أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - هنري كيسنجر ونظام صدام حسين: هندسة الانعطاف الكبير - كيف شكل ربيع 1975 مصير المنطقة؟















المزيد.....

هنري كيسنجر ونظام صدام حسين: هندسة الانعطاف الكبير - كيف شكل ربيع 1975 مصير المنطقة؟


عزالدين بوغانمي
(Boughanmi Ezdine)


الحوار المتمدن-العدد: 8782 - 2026 / 7 / 30 - 02:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عدّة أصدقاء بعثيين، وبعثيين سابقين، واحلين في الموقف من الحرب على إيران، وفيهم من يتطابق موقفه مع موقف نتنياهو بسبب الجمود والتعامل مع التاربخ بالغرائز.
بعضهم أصدقائي، أحبّهم، وكنا في الجبهة معًا. ولذلك مضطر أنصحهم بأن لا يُبالغوا في اعتبار نظام صدام حسين نظامًا ملائكيًّا. بالعكس الآن وقد مرّت سنوات على سقوط تجربة البعث، من واجبنا أن نراجعها، ونقف على حقائقها، ونتخلّص من العنف الفكري والايديولوجي الذي سُلِّط علينا حين كنّا شبابا متحمّسًا.

لا شكّ أن النظام البعثي في العراق كانت له مواقف وأدوار وطنية. ولكنه كان نظامًا طُغيانيا، تجاوز الاستبداد بجرائم خيالية. وأيضًا كان أداة بيد الإدارة الأمريكية في أخطر مرحلة مرّ بها الوطن العربي. هذا يجبُ أن يقال بقطع النّظر على أنّه آستُخدِم أو لعب ذلك الدور عن وعي. وبهذه المناسبة أودّ العودة بهم إلى بداية سبعينات القرن الماضي، ودور السلطة العراقيه في ذلك الحين إزاء مشروع التسوية الذي قاده وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر.

ثلاثة أحداث كبرى في ربيع 1975

شهد عام 1975 ثلاثة أحداث تبدو متفرقة، غير أنّ أسرارها التي ستتكشّف لاحقا توحي بترابطها على نحو جعلها بمثابة عملية جراحية دقيقة رسم معالمها هنري كيسنجر في إعادة حياكة الجغرافيا السياسية للمنطقة، بما يخدم المشروع الأمريكي، وفي قلب هذا المشروع أمن إسرائيل.

سعى السوفيت، في حقبة الستينيات من القرن العشرين، إلى الحصول على موطئ قدم لهم في منطقة الشرق الأوسط، وإلى كبح خصمهم في هذه المنطقة التي كانت تعد آنذاك منطقة نفوذ غربي في المقام الأول، مستغلين انشغال الولايات المتحدة بالحرب في فيتنام، والانسحاب البريطاني من شرقي السويس الذي تم الإعلان عنه منذ عام 1968، فقام السوفييت بمد جسور التعاون والصداقة مع الدول الأسيوية القريبة من حدودهم، وكان العراق في مقدمة هذه الدول، حيث عُقدت معاهدة الصداقة والتعاون بين العراق والاتحاد السوفيتي في التاسع من أفريل عام 1972 والتي اعتبرت نصرا رمزيا ومعنويا للسوفيت في حلبة الحرب الباردة، لما قد يترتّب عليها من نتائج خطيرة وبعيدة المدى تتعدّى تأثيراتها طرفي الاتّفاق، لتؤثّر على صراع القطبين في منطقة الشرق الأوسط بمجمله

ونتيجة لذلك تصاعدت التحركات الأمريكية للتصدي لتحقيق الأهداف السوفيتية في العراق، أو السيطرة على صناعة النفط العراقية، وقد تُرجم ذلك في قرار إدارة نيكسون في منتصف عام 1972 بدعم المتمردين الأكراد في محاولة للإطاحة بنظام البعث (حليف السوفييت)، أو على الأقل إضعافه وزعزعة استقراره حتى يصبح قابلا للاحتواء. وتكشف الوثائق الأمريكية المفرج عنها تحركات سرية قام بها صناع القرار الأمريكيين ضد النظام العراقي في تلك الفترة بالتعاون مع أطراف عربية وإقليمية بلغت إلى وضع خطة للإطاحة بالنظام، غير أن الأمريكان كانوا يخشون سقوط البعث في ظل القوة الجماهيرية الضاربة للحزب الشيوعي العراقي، ولذلك انحصرت سياستهم في إضعاف النظام بما يسمح بوقف النفوذ السوفيتي الذي أخذ يتعاظم آنذاك في منطقة الشرق الأوسط، دون التورّط في إسقاط الحكم البعثي. واستمرّ الضغط حتى أثمر ثماره، وحان قطافها.

