أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عقدين .















المزيد.....

من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عقدين .


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 18:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


النص الذي كتبه الطيب تيزيني سنة 2005 يبدو اليوم، بعد واحد وعشرين عاما، وكأنه كان يلتقط الخيط الأول لتحول تاريخي لم يكن قد اكتمل بعد. لقد أصاب في نقد الوهم القائل إن المعرفة أزاحت الرأسمالية، لكنه لو كان يكتب في سنة 2026 لربما كان سيذهب أبعد من ذلك، لأن الرأسمالية نفسها لم تكتفِ باحتواء المعرفة، بل احتوت العقل البشري ذاته، وحولت البيانات والانتباه واللغة والذاكرة والعلاقات الاجتماعية إلى سلع قابلة للبيع والاحتكار.
لم تعد القضية اليوم هي "الثورة المعرفية" في ذاتها، بل السؤال: من يملك المعرفة؟ ومن يمتلك وسائل إنتاجها وتوزيعها والتحكم فيها؟ فالمعرفة لم تتحرر من رأس المال، وإنما أصبح رأس المال أكثر معرفة، وأكثر قدرة على استثمار المعرفة في إعادة إنتاج هيمنته. وهكذا تحولت شركات التكنولوجيا العملاقة إلى مراكز سلطة تتجاوز في أحيان كثيرة سلطة الدول، وصارت الخوارزميات تؤدي وظيفة كانت تؤديها في الماضي المصانع الثقيلة: إنتاج القيمة، ولكن أيضًا إنتاج الطاعة، والاستهلاك، والوعي .
لقد ثبت أن الحديث عن "ما بعد الرأسمالية" لم يكن سوى أحد أكبر الأوهام الأيديولوجية في العقود الأخيرة . فما نشهده اليوم ليس نهاية الرأسمالية، بل انتقالها إلى طور أكثر شراسة؛ طور الرأسمالية الرقمية، حيث لم يعد العامل يبيع قوة عضلاته فقط، بل يبيع بياناته، ووقته، وصوره، وعلاقاته، وحتى انفعالاته اليومية . وأصبح الهاتف الذكي، ومنصات التواصل، والذكاء الاصطناعي، أدوات إنتاج لا تقل أهمية عن المصنع في القرن التاسع عشر .
وإذا كان الطيب تيزيني قد حذر من إقصاء العلاقات الاجتماعية والاقتصادية من تفسير المعرفة، فإن واقع 2026 يؤكد أن المعرفة نفسها أصبحت ميدانا للصراع الطبقي . فالذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والبيانات الضخمة، ليست أدوات محايدة، بل تتحدد وظيفتها وفق علاقات الملكية والقوة . ومن يملك الخوادم، والرقائق الإلكترونية، وشبكات الاتصال، ومنصات الذكاء الاصطناعي، يملك قدرة غير مسبوقة على صياغة الاقتصاد والسياسة والثقافة والرأي العام .
ثم جاءت الحروب لتكشف الوجه الآخر لهذا الادعاء . فمن العراق إلى ليبيا وسوريا، ومن أوكرانيا إلى غزة، لم تتحول المعرفة إلى قوة لتحرير الإنسان، بل استُخدمت لتطوير أنظمة المراقبة، والطائرات المسيّرة، والأسلحة ذاتية التوجيه، والحصار الرقمي، والدعاية السيبرانية . ولم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت أيضا حرب بيانات وخوارزميات وسرديات إعلامية .
أما في الجنوب العالمي، فلم تؤدّ الثورة الرقمية إلى تقليص الفجوة مع الشمال، كما بشّر منظرو العولمة، بل أعادت إنتاج التبعية في صورة جديدة . فإذا كانت البلدان النامية قد صدّرت المواد الأولية في القرن الماضي، فإنها اليوم تصدّر البيانات الخام، بينما تنتج القيمة المضافة في مراكز التكنولوجيا الكبرى . إنها استعمارية جديدة، لا تحتل الأرض بالدبابات وحدها، بل تحتل الوعي بالبنية الرقمية .
ولعل المفارقة الأبرز أن المعرفة، التي قيل إنها ستوسع الديمقراطية، أصبحت في كثير من الأحيان وسيلة لتضييقها . فالرقابة لم تعد تحتاج إلى الشرطي التقليدي؛ يكفي أن تعمل الخوارزمية . ولم تعد صناعة الرأي العام تتم في الصحف وحدها، بل في غرف التحكم الرقمية التي تحدد ما نراه وما لا نراه، وما يصبح حقيقة وما يدفن في صمت الشبكات .
