أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين - المواجهة مع الغرب دخلت مرحلة جديدة... والمحور الأوراسي بات ضرورة إستراتيجية (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)















المزيد.....



ألكسندر دوغين - المواجهة مع الغرب دخلت مرحلة جديدة... والمحور الأوراسي بات ضرورة إستراتيجية (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8776 - 2026 / 7 / 24 - 15:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ألكسندر دوغين
فيلسوف روسي معاصر


إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف


24 تموز يوليو 2026


حين تتحول الحرب إلى معركة وجود

سؤال - نبدأ بالموضوع الأول، وهو بطبيعة الحال الأهم والأكثر إثارة للجدل في الوقت الراهن، ويتمثل في تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي دخلت مرحلتها الساخنة منذ نحو سبعة أو ثمانية أيام. ولم يعد وقف إطلاق النار المؤقت الذي كان قد أُعلن سابقًا قائمًا. وما نراه الآن هو تبادل للضربات بين الطرفين، لكنه يبدو – في تقديري – مضبوطًا إلى حد ما، وربما أكون مخطئًا في ذلك.

السؤال هو: ماذا يمكن أن نتوقع لاحقًا؟ فهناك من يرجح أن يكتفي الطرفان بهذه الجولة ثم يعودان إلى هدنة جديدة، بينما يرى آخرون أن ما يجري ليس سوى مقدمة لتصعيد أكبر، وأن كلا الجانبين يترقب اللحظة المناسبة. كما أفادت صحيفة واشنطن بوست بأن الولايات المتحدة، بعد الخسائر التي تكبدتها في هذه المواجهة مع إيران، تُعدّ حاليًا عملية عسكرية واسعة، وتسعى في الوقت نفسه إلى تأمين مضيق هرمز بما يسمح بمرور السفن من خلاله دون عوائق. ما الذي تتوقعونه؟

ألكسندر دوغين - أعتقد أننا وصلنا الآن إلى نقطة أصبحت فيها الحملة الدعائية بأكملها، بما فيها الرسائل الإعلامية التي كان الرئيس دونالد ترامب يوجّهها لتنظيم الأسواق المالية، ولا سيما البورصات ومؤشرات مثل «داو جونز» وغيرها، قد بلغت حدودها القصوى. وكذلك الأمر بالنسبة للمضاربات، بما فيها المضاربات الإقتصادية المرتبطة بالحرب.

وبعبارة أخرى، فإن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إنتقلت الآن من مستوى التصريحات والخطابات إلى مستوى الواقع الفعلي. وهذه هي اللحظة التي أصبحت فيها حربًا حقيقية بالفعل.

أما إيران، فهي تعيش هذا الواقع منذ وقت طويل، بعدما تكبدت خسائر جسيمة في قيادتها السياسية والعسكرية. فبالنسبة إليها، كانت هذه المواجهة جدية منذ البداية، في حين كانت الولايات المتحدة تتعامل معها وكأنها مجرد لعبة أو إستعراض.

وقد أُعلن الآن عن مقتل سبعة عشر جنديًا أمريكيًا. وأنا أعتقد أن العدد الحقيقي تجاوز المئة خلال هذه الفترة، لكن الإعتراف بدأ الآن فقط. فالمشكلة ليست في أن هؤلاء الجنود قُتلوا الآن، بل إنهم قُتلوا منذ وقت سابق، وكانت القوات الأمريكية تتكبد خسائر بصورة مستمرة في مواجهتها مع الإيرانيين، إلا أن حجم تلك الخسائر، بحسب رأيي، أكبر بكثير مما يتم الإعلان عنه.

لكن مجرد بدء الإعتراف بهذه الخسائر يعني، في تقديري، أن حاجزًا ما قد تم تجاوزه. ففي البداية كانت الأمور تُصوَّر كما لو أنها لعبة إلكترونية: نضغط على الأزرار، فتتغير القيادة الإيرانية فورًا، ويختفي البرنامج النووي، ثم تأتي قيادة جديدة تخضع بالكامل، ويُعاد فتح الأسواق أمام إزدهار الإقتصادين الأمريكي والعالمي، ويظهر ترامب بمظهر «ملك العالم». وقد حاولت الولايات المتحدة الحفاظ على هذه الصورة حتى وقت معين، لكنها لم تعد قادرة على ذلك.

وعندما أثبت الإيرانيون أنهم خصم صلب، وأن إيران تمثل، بحسب تعبيره، «دولة-حضارة»، وأنها فاعل مستقل في السياسة الدولية وليست مجرد موضوع تتصرف به القوى الأخرى، وأنها أحد أقطاب العالم متعدد الأقطاب، فإن ذلك غيّر المشهد.

ويضيف دوغين أن هذا لا يأتي – بحسب قوله – إنتقاصًا من بقية الدول والمجتمعات الإسلامية، التي يرى أنها ترفع شعارات حماسية وتعلن مواقف صاخبة، لكنها في الواقع تتحول، وفق وصفه، إلى أدوات تابعة للغرب وإسرائيل. ويقارن ذلك بإيران الشيعية، التي يعتبر أنها تقدم نموذجًا مختلفًا في الإستقلال والإيمان والقدرة على خوض ما يصفه بـ«الجهاد»، ليس ضد الأطراف الضعيفة، وإنما في مواجهة ما يراه «الشر العالمي» المتمثل في الولايات المتحدة وإسرائيل.

ويرى أن إيران قدمت نموذجًا للدولة المستقلة ذات السيادة، وللمجتمع المؤمن، بحسب تصوره، وأن هذه الحرب أعادت أيضًا إحياء الحيوية داخل المجتمع الإيراني نفسه، الذي كان – وفق تقديره – قد بدأ يصاب بحالة من الركود خلال العقود الأخيرة.

ويتابع قائلًا إن الإيرانيين كانوا يتساءلون: «نحن نتحدث بإستمرار عن المعركة الأخيرة، لكن هذه المعركة لا تأتي أبدًا». ويشبّه هذا الوضع برواية وفيلم «صحراء التتار»، حيث ينتظر الجنود طوال حياتهم المعركة الحاسمة وظهور يأجوج ومأجوج، لكنها لا تقع أبدًا، فيبدأ الناس بفقدان الأمل حتى في إيمانهم.

