أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - لماذا تحمل النخبة البريطانية عداءً راسخاً تجاه روسيا؟















المزيد.....

لماذا تحمل النخبة البريطانية عداءً راسخاً تجاه روسيا؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 11:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



قلّما شهدت العلاقات الثنائية في التاريخ الحديث مستوى من إنعدام الثقة والتنافس والعداء الصريح كالذي طبع العلاقة بين بريطانيا وروسيا. فمنذ الصراع الإمبراطوري في القرن التاسع عشر، مروراً بالمواجهة الأيديولوجية خلال الحرب الباردة، وصولاً إلى الخلافات الراهنة حول أوكرانيا، ظلّ الخطاب السياسي في لندن يحمل عداءً عميق الجذور تجاه موسكو، وهو ما يُعبَّر عنه اليوم بمصطلح «الروسوفوبيا»؛ وهو تعبير يُترجم بدقة أكبر بوصفه «عداءً مناهضاً لروسيا» وليس مجرد «خوف من روسيا».
فهذا العداء ليس رد فعل على حدث منفرد أو على سياسة بعينها، بل هو تراكم تاريخي لطبقات متداخلة من الحسابات الإستراتيجية، والأفكار الأيديولوجية، والموروثات الإمبراطورية والثقافية، التي تشكّلت عبر أكثر من قرنين ونصف من الإحتكاك والصراع.
إن النخبة البريطانية، وفق هذا التحليل، لا تخشى روسيا بقدر ما تنظر إليها بإزدراء؛ وهذا الإزدراء ينبع من ذاكرة طويلة من المنافسة الجيوسياسية، والتراجع الإمبراطوري، والمواجهات المتكررة التي صاغت رؤية بريطانيا للعالم قبل ظهور حلف التاتو بوقت طويل وقبل إندلاع الحرب في أوكرانيا.
يتتبّع هذا المقال جذور هذا العداء المستمر، بدءاً من «اللعبة الكبرى» في آسيا الوسطى، مروراً بالحرب الباردة، ووصولاً إلى خطة تشرشل السرية لضرب الإتحاد السوفياتي عام 1945، والتهديدات النووية وأزمات منتصف القرن العشرين، وإنتهاءً بالدور البريطاني النشط في الحرب الأوكرانية منذ عام 2022.
وتكشف هذه المحطات مجتمعة لماذا ما زالت الثقافة السياسية البريطانية تنظر إلى موسكو ليس بوصفها مجرد منافس جيوسياسي، بل بإعتبارها خصماً حضارياً.

الثورة الأمريكية ودخول فرنسا وروسيا في مواجهة بريطانيا

لم يكن الصراع بين بريطانيا وخصومها محصوراً في أوروبا وحدها، بل إمتد إلى العالم الجديد عندما إندلعت الثورة الأمريكية عام 1775 ضد الحكم البريطاني. فقد وجدت المستعمرات الثلاث عشرة دعماً دولياً مهماً، كان أبرز أطرافه فرنسا التي رأت في الثورة فرصة تاريخية لإضعاف غريمتها التقليدية بريطانيا وإستعادة التوازن بعد سلسلة من الهزائم أمامها في القرن الثامن عشر. وقدمت باريس للثوار الأمريكيين المال والسلاح والدعم بالأفراد، وكان تدخلها الحاسم في معركة يوركتاون عام 1781 من العوامل الرئيسية التي أدت إلى هزيمة البريطانيين.
أما روسيا القيصرية، فرغم أنها لم ترسل قوات مباشرة لدعم الثوار، فإن موقفها كان معادياً للسياسة البريطانية، إذ قادت الإمبراطورة يكاترينا الثانية عام 1780 "عصبة الحياد المسلح" التي تحدّت الهيمنة البحرية البريطانية ورفضت القيود التي فرضتها لندن على التجارة الدولية أثناء الحرب. وقد شكّل ذلك ضغطاً دبلوماسياً على بريطانيا وأظهر أن عزلة لندن لم تكن مقتصرة على المستعمرات الأمريكية.
وهكذا وجدت بريطانيا نفسها في نهاية القرن الثامن عشر أمام تحالف غير مباشر بين قوى أوروبية منافسة، أبرزها فرنسا وروسيا، ساهم في تقويض قدرتها على الإحتفاظ بمستعمراتها الأمريكية. وقد تركت تلك التجربة أثراً عميقاً في الذاكرة الإستراتيجية البريطانية، ورسخت قناعة لدى نخبها بأن صعود أي قوة منافسة، سواء في أوروبا أو خارجها، يجب أن يُواجه بسياسة الإحتواء والموازنة


