من القهر القومي والطبقي، قد أدت إلى إنشاء "مؤسسة كاملة" للاستسلام والقدرية والخنوع عكست نفسها بالأمثلة الشعبية السائدة. وكان على المثقفين الفلسطينيين، وخصوصاً الشعراء الشعبيين في الريف، مهمات عظيمة لزحزحة تلك الثقافة الخاملة، دون أن يكونوا هم أنفسهم قد تخلصوا جذرياً من تأثيراتها". إن الفترات اللاحقة ستشهد بروزاً متعاظماً لدور الشعر على وجه الخصوص، ليعبر في مختلف المناسبات، عما كان يعتمل في صدور الجماهير المغلوبة على أمرها". يكتب يوسف العيسى في مقال افتتاحي عام 1920 في "النفائس": "إن زوابع فلسطين لا تهدأ إذا ما فصلت عن سوريا وجعلت وطناً قومياً للصهيونية". أما عبد الله مخلص فكان يقول منذ منتصف الثلاثينات "بأن الاستعمار ظاهرة طبقية" يقول كنفاني: وسط هذه التناقضات المركبة المحتدمة، المتزايدة الاتساع والعمق، والتي كانت تنصب على الفلاحين والعمال العرب بالدرجة الأولى، ولكنها تجثم بثقل على البورجوازية الصغيرة والمتوسطة في المدن والفلاحين المتوسطين في الأرياف، كان المأزق يتصاعد باطراد معبراً عن نفسه بانفجارات مسلحة بين الفينة والأخرى (1928-1933) وأمام الحمى الدينية المهولة التي ارتكز عليها الغزو الصهيوني لفلسطين والتي التصقت بكل مظاهره، كان من المستحيل ألا يتمترس الريف الفلسطيني المتخلف وراء التعصب الديني ، كمظهر من مظاهر معاداة الغزو الامبريالي والصهيوني" . لقد تقدمت القيادات الاقطاعية*الدينية الاكليريكية الظلامية للتربع على رأس حركة الجماهير، مستفيدة من ضمور البورجوازية العربية المدينية، ومن الحد المعين من التناقض الذي كان يحتدم بينها وبين الامبريالية البريطانية التي كانت ترسي نفوذها عبر حلفها مع الحركة الصهيونية، ومن صفاتها الدينية، ومن صغر حجم البروليتاريا العربية وضمور حزبها الشيوعي الذي لم يكن فقط تحت هيمنة الزعامة اليهودية، ولكن الذي تعرضت عناصره العربية إلى بطش وإرهاب القيادات الاقطاعية منذ أواخر العشرينيات. أمام هذه الخلفية المركّبة، التي تحتدم فيها تناقضات متداخلة شديدة التعقيد، خطت ثورة 1936 إلى الصف الامامي في تاريخ فلسطين." إن عملية تعميق حالة الاستعمار وتجذيرها، ونقلها من الانتداب البريطاني إلى الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، وصلت إلى ذروتها في منتصف الثلاثينات. والواقع أن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية التقليدية رغم وضعها المفارق المتناقض، قد أرغمت على تبني شكل الكفاح المسلح لأن التناقض وصل إلى شكل صدامي حاسم، خاصة مع ثورة القسام. إن الحديث عن ثورة 1936 يستلزم وقفة عند الشيخ عز الدين القسام (1882-1935)، مع أن معظم العارفين بالقسام يقولون أن خروجه إلى تلال يعبد مع 25 من رجاله ليل 12/11/1935 لم تكن غايته إعلان الثورة المسلحة، ولكن نشر الدعوة للثورة، إلا أن اشتباكاً عرضياً أدّى إلى افتضاح أمر وجوده هناك، بالرغم من استبساله مع رجاله فقد قضت قوة بريطانية على مجموعته بسهولة. ويبدو أن الشيخ القسام حين شعر بأنه لم يعد بوسعه توسيع الثورة مع رفاقه، رفع شعاره المشهور "موتوا شهداء" إن حركته العلنية للكفاح المسلح التي دامت 12/11/1935- 19/11/1935 كانت نقطة انعطاف لعبت دوراً مهماً في تقرير شكل متقدم من أشكال النضال، إذ أنها وضعت زعامات الحركة الوطنية الفلسطينية التقليدية، التي كانت قد انشقت على نفسها وتشتت وتشرذمت، أمام امتحان لا يمكن الفرار منه. كان الامر افتضاح القيادات التقليدية أمام التحدي الذي مثله القسام. تمثل شخصية القسام نقطة التقاء رمزية لمجموعة هائلة من العوامل المتداخلة التي تمثل بمجموعها ما صار يسمى بالقضية الفلسطينية: 1-سوريته فهو من مواليد جبلة، قضاء اللاذقية سنة 1882 (غسان يضع 1871 تاريخاً لمولده) 2-أزهريته (درس في الازهر المعهد الديني المعروف في القاهرة) وهذا تمثيل للعامل الديني الإسلامي 3-نضاليته فقد اشترك في ثورة جبل صهيون من 1919-1920 (جبال الساحل السوري) ضد الفرنسيين وحكم عليه بالإعدام (يذكر كنفاني هنا جبل حوران خطأ) لأن منطقة جبل صهيون تابعة لقضاء اللاذقية شمال شرق 27 كم عن مركز المدينة، وفيها قلعة صلاح الدين الشهيرة (قلعة صهيون سابقاً). إن ما ذكر أعلاه ليس تمثيلاً للعامل القومي العربي في الصراع كما يتعجل غسان في الاستنتاج، لأن القسام ساهم أيضاً في دعم المجهود الحربي