|
|
ترامب يستخدم البيروقراطية لمصلحة الأثرياء، وممداني يسعى لتخفيفها لصالح الناس
حازم كويي
الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 13:40
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كونور لينش(*) ترجمة: حازم كويي
تُنشئ إدارة ترامب عقبات بيروقراطية بهدف خفض الضرائب على الأثرياء. وفي المقابل، يعمل عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني على تقليص البيروقراطية لتسهيل الوصول إلى المساعدات الاجتماعية ودعم أصحاب المشاريع الصغيرة. قبل أكثر من عام بقليل، قدّم دونالد ترامب مشروع(القانون الشامل والجميل) «One Big Beautiful Bill». ،ومنذ ذلك الحين، فقد ملايين الأمريكيين والأمريكيات التأمين الصحي، بسبب هذا القانون وغيره من القوانين التي أقرّها الجمهوريون. ووفقاً لتقرير حديث صادر عن منظمة حماية الرعاية، انخفض عدد المشمولين ببرنامجَي( المساعدات الطبية للفقراء) و للتأمين الصحي للأطفال بنحو أربعة ملايين منذ تموز 2025. وفي الشهر الماضي، أظهرت بيانات وزارة الصحة والخدمات الإنسانية، تراجعاً أكبر حتى في برنامج Obamacare ،وبمقارنة بالعام الماضي، بات هناك الآن خمسة ملايين شخص أقل مؤمَّناً عليهم عبر ما يُعرف بخطط السوق التابعة لقانون الرعاية الميسّرة. ويرجع جزء من هذا التراجع إلى سبب واضح: ففي كانون الثاني، عرقل الجمهوريون تمديد الإعفاءات الضريبية الخاصة بـObamacare، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الأقساط، وبالتالي إلى انخفاض متوقّع في أعداد المشمولين بالتأمين ضمن. لكن هذا الانخفاض لا يعود في مجمله إلى قرار واحد، بل إلى سلسلة كاملة من الإجراءات الجديدة التي طُبّقت خلال العام الماضي. وبعض هذه الإجراءات يأتي مباشرة من مشروع «Big Beautiful Bill»، لكن معظمها عبارة عن لوائح جديدة أخرى صاغها مسؤولون في إدارة ترامب بهدف تقليص أعداد المسجلين في برامج مثل المساعدات الطبية للفقراء وبرنامج الغذاء وObamacare وباختصار، تعكس الأرقام المتراجعة الاستراتيجية الواسعة التي تنتهجها الحكومة الأمريكية، والمتمثلة في استخدام العقبات البيروقراطية سلاحاً ضد ذوي الدخل المنخفض والمتوسط. وقد اشتد هذا النهج خلال الأشهر الماضية. إذ أدخل مسؤولون حكوميون عدداً كبيراً من اللوائح الجديدة التي ترفع العقبات أمام التسجيل في برامج مختلفة أو أمام الاستمرار في الاستفادة منها. واللائحة النهائية الخاصة بسوق (قانون الرعاية الصحية الميسرةACA)، التي أصدرتها وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية في أيار، تجسّد هذا الاتجاه بوضوح: فهذه اللائحة المُمتدة على 1121 صفحة تفرض مجموعة واسعة من القواعد ومتطلبات الإبلاغ الجديدة، وفي الوقت نفسه تقصّر فترات التسجيل. وبالنسبة للمؤمَّن عليهم، يعني ذلك مزيداً بكثير من الأعمال الورقية وإهدار الوقت، وهم يواجهون شبكة معقّدة من الإجراءات البيروقراطية فقط للاحتفاظ بالتغطية التأمينية التي يحق لهم أصلاً الحصول عليها. وتُسوَّق هذه اللوائح الجديدة بوصفها إجراءات لمكافحة الاحتيال، لكنها ستؤدي على الأرجح أيضاً إلى تراجع أعداد المسجلين والمقدّمين للطلبات من المستحقين فعلياً. وكأنها تريد التأكيد على أن إدارة ترامب تعمل بنشاط على دفع الناس خارج نطاق تغطيتهم التأمينية، أصدرت وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، بياناً