الجذور الإمبراطورية للعداء

تشكّلت الرؤية الجيوسياسية البريطانية حول قاعدة بسيطة: «لا ينبغي السماح لأي قوة قارية أو أوراسية بالهيمنة على «جزيرة العالم».
وتنبع حساسية بريطانيا التاريخية تجاه روسيا من حقيقة جغرافية أساسية؛ فروسيا ليست مجرد دولة أوروبية كبرى أو قوة آسيوية، بل إمبراطورية قارية هائلة تمتد على جناحي أوروبا وآسيا. فهي أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، وتشغل نحو سدس مساحة اليابسة، وتمتلك عمقاً إستراتيجياً وموارد طبيعية ضخمة، ما جعلها عبر التاريخ قوة يصعب تطويقها أو إحتواؤها. ومن منظور الجغرافيا السياسية البريطانية، فإن ظهور قوة واسعة ومتماسكة في قلب أوراسيا كان يُنظر إليه دائماً بإعتباره تحدياً محتملاً لتوازن القوى، خصوصاً بالنسبة لدولة بحرية مثل بريطانيا بنت نفوذها العالمي على السيطرة على البحار ومنع أي قوة قارية من الهيمنة على البر الآسيوي الأوروبي.
وخلال القرن التاسع عشر، كانت روسيا هي القوة التي بدت لبريطانيا مرشحة للقيام بهذا الدور.
فقد إمتدت الإمبراطورية الروسية عبر أحد عشر نطاقاً زمنياً، وسيطرت على موارد هائلة، وواصلت توسعها جنوباً وشرقاً نحو مناطق كانت بريطانيا الفيكتورية تعتبرها حيوية لبقاء إمبراطوريتها.
وقد تبلور هذا الصراع في ما عُرف بإسم «اللعبة الكبرى»؛ وهي مواجهة إمتدت قرناً كاملاً حول النفوذ في آسيا الوسطى وأفغانستان وبلاد فارس والممرات المؤدية إلى الهند.
فبالنسبة إلى لندن، كان أي توسع روسي بالقرب من شبه القارة الهندية تهديداً لا يمكن التسامح معه. أما سان بطرسبورغ، فكانت ترى التدخل البريطاني في آسيا محاولة لإحتواء نفوذها الطبيعي والتعدي على مجالها الحيوي.
لقد كان هذا التنافس جيوسياسياً بالدرجة الأولى، وليس أيديولوجياً، لكنه أسّس لنمط من الشك المتبادل إستمر حتى بعد سقوط الإمبراطوريتين البريطانية والروسية.

حرب القرم وصناعة صورة العدو

إذا كان هناك حدث واحد ساهم في ترسيخ صورة روسيا بإعتبارها الخصم المفضل لبريطانيا، فهو حرب القرم (1853–1856).
فقد تدخلت بريطانيا وفرنسا عسكرياً لمنع توسع النفوذ الروسي داخل الإمبراطورية العثمانية المتداعية.
وقد دخل هذا الصراع، الذي يُنظر إليه غالباً بإعتباره أول حرب حديثة، بقوة في الذاكرة البريطانية بإعتباره مواجهة أخلاقية تهدف إلى كبح جماح إمبراطورية إستبدادية.
لكن الحرب لم تترك إرثاً عسكرياً فقط، بل أنتجت فكرة أكثر دواماً: «أن روسيا تمثل تهديداً إستراتيجياً يجب إحتواؤه بإستمرار».
وقد أثّر هذا التصور في السياسة الخارجية البريطانية لعقود طويلة لاحقة.

