تيار الثورة الاشتراكية
منظمة سياسية
(Socialist Revolution Current)
الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 11:18
المحور:
حقوق الانسان
بقلم: محمد السايس
هناك لحظات لا يمكن فهمها باعتبارها حوادث منفصلة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد أخبار عابرة في شريط مزدحم بالمآسي. لحظة يحرق فيها إنسان جسده احتجاجًا على هدم كشك، ولحظة يقرر فيها عشرات الآلاف من البشر، في اقل من ٢٤ ساعة ، أن يغامروا بحياتهم لعبور الحدود سباحةً أو سيرًا بحثًا عن مكان آخر، ليستا واقعتين متشابهتين في التفاصيل، لكنهما تنتميان إلى الحقيقة الاجتماعية نفسها: حين تضيق الحياة إلى هذا الحد، يصبح الخطر نفسه أقل كلفة من الاستمرار فيها.
ما جرى على حدود سبتة في الأيام الأخيرة يكشف شيئًا يتجاوز قضية الهجرة بمعناها الضيق، آلاف الشباب، ومعهم أطفال ونساء، اندفعوا في محاولة جماعية للوصول إلى أرض أوروبية، في واحدة من أكبر موجات العبور المفاجئ التي شهدتها المنطقة، بينما سقط عشرات القتلى في الطريق. ومن السهل أن نضع كل ذلك تحت عناوين جاهزة، الهجرة غير الشرعية، شبكات التهريب، أو أزمة الحدود. لكن كل هذه التفسيرات، مهما كانت صحيحة في جانب منها، تظل عاجزة عن الإجابة عن السؤال الأكثر قسوة: ما الذي يجعل عشرات الآلاف من البشر يرون في عبور حدود محفوفة بالموت فرصةً تستحق المخاطرة؟
إن الإنسان لا يغامر بحياته لأن الموت أصبح مرغوبًا لديه، بل لأن الحياة التي يعيشها فقدت قدرتها على إقناعه بأنها ستتغير، وهذه هي النقطة التي ينبغي أن نتوقف أمامها بنظرة.
في مجتمعاتنا العربية، لم يعد الفقر مجرد نقص في الدخل، بل أصبح أيضا تهديد للمستقبل . العامل الذي يعمل ساعات طويلة ولا يستطيع أن يوفر حياة كريمة لأسرته، الشاب الذي يحمل شهادة ولا يجد عملًا يضمن له الاستقلال، البائع الصغير الذي يعيش يومه على هامش القانون خوفًا من أن يُهدم مصدر رزقه، الأسرة التي تستهلك معظم دخلها في الضروريات، والمهاجر الذي يبيع ما يملك ويدفع مدخراته لمهرب كي يركب قاربًا لا يعرف إن كان سيصل به إلى الشاطئ أم إلى قاع البحر؛ جميع هؤلاء يعيشون صورًا مختلفة من الأزمة نفسها، الإحساس بأن الطريق الطبيعي للكسب قد أُغلق.
وهنا تظهر الطبقة بوصفها مفتاحًا لفهم هذه التحولات. فالخطر لا يتوزع بالتساوي بين الناس، كما أن الفرص لا تتوزع بالتساوي. من يملك المال يستطيع شراء الأمان، ومن يملك النفوذ يستطيع تجاوز الأزمات، ومن يملك جواز سفر قويًا يستطيع أن يعبر الحدود بالطائرة، بينما لا يملك الفقير في كثير من الأحيان سوى جسده ليضعه في مواجهة البحر أو الأسلاك أو الشرطة أو النار، حتى الهجرة نفسها أصبحت تعكس التفاوت الطبقي ، الأغنياء يسافرون بحثًا عن فرص أفضل، أما الفقراء يخاطرون بحياتهم بحثًا عن فرصة للحياة أصلًا.
وهذا ما يجعل مأساة هؤلاء البشر مختلفة عن الصورة التي تحاول بعض الخطابات الرسمية والإعلامية تقديمها. هؤلاء ليسوا مجرد «مهاجرين غير شرعيين» في خانة إحصائية، ولا مجرد أعداد ينبغي منعها من الوصول إلى الحدود. إنهم أبناء مجتمعات أنتجت لهم أسبابًا كثيرة للرحيل، ثم تعاملت مع رحيلهم باعتباره المشكلة بدل أن تسأل عن الأسباب التي جعلت البقاء مشكلة.