لكن، بحسب رأيه، فإن الهجوم الأمريكي والإسرائيلي أعاد إحياء ذلك الإيمان، وأعاد إيران إلى حقيقتها. ولذلك يرى أن هذه الحرب ستكون حربًا حقيقية، لأن إيران – وفق تعبيره – فقدت كل ما كان يمكن أن تخسره، ولم يعد أمامها سوى أن تكسب، من خلال الدفاع حتى آخر إيراني عن سيادتها وإستقلالها وكرامتها وما يصفه بالإيمان الحق.

ويعتبر أن ما يجري يشكل، في الإطار الإسلامي، نموذجًا لمقاومة حقيقية لم تكن الولايات المتحدة تتوقعها. فقد كانت تعتقد – بحسب رأيه – أن كل شيء سيبقى شكليًا، وأنها ستنجح في شراء ولاءات النخبة الإيرانية، وإقصاء المعارضين، وإستبدالهم بقيادات أكثر طواعية، وأن المشروع الذي إستمر نصف قرن منذ الثورة الإسلامية بقيادة آية الله الخميني، والقائم على الإستعداد لما يصفه بـ«المعركة النهائية»، سوف ينهار.

إلا أن ذلك، بحسب دوغين، لم يحدث. ويرى أن الدور بات الآن على النظام والقوة اللذين قدّما نفسيهما بوصفهما لا يُهزمان، وأن ما يحدث ليس نهاية المواجهة، بل بدايتها فقط.

ويضيف أن الولايات المتحدة بدأت تعترف بسقوط قتلى في صفوف قواتها المسلحة، مشيرًا إلى مقتل أحد كبار قادة البحرية الأمريكية، وإن كانت الرواية الرسمية تقول إنه قضى في حادث مروحية وليس في عملية قتالية مباشرة. ويعلق على ذلك بالقول إن «ضباب الحرب» يجعل من الصعب معرفة الحقيقة الكاملة.

ومن وجهة نظره، فإن الولايات المتحدة بدأت تعترف تدريجيًا بأنها تتكبد خسائر. كما يشير إلى الضربات التي إستهدفت قواعد أمريكية في الكويت والبحرين والأردن، وإلى إستمرار الهجمات على إسرائيل، فضلًا عن إستهداف البنية الإقتصادية والتكنولوجية لحلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك محطات تحلية المياه التي يقول إن إيران قصفتها.

ويخلص إلى أن القيادة الإيرانية تدرك، بحسب رأيه، أن المعادلة أصبحت واضحة: إما أن تنتصر، وإما الشهادة. ولا يرى، من وجهة نظره، مجالًا لأي تسوية أو حل وسط.


المضائق البحرية... ورقة الضغط الكبرى

سؤال - أود أن نتوقف قليلًا عند مسألة التسوية والإتفاق. فقد صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن بلاده قد تنهي المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وتنتقل إلى تسوية تفاوضية عندما تحقق أفضلية في ساحة المعركة. وبذلك، فهو يرى إحتمالين: إما أن تنتهي الحرب بالإستسلام، أو أن تحقق إيران تفوقًا ميدانيًا يتيح لها الدخول في إتفاق جديد.

وإذا كان هذا هو المنطق الذي تنطلق منه طهران، فهذا يعني أن وضعًا مشابهًا قد حدث من قبل، لكنه لم يكن نتيجة نجاحات عسكرية، بل نتيجة سياستها الإقتصادية المتعلقة بإغلاق مضيق هرمز، الأمر الذي أثار إستياءً واسعًا على المستوى الدولي، وإضطرت الولايات المتحدة بسببه إلى البحث عن تسوية تفضي إلى هدنة تسمح بإعادة جزء من إمدادات النفط إلى الأسواق.

فلماذا لا تلجأ إيران الآن، إلى جانب إغلاق مضيق هرمز، إلى خطوة تمنحها ميزة إقتصادية مماثلة، وربما أكبر، وذلك بإغلاق مضيق باب المندب؟ أو أن تطلب من اليمنيين القيام بذلك؟

ألكسندر دوغين - أعتقد أن إغلاق مضيق باب المندب سيحدث قريبًا جدًا. فالإيرانيون، في تقديري، سيواصلون القتال حتى النهاية، وهم يتسمون بدرجة كبيرة من الثبات في مواقفهم.

وحتى عندما وافقوا على إجراء مفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن إعادة فتح مضيق هرمز، فقد طرحوا شروطًا بالغة الجدية. أما ترامب، فقد كان يعتقد أنه قادر على خداع الجميع. وبحسب رأي دوغين، فإن ترامب محتال لا يلتزم بوعوده، ويصفه بأنه قاتل ومحتال لا يتحمل مسؤولية كلماته، ويرى أن الإيرانيين يدركون هذه الحقيقة أكثر من غيرهم.


سؤال - ولكن هل هو كذلك فقط في تعامله مع إيران؟ أم أنه يتصرف بالطريقة نفسها مع الجميع؟

ألكسندر دوغين - إذا كان يتصرف بهذه الطريقة مع طرف، فسيتصرف بها بالطريقة نفسها مع الآخرين أيضًا. وبرأيي، لا ينبغي الوقوع في الوهم. فنحن، بحسب وصفه، أمام شخص يغيّر مواقفه بإستمرار تبعًا للظروف الآنية، سواء كانت مرتبطة بالبورصة أو بالسياسة.

ويضيف أنه يعتبر ترامب محتالًا سياسيًا، وأنه بات موضع إنتقاد حتى داخل الولايات المتحدة، وأن جزءًا من قاعدته الإنتخابية بدأ يدير ظهره له. ويرى أنه وصل إلى السلطة تحت شعارات جذابة، مثل محاربة ما يسمى بـ«الدولة العميقة»، لكنه – بحسب رأيه – خان جميع من وثقوا به. ويذهب إلى القول إن ترامب فقد مصداقيته لدى خصومه وأنصاره على السواء، كما يرى أن صورة الولايات المتحدة عالميًا تتجه نحو التدهور.

ويتابع دوغين بأن الأهم، في نظره، ليس ما حدث لسمعة ترامب، بل الدوافع التي جاء بها إلى السلطة. فهو يقول إن ترامب طرح مجموعة من المبادئ التي بدت جذابة لكثيرين، مثل الدفاع عن القيم التقليدية، والعودة إلى الدين، والتركيز على القضايا الداخلية، ونشر ملفات جيفري إبستاين، وإعتقال المتورطين في جرائم الإعتداء على الأطفال وأعمال إجرامية أخرى يُزعم أن شخصيات من النخب الأمريكية والأوروبية شاركت فيها.