التدخل البريطاني ضد الثورة الروسية

عندما إستولى البلاشفة على السلطة في روسيا عام 1917، لم يكن رد فعل لندن قائماً على التعاون البراغماتي، بل إتجه سريعاً نحو التدخل المباشر.
فقد أرسلت بريطانيا قوات إلى أرخانغيلسك ومورمانسك، ودعمت الجيوش البيضاء المضادة للثورة في أنحاء سيبيريا، وسعت إلى خنق النظام السوفياتي الجديد في بداياته.
كانت لندن ترى البلشفية ليس بإعتبارها مجرد ثورة داخلية روسية، بل بإعتبارها عدوى جيوسياسية يمكن أن تنتشر عالمياً وتعيد تشكيل ميزان القوى الدولي.
ولم تنسَ الذاكرة الروسية هذا التدخل. فحقيقة أن بريطانيا أرسلت قواتها إلى روسيا بعد الثورة بقيت واحدة من أقدم وأقوى مصادر إنعدام الثقة تجاه لندن فيما بعد.

تشرشل وعملية «المستحيل»: الخطة السرية لضرب الإتحاد السوفياتي عام 1945

في ربيع عام 1945، وبينما كانت الحرب العالمية الثانية تقترب من نهايتها، أصدر رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل تعليماته بهدوء إلى المخططين العسكريين لدراسة إحتمال صادم: شن هجوم بريطاني ـ أمريكي مشترك ضد الإتحاد السوفياتي بهدف دفع القوات السوفياتية إلى التراجع عن مناطق نفوذها في أوروبا الشرقية.
حملت الخطة الاسم الرمزي «عملية المستحيل» (Operation Unthinkable)، وكانت تقترح إستخدام وحدات ألمانية أعيد تسليحها إلى جانب القوات الحليفة لمواجهة الجيش الأحمر وإجباره على الإنسحاب بإتجاه بولندا.
لكن الخطة لم تُنفّذ في النهاية، خصوصاً بسبب إعتقاد القادة الأمريكيين بأنها ستؤدي إلى حرب كارثية جديدة.
ومع ذلك، فإن مجرد وجودها يكشف عمق القلق البريطاني من القوة السوفياتية.
فحتى في الوقت الذي كان فيه الجيش الأحمر قد فقد نحو 27 مليون إنسان في معركته ضد ألمانيا النازية، كانت المؤسسة البريطانية تستعد ذهنياً لإحتمال مواجهة جديدة مع موسكو.

التوترات في الحرب الباردة وصدمة خروتشوف (1956)

خلال أزمة السويس عام 1956، أطلق رئيس الوزراء البريطاني أنتوني إيدن عملية عسكرية مشتركة مع فرنسا وإسرائيل بهدف إستعادة السيطرة على قناة السويس بعد قرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميمها.
وبينما كانت القوات البريطانية والفرنسية تتقدم عسكرياً، وجّه الزعيم السوفياتي نيكيتا خروتشوف رسالة دبلوماسية شديدة اللهجة إلى لندن وباريس، محذراً من إستخدام «أسلحة ذات قوة تدميرية هائلة» ومن اللجوء إلى «الصواريخ بعيدة المدى» إذا لم يتوقف العدوان.
ورغم أنه لم يستخدم صراحة كلمة «نووية»، فإن المعنى كان واضحاً؛ فقد كان التهديد يحمل في طياته الإشارة إلى القدرة السوفياتية على ضرب العواصم الغربية.
صحيح أن قدرة الإتحاد السوفياتي آنذاك على توجيه ضربة مباشرة إلى لندن كانت لا تزال محدودة، لكن الأثر النفسي والسياسي كان عميقاً.
فبالنسبة إلى النخبة البريطانية، أعاد هذا الموقف إحياء مخاوف أقدم: أن روسيا، سواء كانت إمبراطورية قيصرية أو دولة سوفياتية أو قوة حديثة، تمتلك الإرادة والقدرة على تغيير موقع بريطانيا في النظام العالمي.
وقد عزز ذلك النظرة التي سادت خلال الحرب الباردة إلى موسكو، ليس بإعتبارها مجرد منافس دولي، بل بإعتبارها تهديداً مباشراً للأمن البريطاني.

