حمادة جبر
(Hamada Jaber)
الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 17:13
المحور:
حملات سياسية , حملات للدفاع عن حقوق الانسان والحرية لمعتقلي الرأي والضمير
تجدد الحديث مؤخراً عن إجراء انتخابات فلسطينية عامة، رئاسية وتشريعية، باعتبارها المدخل الطبيعي لانهاء الانقسام وتجديد الشرعيات وإعادة الحيوية للنظام السياسي. أما إذا خرجت في ظل البيئة القانونية والسياسية القائمة، فإنها لن تكون سوى إعادة إنتاج للأزمة نفسها، وربما إضفاء شرعية زائفة عليها. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: متى تُجرى الانتخابات؟ وإنما: وفق أي قواعد ستُجرى؟ فالإصلاح يبدأ بإصلاح قواعد اللعبة السياسية، وليس بمجرد الدعوة إلى صناديق الاقتراع.
لذلك، إن كان لابد من إجراء انتخابات عامة عامة بشقيها الرئاسية والتشريعية، وبعيداُ عن واقعية اجراء ها وعما يمكن أن تحدثه من تغيير قي الحالة الفلسطينية التي ربما آخر ما تحتاجه في ظل هذه الفوضى التي تتحمل مسؤوليتها قيادة الأمر الواقع، ربما آخر ما تحتاجه هو الانتخبات. لكن، إن كان لابد منها ولمحاولة أن تكون أي انتخابات مقبلة قادرة على إحراز تغيير أو تقدم في إيجاد حلول حلول للأزمات الوجودية والمتعددة التي يواجهها الفلسطينيون، يجب أن لا تجري أي انتخابات عامة قبل القيام بالتالي:
أولاً: إلغاء قرار حل المجلس التشريعي
قبل التفكير في أي انتخابات تشريعية جديدة، يجب التراجع عن قرار "الرئيس" المنتهية ولايته القانونية منذ عام 2010، بحل المجلس التشريعي الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2018، بناءً على توصية من "المحكمة الدستورية" المثيرة للجدل. فهذا القرار، فضلاً عن أنه غير قانوني، فقد نصّ صراحة على إجراء انتخابات تشريعية خلال ستة أشهر، وهو ما لم يحدث حتى اليوم. بل إن المادة (47 مكرر) من القانون الأساسي المعدل لعام 2005 تنص بوضوح على أن ولاية المجلس التشريعي لا تنتهي إلا عند إداء المجلس الجديد المنتخب اليمين الدستورية. وبذلك، فإن استمرار تعطيل الانتخابات طوال هذه السنوات ينسف الأساس القانوني الذي استند إليه قرار الحل. ولكي لا يشكل قرار الحل سابقة قانونية تفرغ الانتخابات من جوهرها ومعناها، وجعل مسألة حل المجلس التشريعي من عدمه خاضعة لمزاج السلطة التنفيذية التي سحقت مبدأ الفصل بين السلطات بسيطرتها الديكتاتورية المطبقة على كل السلطات، يجب الإصرار على التراجع عن القرار مهما كان الثمن وحتى لو كان رمزياً. وهنا لابد من التذكير أنه في موازاة العبث القانوني المذكور، برزت في السنوات الأخيرة محاولات للالتفاف على هذا الاستحقاق، من خلال الترويج لفكرة أن اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين دولة غير عضو عام 2012 جعل من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية تمثل حكومة الدولة، بينما أصبح المجلس الوطني الفلسطيني بمثابة البرلمان. غير أن هذا الطرح يثير جملة من التساؤلات المنطقية والقانونية. فإذا كانت هذه المؤسسات قد اكتسبت فعلاُ هذه الصفة منذ عام 2012، فلماذا لم تمارس اختصاصاتها باعتبارها مؤسسات "الدولة" طوال السنوات الماضية؟! ولماذا استمرت مؤسسات السلطة الفلسطينية بأداء وظائفها؟! والأهم، لماذا واصل "الرئيس" إصدار قرارات بقوانين بحجة تعطيل المجلس التشريعي وحله لاحقاً، إذا كان هناك، وفق هذا المنطق، برلمان قائم بالفعل؟! واللافت أن الجهات التي تتبنى هذا الطرح اليوم هي ذاتها التي ساهمت، خلال العقود الماضية، بإضعاف مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية وتهميشها لصالح مؤسسات السلطة الفلسطينية. لذلك، يبدو هذا التفسير أقرب إلى محاولة لتكييف الواقع السياسي مع مصالح اللحظة لأصحاب هذا التفسير، منه إلى اجتهاد قانوني متماسك.