كما وعد، بحسب دوغين، بإنهاء الحروب، ووضع حد للحرب في أوكرانيا. ويشير إلى مفهوم معروف في علم الإجتماع السياسي الأمريكي يُعرف باسم «التحول الرابع» (Fourth Turning)، موضحًا أن كثيرًا من مؤيدي ترامب رأوا أن حقبة الرئيس جو بايدن والعولميين تمثل المرحلة الرابعة من الدورة التاريخية، وأن إنتخاب ترامب سيؤذن ببداية «العصر الذهبي»، حيث تُقدَّم مصلحة الولايات المتحدة أولًا، ويُقضى على نفوذ «الدولة العميقة».

ويرى دوغين أن ترامب، بحسب تقديره، تخلى عن جميع تلك الوعود وخذل الجميع. ويتساءل عن سبب ذلك، مشيرًا إلى أن هناك من يفسر الأمر بأنه خاضع لتأثير إسرائيل، أو أنه يتعرض للإبتزاز بسبب معلومات محرجة تتعلق، بحسب تلك الروايات، بعلاقته بقضية إبستاين، أو لأسباب أخرى. لكنه يضيف أن هذه التفسيرات، في نظره، ليست ذات أهمية، لأن النتيجة واحدة، وهي أن ترامب فقد صورته ومكانته، سواء أمام الأوروبيين أو داخل الولايات المتحدة أو بين أنصاره أو في نظر العالم.

وإنطلاقًا من ذلك، يرى دوغين أن الإيرانيين كانوا مستعدين للتوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة، حتى في ظل وجود ترامب، لكنه يعتبر أن ذلك غير ممكن، لأن التفاوض مع شخصية من هذا النوع، بحسب وصفه، لا يمكن أن يؤدي إلى إتفاق موثوق.

ويضيف أن حديث الإيرانيين عن الإستعداد للعودة إلى طاولة المفاوضات هو، في رأيه، أقرب إلى موقف شكلي، وأنهم يدركون جيدًا طبيعة الطرف الذي يتعاملون معه. ولذلك فإنه يرى أن أي جولة تفاوض جديدة لن تكون ممكنة إلا إذا أصبحت إيران في موقع تفاوضي أقوى مما هي عليه الآن.

ويطرح دوغين، في سياق حديثه، تصورًا لإحتمالات التصعيد، فيذكر من بينها سقوط أعداد كبيرة من القتلى في صفوف القوات الأمريكية، وإغلاق الحوثيين لمضيق باب المندب، وإشتداد القتال في المناطق الساحلية، وقطع كابلات الألياف الضوئية المارة في قاع مضيق هرمز، إضافة إلى توجيه ضربات للبنية التحتية الإقتصادية الحيوية لدى حلفاء الولايات المتحدة من الدول العربية الواقعة ضمن مدى الصواريخ الإيرانية. ثم يضيف أن التطورات المقبلة قد تحمل سيناريوهات أخرى أيضًا.


ما بعد المفاوضات... منطق القوة

سؤال - ذكرتم إحتمال سقوط عشرات الآلاف، وربما مئات الآلاف، من القتلى الأمريكيين الذين ستُعاد جثامينهم إلى الولايات المتحدة. فهل يعني ذلك أنكم تتوقعون بالفعل عملية برية واسعة النطاق؟

ألكسندر دوغين - إنهم يتحدثون عن ذلك كل يوم.



سؤال - الحديث عن إحتمال القيام بعملية برية شيء، أما الأفعال الفعلية فشيء آخر. فما الذي تتوقعون أن يحدث على الأرض؟

ألكسندر دوغين - بطبيعة الحال، لا يمكن لأحد أن يعرف على وجه اليقين ما الذي سيحدث. وأنا لا أقول إنني أرى المستقبل، وإنما أتحدث عن الكيفية التي ينظر بها الإيرانيون، في تقديري، إلى المشهد. فإذا إستمر التصعيد، فإنهم سيقاتلون حتى النهاية، وسيدافعون عن كل شبر من الأراضي الإيرانية.

ويضيف أن ثلاثين مليون شخص، بحسب قوله، تطوعوا للدفاع عن البلاد، أي ما يعادل تقريبًا ثلث سكان إيران. ويرى أن هذا يشمل مؤيدي نظام ولاية الفقيه، وكذلك أطيافًا من المعارضة السياسية، التي يعتبر أنها توحدت، في مواجهة ما يصفه بالعدوان الأمريكي–الإسرائيلي. ومن وجهة نظره، فإن المجتمع الإيراني يقف اليوم موحدًا ومصممًا على الدفاع عن بلاده.

ويتابع قائلًا إن حسم هذه المواجهة لن يكون ممكنًا بإستخدام الطائرات المسيّرة أو عبر الضغوط الإقتصادية وحدها. ويشير إلى الطبيعة الجغرافية لإيران، ولا سيما جبال زاغروس، التي يصفها بأنها تشكل حاجزًا بالغ الصعوبة أمام أي تقدم بري.

ويرى أنه إذا بدأت عملية عسكرية برية، فقد تستمر سنوات طويلة، وربما عقودًا، وأن ذلك سيكون، في تقديره، ذا نتائج كارثية بالنسبة إلى الولايات المتحدة. ويضيف أن الإيرانيين سيواصلون القتال حتى النهاية، رغم توقعه أن تكون خسائرهم البشرية كبيرة.

ويعتقد دوغين أن أحدًا لا يستطيع في هذه المرحلة إنهاء الحرب. فترامب، بحسب رأيه، غير قادر على إنهائها وفق شروطه، لأن إيران، في تقديره، تفرض شروطًا تفاوضية صارمة. ثم يوجه إنتقادات حادة للرئيس الأمريكي، متهمًا إياه بالكذب والمراوغة والتهديد والإساءة إلى الآخرين، ويشبه أسلوبه، من وجهة نظره، بسلوك الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

ويضيف أن ما يراه هو نمط واحد يتكرر، سواء في الولايات المتحدة أو في أوكرانيا، قوامه، بحسب وصفه، الكذب والخداع والقسوة، ويرى أن السياسات الغربية الحالية تفتقر إلى الواقعية وتعكس، على حد تعبيره، سلوكًا غير مسؤول. كما يقول إنه لم يعد من الممكن تحديد من تأثر بمن، الأمريكيون بالأوكرانيين أم العكس، لكنه يعتبر أن الطرفين يتصرفان اليوم بطريقة متشابهة على الساحة الدولية.