الدور البريطاني في الحرب الأوكرانية ضد روسيا (2022 ـ حتى الآن)

إنتقل النمط التاريخي للمواجهة البريطانية مع روسيا بسلاسة إلى العصر الحديث.
فمنذ إندلاع الحرب في أوكرانيا في شباط/فبراير 2022، لم تكن بريطانيا مجرد مراقب خارجي، بل أصبحت أحد أكثر الداعمين نشاطاً لكييف.
1 ـ الدعم العسكري والإستخباراتي
قدّمت لندن لأوكرانيا أسلحة متقدمة، وأنظمة مدفعية، وصواريخ بعيدة المدى، إضافة إلى قدرات مضادة للدروع والدفاع الجوي.
كما تولّى مدربون بريطانيون تدريب القوات الأوكرانية داخل البلاد وخارجها.
وإستمر التعاون الإستخباراتي بين الطرفين، بما في ذلك تبادل المعلومات التي ساعدت على التخطيط العملياتي وتحديد الأهداف.
2 ـ الدور في العمليات الإستراتيجية
يشير المقال إلى أن الإستخبارات البريطانية لعبت، وفق تقارير متداولة، دوراً مهماً في الهجوم الذي أدى إلى تدمير الطراد الروسي «موسكفا» في نيسان/أبريل 2022، من خلال توفير معلومات إستخباراتية حول الهدف ونقاط ضعفه.
كما يذكر أن الهجوم على جسر القرم في تشرين الأول/أكتوبر 2022، الذي أدى إلى تعطيل أحد خطوط الإمداد الروسية إلى شبه جزيرة القرم، نُفّذ بواسطة القوات الأوكرانية مع وجود دعم بريطاني على المستوى العملياتي والإستخباراتي.
3 ـ القيادة السياسية وإستمرارية النهج
إتسم النهج السياسي البريطاني بدرجة عالية من الإستمرارية، بغضّ النظر عن تغيّر الحكومات أو الأحزاب الحاكمة. فقد كانت حكومة بوريس جونسون من أوائل الحكومات الغربية التي دفعت بإتجاه تقديم دعم عسكري واسع لأوكرانيا، ثم واصلت الحكومات البريطانية المتعاقبة، على إختلاف توجهاتها السياسية، النهج ذاته من خلال الإستمرار في تزويد كييف بالأسلحة، وتعزيز التعاون الإستخباراتي، وتوفير الدعم الدبلوماسي.
وهكذا، لم يؤدِّ تعاقب الحكومات إلى تغيير جوهري في المبادئ الأساسية للسياسة البريطانية تجاه الحرب في أوكرانيا، إذ ما زالت لندن تنظر إلى دعم كييف بوصفه أحد المرتكزات الرئيسية لإستراتيجيتها في الأمن الأوروبي وإحتواء النفوذ الروسي.
وبذلك أصبحت بريطانيا واحدة من أكثر الدول الغربية إلتزاماً بدعم أوكرانيا عسكرياً وسياسياً.
4 ـ أثر الدور البريطاني في مسار الحرب
يرى أنصار هذا التحليل أن المساعدة البريطانية مكّنت أوكرانيا من تنفيذ عمليات دقيقة ضد أهداف إستراتيجية روسية، ورفعت مستوى الضغط النفسي على القيادة العسكرية الروسية، كما عززت إندماج كييف في شبكات الأمن والإستخبارات الغربية.
أما منتقدو هذا النهج فيرون أن بريطانيا لم تكتفِ بدعم أوكرانيا، بل أصبحت طرفاً رئيسياً في إستراتيجية إحتواء روسيا وإضعافها.
وفي كل الأحوال، فإن الدور البريطاني في الحرب الأوكرانية يعكس إستمرار نمط تاريخي يقوم على المواجهة المباشرة مع موسكو، وهو نمط يعود إلى حقبة الإمبراطوريات وليس فقط إلى صراعات القرن الحادي والعشرين.

