عيبان محمد السامعي
الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 10:41
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لطالما عانت اليمن، ولا تزال، من الحروب والصراعات التناحرية المُدمِّرة، حتى باتت الحروب ظاهرة متكررة تُلازِم حياة اليمنيين، وتأخذ شكل متوالية حسابية؛ فما إنْ تنتهي حربٌ حتى تطلُّ حربٌ أخرى بقُرونِها.
ليس من المبالغة في القول إنّ الحروب قد طبعتْ حياة اليمنيين بطابعِها الخاص، وأصبحت بمثابة القاعدة لا الاستثناء، القاعدة التي شكَّلت وتُشكِّل مَعاشَهم، وتاريخَهم، وطبائعَهم، وأنماطَ تفاعلاتِهم، وتمثّلاتَهم عن الماضي والحاضر والمستقبل.
لم يَنْعُمْ المجتمع اليمني بحالة الاستقرار طوال التاريخ المعاصر إلا لِمامًا، أو خلال فترات مُتقطّعة، تَحُولُ دون حدوث تراكم تنموي من شأنِهِ أنْ يُحدِثَ قطيعة تاريخية وثقافية مع الحرب والعنف، ويفتح آفاقًا واعدة أمام استيلاد مجتمع ديمقراطي مزدهر، يستدمج ثقافة السلام.
سنحاول من خلال سلسلة من الحلقات تقديم تحليل سوسيو – تاريخي للحروب المتكررة في اليمن خلال الفترة الممتدة منذ ستينيات القرن الماضي حتى الآن. كما سنحلل أسباب وعوامل ظاهرة تكرار الحروب في اليمن، قبل أن ننتقل إلى التناول التفصيلي للحرب الدائرة في البلاد منذ مارس 2015، وسياقاتها، وديناميكياتها، وتداعياتها الكارثية على الأصعدة المختلفة؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
خلفيّة تاريخيّة:
بُعيد اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962، وقيام النظام الجمهوري في الشطر الشمالي من البلاد، واجهت الثورة الوليدة حربًا ضروسًا من فلول الملكيين بقيادة محمد البدر [1]، الذي كان يحاول استعادة السلطة، مسنودًا بدعم سخي من دول خارجية: السعودية، وبريطانيا، وأمريكا، وإيران. واستمرت الحرب بين الجمهوريين والملكيين (8) سنوات، حتى انتهت بمصالحة بين الطرفين برعاية سعودية في مارس 1970، وعُرفت بـ"اتفاقية جدة".
وشَهِدَ الشطر الجنوبي من البلاد، منذ اندلاع ثورة 14 أكتوبر 1963، حرب تحرير شعبية قادها الثوَّار الوطنيون ضد الاحتلال البريطاني الذي جثم على الجنوب قرابة (129) عامًا، وانتهت تلك الحرب بإرغام الاستعمار البريطاني على الرحيل، وإعلان الاستقلال في 30 نوفمبر 1967.
لقد مثلّت ثورتا 26 سبتمبر 1962، و 14 أكتوبر 1963، واستقلال 30 نوفمبر 1967 أحداثًا تاريخية فارقة، فقد نقلت البلاد من مرحلة إلى مرحلة مختلفة كليًا. ففي الشطر الشمالي أُعلِنَ عن قيام "الجمهورية العربية اليمنية" على أنقاض "المملكة المتوكلية". وفي الشطر الجنوبي أُعلِنَ عن قيام "جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية" [2] عقب رحيل الاستعمار البريطاني. وكانت الآمال تصبو – آنذاك – أن تتجه البلاد في المرحلة الجديدة إلى تحقيق الاستقرار والتحديث واللحاق برَكْب العصر؛ إلا أنّ تلك الآمال سرعان ما تبخَّرت؛ بسبب ما شهده كل شطرٍ على حدّة من اضطرابات داخلية وصراعات تناحرية بين الفُرقاء السياسيين، وما شهده – أيضًا – الشطران من حروب ومواجهات مسلحة فيما بينهما، ويمكن الإشارة إلى أهم الوقائع الدَّالة على ذلك، فعلى امتداد السنوات (1962 – 1970) كان الشطر الشمالي يعاني من حرب مستعرة بين الجمهوريين والملكيين، وفي أثناء ذلك كانت الصراعات الدامية تشتعل داخل صفوف الجمهوريين، فقد شهد 5 نوفمبر 1967 انقلابًا على أول رئيس للجمهورية الوليدة هو الزعيم عبدالله السلال وحكومته، وقد نفذّته قوى اليمين الجمهوري [3]، ليعتلي القاضي عبدالرحمن الإرياني سدة الحكم. صبَّ هذا الانقلاب في مصلحة الملكيين الذين أعدوا العُدّة، وبدعم مباشر من المملكة العربية السعودية وبريطانيا ودول إقليمية أخرى، لمحاصرة العاصمة صنعاء فيما عُرف آنذاك بحصار السبعين يوماً (28 نوفمبر 1967 إلى 7 فبراير 1968).