ويرى أن الإيرانيين إستخلصوا هذه القناعة من تجربتهم المباشرة، بعد مقتل عدد من قادتهم السياسيين والدينيين والعسكريين، وهو يعتبر أن ذلك جرى دون مبرر حقيقي وبذرائع كاذبة، ويقارن ذلك، من وجهة نظره، بما حدث في العراق ثم في ليبيا مع إسقاط نظام معمر القذافي، معتبرًا أن تلك الأحداث جاءت في إطار مشاريع هيمنة دولية.

وإنطلاقًا من ذلك، يخلص دوغين إلى أن التفاوض مع القوى الغربية، بصيغته الحالية، لم يعد مجديًا، بحسب رأيه. ويقول إن التجربة الروسية، من وجهة نظره، تؤكد ذلك، إذ يرى أن الحديث عن المفاوضات لم يمنع إستمرار الدعم الأمريكي لأوكرانيا، وأن الأوضاع ما زالت تسير في الإتجاه نفسه.

ويضيف أن إيران تقدم، في تقديره، نموذجًا لروسيا وللعالم بأسره، وكذلك للصين التي يعتبرها الهدف التالي، وكوريا الشمالية التي يصفها بأنها دولة قوية لكنها لن تتمكن، بحسب رأيه، من الصمود منفردة.

ومن هنا يدعو إلى بناء ما يسميه «المحور الأوراسي»، مشيرًا إلى أن ترامب تحدث عنه مؤخرًا. ويرى أن ترامب بدأ يتعرف إلى هذا المفهوم من خلال مستشاريه المنتمين إلى تيار المحافظين الجدد، وأن هذا المحور يضم روسيا وإيران والصين وكوريا الشمالية.

ويضيف أن تجاهل وجود هذا المحور أو الإعتقاد بأن روسيا تستطيع كسب ودّ ترامب لن يؤدي إلى أي نتيجة، وأن الخيار الأكثر واقعية، من وجهة نظره، هو أن تستعد روسيا للدفاع عن هذا المحور، لأنه يضم، بحسب تعريفه، كل دولة تسعى إلى إتباع سياسة مستقلة، أو تؤيد نظامًا عالميًا متعدد الأقطاب، أو ترفض الخضوع للهيمنة الأمريكية.

ويعتبر أن ترامب وصل إلى السلطة على أساس وعود بالحد من الهيمنة العالمية للولايات المتحدة، لكنه، بحسب رأيه، لم ينهها، بل عززها، وأصبح ينتهج سياسة أحادية أكثر تشددًا من تلك التي إتبعها أسلافه من التيار العولمي. ويخلص إلى أن ترامب وصل إلى الحكم بإعتباره معارضًا للعولمة، لكنه تحول، في نظره، إلى عولمي أكثر تشددًا وأكثر ميلًا لإستخدام القوة.


المحور الأوراسي... لماذا يتأخر ميلاده؟

سؤال - هذا يقودنا إلى سؤال مهم بشأن معنى الإستعداد لهذه المواجهة. فقد ذكرتم أن على روسيا أن تستعد لها. كيف ينبغي أن يكون هذا الإستعداد؟ وما الذي يجب القيام به؟

ألكسندر دوغين - أرى أن الوعي الإستراتيجي الروسي يقوم اليوم على تصورين.

▪️الأول يتمثل في الإعتقاد بإمكانية التوصل إلى تفاهم مع ترامب، ولو بصورة مؤقتة، بما يسمح بتجميد الصراع والحصول على فترة هدنة لالتقاط الأنفاس.

لكنه يرى أن روسيا، في رأيه، لا تستثمر فترات الهدوء بصورة فعالة، بل إنها لا تنجح في تجديد نفسها إلا في ظروف الحرب والأزمات الكبرى، ولذلك يعتبر أن الوقت الذي تحاول موسكو كسبه عبر المفاوضات قد يكون، في نظره، غير مفيد، بل وربما ضارًا.

▪️أما التصور الثاني، الذي يصفه بأنه الأكثر مسؤولية وواقعية، فيقوم على إفتراض أن التصعيد مع الغرب، والولايات المتحدة، والإتحاد الأوروبي سيستمر في التزايد.

ويقول إنه ينبغي توقع دخول أطراف جديدة إلى المواجهة مع روسيا، مثل إحتمال إستهداف منطقة كالينينغراد، أو فرض حصار كامل على الملاحة في بحر البلطيق، أو تنفيذ هجمات إضافية داخل الأراضي الروسية بإستخدام صواريخ متطورة يصعب التصدي لها. ويرى أن مثل هذه الهجمات تحدث بالفعل، وأن وتيرتها وتأثيرها يزدادان تدريجيًا.

وإنطلاقًا من ذلك، يدعو إلى الإستعداد للتصعيد الذي يرى أن الغرب يفرضه على روسيا، وإلى التخلي عن الرهان على المفاوضات.

ويشرح أن روسيا تتعامل حاليًا وفق خطتين: «الخطة أ» القائمة على التوصل إلى إتفاق، و«الخطة ب» التي تُفعَّل إذا فشلت المفاوضات.

غير أنه يرى أن هذه المقاربة نفسها هي مصدر المشكلة، لأن الغرب، بحسب رأيه، يفسر وجود خيار تفاوضي لدى روسيا بإعتباره علامة ضعف، وهو ما يدفعه إلى زيادة الضغوط.

ويضيف أن التوصل إلى إتفاق لن يصبح ممكنًا، من وجهة نظره، إلا عندما تتخلى روسيا عن الرهان على التسوية وتظهر إستعدادًا أكبر للتصعيد. ويقول إن موسكو تعلن اليوم أن ردودها تأتي «ردًا على» أفعال معينة، لكنه يرى أن ذلك يحدّ من أثرها السياسي.

ويضرب مثالًا، قائلًا إن روسيا ينبغي، بحسب تصوره، أن تتصرف بصورة إستباقية لا بوصفها رد فعل، ليس فقط في أوكرانيا، وإنما أيضًا تجاه الدول التي يعتبرها داعمة للحرب.