بعد حرب 1973 نجحت جولات هنري كيسنجر المكوكية في تحويل النصر العسكري المصري إلى نصر سياسي إسرائيلي. ولكنه فشل في إقناع الرئيس حافظ الأسد بالانخراط في اتفاقية سيناء واحد. وبعد أن حاول بجميع الأساليب جرّ سوريا إلى مسار التسوية، إذ زار دمشق ثماني وعشرين مرة دون جدوى، وصل الأمريكان إلى قناعة مفادها أن دمشق ستُعرقل مشروع التّسوية. وهكذا بدأ تنفيذ الخطة "ب" التي ستكون فيها العراق وإيران والحركة الكردية والمملكة الأردنية والعربية السعودية بعضها مسارحًا، وبعضها أدوات، وبعضها الآخر خيوط ربط خفية بين أطراف لُعبة إقليمية يقودها كيسنجر من وراء السّتار.

الحدث الأول: توقيع اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران في 6 مارس 1975، تخلّى فيها العراق عن شط العرب، مقابل توقّف الشاه عن دعم التمرد المسلّح للأكراد في شمال العراق بقيادة مصطفى البارزاني.

تعود جذور اتفاقية الجزائر إلى النزاع الطويل بين العراق وإيران حول اتفاقية 1937 الخاصة بترسيم الحدود في شط العرب، فبينما أصرت بغداد على سيادتها الكاملة، رفضت طهران هذا التفسير مطالبة بأن يكون خط التالوك هو الحد الفاصل بين البلدين. ومع تصاعد التوتر بسبب الدعم الإيراني الأمريكي المستمر للثورة المسلحة الكردية في شمال العراق، والذي اندلعت سنة 1972 مباشرة بعد اتفاقية التعاون التي أبرمها العراق مع الاتحاد السوفياتي. وشهدت الأعمال العسكرية الكردية ذروتها عام 1974 حين أعلنت بغداد "قانون الحكم الذاتي للأكراد" ورفضته القيادة الكردية بضغط امريكي، واشتعلت الحرب في شمال العراق، ما وضع بغداد تحت ضغط شديد، كما بدأت الاشتباكات في أوت 1974 بين العراق وإيران في المناطق الحدودية، وكثفت الولايات المتحده من دعمها للمُلّا مصطفى البارزاني. وكانت الحرب تُكلّف الحكومة العراقية خسائر كبيرة، حيث تنفق يوميا حوالي عشرة ملايين دولار أمريكي، فضلا عن الخسائر البشرية، وبات واضحا أن الجيش العراقي لم يعد قادرا على إحراز أي تقدم جديد ضد الكرد. وبدأ صدام حسين نائب رئيس الجمهورية العراقية الاتصال بالأمريكان عبر الملك حسين وأنور السادات وطالب شبيب مبعوث العراق لدى الامم المتحدة. بالتوازي مع ذلك بدأ العراق يعرض بشكل غير مباشر إمكانية تعديل الحدود في شط العرب مقابل قيام إيران بقطع مساعداتها عن الكرد، وهذا ما لاقى استحسان الشاه.

انسجاما مع تلك التوجهات قامت الحكومة الجزائرية في شهر أوت 1974 بعقد اجتماع ضم وزيري خارجية العراق وإيران، نوقش خلاله العديد من القضايا كان أبرزها قضية شط العرب، باعتبارها من أبرز القضايا التي من الممكن أن تدفع إيران إلى الجلوس على مائدة المفاوضات مع الحكومة العراقية. وفي مؤتمر القمة العربية الذي عُقد بالرباط في المملكة المغربية بين يومي 26 و 28 نوفمبر 1974 عرض صدام حسين قضية العلاقة مع إيران، وتعهد الملك حسين بالقيام بدور الوساطة بين البلدين. كما نشطت وساطة مصرية من خلال حثّ أنور السادات الشاه على حل الخلافات مع العراق. ولعلنا لا نحتاج دليلا على أن التحرك الأردني والمصري بشكل خاص، في ذلك الوقت، كان بضوء أخضر وإيعاز أمريكي لا شكّ فيه، خصوصًا وأن هذه الوساطات تزامنت مع قرار أمريكي بشأن إيقاف المساعدات إلى الحركة الكردية، إذ نجح كيسنجر في ترسيخ الاعتقاد في دوائر صنع القرار الأمريكي بأن تسوية النزاع بين إيران والعراق خطوة مهمة لاحتواء النظام العراقي، وإبعاده عن الفلك السوفييتي وتحويله إلى أداة لخدمة مخططات الولايات المتحدة الاستراتيجية في المنطقة.