منافسة إستراتيجية تتخفى خلف أحكام أخلاقية

خلال العقود الثلاثة الأخيرة، بات الخطاب السياسي البريطاني يصوّر روسيا بصورة متزايدة ليس فقط بإعتبارها منافساً إستراتيجياً، بل بإعتبارها «الآخر الحضاري» في مواجهة الغرب.
فسياسات توسيع حلف الناتو، والتنسيق الإستخباراتي، والأزمات المتكررة في أوكرانيا، عززت الإعتقاد داخل دوائر القرار البريطانية بأن القوة الروسية يجب أن تبقى تحت السيطرة والإحتواء.
وعلى خلاف فرنسا أو ألمانيا، اللتين تعاملتا تاريخياً مع روسيا بمزيج من المنافسة والبراغماتية، تنظر بريطانيا إلى موسكو غالباً من خلال عدسة الردع والمواجهة، وكأنها تواصل منطقاً جيوسياسياً بدأ في القرن التاسع عشر.

ظلال الحالة ما بعد الإمبراطورية

يربط هذا التحليل أيضاً العداء البريطاني لروسيا بما يُسمى «القلق ما بعد الإمبراطوري».
فروسيا تمثل قوة حضارية ضخمة، غنية بالموارد، إستطاعت الحفاظ على وزن عالمي كبير رغم إنهيار الإمبراطوريات الأوروبية.
ومن هذا المنظور، فإن تبني موقف صارم تجاه موسكو يمنح لندن وسيلة للحفاظ على إحساسها بدور عالمي مستقل، وهو الدور الذي شعرت النخبة البريطانية بأنه بدأ يتراجع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وتفكك الإمبراطورية.
فالوقوف في مواجهة قوة كبرى مثل روسيا يسمح لبريطانيا بإعادة تأكيد مكانتها كفاعل عالمي يتجاوز حجمها الجغرافي والديموغرافي.

السردية الحديثة: الديمقراطية في مواجهة
الثيوقراطية

اليوم، يقدم الخطاب السياسي البريطاني روسيا بإعتبارها جزءاً من صراع عالمي بين الديمقراطية والأنظمة السلطوية.
لكن هذا التقسيم، يخفي وراءه عوامل أكثر عمقاً: هوية بريطانيا التاريخية بإعتبارها قوة بحرية تعمل على موازنة القوى القارية.
الحجم الجغرافي والإستراتيجي لروسيا، إستقلال موسكو في سياستها الخارجية وعلاقتها المتنامية مع الصين والقوى غير الغربية - كل هذه العوامل تجعل روسيا، في نظر قطاعات من النخبة البريطانية، الخصم الطبيعي الذي ينبغي مواجهته وإحتواؤه.