ويختتم بالقول إن الغرب، في تقديره، لا يبدي إستعدادًا للتفاوض عندما يرى لدى روسيا رغبة في التسوية، بل يزيد من مستوى التصعيد، وأنه لن يصبح مستعدًا للحوار، وفق رؤيته، إلا إذا واجه تصعيدًا مماثلًا من الجانب الروسي.


سؤال - إذا كان من الواضح، بحسب ما تفضلتم به، أن التوصل إلى إتفاق مع الولايات المتحدة والغرب عمومًا لم يعد مجديًا، فما الذي يمنع في المقابل تعميق التعاون الداخلي بين دول ما تسمونه «المحور الأوراسي»؟ لماذا لا يتطور التعاون العسكري بين روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران، رغم أن هذه الدول تدرك جميعًا أنها تواجه الغرب؟

ألكسندر دوغين - أرى أن هناك سببين رئيسيين لذلك.

▪️السبب الأول هو أن كل دولة من هذه الدول – وربما بإستثناء كوريا الشمالية التي أعتبرها، من وجهة نظري، أكثر إدراكًا للمنطق الجيوسياسي – تعتقد أن من الأسهل لها أن تتوصل إلى تفاهم منفرد مع الغرب.

فروسيا، بحسب هذا التصور، قد تعتقد أنها تستطيع التوصل إلى إتفاق بمفردها، فيما تتولى إيران والصين معالجة مشكلاتهما كل على حدة. والصين، من جانبها، قد ترى أن على الروس والإيرانيين خوض صراعاتهم أولًا، ثم تتعامل هي مع الوضع لاحقًا. كما أن إيران كانت، حتى وقت قريب، تعتبر أن لها مسارها الخاص في التعامل مع الغرب، وأن روسيا تدير عمليتها العسكرية في أوكرانيا بصورة مستقلة.

ويضيف أن هذه الدول تتبادل أشكالًا مختلفة من الدعم، لكنها لا تزال، في رأيه، تتحرك وفق مبدأ أن «كل طرف مسؤول عن نفسه».

ويصف دوغين هذا النهج بأنه نوع من «القومية الضيقة»، حيث تُقدَّم المصالح الوطنية الآنية، وفق منطق براغماتي قريب من الواقعية السياسية، على الإعتبارات الجيوسياسية بعيدة المدى، وقد يصل الأمر، بحسب رأيه، إلى التضحية بالحلفاء خدمةً للمصلحة الذاتية.

ويرى أن هذا النمط من التفكير، الذي يربطه بالنهج الميكافيلي في السياسة، يشكل أحد أبرز العوامل التي تعرقل قيام محور أوراسي متكامل، رغم أنه يعتبر أن هذا المحور ينسجم مع منطق الجغرافيا السياسية ومع فكرة الصراع بين عالم متعدد الأقطاب وآخر أحادي القطب.

▪️أما السبب الثاني، بحسب دوغين، فهو وجود شبكات نفوذ غربية واسعة داخل مؤسسات الحكم في معظم هذه الدول، بإستثناء كوريا الشمالية في تقديره.

ويقول إن مثل هذه الشبكات موجودة في الصين، وكانت موجودة أيضًا في إيران حتى وقت قريب، بينما يرى أن روسيا تضم ما يسميه «الطابور السادس»، الذي يقول إنه ينشط منذ تسعينيات القرن الماضي بصورة علنية، ويشير إلى أن هذا التيار يُعرف اليوم، بحسب تعبيره، بـ«حزب الهدنة».

ويضيف أن هذه القوى تطرح خطابًا مفاده أن مصالحها مرتبطة بالغرب، وأن بإمكانها التوصل إلى تفاهم معه، وأن المشكلات التي تواجهها تعود إلى ما تصفه بـ«المتشددين» داخل دولها أو داخل المحور الأوراسي.

ويضرب أمثلة على ذلك، فيقول إن بعض الأصوات في روسيا تدعو، بحسب رأيه، إلى التقارب مع الغرب حتى لو جاء ذلك على حساب الصين أو إيران. ويرى أن أصواتًا مشابهة موجودة في إيران، حيث يعتبر أصحابها أن روسيا لا تقدم الدعم الكافي، وبالتالي من الأفضل تحسين العلاقات مع الغرب. كما يرى أن الصين تتبنى، حتى الآن، سياسة تقوم على تجنب القطيعة الكاملة مع الغرب، طالما أنها لم تدخل بعد في مواجهة مباشرة بشأن تايوان، مع إستمرارها في دراسة الدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا ومن الصراعات في الشرق الأوسط.

ويخلص إلى أن أنصار الواقعية السياسية المحدودة، إلى جانب من يعتبرهم ممثلين للنفوذ الغربي، يلتقون عمليًا، في رأيه، عند هدف واحد، هو التقليل من أهمية إنشاء كتلة جيوسياسية متعددة الأقطاب تقوم على المحور الأوراسي، وهو ما يؤدي، بحسب تقديره، إلى إبطاء هذا المشروع من الداخل.

ويضيف أن الغرب يعمل بدوره على منع تشكل هذا المحور، ويرى دوغين أن قيامه أصبح ضرورة.

ويقول إن هذا المحور يتشكل بالفعل، لكن ليس نتيجة مبادرة واعية من دوله، وإنما كرد فعل على الضغوط التي تمارسها، بحسب وصفه، القوى العولمية.

ويشير إلى أنه أمضى أربعين عامًا في الترويج لأفكار الجغرافيا السياسية داخل روسيا، لكنه توصل إلى قناعة بأن النخب لا تتعامل معها إلا بإعتبارها مادة فكرية للاطلاع، لا دليلًا عمليًا لصنع القرار. ولذلك يرى أن الدروس الحقيقية في الجغرافيا السياسية لا تتعلمها هذه النخب إلا من خلال الضغوط التي يمارسها الغرب.

سؤال - وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تسريع عملية التقارب بين روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية؟ وما الظروف التي قد تدفع هذه الدول إلى تجاوز الأسباب التي ذكرتموها؟ وهل يمكن أن يكون إستخدام السلاح النووي ضد إيران، على سبيل المثال، عاملًا محفزًا؟ فقد سبق أن تحدثنا عن إحتمال أن تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيار إستخدام السلاح النووي. كما أن الحديث عن إحتمال إمتلاك السعودية سلاحًا نوويًا يثير تساؤلات مهمة بالنسبة إلى المنطقة.