لهذا، فإن مفهوم "الثورة المعرفية" يحتاج اليوم إلى مراجعة جذرية . فالثورة ليست في تراكم المعرفة التقنية، وإنما في تحريرها من احتكار رأس المال، وفي جعلها حقا اجتماعيا وإنسانيا، لا امتيازا للشركات العابرة للقارات . إن السؤال لم يعد : هل المعرفة قوة ؟ بل : لصالح من تعمل هذه القوة ؟
إن ما نعيشه في 2026 ليس عصر "ما بعد الرأسمالية"، بل عصر الرأسمالية الخوارزمية؛ رأسمالية تراكم الأرباح عبر السيطرة على المعرفة والبيانات والذكاء الاصطناعي، وتعيد تشكيل الإنسان نفسه بوصفه مادة أولية للاستخراج الاقتصادي . ولذلك، فإن معركة المستقبل لن تكون فقط حول توزيع الثروة، بل أيضا حول ملكية المعرفة، والسيادة الرقمية، والحق في الخوارزميات، والحق في البيانات، وحق الشعوب في ألا تتحول عقولها إلى مستعمرات إلكترونية .
ولو أعاد الطيب تيزيني كتابة مقاله اليوم، لربما استبدل عنوانه بعنوان أكثر مباشرة : "الرأسمالية الخوارزمية : حين أصبحت المعرفة أداة جديدة للاستغلال لا بديلا عنه ." ففي هذا الطور الجديد، لم تنتصر المعرفة على رأس المال؛ بل انتصر رأس المال داخل المعرفة نفسها، وجعلها أحد أكثر ميادين الهيمنة والاستغلال ربحا في تاريخ البشرية .
و من زاوية اخرى يمكن تطوير أطروحة الطيب تيزيني اليوم بالقول إن العالم لم يدخل فقط عصر "الرأسمالية الرقمية"، بل دخل أيضا عصر حروب الموارد الاستراتيجية . لقد تغيّر شكل الحرب، لكن جوهرها بقي كما هو : السيطرة على شروط إعادة إنتاج الهيمنة العالمية .
ففي مطلع القرن الحادي والعشرين، كانت الحروب تقدّم للرأي العام تحت عناوين "نشر الديمقراطية" أو "مكافحة الإرهاب" أو "منع انتشار الأسلحة" . أما في العقد الثالث من القرن، فقد أصبحت هذه الشعارات أقل قدرة على إخفاء الحقيقة البنيوية : إن الصراع يدور بصورة متزايدة حول الممرات البحرية، والطاقة، والمعادن النادرة، والمياه، وسلاسل الإمداد العالمية . وقد أعادت الحرب الواسعة على إيران في 2026، بما رافقها من اضطراب في مضيق هرمز وأمن الطاقة، تأكيد أن التحكم في عقد التجارة والطاقة ما يزال أحد محركات الصراع الدولي، مع آثار واسعة على أسعار النفط والغاز والتضخم وسلاسل التوريد .
ولم تكن فنزويلا بعيدة عن هذا السياق . فمنذ سنوات، تجاوز النزاع حولها مجرد خلاف سياسي داخلي، ليصبح جزءا من معركة أوسع على من يملك أحد أكبر احتياطات النفط في العالم، ومن يحدد قواعد سوق الطاقة العالمية . وعندما تقرر دولة أن تدير ثرواتها خارج المنظومة المالية والسياسية المهيمنة، تتحول سريعا إلى هدف لعقوبات وضغوط وحروب اقتصادية وإعلامية، وقد تتقاطع معها أشكال أخرى من الصراع.
وفي هذا السياق، لم تعد الطاقة مجرد سلعة اقتصادية، بل أصبحت سلاحا جيوسياسيا . خطوط الغاز، ومضائق الملاحة، والكابلات البحرية، ومراكز البيانات، باتت جميعها أهدافا استراتيجية . ولم يعد تدمير محطة كهرباء أو تعطيل ميناء مجرد أثر جانبي للحرب، بل قد يكون هدفًا بحد ذاته لإعادة رسم موازين القوة .
أما الماء، الذي كان ينظر إليه طويلا باعتباره موردا طبيعيا، فقد أصبح أحد أعمدة الأمن القومي . فالتغير المناخي، والتصحر، والنمو السكاني، والسدود العملاقة، جعلت أحواض الأنهار المشتركة مساحات تنافس دائم . من النيل إلى دجلة والفرات، ومن آسيا الوسطى إلى القرن الإفريقي، لم يعد الصراع على المياه احتمالًا نظريًا، بل أصبح عنصرا ثابتا في الحسابات الاستراتيجية للدول .
ولعل أخطر ما في هذه المرحلة أن الحروب لم تعد تنتهي عند الحدود العسكرية . فالضربة التي تستهدف منشأة للطاقة قد تفضي إلى تضخم عالمي، وارتفاع أسعار الغذاء، وأزمات اجتماعية في دول بعيدة آلاف الكيلومترات . لقد أصبح العالم شبكة مترابطة؛ وإذا انقطع شريان للطاقة أو للمياه أو للنقل البحري، اهتزت المنظومة كلها . وقد أظهرت التطورات الأخيرة كيف يمكن لاضطراب طرق الملاحة في الخليج والبحر الأحمر أن ينعكس سريعا على الاقتصاد العالمي .