لم تكتف إدارة جيرالد فورد بتنشيط تلك الوساطات المستمرة التي كانت تجري تحت أعيُنها، بل طار وزير خارجيتها كيسنجر من القاهرة إلى جينيف أيام قليلة قبل إمضاء الاتفاقية ليلتقي الشاه في زويخ، الذي قطع عطلة التزلّج، وعاد في اليوم الموالي إلى طهران، ليبيت ليلة واحدة ويذهب إلى الجزائر يوم 6 مارس 1975 حيث ينعقد مؤتمر الأوبيك. وعلى هامش المؤتمر التقى الشاه وصدام وتم الاتفاق.

بعد إعلان اتفاقية الجزائر في 6 مارس 1975، حاولت إدارة جيرالد فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر أن تظهر بمظهر "المحايد". لكن خلف اللغة الدبلوماسية، كانت واشنطن قد مارست دورا خفيًا ومباشرًا في الضغط على الشاه الإيراني لوقف دعمه للأكراد. فحسب وثيقة لوكالة الاستخبارات الامريكية بتاريخ 12 مارس 1975 ، جاء فيها: "لقد تم إبلاغ الشاه أن استمرار دعمه للحركة الكردية قد يضر بعلاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وأن واشنطن ترى في التسوية مع العراق وسيلة لإضعاف النفوذ السوفيتي في المنطقة". كما أظهرت وثائق الخارجية الأمريكية مذكرة بتاريخ 8 مارس 1975 صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية إلى سفيرها في طهران، أشارت فيها إلى أن اتفاقية الجزائر أنهت عمليا إمكانية استمرار الدعم العسكري للأكراد في شمال العراق. وهي فرصة لتقارب العراق مع الغرب وابتعاده عن محور موسكو ، كما أن "انتهاء ثورة الأكراد قد أزال أحد العوائق التي كانت تعرقل تطوير العلاقات الأمريكية - العراقية، فالعراق اليوم يعتقد أن العلاقة مع الولايات المتحدة أساسية".

بالتزامن مع ما سبق ذكره آستؤنفت العلاقات التجارية بين أمريكا والعراق المنقطعة منذ حرب 1967. ففي فيفري 1975 أبرمت الحكومة العراقية عدة عقود، أهمها عقد مع شركة بوينغ بقيمة 225 مليون دولار، ومع ذلك شككت الولايات المتحدة بإمكانية عودة العلاقات الرسمية مع العراق [ما لم يحصل تغيُّر جوهري في مجمل سياسة بغداد الشرق أوسطية، وبخاصة إزاء النزاع العربي الإسرائيلي]. ولن تُستأنف العلاقات رسميا إلا سنة 1984 في ذروة الحرب مع إيران.

كانت الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الحين، وخصوصًا كيسنجر واثقًا من أن شعور صدام حسين بتحرّره من ضغط الثورة الكردية سوف يندفع ضد حافظ الأسد عدوّه اللّدود، وقد تشجعه إيراداته النفطية على ذلك، فقد حصل في عام 1974 على نحو 6.5 مليار دولار من مبيعات النفط والغاز. وهذا سيساعد الأمريكان على معالجة العراقيل في ملف الصراع العربي - الصهيوني خاصة على مسارها السوري ، وسيخفف الضغط المحتمل على اسرائيل في جبهة الجولان. لذلك عمل كيسنجر على اجتذاب العراق في الدخول في مفاوضات تعد الأهم في السياسة العراقية في ذلك الوقت، فقد حدثت لقاءات عديدة لمسؤولين عراقيين مع الولايات المتحدة أهمها لقاء بين كيسنجر وطالب شبيب ممثل العراق الدائم في الامم المتحدة، في مدينة نيويورك، وكان ابعاد النفوذ السوفيتي واعتدال موقف العراق بالنسبة لحل القضية الفلسطينية شرطين لإعادة العلاقات الرسمية مع العراق. ولطمأنة الجانب الأميركي، قدم طالب شبيب وعودا بأن صدام حسين سوف يبتعد عن الاتحاد السوفيتي ويحارب الشيوعية في العراق من خلال القضاء على الحزب الشيوعي، فضلا عن الدور المفترض للحكومة العراقية في ساحة الصراع العربي - الإسرائيلي.
وبالفعل كان لهذه الخطة ما تلاها. فقد نجح نظام البعث في إبادة الشيوعيين وإنهاء دور أكبر حزب وطني في العراق منذ الأربعينات.