وفي مصر، نعرف هذه المشاعر جيدًا، حتى وإن اختلفت أشكالها. نعرفها في طوابير الباحثين عن العمل، وفي الشباب الذين يقبلون بأجور لا تكفيهم، وفي أصحاب المشروعات الصغيرة الذين يعيشون على حافة الإفلاس، وفي سكان المناطق الشعبية الذين يمكن أن يصبح مسكنهم أو مصدر رزقهم مهددًا بقرار إداري لا يملكون القدرة على الاعتراض عليه إلا بإشعال النيران في أجسامهم.
وحين يحرق إنسان نفسه لأن كشكه مهدد بالهدم، القضية لا تختزل في الكشك، الكشك هنا يصبح رمزًا لحجم التناقض بين الدولة التي ترى في منشأة صغيرة مخالفةً أو عائقًا في مشروع عمراني، وبين الإنسان الذي يرى فيها سنوات عمره، وطعام أطفاله، وإيجار منزله، وحقه الوحيد في أن يظل واقفًا على قدميه. لا يعني ذلك أن كل مخالفة قانونية تصبح حقًا بمجرد أن صاحبها فقير، لكنه يعني أن تطبيق القانون في مجتمع شديد التفاوت لا يمكن فصله عن سؤال العدالة الاجتماعية ماذا يفعل القانون عندما يكون البديل عن إزالة مصدر رزق شخص فقير هو دفعه إلى البطالة والجوع؟
المشكلة إذن ليست فقط في قسوة الفقر، وإنما في الشعور المتزايد بانعدام القدرة على التحكم في المصير. حين يشعر الإنسان أنه لا يملك شيئًا من حياته، يصبح مستعدًا لاتخاذ قرارات كانت تبدو في الماضي جنونية. الهجرة الخطرة، الانتحار، المخاطرة بالعمل في ظروف قاتلة، الاستدانة، بيع الممتلكات، ترك الأسرة، أو ركوب البحر؛ كلها قد تتحول من أفعال استثنائية إلى خيارات مطروحة على طاولة الإنسان لأن الخيارات الطبيعية لم تعد متاحة أمامه.
إن ما زاد الطين بِلَّة أن الانظمة لا تكترث أو تنتبه إلى التحول الأخطرفي واقعنا ، لم تعد المسألة أن الفقراء يعيشون حياة صعبة، بل أن قطاعات واسعة من الناس بدأت تفقد الإيمان بإمكانية تحسين حياتها بالوسائل العادية.
فالمجتمع الذي يؤمن بأن العمل يمكن أن يقود إلى حياة أفضل، وأن التعليم يمكن أن يفتح بابًا، وأن القانون يمكن أن يحميه، وأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الماضي، هو مجتمع أكثر مرونة في مواجهة الأزمات. أما المجتمع الذي يتعلم فيه الإنسان منذ طفولته أن الاجتهاد لا يكفي، وأن الوظيفة لا تضمن الكرامة، وأن القانون أضعف من قدرته على حماية نفسه، وأن أبناء الطبقات الميسورة يعيشون في عالم مختلف تمامًا عن عالمه، فإن اليأس فيه لا يعود حالة نفسية فردية؛ يتحول إلى ظاهرة اجتماعية.
ولهذا فإن مشاهد الهجرة الجماعية المفاجئة ليست فقط أزمة حدود، كما أن حالات الانتحار الاحتجاجي ليست فقط أزمات شخصية. إنها إشارات إلى أزمة في العلاقة بين الإنسان والمجتمع والدولة. إنها تقول إن قطاعات من الناس لم تعد ترى مكانها داخل النظام الاجتماعي القائم، وأن بعضهم بدأ يبحث عن الخلاص خارج الحدود، وبعضهم يبحث عنه في الموت، وبعضهم يتحول إلى العنف، بينما يستمر آخرون في الاحتمال بصمت.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله المجتمعات تجاه هذه الظواهر هو أن تنظر إليها باعتبارها انحرافات فردية ،تكتفي بإدانته أو حتى التعاطف معها. عندما يحرق شخص نفسه، يمكن أن نقول إنه اتخذ قرارًا مأساويًا. لكن عندما تتكرر مثل هذه الوقائع، يصبح السؤال الاجتماعي أكثر إلحاحًا ما الذي يحدث للناس حتى يصبح الجسد نفسه آخر وسيلة للاحتجاج؟ ولماذا كان الوعد بحياة أخرى قادرًا على تحريك هذا العدد الهائل من البشر؟
إن الفقر ليس وحده المسؤول عن كل ذلك، ولا يجوز اختزال أزمات مجتمعنا في الفقروحده، لكن الفقر حين يقترن بالاستبداد، والفساد، وانعدام العدالة، وغياب الحماية الاجتماعية، وتآكل الخدمات العامة، وتضخم الفوارق الطبقية، وتحويل المدن إلى مساحات تُدار وفق مصالح الاستثمار والعقار، يصبح المجتمع بدفع سياسات الدولة قوةً تنتج اليأس باستمرار.