أخفقت القوى الملكية ومن يقف خلفها في تحقيق مراميها، بفعل بسالة أبناء صنعاء وشباب القوات العسكرية المحسوبة على اليسار الجمهوري في الذود عن العاصمة وعن الثورة ونظامها الجمهوري، وبدلاً من أن يكافئ هؤلاء الأبطال على صنيعهم الوطني المُشرّف، إذا بالقوى التقليدية من المشائخ القبليين ورموز اليمين الجمهوري ترتكب مجازر وتصفيات بشعة بحقهم في الفترة (18 – 24 أغسطس 1968) فيما عُرفت بأحداث أغسطس الدامية.
في 13 يونيو 1973 قامت "الحركة التصحيحية" التي عزلت الرئيس عبدالرحمن الإرياني، وتسلّم السلطة إبراهيم محمد الحمدي، الذي اغتيل بعد ثلاث سنوات وبضعة أشهر (تحديداً في 11 أكتوبر 1977) بصورة دامية وقاسية، ليتسلم السلطة أحمد حسين الغشمي، الذي اغتيل هو الآخر بعد بضعة أشهر (في 24 يونيو 1978). تلا ذلك اندلاع مواجهات مسلحة عُرفت بـ "حروب المناطق الوسطى" التي دارت راحاها خلال الفترة (1978 – 1982) في بعض المناطق والمحافظات اليمنية، وكان طرفاها: الجبهة الوطنية الديمقراطية المدعومة من النظام الحاكم في الشطر الجنوبي، وقوات الأمن والجيش التابعة للنظام في الشطر الشمالي وبمساندة من "الجبهة الإسلامية" التي كان يقودها الإخوان المسلمون. وقد تركت هذه الحروب ندوباً اجتماعية لا تزال بعض آثارها باقية حتى الوقت الحاضر.
لم يكن الوضع في الشطر الجنوبي بأفضل حال من نظيره الشمالي، فبُعيد الاستقلال الوطني من الاستعمار البريطاني في 30 نوفمبر 1967 دخلت البلاد في دوامة من الصراعات التناحرية العنيفة. بدأت حلقاتها المتسلسلة في 22 يونيو 1969، وذلك بقيام "الجناح اليساري" في الجبهة القومية بزعامة سالم رُبيّع علي "سالمين" بإزاحة "الجناح اليميني" الذي يتزعمّه قحطان الشعبي، ومن معه من وزراء، ومسؤولين من السلطة، وإحكام "الجناح اليساري" سيطرته على السلطة. وبعد بضعة سنوات، وتحديداً في 26 يونيو 1978، تمت تصفية الرئيس "سالمين" في إطار صراع الأجنحة داخل الجبهة القومية "التنظيم السياسي الموحد". لم تسهم إزاحة سالمين من المشهد في إخماد جذوة الصراع كما كان يأمل البعض، بل زادته اشتعالاً وتأجُّجاً، لتحصل المقتلة الكبرى في 13 يناير 1986، وذلك باندلاع مواجهات مسلحة دامية بين أجنحة النظام الحاكم في عدن، واستمرت عدة أيام، وخلّفت آلاف الضحايا، ودمارًا هائلًا، وتسببت بحدوث شروخ اجتماعية لا تزال تداعياتها قائمة حتى اليوم.
لم تتوقف سلسلة الحروب والصراعات التناحرية عند هذا المستوى، بل كان هناك مستوى آخر هو الحروب بين شطري البلاد، ففي سبتمبر 1972 اندلعت مواجهات حدودية مسلحة بين قوات الجمهورية العربية اليمنية (ج.ع.ي) (اليمن الشمالي) وقوات جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (ج.ي.د.ش.) (اليمن الجنوبي)، وتكررت تلك المواجهات خلال الفترة 24 فبراير، و28 – 29 مارس 1979.