من جهة أخرى، كان هنالك تقارب سوري - أردني إلى حدود عام 1975 بقيادة رئيس الوزراء زيد الرفاعي. لكن سرعان ما تغير المشهد. حيث تولى مضر بدران رئاسة الوزراء في سنة 1976 (المعروف بعدائه لحافظ الأسد)، فأدخل الأردن في دائرة تآمر ضد الأسد، من خلال توظيف الإخوان المسلمين السوريين في إطار تعاون استخباراتي أردني - عراقي بلغ ذروته في أحداث حماة عام 1982. وكما هو معلوم أصبح الأردن أرضا للتدريب والتسلل للإخوان الذين دخلوا سوريا ونفذوا عمليات اغتيال كبرى، أبرزها اغتيال طلبة الكلية العسكرية في حلب، حيث قُتل تسعة وأربعون شخصا، تلتها عملية تفجير سيارة مفخخة في حديقة الأزبكية في دمشق، والتي راح ضحيتها نحو مئتي شخص. وقد أدار هذه العمليات نزار حمدون تحت إشراف سبعاوي إبراهيم التكريتي (أخو صدام غير الشقيق). وكان الأمريكان على علم بهذه العمليات بالتفاصيل.

عودة على اتفاقيه الجزائر وما رافقها من أحداث مباشرة. لم ينتظر الشاه طويلا لوضع ما تم الاتفاق عليه في الجزائر موضع التنفيذ فما أن عاد إلى طهران مساء 6 مارس عام 1975 حتّى عقد اجتماعا سريعا مع رئيس أركان الجيش الايراني غلام رضا ازهري في ذلك الوقت، ليأمره بسحب جميع الوحدات العسكرية الايرانية العاملة في العراق بعتادها وذخائرها ومدفعيتها بدون انذار مسبق، وترافق ذلك مع بدء القوات العراقية هجوما كبيرا ضد الكرد أدى الى تهجير اكثر من 200 الف کرديا. ثم قامت السلطة العراقيه بتنفيذ سياسة تعريب واسعة في كركوك والمناطق المتنازع عليها، مستفيدة من غياب المقاومة .
ونتيجة لكل ذلك انهارت قوات البيشمركة خلال أسابيع واضطر المُلّا مصطفى البارزاني الى اللجوء إلى إيران بعد أن رُفضت زيارته لواشنطن، وبعد أن بعث برسالة استغاثة الى وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر في 10 مارس 1975 قال فيها: "لقد وعدتنا الولايات المتحدة بالدعم طالما وقفنا ضد بغداد، والآن ترك شعبنا يواجه الإبادة"، لكن الرد الأمريكي كان صادمًا، فحين سُئِل كيسنجر في الكونغرس "لماذا خذلتم الأكراد؟" قال قولته الشهيرة: "السياسة ليست عملًا خيريا". وقد مثل هذا الموقف صدمة عميقة للأكراد، ورسخ لديهم قناعة بأن الولايات المتحدة تنظر إلى قضيتهم بمنظور مصلحي بحت، فاستعملتهم كورقة ضغط لفرض الإذعان على نظام البعث في العراق.

الحدث الثاني: آغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز يوم 25 مارس 1975 على يد فيصل بن مساعد، الذي كان يدرس في أمريكا.
يعني بعد أقل من ثلاثين يوما على اتفاق الجزائر، وتحديدا في 25 مارس 1975، آغتيل الملك الذي مثّل عقبة مالية ومعنوية أمام المخطط الأمريكي، والذي، ظل متمسكا بحقوق الشعب الفلسطيني، مُردّدًا في كل مناسبة عبارته المعروفة"أريد أن أُصلّي في القدس". والملك فيصل على خلاف كل حكام الخليج كان مستعدًّا للاختلاف مع الولايات المتحدة دفاعا عن حقوق العرب والمسلمين، كما فعل حين استخدم سلاح النفط في حرب 1973. وبخروجه من المشهد، تشتت الموقف العربي، وفُتح الطريق أمام كيسنجر وأنور السادات نحو التسوية التي بلغت ذروتها بزيارة القدس عام 1977.