صحفياً بشأن تسجيلات (قانون الرعاية الصحية الميسرةACA )في الشهر الماضي. وبدلاً من محاولة تجميل تراجع أعداد المسجلين، قدّمت الوكالة هذا التراجع بوصفه دليلاً على نجاح الحكومة في مكافحة احتيال الاستفادة من المساعدات الاجتماعية. وبذلك أعادت ترديد مزاعم وردت في تقرير شديد الشكوك، يفيد بأن نصف الأشخاص الذين أُدرجوا في خطط قانون الرعاية الصحية الميسرة، منذ عام 2021 قد تصرفوا بصورة احتيالية أو غير مشروعة بأي شكل آخر، وبالتالي لا يستحقون هذه التغطية. وعلى هذا الأساس، توقعت الحكومة بفرح أن تؤدي قواعد(قانون الرعاية الصحية الميسرة) الجديدة إلى انخفاض عدد المؤمن عليهم عبر السوق التجاري بمقدار مليوني شخص بحلول عام 2027، ثم بمقدار مليون إضافي في كل سنة من السنوات اللاحقة من هذا العقد. ينتهج الجمهوريون الأسلوب نفسه في مختلف الوكالات الحكومية وفيما يتعلق بالبرامج الفيدرالية. فإلى جانب مشروع « one Big Beautiful Bill»«، جرى إقرار سلسلة من اللوائح الإضافية التي تفرض أعباءاً بيروقراطية جديدة على المستفيدين من برنامجي مساعدة الفقراء وSNAP) :هو برنامج مساعدات أمريكي تكميلي مخصص لمساعدة الفقراء على شراء الطعام.المترجم)ولعل أبرز هذه الإجراءات الجديدة هو فرض شرط العمل، الذي تشير التوقعات إلى أنه سيؤدي خلال السنوات المقبلة إلى خفض أعداد المستحقين لبرامج المساعدات الاجتماعية بملايين الأشخاص. ويقدّم الجمهوريون هذه السياسة على أنها وسيلة لمواجهة المُتكاسلين الذين يعيشون على حساب دافعي الضرائب المُجتهدين. لكن الأدلة تشير بوضوح إلى أن اشتراط العمل لا يترك سوى أثر محدود للغاية على معدلات التوظيف، ويرجع ذلك أساساً إلى أن الغالبية العظمى من المستفيدين يعملون بالفعل، بينما يواجه من لا يعملون ظروفاً مشروعة، مثل الإعاقة أو مسؤوليات رعاية أفراد الأسرة أو ببساطة ضعف فرص العمل في سوق العمل. كما تُظهر الدراسات أن شروط العمل تُلحق ضرراً خاصاً بالفئات الأكثر هشاشة، وتؤدي إلى فقدان كثير من المستحقين لتغطيتهم التأمينية بسبب أخطاء إجرائية، مثل عدم استكمال المتطلبات الإدارية أو تفويت المواعيد اللازمة. وفي ولايات مثل أركنساس وجورجيا، حيث سبق للجمهوريين أن فرضوا شرط العمل للحصول على برنامج الرعاية الصحية الأمريكي للأشخاص ذوي الدخل المنخفض والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة(Medicaid)، لم يكن لهذه السياسة تأثير يُذكر على معدلات المشاركة في سوق العمل، لكنها أدت إلى بقاء عدد كبير من العاملين من دون تغطية تأمينية مناسبة، لأنهم لم يتمكنوا من الامتثال لمتطلبات الإبلاغ والإجراءات الإدارية الجديدة الصارمة. من المتوقع أن تؤدي متطلبات العمل الإلزامية على مستوى البلاد إلى خفض عدد المستفيدين من برنامجي "" (Medicaid) و"" (SNAP) بملايين الأشخاص خلال السنة الأولى من تطبيقها. وتشير دراسة حديثة أجراها معهد "أوربان" إلى أن جزءاً كبيراً من هذا الانخفاض – يقارب النصف – لن يكون ناجماً عن قرارات فعلية بعدم أهلية المستفيدين، بل عن الشطب الإجرائي وخروجهم من البرنامجين نتيجة التعقيدات الإدارية. ولا يُعد ذلك فشلاً في السياسة المتبعة، بل استراتيجية مقصودة تُستخدم فيها العراقيل البيروقراطية والإجراءات المرهقة بوصفها آلية أساسية لتقليص أعداد المستفيدين المؤهلين.