ومن هنا، فإن الوهم الجديد لا يتمثل فقط في الحديث عن "الثورة المعرفية"، بل في الاعتقاد بأن التكنولوجيا ألغت الجغرافيا . الحقيقة هي العكس تماما؛ فالذكاء الاصطناعي يحتاج إلى كهرباء، والكهرباء تحتاج إلى غاز ونفط ومعادن ومياه، ومراكز البيانات تحتاج إلى تبريد واستهلاك هائل للموارد . وكلما ازدادت رقمنة العالم، ازداد ارتباطه بالموارد الطبيعية، لا انفصاله عنها .
لذلك، فإن أطروحة 2026 يمكن أن تصاغ على النحو الآتي:
ليست المعرفة وحدها هي التي تصنع السلطة، بل إن السلطة الحقيقية أصبحت تتشكل عند نقطة التقاء المعرفة بالطاقة والماء والبيانات والجغرافيا . ومن يسيطر على هذه الحلقة المركبة، لا يحكم اقتصاد العالم فحسب، بل يحدد أيضا خرائط الحروب والسلام، وحدود السيادة، وشروط الحياة ذاتها .
ولم يعد الرهان، إذن، على تفسير العالم فحسب، بل على امتلاك القدرة التاريخية لتغييره . فكل معرفة تنتج خارج إرادة الشعوب، وكل تقنية تسخّر لتكريس الامتيازات، وكل ثروة تنتزع من عمل البشر ومن الطبيعة لتراكم في أيدي أقلية، ليست سوى حلقات في سلسلة الهيمنة ذاتها، مهما تبدلت أسماؤها وأدواتها .
إن اليسار، إذا أراد أن يستعيد دوره التاريخي، لا يستطيع أن يكتفي برثاء الهزائم أو التمسك بمفاهيم جامدة، بل عليه أن يعيد بناء مشروع تحرري يقرأ تناقضات القرن الحادي والعشرين كما هي : من المصنع إلى المنصة الرقمية، ومن الحقل إلى مركز البيانات، ومن النقابة إلى فضاءات المعرفة المفتوحة، ومن الدفاع عن الخبز إلى الدفاع عن السيادة على العلم والتكنولوجيا والموارد المشتركة .
ولعل المهمة الكبرى اليوم ليست مقاومة شكل بعينه من أشكال السيطرة، بل مقاومة المنطق الذي يحول الإنسان إلى وسيلة، والطبيعة إلى مخزن، والمجتمع إلى سوق، والتاريخ إلى سلعة . فحيثما تختزل الحياة في الربح، يصبح الدفاع عن العدالة الاجتماعية، وعن الملكية العامة للثروات الاستراتيجية، وعن سيادة الشعوب على قرارها السياسي والاقتصادي والمعرفي، فعلا ثوريا بامتياز .
إن المستقبل لن يمنح للمقهورين هبة، ولن تصنعه الخوارزميات ولا الأسواق ولا الإمبراطوريات . المستقبل تصنعه الشعوب المنظمة، الواعية، القادرة على تحويل المعرفة إلى أداة للتحرر لا للاستتباع، والتكنولوجيا إلى ملكية اجتماعية لا إلى احتكار، والثروة إلى حق جماعي لا إلى امتياز طبقي . وهناك فقط، لا يعود التاريخ مرثية للهزائم، بل أفقا مفتوحا لانبعاث إنساني جديد .
وإذا كان الطيب تيزيني قد رفض، منذ سنة 2005، الانخداع بخطاب "الثورة المعرفية" الذي بشّر بنهاية الرأسمالية وبزوغ عصر جديد تحكم فيه المجتمعات بالمعرفة وحدها، فإن تطورات العقدين الأخيرين منحت أطروحته قدرا كبيرا من المشروعية . غير أن التاريخ لم يكتف بتأكيد حدسه، بل تجاوزه إلى وقائع أكثر تعقيدا وقسوة . فما نعيشه اليوم لا يثبت فقط أن الرأسمالية لم تنته، بل يكشف أنها استطاعت أن تخضع المعرفة ذاتها لمنطق التراكم والاحتكار، وأن تجعل التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي، كما الماء والطاقة والغذاء، أدوات لإعادة إنتاج الهيمنة على نطاق عالمي .
ومن هنا، فإن المهمة الفكرية والسياسية لم تعد الدفاع عن مركزية الاقتصاد في مواجهة أوهام "المجتمع المعرفي"، بل بناء نقد جذري للرأسمالية في طورها الخوارزمي والجيواستراتيجي، حيث تتشابك السيطرة على المعرفة مع السيطرة على الموارد والأسواق والقرار السياسي . بذلك، لا يبقى نص الطيب تيزيني مجرد وثيقة تنتمي إلى لحظة فكرية مضت، وإنما يصبح نقطة انطلاق لقراءة جديدة لعالم يتبدل في أشكاله، بينما يبقى تناقضه الجوهري قائما : صراع بين من يحتكر شروط الحياة، ومن يناضل من أجل أن تصبح الحياة نفسها حقا مشتركا لجميع البشر .