الحدث الثالث، هو اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في 13 أبريل 1975.
اندلعت الحرب بحادثة حافلة عين الرمانة، لتغرق سوريا في وحل استنزافي على حدودها الغربية. إذ وضعتها تحت ضغط غير مسبوق. فدمشق التي يُفترض أن تدعم الفلسطينيين المتحالفين مع الجبهة الوطنية اللبنانية في حربها ضد القوى اليمينية المسيحية، وجدت نفسها في مأزق وما عادت تعرف ماذا تفعل. إذا دعمت الفلسطينيين وحلفائهم في لبنان هناك خطر من التدخل الاسرائيلي والأمريكي لحمايه المسيحيين. وإذا لم تتدخل وانتصر المسيحيون بمساعده إسرائيل وأمريكا على الفلسطينيين والمسلمين، تصبح سوريا مكشوفة ويتهدد أمنها. فاندفع حافظ الأسد يحمي المسيحيين، لقطع الطريق على التدخل الاسرائيلي والغربي لحمايتهم.

هكذا يكون تزامن اتفاقية الجزائر، واغتيال الملك فيصل، واندلاع الحرب الأهلية اللبنانية ثلاثة أحداث كبرى وقعت في ظرف شهرين، ومثلت منعطفا استراتيجيًا في الساحة الإقليمية لصالح مسار التسوية على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.

مع قيام الثورة الإيرانية في (1978 - 1979) وطرد الشّاه، رأى صدام أنّها تهديد وجوديّ لنظامه. ورأت الولايات المتحدة أن العراق يمكن أن يلعب دورا مهما في إسقاط الثورة. وكان الملك حسين وسيطًا محوريًا في تشجيع صدام على المواجهة. في البداية ساد اعتقاد بأن الجيش الإيراني قد ينقلب على الثورة، فجلبوا الجنرالات الإيرانيين الموالين للشاه، منهم (خسرو داد) قائد المظليين، وكذلك (أردشير زاهدي) وزير الخارجية وسفير إيران مرتين إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وزوج (شهناز) ابنة الشاه. جلبوهم من باريس إلى بغداد قبل الحرب بأسابيع، لمحاولة تحريك انقلاب في إيران، لكن تبيّن أن الأمور حُسمت، والجيش بصدد التفكّك.

اندلعت الحرب، وبالرغم من أن الولايات المتحدة لم تدعم العراق عسكريا إلا في 1983 حين وصل الجيش الإيراني على مشارف البصرة، فإن دعمهم كان منذ البداية، ولكن بطريقة غير مباشرة. فقد تولى الملك حسين تزويد العراق بالسلاح بغطاء سري. ومن التفاصيل الدقيقة التي وردت على لسان المسؤولين أنفسهم، أن الأردن تولى صفقة المدافع النمساوية عيار 155 ملم، والتي كان صدام قد تعاقد عليها لكنها توقّفت، فأبرم الأردن العقد بالنيابة بزعم أنها للجيش الأردني ثم نقلها للعراق. كما وصلت الطائرات المحملة بالذخيرة من مصر إلى العراق عبر الأردن، وقامت السعودية والكويت بتمويل صفقات سلاح وصلت مباشرة إلى الجيش العراقي. ولا شكّ أن الأمريكي كان يعلم كل تلك الأمور.

لاحقا، عندما شعر الامريكان أن الجيش العراقي على وشك الانهيار أمام الهجوم الإيراني، أُرسلت ضباط من وكالة المخابرات المركزية إلى العراق لتزويد القيادة العسكرية بصور الأقمار الصناعية للجبهات، لمعرفة أماكن تقدم الإيرانيين وتحركات قواتهم وخطوط دعمهم ومستودعات أسلحتهم وذخائرهم. وقد كُشفت هذه الوقائع لاحقًا في مذكّرات عديدة وردت متطابقة لمسؤولين وعسكريين عراقيين وضباط مخابرات أمريكيين.

