|
|
قراءة وعرض لكتاب الدكتور عبد اللطيف حيدر حول التعليم -الحلقة الثالثة- 3-4
قادري أحمد حيدر
الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 10:03
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
الباحث، د. عبداللطيف حيدر.. قراءة وعرض لكتابه الجديد: (الخيال والتنمية رهان اقتصاد المعرفة منخفض التكلفة).
( ٣٤ )
على مدى عقودٍ مضت، ظلَّ الحديثُ عن التنميةِ يَدورُ في فلكِ السياسةِ والاقتصادِ بوصفِها شأناً سيادياً ترسمُ ملامحَه القياداتُ العليا للدولِ. أمّا اليومَ، فقد تحوَّل مفهومُ التنميةِ إلى قضيةٍ معرفيةٍ وإنسانيةٍ بالدرجةِ الأولى؛ إذ لم يَعُد ممكناً تناولُها بمعزلٍ عن الدورِ المركزيِّ للفردِ، والجماعة ( المجتمع), وجعلِ مصالحِه غايةً أسمى، لا مجرّدَ وسيلةٍ للإنتاجِ. إنَّ المحورَ الأساسيَ اليومَ هو المشاركةُ الحقيقيةُ للناسِ في الارتقاءِ بتفاصيلِ حياتِهم الخاصةِ والعامةِ من خلال ابتكاراتهم الإبداعية؛ بعد أن استقرَّ الميزانُ على أنَّ تقييمَ الإنجازِ التنمويِّ لا يُقاسُ بلغةِ الأرقامِ الصمَّاءِ، وإنَّما بمدى أثرِهِ الملموسِ في حياةِ الإنسانِ وواقعِهِ، وهو عينُ ما يُفصِّلُ القولَ فيه هذا الكتابُ
الجميل في الكتاب، أن الباحث قدم أمثلة للخيال الاستراتيجي على مستوى الدول، والخيال الاستراتيجي في واقع القطاعات والخدمات، لتمييز وتوضيح الفارق فيما بينهما.
وفي الحالتين لا يبحث الباحث "عن حلول آنية، بل يصمم أنظمة ذكية تجعل النجاح مستداماً وتلقائياً، محولاً الخدمة العامة من عبء إداري إلى منصة استباقية تولد المرونة والكفاءة من داخل بنيتها نفسها". د. عبداللطيف، ص88.
وهذا هو الجديد والذي سيتحدد مع فجر كل يوم جديد، وهو الذي يحاول الباحث تأكيده في موضوعات الكتاب.
لا يبحث عن حلول جزئية في الموارد، أو في مراكمة المال، بل في تعميق دور الخيال الاستراتيجي في صناعة وإنتاج حلول واقعية مبتكرة من أشياء صغيرة بسيطة موجودة في تربة الواقع، ويطرح أمثلة عينية ملموسة حول ذلك من خلال النماذج التطبيقية المبتكرة.
"رواندا: من "نظام علاج" إلى "نظام إدارة حياة"". د. عبداللطيف، ص88.
وكلنا يعلم معاناة رواندا من حرب الإبادة العرقية / العنصرية التي عاشتها، ومع ذلك تجاوزت ما كان بجملة من الإجراءات الصغيرة البسيطة الواقعية ولكن العميقة في معناها الإنساني، معالجات من خارج منطق التقليد لتجارب الآخرين.
"لم تبدأ رواندا من المستشفى بل من القرية، ولم تبدأ من الطبيب بل من الإنسان العادي بوصفه أقرب نقطة رصد للخطر. لذلك أنشأت شبكة عمال صحة مجتمعيين لا يحملون سلطة مهنية تقليدية بل معرفة سياقية: يعرفون العائلات، وأنماط العيش، والتغيرات الصغيرة التي لا تظهر في السجلات الرسمية. ولم يكن هؤلاء العمال بديلاً عن الأطباء، بل طبقة استشعار مبكر تسبق الحاجة إلى الأطباء. بهذا التحول، لم تعد الصحة خدمة تطلب عند الانهيار بل عملية مراقبة هادئة للحياة اليومية". د. عبداللطيف، ص89.
وهكذا كان يتم تفعيل الخيال الاستراتيجي في واقع كل مجتمع وبلد لاكتشاف ما يحتاجه المجتمع / الناس مباشرة. فالهند تجاوزت منطق "دعم الإنتاج الزراعي إلى إدارة المخاطر الزراعية". د. عبداللطيف، ص90.
أي أن الهند التي يقدر عدد سكانها قرابة مليار ونصف، أمسكت بجوهر وقلب الأزمة في صورة إدارة المخاطر الزراعية، انتقال من الجزئي إلى الكلي، من البسيط إلى المعقد في صناعة الحل، والذي انعكست آثاره الإيجابية على كل العملية الزراعية.