ثانياً: إزالة الشروط والقيود غير القانونية على الترشح
بعد معالجة الإشكال القانوني/الدستوري المتعلق بالمجلس التسريعي، وبالتالي إعادة تفعيل المجلس التشريعي بروح توافقية منها انتخاب رئيس جديد له من خارج حركتي فتح وحماس. بعد ذلك، ينبغي أيضاً إلغاء جميع الشروط والقيود غير القانونية مثل الاعتراف بمنظمة التحرير والتزاماتها التي فرضها "الرئيس" على الراغبين بالترشح للانتخابات العامة بموجب قرارات بقوانين. فحق الترشح، شأنه شأن حق الانتخاب، من الحقوق السياسية الأساسية التي لا يجوز تقييدها إلا بقوانين تصدر عن سلطة تشريعية منتخبة، وبالقدر الذي تقتضيه المصلحة العامة، وليس لخدمة اعتبارات سياسية أو فئوية. وإذا كانت بعض هذه القيود قد فرضت استجابة لضغوط خارجية مرتبطة بما يسمى "عملية السلام"، فإن المنطق ذاته يقتضي مطالبة المجتمع الدولي بفرض معايير مماثلة المرشحين لانتخابات الكنيست الإسرائيلي، إذا كان الهدف بالفعل هو حماية فرص السلام. أما تطبيق هذه المعايير على طرف واحد فقط، فإنه يحولها من قواعد قانونية إلى أدوات ضغط سياسي تفتقر إلى العدالة والتوازن.
ثالثاً: أزمة النظام الانتخابي
إن المشكلة الأعمق لا تكمن فقط في توقيت الانتخابات أو في شروط الترشح، وإنما في الطريقة التي جرى بها التعامل مع النظام الانتخابي ذاته. فمنذ إنشاء السلطة الفلسطينية، لم تعرف الانتخابات التشريعية استقراراً في قواعدها. ففي الانتخابات التشريعية الأولى عام 1996، اعتُمد نظام الأغلبية في الدوائر لانتخاب 88 عضواً. وفي الانتخابات الثانية عام 2006 انتقل النظام إلى الصيغة المختلطة لانتخاب 132 عضواً، بواقع نصف المقاعد للدوائر والنصف الآخر للتمثيل النسبي على مستوى "الوطن". أما الانتخابات التي كان من المقرر عقدها عام 2021، فقد تقرر أن تُجرى وفق التمثيل النسبي الكامل، قبل أن تُلغى الانتخابات بقرار فردي من "الرئيس".
واليوم، يُطرح تعديل جديد يرفع أعضاء المجلس التشريعي إلى 200 عضو، مع تداول مقترحات تقضي بالإبقاء على الأعضاء المنتخبين مباشرة من الشعب عند 132 عضواً، وإضافة 68 عضواً بالتعيين، وهو اقتراح يفرغ الانتخابات من مضمونها التمثيلية، ويثير تساؤلات جوهرية حول فلسفة المؤسسة التشريعية ذاتها. وهذا دليل على ارتجال خالٍ من أي مسؤولية، وعبث تخريبي لا يمكن تصديق أنه غير مقصود. إذ يصعب العثور على تجربة ديمقراطية مستقرة تغير نظامها الانتخابي في كل دورة انتخابية. فالنظم الانتخابية ليست أدوات تفاوض بين القوى السياسية، بل قواعد قانونية/دستورية مستقرة يفترض أن تحقق التوازن بين التمثيل والاستقرار والمساءلة. أما عندما تصبح هذه القواعد موضع فرض أو مساومة في كل استحقاق انتخابي، فإنها تتحول إلى وسيلة لإدارة موازين القوى بين "النخب" السياسية، لا إطار ينظم ويعبرعن الإرادة الشعبية. وهنا تكمن إحدى أبرز أزمات النظام السياسي الفلسطيني؛ إذ لم يعد النقاش يدور حول أي نظام انتخابي يخدم المواطنين والدولة، بل حول أي نظام يمنح هذا الفصيل أو ذاك فرصة أفضل لتعزيز نفوذه السياسي.