{نص الطيب التيزيني :
"الثورة المعرفية" والأوهام المُلْتفّة حولها .

د. طيب تيزيني
20 أيلول (سبتمبر) 2005 (جريدة الاتحاد)
أصبح معروفاً ومنتمياً للوعي الفكري الشائع أن أحداثاً جديدة كبرى دخلت في حياة العالم الراهن، وأصبحت فاعلة فيه بقدر كبير ومتسارع. كما اتضحت هُوية هذه الأحداث، بحيث نشأ إجماع عمومي منطلق من أنها كانت بمثابة تدشين للنظام العالمي الجديد ذي النسيج العولمي والذي وجد حاضنته الأولى في الولايات المتحدة الأميركية. أما الأكثر حسماً ضمن تلك الأحداث، فقد تبلورت في ثلاثة، هي انطلاق ثورتي المعلومات والاتصالات، ونتائج حرب الخليج الثانية، وتفكك الاتحاد السوفييتي من حيث هو نظام سياسي شمولي.
وقد قادت تلك الوضعية الجديدة إلى نشوء إرهاصات أولية على صعيد العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية والعسكرية والأيديولوجية. وراح باحثون يلاحظون تحولاً عميقاً على صعيد المعرفة والسلطة المعرفية، جعلهم يستنبطون منه حالة اعتبروها معياراً جديداً لتحول العالم الراهن. أما هذه الحالة فقد صاغوها بمفهوم"الثورة المعرفية"، التي قلبت الموازين رأساً على عقِب في ترتيب أولويات الوجود المجتمعي. وقد عبّر ألفن توفلر عن ذلك في رؤيته لما حدث ويحدث، حين كتب في كتابه "تحول السلطة بين العنف والثروة والمعرفة" ما يلي: هنالك ثورة تجتاح عالم ما بعد بيكون، وما كان بوسع أي عبقري في السابق (لا سن تسو ولا مكيافيلي ولا بيكون نفسه) أن يتصور ما تشهده هذه الأيام من منحى عميق في تحول السلطة، أي هذه الدرجة المذهلة التي أصبحت بها القوة والثروة تعتمدان على المعرفة. ويتابع الكاتب معلناً: إن المعرفة نفسها ليست المصدر الوحيد للسلطة فحسب، بل إنها أيضاً أهم مقومات القوة والثروة.
وقد انطلقت هذه الأطروحة لتغزو جموعاً من الباحثين والمثقفين والسياسيين في بلدان كثيرة، من ضمنها بعض البلدان العربية، وكان من هؤلاء الباحث محمد جابر الأنصاري، الذي كتب ما يلي في كتاب أصدره عام 1988 بعنوان: العالم والعرب سنة 2000: من هنا، ولأول مرة في تاريخ العالم، أصبح رأس المال وحده عنصراً غير حاسم في العملية الإنتاجية. وأصبح النشاط الذهني بمادته وقدراته المعلوماتية هو أساس الإنتاج، في حين أصبح رأس المال الذي كان أساس الإنتاج مجرد عنصر من عناصره ولم تعد له الأولوية الرئيسية.
وعلى هذا الأساس، ظهرت اتجاهات للتحدث عن "المجتمع المعلوماتي والاقتصاد المعلوماتي"، مما استدعى إقصاء المصطلحات الاقتصادية والسياسية، التي عبرت عن أنماط المجتمعات البشرية، ومن ذلك مصطلح "النمط الاقتصادي الرأسمالي". ويأتي ذلك في سياق التيار العولمي الذي يقدم نفسه تحت حدّ "المابعديات": ما بعد الوطنية والعقلانية والرأسمالية والصهيونية.
ها هنا، يجدر بنا العودة إلى مقولة معرفية- سلطوية قدّمها، في حينه، الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون، وضبطها على النحو التالي: المعرفة قوة! وقد عبرت هذه المقولة، إبّان ذلك، عن مطامح المجتمع الفتي البرجوازي، الذي راح يبحث عن مسوغات ومعايير تضبط مسار "المعرفة"، فوجدها في "القوة" الفاعلة والقادرة على التأسيس لمعرفة أرضية وضعية، مقابل "المعرفة الماورائية". والآن مع ظهور ثورتي المعلومات والاتصالات في سياق النظام العالمي الجديد، تكتسب مقولة "بيكون" راهنية جديدة ولكن كذلك- وهنا أهمية المسألة- بعداً جديداً نوعياً نوعيّة الشرط التاريخي الجديد: لقد أخذت "المعرفة" تظهر بصيغة جديدة وبوتائر جديدة غير مسبوقة بفعل التحولات العظمى، التي راحت تُفصح عن نفسها معرفياً وسياسياً واستراتيجياً. ولكن التطور الذي راحت المعرفة تعيشه لم يتمكن- ولعله لن يتمكن- من أن يجعلها تُمسك بالموقف الإنتاجي من حيث الأساس. فأنْ "يصبح النشاط الذهني بمادته وقدراته المعلوماتية هو أساس الإنتاج"، كما يرى الباحث محمد جابر الأنصاري في كتابه المذكور سابقاً، إنما يعني إقصاء العلاقات السوسيو-ثقافية والاقتصادية، التي تضبط ذلك النشاط وتكمن وراءه وتحفزه أو تقف في وجهه. إن الوصول إلى تلك النتيجة يمكننا من وضع اليد على أحد المواقف، التي يعلنها راهناً النظام العالمي الجديد "العولمي"، وهو أننا نعيش الآن عصر "ما بعد الرأسمالية"، الذي أصبح أو يصبح منتمياً إلى "التاريخ القديم المنصرم". وحيث يؤخذ بهذا الموقف، فإن مواقف أخرى تصبح مرشحة للبروز وللدفاع عنها، مثل "نهاية الاستغلال والاغتراب والتنميط" الإنساني، إضافة إلى نهاية الصراع الضمني أو المعلن بين الشمال والجنوب وتحول الولايات المتحدة إلى "حَمَل" ينثر ثمار الديمقراطية هنا وهناك من العالم. إن التحدث عن "الثورة المعرفية" بمثابتها البديل الحاسم عن العوامل والفواعل الناظمة للمجتمع العولمي الجديد، يقدم صيغة تحتاج تدقيقاً عميقاً لصالح المصداقية المعرفية.
---
جريدة الاتحاد (الإمارات العربية المتحدة)}