فهل تعتقدون أن المحور الأوراسي لن يتشكل إلا في ظل مثل هذه السيناريوهات الكارثية، أم أن هناك عوامل أقل خطورة قد تؤدي إلى النتيجة نفسها؟

ألكسندر دوغين - بصراحة، يصعب عليّ تقديم إجابة قاطعة.

ما أراه هو أننا لا نتعلم من أخطائنا، ولا من التفكير النظري، بل نتعلم من ردود الأفعال فقط.

ولا أعرف في أي لحظة سنتخلى عن الإعتقاد بإمكانية التوصل إلى تفاهم مع الغرب، وننتقل إلى خطوات عملية مباشرة.

فنحن، بحسب رأيه، لا نستيقظ إلا عندما يصبح الإستمرار في تجاهل الواقع مستحيلًا.

ويرى أن الإعتقاد بأن روسيا، أو الصين، أو إيران، جزء من الحضارة الغربية، وأن الغرب ليس خصمًا حقيقيًا بسبب وجود جذور تاريخية مشتركة، سيستمر ما دام لا توجد صدمة تجبر هذه الدول على مراجعة مواقفها.

ويضيف أن الإحتكام إلى المنطق أو التاريخ أو الجغرافيا السياسية أو التفكير الإستراتيجي، من الداخل، لا يحقق أثرًا يُذكر في تغيير هذا الواقع.

ويرى أن التحول نحو العمل المشترك ضمن إطار أوراسي لا يحدث إلا عندما تتعرض هذه الدول لضربة مباشرة، سواء كانت ضربة عسكرية، أو عملية إغتيال تستهدف القيادة الإيرانية، أو مؤامرات داخلية.

ويضرب مثالًا بالصين، مشيرًا إلى حادثة إعدام عدد من كبار القادة العسكريين هناك، ويعتبر أن ذلك يدل، في رأيه، على وصول عمليات الإختراق الأمريكي إلى مستوى بالغ الخطورة إستدعى إتخاذ إجراءات حاسمة.

ويقول إن السؤال الحقيقي هو: ما الحدث الذي سيجعل هذه الدول تدرك ضرورة الإسراع في بناء محور أوراسي ذي طابع عسكري، يقوم على المناورات المشتركة والمساعدة المتبادلة؟

ومن وجهة نظره، فإن المطلوب هو إنشاء تحالف عسكري يجمع روسيا وإيران والصين، يقوم على مبدأ أن «أعداء أحدنا هم أعداء الجميع»، مع تفعيل التعاون العسكري المتبادل.

ويرى أن مثل هذا التحالف يمكن أن يحقق، بحسب تقديره، مكاسب إستراتيجية عديدة، منها منح إيران منفذًا إلى القطب الشمالي عبر بحر قزوين، ومنح روسيا وصولًا إلى البحار الدافئة، فضلًا عن معالجة قضايا إستراتيجية أخرى.

ويتساءل: ما الذي يمنع تحقيق ذلك؟

ثم يجيب بأن العقبة الأساسية هي، في رأيه، القوى التي ترى في قيام هذا التحالف تهديدًا مباشرًا لمصالحها، وهي – بحسب تعبيره – الأعداء الحقيقيون لهذا المشروع.

ويضيف أن المشكلة تكمن في أن كثيرين لا ينظرون إلى هذه القوى بإعتبارها خصومًا، بل يعتقدون أن مواجهة الولايات المتحدة تمثل أولوية للصين وحدها بسبب تنافسها الإقتصادي والتكنولوجي معها، أو أنها تخص إيران بسبب سياساتها، بينما لا يرون مبررًا لدخول روسيا في مواجهة مماثلة.

ويختتم بالقول إن جميع الدول التي ترغب، بحسب رأيه، في الحفاظ على سيادتها وكرامتها وثقافتها وإستقلالها وحريتها ستجد نفسها مضطرة في النهاية إلى الإنضمام إلى هذا المحور الأوراسي، الذي يصفه بأنه محور هجومي.

ويبرر ذلك بقوله إن الطرف الآخر هو الذي يبادر بالهجوم، وإنه، من وجهة نظره، «إذا لم نهاجم نحن، فسوف يهاجموننا»، مضيفًا أن الخصم، بحسب إعتقاده، لا يفهم سوى لغة القوة.


سؤال - في المقابل، يبدو أن الغرب يتحرك بقدر كبير من الحذر والدهاء. فالولايات المتحدة تمنح السعودية اليوم إمكانية تخصيب اليورانيوم، وهو ما يُنظر إليه بإعتباره مشروعًا آخر موجهًا ضد إيران. ومن جهة أخرى، بدأ الحديث في اليابان عن إمكانية إمتلاك أسلحة نووية أو إستضافتها، مع الدعوة إلى مراجعة «المبادئ الثلاثة غير النووية» التي تبنتها طوكيو لعقود.
كما أن المواجهة بين روسيا وأوكرانيا تصاعدت، في جانب منها، عندما طُرح موضوع إحتمال حصول كييف على أسلحة نووية، وكان ذلك أحد الملفات الأساسية في الأزمة.
وبذلك يبدو أن معظم الدول المحيطة بروسيا تتأثر، بصورة أو بأخرى، بهذه التطورات، بإستثناء كوريا الشمالية. والسؤال هو: لماذا لا تستطيع روسيا أن تتصرف بالمثل؟ فإذا كانت الولايات المتحدة تنشئ بصورة غير مباشرة طوقًا من التهديدات النووية حول روسيا وحلفائها، فلماذا لا ترد موسكو بالمثل، أم أنها لا تملك هذه الإمكانية؟

ألكسندر دوغين - أرى أن الإمكانية موجودة، لكن ما نفتقده هو الإرادة والإدراك الحقيقي لعمق التحولات الجارية في العالم.