بكل الأحوال، اليوم لم بعد سرّا أن صدام تحالف مع الغرب، وأن نزار حمدون هو من كان يدير المصالح العراقية في واشنطن بميزانية واسعة، تمكن من خلالها من اختراق مراكز القوة الأمريكية بما في ذلك تلك التابعة للّوبي الصهيوني.

هكذا تتكامل الصورة: كيسنجر حرر صدام في الشرق وجعل منه أداة ضغط على سوريا، واغتيال فيصل أنهى أي دعم مالي عربي مستقل لمواجهة أمريكا، وحرب لبنان أوقعت الأسد في وحل استنزافي. وفي الخلف، كانت المملكة الأردنية تلعب دور الحلقة المركزية: داعمين للإخوان ضد الأسد، ووسطاء لصفقات، ووسيطا بين الاستخبارات الأمريكية والقيادة في بغداد، وممولين ومشرفين على إمدادها بالمال والعتاد لتستمر في حربها ضد إيران.

كانت الأشهر القليلة من مارس إلى ماي 1975 لحظة الانعطاف التي حوّلت سوريا من دولة رافضة للتسوية، إلى دولة محاصرة تترنح بين صدام في الشرق، ولهيب بيروت في الغرب، وغياب فيصل من الساحة الإقليمية، وتحرّش تركي لا يتوقف من الشمال.. وكيسنجر هو المهندس



#عزالدين_بوغانمي (هاشتاغ)       Boughanmi_Ezdine#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإمارات هي خيمة التهديد للأمن الجزائري، وليس القُراد الملتص ...
- بغض النظر عن الوسائل: المشروع هو أساس النهوض
- تونس العطشانة: لماذا ينقطع الماء والكهرباء لساعات طويلة في ه ...
- وراء مضيق هرمز، مخطط صهيوني لتفكيك إيران وتصفية القضية الفلس ...
- هل سقطت الهدنة؟
- تشييع الإمام استفتاء على المشروع: إيران بين نقد الداخل ومواج ...
- في مضيق هرمز، كأن التاريخ يعيد سيناريو السويس.
- وهم نزع السلاح: لماذا تخسر بيروت معاركها السياسية؟
- إضاءات سريعة حول مشروع -إسرائيل الكبرى- وطبيعة الصراع في الش ...
- طوفان الأقصى أجبر السعودية على إعادة تعريف عدوّها
- الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وسياسة حافّة الهاوية
- ترامب أو -الإنسان الآلي المُتوحّش- !
- -العالم بين المعنى والآلة: صراع الإنسان مع منطق الإبادة-
- محور المقاومة بين القدس وطهران: حسابات التاريخ والجغرافيا وا ...
- هل للعرب مصلحة في إسقاط إسرائيل للنظام الإيراني؟
- اليسار الشيوعي في أوروبا الغربية: قصة المنع المؤبّد
- الريع السياسي: إعادة إنتاج القيم والفشل المؤسسي في تونس ما ب ...
- أفول الهيمنة الغربية على العالم
- في استحالة الدولة الكُرديّة
- أحد الأسباب الرئيسية للتخلّف، هو إيمان النّخب الدّفين بالاست ...


المزيد.....




- وزير الدفاع السعودي يلتقي نائب ترامب عقب الضربة المشتركة على ...
- إدانة مراهق نرويجي بالتورط في جريمة قتل مأجور على صلة بإيران ...
- 3 شهداء إثر غارات إسرائيلية على غزة
- إيران مباشر.. ترمب يجدد تهديده بالضرب بقوة والجيش الإيراني ي ...
- لماذا تتصدر قطر وعمان جهود الوساطة مع إيران؟
- أية مساعي للعبث بأمان المجتمع مدانة جملة وتفصيلاً! ...
- إيران تعلن مقتل عناصر من -الحرس الثوري- في الغارات الأمريكية ...
- بعد ساعات من ضربات سعودية أمريكية على الحشد الشعبي في العراق ...
- حريق يهز ميناء دمياط في مصر.. وتقارير تتحدث عن هجوم بمسيّرة ...
- رئيس -فورمولا 1-: سباقا قطر وأبوظبي مستمران رغم خطط طوارئ ال ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عزالدين بوغانمي - هنري كيسنجر ونظام صدام حسين: هندسة الانعطاف الكبير - كيف شكل ربيع 1975 مصير المنطقة؟