البيروقراطية كسلاح إن توظيف الحزب الجمهوري للبيروقراطية كأداة سياسية يتبع نمطاً تاريخياً سبق أن وثّقه عام 2019 كلٌّ من دونالد موينيهان وباميلا هيرد، أستاذا السياسات العامة في كلية فورد بجامعة ميشيغان. ففي كتابهما( Administrative Burden: Policymaking by Other Means )،(الأعباء الإدارية: صناعة السياسات بوسائل أخرى)، يشرح الباحثان بالتفصيل كيف يلجأ الفاعلون السياسيون، عن قصد، إلى فرض أعباء إدارية بوصفها «أداة سياسية لتحقيق أهداف أيديولوجية»، سواء كان الهدف الحد من الوصول إلى برامج الرعاية الاجتماعية، أو تقييد حق التصويت، أو تقليص الهجرة، على سبيل المثال لا الحصر. وأكد موينيهان، أن إدارة ترامب «تنطبق عليها تماماً» هذه القاعدة المتمثلة في استخدام العقبات الإدارية بوصفها شكلاً من أشكال صناعة السياسات بوسائل أخرى. ولفت بشكل خاص إلى «التغييرات الهائلة التي أُدخلت على شبكة الأمان الاجتماعي في الولايات المتحدة»، والتي غالباً ما تتم «بعيداً عن الأنظار». وأضاف أن فرض هذه العراقيل الإدارية ليس أمراً عرضياً، بل هو «وسيلة لخفض الاستفادة من البرامج الأساسية، مثل " (Medicaid) و (SNAP)" ، إلى الحد الذي يحقق وفورات مالية كافية على المستوى الفدرالي لتعويض كلفة التخفيضات الضريبية التي أقرها ترامب». وأشار موينيهان كذلك إلى أن استحداث لوائح جديدة وإجراءات بيروقراطية إضافية، تُعد وسيلة مضمونة لزيادة الأعباء الإدارية التي يتحملها المواطنون. غير أن هذه الأعباء قد تتفاقم أيضاً من خلال إضعاف كفاءة الجهاز الإداري نفسه. ويوضح قائلاً: «تنشأ الأعباء والعقبات عندما تصبح تجربة التعامل مع المؤسسات الحكومية مرهقة وشاقة. ولذلك فإن أي إجراء تتخذه الدولة يجعل من الصعب على الناس التفاعل مع الحكومة،و يسهم في زيادة هذه الأعباء والعراقيل». ويشمل ذلك أيضاً «تقليص القدرات الإدارية إلى درجة تعجز معها مؤسسات مثل إدارة الضمان الاجتماعي (SSA) أو مصلحة الضرائب الأمريكية (IRS) عن الاستجابة بصورة ملائمة لاحتياجات المواطنين واستفساراتهم». وهذا بالضبط ما تحقق من خلال الحملة الواسعة التي استهدفت البيروقراطية الفدرالية خلال العام الماضي. فبقيادة أغنى رجل في العالم، إيلون ماسك، وجّه ما سُمّي بـ«إدارة الكفاءة الحكومية» (DOGE) اهتمامه إلى المؤسسات والهيئات التي يتعامل معها المواطنون بشكل مباشر، وفي مقدمتها إدارة الضمان الاجتماعي، ووزارة شؤون المحاربين القدامى، ومصلحة الضرائب الأمريكية (IRS). وأسفرت أنشطة إدارة الكفاءة الحكومية في نهاية المطاف عن تقليص عدد موظفي الحكومة الفدرالية بنحو 300 ألف موظف، الأمر الذي أدى إلى إغلاق مكاتب حكومية، وإطالة فترات الانتظار، وتفاقم تراكم المعاملات، فضلاً عن انخفاض كبير في الإيرادات الضريبية في حالة مصلحة الضرائب. وكانت إدارة الضمان الاجتماعي (SSA) الأكثر تضرراً من هذا التقليص، إذ واجه كبار السن وذوو الإعاقة الذين يعتمدون على إعاناتها فترات انتظار أطول وعقبات إضافية للحصول على الخدمات، بعدما خُفِّض عدد العاملين في الوكالة – التي كانت تعاني أصلاً من نقص في الكوادر – بنحو ثمانية آلاف موظف، أي ما يقارب 15 في المئة من إجمالي قوتها العاملة، في إطار إجراءات إدارة الكفاءة الحكومية. ومنذ انطلاق مشروع إدارة الكفاءة الحكومية في مطلع العام الماضي، كان واضحاً أن الهدف منه لم يكن تحسين أداء الحكومة