والمفارقة أن المدن العربية تستطيع في الوقت نفسه أن تبني أبراجًا و مشروعات ضخمة ومناطق فاخرة، بينما يكافح إنسان آخر من أجل الاحتفاظ بمحل صغير أو غرفة أو مصدر دخل متواضع. وفي اللحظة التي يرى فيها الفقير كل هذا التفاوت بعينيه، لا يعود الفقر مجرد نقص في المال؛ يصبح تجربة يومية من الإقصاء، إنه يرى عالمًا آخر موجودًا داخل المدينة نفسها، لكنه ليس عالمه ولا مكان له فيها ولا لولده حتى .
ومن هنا تأتي ضرورة النظر إلى هذه التحولات بعين إنسانية وطبقية في آن واحد، العين الإنسانية ترفض أن ترى في المهاجر رقمًا، وفي العامل الفقير مخالفةً، وفي المنتحر مجرد حالة نفسية، وفي الأسرة المعدمة عبئًا على الموازنة. والعين الطبقية ترفض في الوقت نفسه أن تتعامل مع هذه المآسي باعتبارها مجرد سوء حظ فردي، لأنها تسأل عن توزيع الثروة والسلطة والفرص، وعن من يملك القدرة على حماية نفسه عندما تهتز الحياة، ومن يدفع دائمًا ثمن الأزمات.
هذه ليست دعوة إلى الهجرة غير الآمنة، ولا تمجيدًا للانتحار أو للموت. على العكس، إنها إدانة لعالم يجعل الإنسان مضطرًا إلى الاختيار بين خطر الموت وألم الحياة. فالإنسان الذي يركب البحر لا ينبغي أن نطالبه بالشجاعة؛ ينبغي أن نسأل عن المجتمع الذي جعل البحر يبدو له طريقًا معقولًا. والإنسان الذي يحرق جسده لا ينبغي أن نكتفي بإدانة فعله؛ ينبغي أن نسأل عن كل الأبواب التي أُغلقت في وجهه قبل أن يصل إلى تلك اللحظة.
إن ما يجري في مصر والمغرب وسائر المجتمعات العربية ليس مجرد سلسلة من المآسي الفردية. إنه تعبير عن أزمة اجتماعية أعمق، أزمة يشعر فيها ملايين البشر بأنهم يعملون أكثر مما ينبغي ليحصلوا على أقل مما يستحقون، وأنهم مطالبون دائمًا بالصبر بينما تتراكم الثروة والامتيازات في أعلى المجتمع، وأن القانون يطلب منهم الالتزام لكنه لا يمنحهم أبدا شعورًا مماثلًا بالحماية والعدالة.
وإذا أردنا أن نفهم هذه المجتمعات، فعلينا أن نستمع إلى أكثر أصواتها ألمًا، لا أن نكتفي بسماع أصوات من يملكون القدرة على التعبير. فالمجتمع لا يُقاس فقط بحجم ما يبنيه من طرق ومدن ومشروعات، وإنما بقدرته على أن يجعل الإنسان العادي يشعر أن حياته لها قيمة، وأن عمله يحفظ كرامته، وأن القانون يحميه، وأن المستقبل ليس امتيازًا محجوزًا لطبقة دون أخرى.
وحين يصل الناس إلى اللحظة التي يصبح فيها الموت احتمالًا مقبولًا مقابل فرصة ضئيلة للحياة، فالمشكلة لم تعد في أولئك الذين خاطروا. بل في أولئك الذين دفعوهم دفعا نحو هذا الاختيار.
https://soc-rev-egy.org/2026/08/03/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D8%A3%D9%82%D9%84-%D9%83%D9%84%D9%81%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D9%86%D9%81/
#تيار_الثورة_الاشتراكية (هاشتاغ)
Socialist_Revolution_Current#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