الفصائل ليست الجهة المناسبة لتحديد قواعد الانتخابات
إن جوهر المشكلة في النظام السياسي الفلسطيني لا يتعلق فقط بشكل النظام الانتخابي، وإنما بمن يملك حق تحديد هذا النظام. فمن غيرالمنطقي أن تكون القوى السياسية التي استفادت من قواعد اللعبة القائمة، وكانت جزءاً أساسياً من حالة الجمود والانقسام وصولاً للتهديد الوجودي، هي نفسها الجهة التي تحدد القواعد التي ستُجرى على أساسها الانتخابات المقبلة.
فالنظام الانتخابي يجب أن يُصمم لخدمة المواطن أولاً، وليس لخدمة الأحزاب والفصائل القائمة. وظيفته الأساسية هي ضمان تمثيل عادل، وإنتاج مؤسسات قادرة على العمل والمساءلة، وليس إعادة إنتاج موازين القوى القائمة أو منح شرعية جديدة لقوى فقدت جزءاً كبيراً من ثقة الجمهور.
لقد أثبتت التجربة أن معظم الفصائل الفلسطينية، بما فيها الفصائل الكبرى، أخفقت في تمثيل تطلعات ناخبيها، وفي تقديم برامج سياسية واضحة وقابلة للتنفيذ، كما فشلت في معالجة الأزمات المتراكمة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني. ولذلك فإن إجراء انتخابات وفق الصيغة التي تفضلها هذه الفصائل لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير حقيقي، بل قد يعيد إنتاج المشهد السياسي ذاته، مع استمرار الانقسام وغياب الإجابة عن السؤال المركزي: ما هو المشروع السياسي الفلسطيني القادر على مواجهة التحديات الحالية؟ وما هي الأدوات اللازمة لتحقيقه؟
أزمة نظام التمثيل النسبي الكامل
يدافع البعض عن نظام التمثيل النسبي الكامل (القوائم) باعتباره النظام الأكثر عدالة، لأنه يضمن تمثيلاً أوسع للأحزاب الصغيرة، ويمنع هيمنة العائلات والعشائر، ويعكس بصورة أفضل تنوع المجتمع السياسي.
غير أن هذه الحجج، رغم وجاهتها النظرية، لا تنسجم بالضرورة مع الواقع الفلسطيني الحالي. فنظام القوائم المغلقة عزز عملياً سلطة الأحزاب والقيادات التنظيمية، وأعطى "النخب" الحزبية قدرة كبيرة على التحكم في ترتيب المرشحين، بحيث أصبح اختيار النائب في كثير من الأحيان قراراً داخلياً للحزب وليس خياراً مباشراً للناخب.
كما أن القول بأن نظام الدوائر يعزز نفوذ العائلات والعشائر لا يستند إلى تجربة انتخابية فلسطينية واضحة. ففي انتخابات عامي 1996 و2006، لم تظهر هيمنة حاسمة للعائلات أو العشائر على نتائج الدوائر الانتخابية. ويرجع ذلك إلى طبيعة المجتمع الفلسطيني الذي، رغم وجود روابط عائلية واجتماعية مهمة فيه، لا يقوم على نظام عشائري مغلق يسمح لعائلة أو عشيرة واحدة بحسم النتائج السياسية في دائرة انتخابية.
بل على العكس، أظهرت التجربة أن الأحزاب والفصائل نفسها هي التي تلجأ إلى العائلات والروابط الاجتماعية لتعزيز فرص مرشحيها، وليس أن العائلات هي التي تفرض نفسها على النظام السياسي.
لذلك، فإن اعتماد نظام القوائم المغلقة على مستوى الوطن قد يؤدي إلى زيادة المسافة بين الناخب وممثله، وإضعاف آليات الرقابة والمساءلة المباشرة، وهي مشكلة لا تقل خطورة عن مشكلة ضعف التمثيل.
دور المجتمع المدني في إعادة تعريف قواعد اللعبة
إذا كانت الفصائل والقوى السياسية غير قادرة أو غير راغبة في إصلاح النظام الانتخابي بما يخدم المصلحة العامة، فإن المسؤولية تنتقل إلى منظمات المجتمع المدني، والنخب الأكاديمية، والفاعلين المستقلين، للدفاع عن حق المواطنين في المشاركة في تحديد قواعد العملية الديمقراطية. فالمطلوب ليس فقط مراقبة الانتخابات بعد تحديد موعدها، بل المشاركة في النقاش حول شكل النظام السياسي الذي ستنتج عنه هذه الانتخابات. فالانتخابات ليست مجرد عملية تقنية تبدأ بالحملات الانتخابية وتنتهي بإعلان النتائج، وإنما هي عملية سياسية تحدد طبيعة المؤسسات التي ستدير المجتمع.