ويضيف أن التفكير السائد، بحسب رأيه، إنزلق في مرحلة ما إلى تفسير التاريخ والسياسة من خلال الإقتصاد والتجارة والمصالح المادية وحدها، وكأن إرتفاع المؤشرات الإقتصادية كفيل بحل جميع المشكلات.
ويرى أن هذا الفهم يمثل، من وجهة نظره، تبسيطًا مفرطًا للواقع، لأن الإقتصاد، مهما بلغت أهميته، لا يشكل العامل الحاسم في توجيه التاريخ، بل يخضع في النهاية للأيديولوجيات والمصالح السياسية.
ويعتبر أن الإعتقاد بأن السوق الحرة أو «اليد الخفية» ستقود العالم إلى الإنسجام هو، في رأيه، أحد أكثر التصورات خطورة، ويرى أنه صُمم أساسًا لخدمة النظام الدولي الذي يسمح، بحسب تصوره، للقوى المهيمنة بالإستفادة من الدول التابعة لها.
ويضيف أن هذا المنظور العولمي أصبح متجذرًا إلى درجة أن التحليل الجيوسياسي البارد، الذي يعتمد – بحسب قوله – على المبادئ نفسها التي يبني عليها الغرب إستراتيجياته، بات يُنظر إليه على أنه أمر ثانوي.
ويشير إلى أن علم الجغرافيا السياسية لم ينشأ في روسيا، وإنما وضع أسسه مفكرون أنغلوسكسونيون، وعلى رأسهم هالفورد ماكيندر، الذي صاغ مفاهيمه الأساسية.
ويشرح أن جوهر هذا التصور يقوم، بحسب رأيه، على صراع دائم بين «حضارة البحر»، التي يربطها بالعالم الأنغلوسكسوني الليبرالي والرأسمالي، و«حضارة البر»، التي يصفها بأنها تقوم على القيم التقليدية والثقافة الروحية والبطولة التاريخية.
ويرى أن هذا الصراع لا يمكن إنهاؤه ما دامت كل حضارة تحتفظ بإستقلالها، وأن فكرة إلحاق «هزيمة إستراتيجية» بروسيا تنبع، في نظره، من هذا المنطق الجيوسياسي، مؤكدًا أن الغرب لا يخفي هذه الرؤية، بل يدرّسها في مؤسساته الأكاديمية والعسكرية.
ويتساءل: لماذا لا تطبق روسيا هذه المبادئ على نفسها بدل الإكتفاء بردود الفعل؟

ويضرب مثالًا بقوله إن الردود الروسية غالبًا ما تأتي بعد تعرضها لضربة معينة، في حين يرى أن المطلوب هو إنتهاج سياسة معاكسة تقوم على المبادرة.

ويقول إن الغرب يسعى، بحسب تقديره، إلى تحقيق هزيمة إستراتيجية لـ«حضارة البر»، ولذلك فإن روسيا، إذا أرادت الحفاظ على وجودها، مطالبة – من وجهة نظره – بالإنتصار في هذا الصراع مع «حضارة البحر»، التي يعتبر أن الغرب الجماعي، بما في ذلك إدارة ترامب، يمثلها.

ويضيف أنه كان مستعدًا لمنح ترامب فرصة عندما وعد بالإعتراف بعالم متعدد الأقطاب، وبأن الغرب ليس سوى قطب واحد من بين عدة أقطاب، وأن كثيرين صدقوا تلك الوعود.

لكن، بحسب رأيه، فإن تلك الوعود إنهارت بالكامل، ولم يعد هناك ذلك ترامب الذي وصل إلى السلطة تحت شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا» (MAGA)، ولا ذاك الذي وعد بنشر ملفات إبستاين أو بمواجهة «الدولة العميقة».

ويرى أن كثيرًا ممن آمنوا بهذه الأفكار أصبحوا اليوم في صفوف المعارضة لترامب، ويعتبر أن الرئيس الأمريكي تحول، في النهاية، إلى مجرد جزء من المنظومة القائمة، سواء كان ذلك نتيجة ظروف فرضت عليه، أو لأنه كان، منذ البداية، شخصية غير مؤهلة، على حد تعبيره.

ويؤكد أن ما يجري اليوم، في نظره، هو تعبير عن الجغرافيا السياسية الكلاسيكية: «إما نحن أو هم».

ويعتبر أن فكرة المحور الأوراسي تمثل عنصرًا أساسيًا في التصورات الإستراتيجية الغربية، ويشير إلى أن الغرب بدأ العمل على منع قيام هذا المحور منذ ثمانينيات القرن الماضي.

كما يذكر أن بول وولفويتز وضع، بحسب رأيه، مبدأ منع ظهور كتلة سياسية أو عسكرية أو إقتصادية موحدة في أوراسيا داخل عقيدة الأمن القومي الأمريكية، ويرى أن هذا المبدأ ظل قائمًا عبر الإدارات الأمريكية المتعاقبة.


النووي والذكاء الإصطناعي... جبهة الصراع المقبلة


سؤال - ما أهمية الذكاء الإصطناعي في هذا السياق؟ وهل يمكن إعتبار ما شهده المؤتمر العالمي للذكاء الإصطناعي في شنغهاي خطوة نحو بناء المحور الأوراسي، خصوصًا مع حديث الصين عن إنشاء تحالف في مجال الذكاء الإصطناعي؟

ألكسندر دوغين - أعتقد أن ذلك يمثل، إلى حد ما، خطوة في هذا الإتجاه.

ويرى أن كثيرين، بمن فيهم أشخاص يعتبرهم أذكياء ومخلصين، ما زالوا يرفضون الإعتراف بقوانين الجغرافيا السياسية، رغم أن الغرب يبني سياساته عليها بصورة واضحة.

ويقول إنه لو جرى التسليم بهذه المبادئ، لأمكن تطبيقها على مختلف المجالات، سواء في إنشاء تحالف عسكري، أو في قضايا الردع النووي، أو في الإقتصاد، أو في التكنولوجيا.

ويضيف أن الغرب يسمح لحلفائه، مثل إسرائيل، وربما السعودية مستقبلًا، وربما اليابان، وحتى أوكرانيا، بإمتلاك قدرات نووية أو الإقتراب منها، بينما يعارض إمتلاك خصومه لقدرات مماثلة.

ويرى أن ذلك ينبغي أن يقابله، من وجهة نظره، تعاون مماثل بين الدول التي يعتبرها جزءًا من المحور الأوراسي، سواء في المجال النووي أو في المجالات الإقتصادية والتكنولوجية.

كما يدعو إلى تطوير منظومة إقتصادية مشتركة تخدم مصالح هذه الدول، وإلى توسيعها لتشمل الدول المحايدة، معتبرًا أن مجموعة بريكس تمثل إطارًا مناسبًا لهذا الغرض.

وفي ما يتعلق بالذكاء الإصطناعي، يرى أنه أصبح من أهم أدوات القوة التكنولوجية، وأنه إما أن يبقى خاضعًا لهيمنة ما يسميه «حضارة البحر»، أو يجري تطوير منظومة مستقلة للدول الأوراسية تضم روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية.