أو تسهيل حياة المواطنين العاديين، بقدر ما كان يهدف إلى إزالة القيود التنظيمية المفروضة على الشركات الكبرى، مثل «سبيس إكس» و«تسلا». وبذلك تحولت الانتقادات التقليدية التي يرددها الجمهوريون والنيوليبراليون ضد الدولة والبيروقراطية إلى سياسات عملية. وقد سعت إدارة الكفاءة الحكومية إلى تحقيق أهدافها في مجال تحرير الأسواق عبر استهداف الهيئات الرقابية، ولا سيما تلك المسؤولة عن حماية المستهلك، وسلامة العمال، وتنظيم أسواق الأوراق المالية، وحماية البيئة. ورغم أن إدارة الكفاءة الحكومية قد حُلّت لاحقاً، فإن إدارة ترامب تواصل المضي في المشروع نفسه دون انقطاع. ويعني ذلك عملياً أنه، بينما تُفرض على العمال العاديين مزيد من العقبات والإجراءات التي تعرقل حصولهم على الخدمات والحقوق، تتبنى الإدارة نهجاً معاكساً تماماً تجاه قطاع الأعمال الأمريكي. فالشركات تستفيد من موجة واسعة من إلغاء القيود التنظيمية، إذ عمد مسؤولو إدارة ترامب، في قطاعات تمتد من الطاقة والذكاء الاصطناعي إلى القطاع المالي، إلى تخفيف الرقابة ومعايير الامتثال، وفي الوقت نفسه إضعاف اللوائح التي وُضعت أصلاً لحماية المستهلكين والعمال والمستثمرين. وبحسب البيت الأبيض، فإن الهدف من هذه الأجندة الهادفة إلى إلغاء القيود التنظيمية يتمثل في تخفيف الأعباء والتكاليف التي تتحملها الشركات، بما يتيح لها ممارسة «أنشطة تجارية أكثر ربحية»، وهو ما يُفترض أن يقود إلى تعزيز الابتكار، وزيادة الاستثمارات، وتحفيز النمو الاقتصادي.
نيويورك تُظهِر، أن هناك بديلاً في كتابه الصادر عام 2015 بعنوان "البيروقراطية: يوتوبيا القواعد"، يشير عالم الأنثروبولوجي ديفيد غريبر، إلى أن مصطلح «البيروقراطية» أصبح، في الخطاب السياسي الأمريكي، يكاد يكون مرادفاً لكلمة «الحكومة». ويقوم هذا التصور على مقارنة قطاع خاص يُقدَّم بوصفه أكثر كفاءة بقطاع عام يُصوَّر على أنه بطئ وغير فعّال. ووفقاً لهذه الرؤية النيوليبرالية، فإن الطريق الوحيد إلى تحسين الكفاءة يتمثل في لجوء الدولة إلى الخصخصة وغيرها من الحلول القائمة على السوق. ويلفت غريبر إلى أنه، قبل نحو عقد من الزمن، كان «اليسار السائد» في الولايات المتحدة قد تبنى إلى حد كبير هذا النقد اليميني للبيروقراطية، بل لعب دوراً ريادياً في الدفع نحو جعل الدولة أكثر «كفاءة» من خلال الاستعانة بمصادر خارجية، وخصخصة الخدمات، وتطبيق ما سُمّي بـ«مبادئ السوق» في إدارة القطاع العام. أما اليوم، فإن بعض قوى اليسار الأمريكي تحاول انتهاج مسار مختلف، كرد فعل على الهجوم الواسع الذي شنّه اليمين في السنوات الأخيرة على مؤسسات الدولة الفدرالية. فبدلاً من الاكتفاء بالدفاع عن الجهاز الحكومي أو التسليم بالرواية اليمينية التي تُحمّل البيروقراطية مسؤولية كل أوجه القصور، طرح التقدميون والاشتراكيون الديمقراطيون رؤيتهم النقدية الخاصة، مع سعيهم في الوقت نفسه إلى استعادة مفهوم الكفاءة باعتباره هدفاً وقيمة أساسية للحكم التقدمي، لا حكراً على دعاة تقليص دور الدولة أو خصخصة خدماتها. ويتبنى عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، هذا النهج تحديداً. ففي نهاية أيار، أعلن عن تشكيل «لجنة إدارة الكفاءة الحكومية»، وكُلِّفت باقتراح تعديلات على دستور المدينة تُطرح لاحقاً في استفتاءات شعبية. ويهدف هذا المشروع إلى تبسيط البيروقراطية في إدارة المدينة، وتقليل