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..
- حين يصبح الخيال فائضا عن حاجة السوق .
- مَقَامَةُ غَبَشِ بْنِ مَرَاوِحٍ -14-: فِي قَفْصَةَ الَّتِي ح ...
- ليبيا: خرائط النفوذ... وغياب الشعب .
- الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
- حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن ...
- حين تتصافح المصالح
- رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشر ...
- اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة ...
- التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة ...
- من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية ...
- تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت ...
- حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و ...
- بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
- بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
- حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال ...
- السلطة وإعادة الإنتاج.
- هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
- حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
- الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.


المزيد.....




- السعودية تعلن اعتراضها موجة مُسيرات جديدة قادمة من العراق
- -من أفضل المحادثات-.. نتنياهو عن اجتماعه مع ترامب في البيت ا ...
- -لانتهاكها الحظر البحري-.. الحوثيون يهاجمون ناقلة نفط سعودية ...
- الرياض: نحتفظ بحقنا القانوني المشروع لاتخاذ الإجراءات اللازم ...
- تطورات خطيرة في الصومال.. قوات بونتلاند تدفع بتعزيزات عسكرية ...
- الخارجية الروسية: كييف تسعى بجنون للانتقام من المدنيين بسبب ...
- مدفيديف: العدو يعاني نقصا في الموارد البشرية -وليس لديه من ي ...
- عراقجي لأوكرانيا: لا نسعى للتصعيد ولكن أي هجوم على مصالحنا غ ...
- أردوغان والزيدي يبحثان ملفات المنطقة
- التعليم: إعلان نتيجة الثانوية العامة خلال ساعات


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض الشرايطي - من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عقدين .