ويشير إلى أن الصين تعمل على بناء البنية التحتية اللازمة لذلك، من مراكز بيانات، وأنظمة تبريد، وخوارزميات، ونماذج ذكاء إصطناعي محلية، بحيث تستطيع الإستمرار حتى لو إنقطع الوصول إلى المنصات الغربية مثل Grok وChatGPT وGemini وClaude.

ويرى أن الصين تتبع هذا النهج في مختلف المجالات التكنولوجية بهدف تعزيز سيادتها التقنية، ويعتبر أن على روسيا الإنخراط في هذا المسار أيضًا.

ويضيف أن المشاركين وقّعوا بالفعل ميثاقًا في مؤتمر الذكاء الإصطناعي، لكنه يرى أن المطلوب هو إنشاء «ذكاء إصطناعي أوراسي» مستقل.

ويقول إن طرح مثل هذه الفكرة في كثير من الأوساط سيقابل، بحسب رأيه، بالسخرية أو بالتشكيك، لأن كثيرين ما زالوا يؤمنون بوجود نموذج واحد للتقدم، وديمقراطية واحدة، ونظام سياسي واحد، وإقتصاد واحد، يتمثل في الرأسمالية الليبرالية الغربية.

ويخلص إلى أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الذكاء الإصطناعي نفسه، بل في ما يسميه «الذكاء الطبيعي للنخب»، الذي يرى أنه ما زال متأثرًا بالرؤية الغربية للعالم.

ويرى أنه مهما جرى الحديث عن التعاون مع الصين في مجال الذكاء الإصطناعي، فلن يتحقق تقدم حقيقي ما دامت النخب المؤثرة، بحسب رأيه، تنظر إلى الغرب بوصفه المرجعية الوحيدة في السياسة والإقتصاد والتكنولوجيا.

ويضيف أن إستمرار هذا التصور سيعرقل بناء شراكة متوازنة مع الصين، وسيحد من قدرة روسيا على دعم إيران، الأمر الذي قد يؤدي، في رأيه، إلى إنتقال الضغوط التي تواجهها طهران إلى روسيا نفسها.

ويختتم حديثه بالقول إنه إذا لم يحدث، في هذه المرحلة، «صحوة جيوسياسية»، فإن روسيا ستكون بحاجة إليها في المستقبل.

ويرى أن هذه الصحوة تعني إدراك خصوصية «حضارة البر»، والتمسك بمشروع العالم متعدد الأقطاب، وعدم الإكتفاء بردود الفعل، بل المبادرة إلى صياغة الأحداث وفرض جدول الأعمال، بحيث يصبح الغرب هو الطرف الذي يضطر إلى التكيف مع المبادرات الروسية، لا العكس.

ويختم بالقول إنه كان من الممكن إستيعاب دروس الجغرافيا السياسية بإرادة ذاتية، لكن ذلك لم يحدث، معربًا عن أمله في أن تكون روسيا قد إقتربت من اللحظة التي تبدأ فيها التعامل مع الجغرافيا السياسية بإعتبارها أساسًا حقيقيًا للتفكير الإستراتيجي وصنع القرار.ششش



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مونديال 2026: حين كشفت كرة القدم أزمة الغرب مع العالم ومع نف ...
- ألكسندر دوغين - إغتيال ليندسي غراهام... ومن بعده «إئتلاف الر ...
- «المحكمة السرّية»... وفاة ليندسي غراهام تشعل مهرجان نظريات ا ...
- ألكسندر دوغين - ليندسي غراهام... «عدوّ البشرية»
- أوروبا على حافة الهاوية: سيناريو الحرب المقبلة مع روسيا
- عندما تتآكل هيبة الجيوش: ماذا تكشف معركة علي الطاهر عن تحولا ...
- روسيا من الداخل – من الإخفاقات العسكرية إلى الإنفجار الإجتما ...
- إعتراف إسرائيل بالإبادة الأرمنية... الذاكرة التاريخية في خدم ...
- نهاية «السلام البارد» في اليمن؟
- ألكسندر دوغين - نظرية الحرب العادلة: من سيزر إلى دونالد ترام ...
- المقال الذي أغضب ترامب - بعد 120 يوما من الحرب: ماذا تغيّر ف ...
- ألكسندر دوغين - اللعبة الأخيرة للإمبراطورية
- كيف يمكن إنقاذ التحالف الأمريكي–الإسرائيلي؟
- إسرائيل: الأعمدة الأربعة للعقيدة الهجومية الجديدة
- ماذا قالت الصحافة الروسية - أمريكا عند عامها ال250: إحتفال ب ...
- بعد قرنين ونصف على إعلان الإستقلال: كيف تعيد الولايات المتحد ...
- من مقعد مجلس الأمن إلى أزمة النفوذ: ماذا تكشف هزيمة ألمانيا ...
- من صفحات التاريخ - أسرار القصر البريطاني والرايخ الثالث... م ...
- ألكسندر دوغين: لماذا كان السلام بين إيران وواشنطن مستحيلاً؟
- ألكسندر دوغين - العملية العسكرية الخاصة أصبحت حرباً مفتوحة.. ...


المزيد.....




- ترامب: الإيرانيون يزدادون جديّة.. ونتحدث معهم حاليًّا
- السعودية: إصابة -طفيفة- في سفينة جراء استهدافها بالبحر الأحم ...
- مصر تستعد لتطبيق منظومة تأشيرات إلكترونية جديدة
- -أكسيوس-: واشنطن ولندن تخططان لعقد مؤتمر لبحث إمكانية تشكيل ...
- استهداف جديد لسفينة سعودية في البحر الأحمر
- ترامب: على السعودية الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام إذا أرادت ...
- -رويترز-: غارات عدة تستهدف ميناء الحديدة اليمني (فيديو)
- خطر يقلق الخبراء.. مسبب مرض مميت يصممه الذكاء الاصطناعي
- ترامب: مفاوضات تجري مع إيران وتشهد استجابة أكثر من أي وقت مض ...
- واصلت إبحارها.. استهداف سفينة سعودية جديدة بالبحر الأحمر


المزيد.....

- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ألكسندر دوغين - المواجهة مع الغرب دخلت مرحلة جديدة... والمحور الأوراسي بات ضرورة إستراتيجية (برنامج إيسكالاتسيا على راديو سبوتنيك)