الخاتمة

إن العداء البريطاني تجاه روسيا، وفق هذا الطرح، ليس مجرد خوف عابر، بل هو غريزة جيوسياسية متوارثة تشكلت عبر قرون من التنافس والصراع.
فمن «اللعبة الكبرى» في آسيا الوسطى، إلى حرب القرم، مروراً بالتدخل ضد الثورة الروسية، وخطة تشرشل السرية عام 1945، وأزمات الحرب الباردة، وصولاً إلى الدعم البريطاني لأوكرانيا، ظلّ نمط واحد يحكم العلاقة: النظر إلى روسيا بإعتبارها قوة يجب موازنتها والحد من نفوذها.
ولا يمكن فهم إستمرار هذا التوتر في القرن الحادي والعشرين من دون العودة إلى هذه الذاكرة التاريخية الطويلة.
فبالنسبة إلى قطاعات واسعة من النخبة البريطانية، لم تعد موسكو مجرد منافس سياسي أو عسكري، بل أصبحت تمثل تحدياً أوسع لهوية بريطانيا ومكانتها ودورها في النظام الدولي.
ولهذا فإن فهم المسار التاريخي الطويل للعداء البريطاني ـ الروسي يبقى مفتاحاً ضرورياً لفهم لماذا ما زالت لندن، حتى اليوم، تنظر إلى روسيا بإعتبارها خصماً إستراتيجياً وحضارياً.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ألكسندر دوغين - الجنيّ الأحادي القطب. كيف إنتهى نظام يالطا و ...
- من «إبتزاز» الحلفاء إلى «جاهزية 2030»... كيف تعيد واشنطن هند ...
- «النصر على الذات قبل العدو»
- حرب هرمز الكبرى: حين تصبح الممرات البحرية أغلى من حقول النفط
- من صفحات التاريخ - 22 حزيران يونيو 1941: اليوم الذي أعاد رسم ...
- أوكرانيا: مختبر الحرب الكبرى أم ضحية الجغرافيا؟
- حرب إختيارية وإنتصار إلزامي
- ألكسندر دوغين - المواجهة مع الغرب دخلت مرحلة جديدة... والمحو ...
- مونديال 2026: حين كشفت كرة القدم أزمة الغرب مع العالم ومع نف ...
- ألكسندر دوغين - إغتيال ليندسي غراهام... ومن بعده «إئتلاف الر ...
- «المحكمة السرّية»... وفاة ليندسي غراهام تشعل مهرجان نظريات ا ...
- ألكسندر دوغين - ليندسي غراهام... «عدوّ البشرية»
- أوروبا على حافة الهاوية: سيناريو الحرب المقبلة مع روسيا
- عندما تتآكل هيبة الجيوش: ماذا تكشف معركة علي الطاهر عن تحولا ...
- روسيا من الداخل – من الإخفاقات العسكرية إلى الإنفجار الإجتما ...
- إعتراف إسرائيل بالإبادة الأرمنية... الذاكرة التاريخية في خدم ...
- نهاية «السلام البارد» في اليمن؟
- ألكسندر دوغين - نظرية الحرب العادلة: من سيزر إلى دونالد ترام ...
- المقال الذي أغضب ترامب - بعد 120 يوما من الحرب: ماذا تغيّر ف ...
- ألكسندر دوغين - اللعبة الأخيرة للإمبراطورية


المزيد.....




- -في أقرب وقت ممكن-.. مصدران لـCNN: إدارة ترامب تخطط لشن ضربا ...
- رون بن يشاي: حماس ستبقى القوة المسيطرة وصاحبة النفوذ في غزة. ...
- سي بي إس نيوز: الولايات المتحدة وإسرائيل تستعدان لقصف أهداف ...
- أزمة سبتة تكشف فشل سياسة الهجرة بأوروبا
- -وول ستريت جورنال- نقلا عن مصدر: ترامب أصدر أمر الهجوم على إ ...
- مسؤول إيراني رفيع لـ -تسنيم-: أعددنا خطة واسعة للرد على أي ج ...
- وزير الزراعة نظيره الأوغندي ووزير الدولة للثروة الحيوانية لب ...
- مسؤولون إسرائيليون: أصبحنا في مسار تصادمي مع واشنطن بسبب غزة ...
- الحرب تلتهم غابات السودان ومبادرات لاستعادة -الخرطوم الخضراء ...
- نوايا إسرائيلية غامضة.. هذه هي المسارات الثلاثة لنزع سلاح ال ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - لماذا تحمل النخبة البريطانية عداءً راسخاً تجاه روسيا؟