مع تحقيق الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، تهيَّأت فرصة ذهبية لليمنيين لمغادرة مربع الحروب نحو تسوية الصراعات السياسية بآليات سلمية حضارية، لاسيما وأن تحقيق الوحدة جاء مقروناً باعتماد الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية والحريات المدنية كمداميك للدولة اليمنية الموحدة. ومرةً أخرى أفلتت هذه الفرصة من يد اليمنيين، ففي أقل من أربع سنوات نشبت حرباً أهلية هي بمثابة أم الحروب والكوارث التي شهدها تاريخ اليمن المعاصر، وهي حرب صيف 1994، والتي كان طرفاها: قوات اليمن الشمالي (سابقًا)، الخاضعة لنفوذ المؤتمر الشعبي العام، وحشد من المقاتلين القبليين والمنتمين إلى حزب الإصلاح من جهة، وقوات اليمن الجنوبي (سابقًا) والخاضعة لنفوذ الحزب الاشتراكي اليمني. وانتهت الحرب بانتصار الطرف الأول وهزيمة الطرف الثاني، وقد ألقت هذه الحرب بظلالها القاتمة على الوحدة اليمنية، وأحدثت شروخًا وجروحًا غائرة في النسيج الاجتماعي الوطني، وعززت الانقسام السياسي، وتركت تداعيات خطيرة لا تزال تعاني منها البلاد حتى اليوم.
وبعد عقد من تلك الحرب الآثمة، اندلعت حرب عام 2004، التي مثلت الحلقة الأولى في سلسلة من حروب ستة دارت رحاها في محافظة صعدة ومناطق مجاورة لها خلال الفترة (2004 – 2010)، وكان طرفاها: جماعة الحوثيين من جهة وقوات الجيش الحكومي المسنودة بمقاتلين قبليين وسلفيين من جهةٍ ثانية. وقد خلّفت آثارًا سياسية واجتماعية سلبية، وأحدثت تحولًا في ميزان القوة، إذ صعدت جماعة الحوثيين لتصبح قوة سياسية فاعلة ومؤثرة في المشهد السياسي اليمني.
بلغت ذروة الحروب المتوالية على اليمن وأهلها باندلاع حرب مارس 2015، التي لا تزال مستمرة حتى اللحظة، وإن خفَّتْ وتيرة المواجهات المسلحة إلا أنّها قد شهدت تحوّلات في ديناميكياتها ومساراتها، وهو ما سيتم التفصيل فيه في الحلقات القادمة.
فضلًا عمّا تمت الإشارة إليه سلفًا، شهدت اليمن خلال الست العقود والنصف الماضية نِّزاعات قبلية واجتماعية كثيرة في العديد من المحافظات والمناطق اليمنية، لا يتَّسع المجال للتفصيل فيها.
يتّضح مما تقدَّم، أنّ الحروب والصراعات الداميّة في اليمن مثلََّت ظاهرة متكررة ومُتناسلة في تاريخها المعاصر، فما إنْ تخرج البلاد من حربٍ حتى تدخل في حربٍ أخرى أشدَّ قوة وأكثرَ فظاعة، حتى باتت تلك الحروب المتناسلة تُؤطّر تاريخ البلاد في حركة أشبه بحركة "البندول" الذي يتحرك يُمنةً ويُسرةً باستمرار وبلا توقُّف. وبهذا المعنى، هي حروبٌ دائمة، لا تُتيح فرصة لتحقيق الاستقرار السياسي إلا بشكل استثنائي وبصورة مُتقطّعة.
السؤال الذي يفرض نفسه، في هذا المقام، هو: لماذا تتناسل وتتكرر الحروب والصراعات التناحرية في اليمن؟ ما الأسباب والعوامل التي تعيق عملية تحقيق الاستقرار السياسي والسلِّم الاجتماعي في البلاد؟
ستحاول الحلقة القادمة الإجابة عن هذه التساؤلات.
يتبع...
هوامش:
(*) باحث متخصص في علم الاجتماع السياسي.
[1] محمد البدر (1926 – 1996) آخر الأئمة في المملكة المتوكلية (1918 – 1962)، التي أطاحت به ثورة 26 سبتمبر 1962.
[2] تحوَّل اسمُها، عام 1969، إلى "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية".
[3] شملت كتلة اليمين الجمهوري؛ حركة الأحرار اليمنيين، و"تيار الإسلام السياسي"، وحزب البعث، وبعض شيوخ القبائل، وبعض كبار المُلّاك، وكبار ضباط الجيش. وكانت هذه الكتلة تتلقَّى دعمًا من المملكة العربية السعودية.
#عيبان_محمد_السامعي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