وعليه، ينبغي أن يكون الهدف الأساسي هو بناء نظام انتخابي يعزز ثلاثة مبادئ رئيسية:
الكفاءة: من خلال ضمان وصول الأشخاص الأكثر قدرة على أداء دورهم التشريعي والرقابي.
المساءلة: عبر إقامة علاقة رقابة ومساءلة مباشرة بين الناخب وممثله.
الشفافية: عبر تقليل تأثير الصفقات الداخلية وترتيبات "النخب" الحزبية المغلقة.
البدائل الممكنة للنظام الانتخابي
انطلاقاً من هذه المبادئ، يمكن طرح ثلاثة خيارات رئيسية للنقاش الوطني:
أولاً: العودة إلى نظام انتخابات عام 1996
يقوم هذا الخيار على اعتماد نظام الأغلبية في الدوائر الانتخابية، بما يسمح بانتخاب ممثلين تربطهم علاقة مباشرة بالناخبين.ومن أهم مزايا هذا النظام أنه يفتح المجال أمام المستقلين والشخصيات ذات الحضور المجتمعي، ويجبر الفصائل على اختيار مرشحين يتمتعون بالقبول الشعبي، بدلاً من الاعتماد فقط على التراتبية التنظيمية.
كما أنه يعزز مبدأ المحاسبة، إذ يعرف الناخب بشكل واضح الشخص الذي يمثله، ويمكنه تقييم أدائه في الانتخابات اللاحقة.ثانياً: تطوير النظام المختلط
يتمثل الخيار الثاني في الإبقاء على النظام المختلط الذي جرى اعتماده في انتخابات عام 2006، بحيث يتم انتخاب جزء من المجلس عبر الدوائر، والجزء الآخر عبر القوائم.
لكن ينبغي تطوير هذا النظام من خلال دراسة اعتماد القوائم المفتوحة بدلاً من القوائم المغلقة، بما يمنح الناخب القدرة على اختيار مرشحين محددين داخل القائمة، بدلاً من قبول الترتيب الذي تفرضه قيادة الحزب أو الفصيل.
كما ينبغي إعادة النظر في نسبة الحسم الانتخابي ورفعها إلى مستوى مناسب، مثل 5%، بما يشجع القوى السياسية الصغيرةعلى بناء تحالفات حقيقية، بدلاً من استمرار حالة التشرذم السياسي التي أضعفت الحياة الحزبية الفلسطينية.
ثالثاً: اعتماد نظام القوائم على مستوى الدوائر
أما الخيارالثالث فهو اعتماد نظام القوائم، سواء المفتوحة أو المغلقة، ولكن على مستوى الدوائر الانتخابية وليس على مستوى الوطن كدائرة واحدة. وقد يجمع هذا الخيار بين بعض مزايا نظام القوائم ونظام الدوائر، من خلال الحفاظ على التمثيل النسبي، مع تقوية العلاقة بين النائب والمنطقة التي يمثلها.
الخلاصة
إن النقاش الحقيقي حول الانتخابات الفلسطينية لا ينبغي أن يبدأ من موعد الاقتراع، بل من السؤال الأهم: أي نظام سياسي نريد أن تنتجه هذه الانتخابات؟
فالانتخابات التي تُجرى وفق قواعد صُممت لخدمة القوى السياسية القائمة لن تكون سوى إعادة إنتاج للأزمة نفسها. أما الانتخابات التي تقوم على قواعد عادلة وشفافة، وتمنح المواطن دوراً حقيقياً في اختيار ممثليه ومحاسبتهم، فقد تكون بداية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.
لقد أثبتت التجربة أن تغيير الأشخاص وحده لا يكفي، وأن تغيير الوجوه دون تغيير القواعد سيؤدي إلى استمرار النتائج
ذاتها. لذلك، فإن الأولوية اليوم ليست فقط إجراء انتخابات، بل ضمان أن تكون هذه الانتخابات أداة للتغيير الديمقراطي، لا وسيلة لمنح شرعية زائفة لواقع سياسي فقد قدرته على الاستجابة لتطلعات الشعب الفلسطيني.
قبل أن نذهب إلى صناديق الاقتراع، علينا أن نتفق أولاً على قواعد اللعبة.
#حمادة_جبر (هاشتاغ)
Hamada_Jaber#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