الأعباء الإدارية التي تواجه السكان وأصحاب المشروعات الصغيرة. وفي تقرير أولي نشرته اللجنة مطلع تموز، واجهت المديرة التنفيذية للجنة، آن تشينغ، الرواية اليمينية بصورة مباشرة، مؤكدة أن «الحكومة الكفؤة ليست تلك التي تقلّص الخدمات أو تستغني عن الموظفين، بل هي الحكومة التي تستمع إلى العاملين فيها وتمكّنهم من تحقيق نتائج حقيقية». وترفض تشينغ استخدام مفهوم «الكفاءة» بوصفه غطاءاً لسياسات التقشف أو الخصخصة، وتطرح بدلاً من ذلك رؤية تقدمية للإدارة العامة تقوم على أن تكون الخدمات الحكومية سهلة الوصول بالنسبة للمواطنين، وأن يتمكن أصحاب الأعمال الصغيرة من الحصول على التراخيص من دون الحاجة إلى وسطاء أو مستشارين، وأن يمتلك موظفو البلدية القدرة على إصدار وتنفيذ مشروعات البنية التحتية الأساسية من دون تأخير أو تعقيدات بيروقراطية. وقد ركزت الخطوات الأولى التي اتخذها ممداني بعد انتخابه على جعل الإدارة البلدية أكثر قرباً من المواطنين وأسهل في التعامل، وفي الوقت نفسه الحد من اعتماد المدينة على إسناد المهام الأساسية إلى الشركات الخاصة، وهو ما يُعد، في الواقع، أحد أكبر مصادر هدر الأموال والفساد خلال السنوات الماضية. وبذلك تبنّت إدارة المدينة نهجاً مغايراً للاتجاه السائد، الذي اعتمد على نقل خبرات القطاع العام إلى متعهدين خارجيين. وفي مطلع تموز، كشفت البلدية عن مبادرة جديدة تهدف إلى إعادة بناء قدراتها التقنية الداخلية وتحديث بنيتها التحتية الرقمية. وتشمل المبادرة تشكيل فرق عمل مشتركة بين مختلف الدوائر الحكومية تُعرف باسم «فرق تكنولوجيا المصلحة العامة» (Public Interest Technology – PIT)، وستتولى تطوير أدوات وحلول رقمية لمعالجة التحديات التي تواجه القطاع العام وتحسين جودة الخدمات الحكومية. وقدّم ممداني هذا البرنامج بوصفه جزءاً من رؤيته الأشمل لرفع كفاءة الإدارة العامة، مؤكداً أن سكان مدينة نيويورك «لا ينبغي أن يُجبروا على التعامل مع أنظمة مربكة، وقديمة، ومثقلة بالإجراءات البيروقراطية». وأضاف أن فرق PIT الجديدة «ستعمل جنباً إلى جنب مع دوائر المدينة لتطوير حلول رقمية لعمليات إدارية ظلت لسنوات طويلة غارقة في أكوام من المعاملات الورقية». وستكون المهمة الأولى لهذه الفرق إنشاء بوابة إلكترونية تدعم تنفيذ قاعدة «انقر للإلغاء» (Click-to-Cancel)، وهي قاعدة تمنع الشركات من استخدام ممارسات تجارية مضللة، مثل مصائد الاشتراكات والرسوم الخفية التي يصعب على المستهلكين التخلص منها. وستوفر هذه البوابة لسكان المدينة قناة مباشرة لتقديم شكاواهم ضد الشركات إلى السلطات البلدية، بما يعزز حماية المستهلك ويُسهّل إنفاذ القوانين ذات الصلة. ويقدم نهج إدارة ممداني في التعامل مع ممارسات بعض الشركات، من جهة، وسياسات الجمهوريين داخل الحكومة الفدرالية، من جهة أخرى، مثالاً واضحاً على الكيفية التي يمكن أن تُصمَّم بها البيروقراطية بطرائق متناقضة: فهل ينبغي أن تكون في خدمة الناس، أم أن تتحول إلى عقبة تعترض طريقهم؟ فبينما تواصل إدارة ترامب فرض المزيد من الأعباء والإجراءات الإدارية على غالبية المواطنين، جعلت إدارة ممداني من تبسيط البيروقراطية وإزالة العوائق الإدارية محوراً أساسياً في برنامجها لإدارة مدينة نيويورك. وفي الوقت الذي خففت فيه إدارة ترامب الرقابة والإشراف على الشركات، سلك فريق ممداني الطريق المعاكس، من خلال تشديد الرقابة على الشركات التي تنتهك القوانين والتصدي بحزم للممارسات التجارية غير المشروعة في القطاع الخاص. أن الصراع حول البيروقراطية ليس مجرد خلاف حول أساليب الإدارة، بل هو جزء من صراع طبقي أوسع. فهناك من يدافع عن حكومة تعمل لخدمة المواطنين العاديين، في مقابل من يسعى إلى سلطة يكون همها الأساسي خدمة الأثرياء وأصحاب النفوذ. وفي نهاية المطاف، قد يكون أفضل رد على الخطاب اليميني هو البرهنة عملياً على ما تستطيع حكومة كفؤة وحسنة الإدارة أن تحققه لصالح الطبقة العاملة وسائر فئات المجتمع. وفي هذا السياق يجري الإستشهاد بقول دانيال هوان، العمدة السابق لمدينة ميلووكي وأحد أبرز ممثلي تيار «اشتراكية المجاري» في التاريخ الأمريكي: «يجب أن يكون الهدف هو إنشاء أفضل حكومة ممكنة». وبعد مرور قرن كامل، يعود اليسار الأمريكي اليوم ليؤكد الفكرة نفسها: وهي أن الدولة ومؤسساتها الإدارية يمكن أن تعمل لمصلحة الأغلبية الساحقة من السكان، شريطة أن تُصمَّم لخدمة الناس فعلاً، لا لإغراقهم في الإحباط، أو وضع العراقيل في طريقهم، أو تكريس تهميشهم.
كونور لينش(*) كاتب وصحفي مستقل، ينشر مقالاته في عدد من المنصات والصحف، من بينها The Week، وThe New Republic، وSalon، وTruthdig.
#حازم_كويي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
خمسة أوهام تُبقينا أسرى الرأسمالية
-
استعمار التكنوقراط
-
من هم -حزب الصراصير- الشعبي في الهند، ولماذا يُنظم الاحتجاجا
...
-
كيف نظهر الرقي في طريقة تواصلنا؟
-
من يتقدم؟الولايات المتحدة أم الصين
-
سردية العِرق والطبقة في حوارات طرق الأبواب
-
بناء حزب اليسار، تنظيم الأمل والنضال.الجزء الثاني
-
بناء حزب اليسار، تنظيم الأمل والنضال
-
حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) – هل يستحق الحظر؟
-
التحول الداخلي في ألمانيا: صعود أيديولوجيا التسلح والحرب
-
نحو رؤية يسارية للذكاء الاصطناعي
-
تأريخ المنصة الألكترونية وتطور أشكال عملها
-
تاريخ موجز للجبهة الشعبية – دروس من الحكومة اليسارية الفرنسي
...
-
اليسار يفتقد إلى منظور عالمي بديل
-
الاحتجاجات تتصاعد ضد التوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطن
...
-
كيف نكبح سلطة الشركات الرقمية العملاقة؟
-
عندما مالَ برج بيزا الإيطالي إلى اليسار
-
ستون عاماً على الثورة الثقافية الصينية: تاريخ تجربة فاشلة
-
بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي.جزء 2
-
صعود الفاشية: تاريخٌ مُقلق
المزيد.....
-
رئيس البرازيل يبحث مع مساعد الرئيس الروسي قضايا التعاون وال
...
-
-إيفان- الروسي يتفوق على -دونالد- في الولايات المتحدة
-
سبتة ومليلية تُعيدان شبح -المسيرة الخضراء-، هل يقف حلفاء إسب
...
-
العلماء يترقبون تأكيد اصطدام قطعة من صاروخ سبيس إكس بالقمر،
...
-
الحوثيون يعلنون استهداف ناقلة نفط سعودية قبالة سواحل ينبع غد
...
-
مأساة سبتة تتكشف.. آلاف العائلات تبحث عن مفقوديها بعد موجة ا
...
-
-تموت بصمت- .. لماذا تتراجع صناعة الكيماويات في ألمانيا؟
-
مصر.. الإفراج عن بلوغر قضى عاما في السجن بسبب محتوى خادش
-
الاتحاد الأوروبي يلغي حماية الأوكرانيين المطلوبين للتجنيد في
...
-
تشييع 112 جثمانا من عائلة واحدة في أكبر جنازة يشهدها قطاع غز
...
المزيد.....
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|