لحركة عمر المختار في ليبيا ضد المحتلين الايطاليين وطلب من الاتراك دعماً بالمال والسلاح للمقاتلين الليبيين. إن الاستنتاج الأقرب للصواب هو نزعة القسام العثمانوية، حيث ما يزال يميل إلى تجديد الخلافة الإسلامية التي تضم العرب والأتراك في جامعة إسلامية واحدة ضد الفرنجة الغزاة. ويعزز استنتاجنا هذا تتلمذ القسام في الازهر على يد محمد عبدو وزيارته إلى إسطنبول، حيث سافر الشيخ عز الدين إلى إسطنبول بعد عودته من دراسته في الجامع الأزهر بمصر، وذلك بهدف الاطلاع على أساليب وطرق تدريس العلوم والدروس الدينية في مساجد عاصمة الخلافة العثمانية. جاء القسام إلى حيفا سنة 1921 بعد أن هرب من جبال الساحل في سوريا. واندلعت شرارة الثورة في يافا في شباط 1936 الجميع من المقربين من أحداث نيسان 1936 يعترف بأن اندلاع العنف والعصيان المدني، كان عفوياً، وإذا استثنينا الأعمال التي حركها بقايا القساميين، فإن كل ما حدث كان تعبيراً عفوياً عن المستوى الحرج الذي وصل إليه التناقض. لقد قررت بريطانيا نهائياً، في 19 حزيران 1936 "أهمية الارتباط العضوي بين سلامة المصالح البريطانية وبين نجاح الصهيونية في فلسطين" كانت ثورة 1936-1939 ثورة فلاحية بامتياز عممت "الكوفية والعقال" كرمز عام للنضال الفلسطيني. يقول غسان كنفاني بأسى: ما إن جاء عام 1947 حتى كانت الظروف ناضجة كلياً لقطف ثمار الهزيمة التي منيت بها ثورة 1936-1939 والتي أخرت الحرب موعد حصادها. ولذلك فإن الفترة التي استغرقها الفصل الثاني من الهزيمة (من أواخر 1947 إلى أواسط 1948) كانت فترة مذهلة بقصرها، وذلك أنها كانت مجرد تتمة لفصل دموي طويل كان قد استمر من نيسان 1936 إلى أيلول 1939. *غسان كنفاني: ثورة 36-39 في فلسطين، خلفيات وتفاصيل وتحليل، دار العلم والمعرفة 2014
#نايف_سلوم (هاشتاغ)
Nayf_Saloom#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة في -العقل والثورة- -2
-
عرض كتاب -أعيان المدن والقومية العربية-*
-
الحركة الابراهيمية؛ مقاربة ثقافية
-
قراءة في -العقل والثورة- 1
-
استهلال كتاب -العقل والثورة-
-
-العَلْمانيّة- من منظور جديد
-
قراءة في رواية -سيدهارتا-*
-
محنة الديموقراطية والوطنية في مشروع بناء الدولة العربية
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 2 ، إدانة الفل
...
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: هنريكس رقم 1
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: المسألة اليهودية رقم 1 -و
...
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: النقد النقدي المطلق
-
-الأسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: نسق عالم -أسرار باريس-
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات: السرّ كـ -سُخرية-
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات-سر الاستقامة والتقى
-
-الاسرة المقدسة- ؛ تحقيقات وتعليقات - سر المجتمع المثقف
-
الاسرة المقدسة؛ تحقيقات وتعليقات - سر البناء النظري
-
الاسرة المقدسة؛ تحقيقات وتعليقات: النقد النقدي -بسِمات تاجر
...
-
الدولة الديمقراطية العلمانية والدولة المدنية
-
-الاسرة المقدسة- تحقيقات وتعليقات-حاشية نقدية رقم 5
المزيد.....
-
الحوثيون يعلنون -مهاجمة ناقلة نفط سعودية في خليج عدن-
-
من هو غادي آيزنكوت أبرز منافسي نتنياهو؟
-
واشنطن تحشد لحرب نووية ضد موسكو وبكين
-
الخارجية الروسية تكشف سبب تقييد الاتحاد الأوروبي الحماية الم
...
-
السفارة الروسية لدى إسرائيل تطلب توضيحات بشأن احتجاز المؤرخ
...
-
مصادر: أمريكا تواصل التفاوض مع أوكرانيا بشأن صواريخ باتريوت
...
-
الخارجية الروسية: رغبة ألمانيا الجامحة في التصعيد قد تقود ال
...
-
حكومة الزيدي تسعى لتحييد الساحة العراقية
-
أزمة هرمز تعيد -تورك ستريم- إلى الواجهة
-
-الأصعب منذ الثورة-.. ماذا قال بزشكيان عن وضع إيران في الذكر
...
المزيد.....
-
قراءة في -العقل والثورة- -2
/ نايف سلوم
-
قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير
...
/ رياض الشرايطي
-
نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و
...
/ زهير الخويلدي
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
-
قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل
/ كاظم حبيب
المزيد.....
|