وهكذا نقرأ المعالجات والحلول العملية الواقعية البسيطة للكثير من أزمات التنمية، جوهرها في تقديري وضع نظرية وواقع "اقتصاد المعرفة" أمام عقولنا ونحن نفكر في واقعنا وفي الحلول. وفي الكتاب عرض وتحليل نظري وعملي ملموس لنماذج عديدة – كما سبقت الإشارة- حول الكثير من الأزمات التي واجهت الدول والقطاعات، كل حالة أو تجربة تقدم حلولها النظرية والعملية التطبيقية الخاصة بها، حول ممارسة اقتصادية منخفضة التكلفة، بالانتقال من الخيال الاستراتيجي إلى الخيال المؤسسي والحكمة المؤسسية حسب تعبير الباحث.
جميع عناوين/ موضوعات الكتاب، على اختلافها، تؤكد انتقال البشرية التدريجي من الاقتصاد الكمي، وحتى الكيفي الثقيل في إطار الدولة ذات الموارد والبنى التحتية الجبارة، ذات القوى وذات الجيوش القوية والكبيرة، إلى اقتصاد الفكرة والرؤية والابتكار، والخيال الاستراتيجي الذي ينتجه فرد أو مجموعة أفراد بإمكانات مادية محدودة في إطار مجتمع ودولة كل قوتها ومهارتها أنها تحفز وتشجع، بل وتعتمد على رأس المال البشري "المعرفي"، والمبادرة، والمهارات الفردية، والابتكارات الفكرية والعلمية، في صورة ما يسمى "اقتصاد المعرفة" الذي هو نقلة نوعية معرفية ومادية وحضارية معاصرة، تجاوز لكل ما كان من تصورات ومفاهيم حول التنمية، تتجاوز الحدود الجغرافية، أي تنمية متجددة ومستدامة أبداً ولا تحدها حدود، سوى حدود قدرات العقل البشري على المبادرة والاختراع والابتكار، بتنفيذ وتطوير تطبيقات ذكية واقعية ومستقبلية بأقل تكلفة مادية. قطعاً، بالاستفادة مما كان من تجارب تنموية في تجاربنا والعالم من حولنا.
"اقتصاد المعرفة" ليس وصفة سحرية جاهزة للتطبيق وللحل في كل مكان، ففي قلب وداخل هذا المفهوم جملة هائلة وواسعة من المفاهيم والمهارات والخبرات الخاصة والابتكارات والتطبيقات، فما يصلح لهذه المنطقة ولهذا القطاع ولهذا البلد لن يكون صالحاً لاستنساخه في سياقات بلدان وقطاعات أخرى. فالخيال الاستراتيجي، والخيال المؤسسي لهما تمظهرات وتجسيدات واقعية مختلفة في كل حالة من الحالات.
فالحكمة المؤسسية- حسب تعبير ورأي الباحث، – "لا تقوم على توسيع أداة واحدة بلا حدود، بل على معرفة متى تُستخدم؟ ومتى تُقيد؟ ومتى يُستعاض عنها؟ ليس الخيال الاستراتيجي مرادفاً لتقليص دور الدولة في كل الأحوال، فبعض السياقات لا تعاني من فرط التدخل بقدر ما تعاني من هشاشة القواعد وضعف الانضباط. في مثل هذه البيئات، قد يؤدي الانسحاب المبكر - يقصد للدولة - إلى فراغ مؤسسي تملؤه الفوضى أو المصالح الضيقة، لا إلى ابتكار أو كفاءة أعلى". د. عبداللطيف، ص104.
أي أن هناك جملة شروط ذاتية وموضوعية يجب الالتزام بها، وقد وضح فيها الكتاب ذلك في موضعه وسياقه مفصلاً وشارحاً السلبيات والإيجابيات التي يجب وضعها في عين الاعتبار.
"لا ينبغي أن يتحول الخيال المؤسسي إلى معيار أخلاقي يُدان من لا يمارسه (...) ومن أن قوة الخيال المؤسسي لا تكمن في شموليته، بل في انضباطه الذاتي، فهو أداة للتعلم حين يكون الغموض عالياً، والمسار غير محسوم، وكلفة التجريب قابلة للاحتواء، أما حين تكون المخاطر وجودية، أو القواعد غير قابلة للتأويل، فإن أعظم أشكال الخيال هو احترام الحدود". د. عبداللطيف، ص106.
ولذلك يُطلق على مفهوم "اقتصاد المعرفة" أنه الرهان العقلاني والواقعي منخفض التكلفة.
وبهذا المعنى "فالنتيجة في جوهرها ليست مجرد أفكار وتصورات بل هي تجربة يومية تهدف إلى تحويل هذه الأفكار إلى واقع ملموس، والبدائل إلى فرص للعيش، والمعرفة إلى أثر حقيقي يلمسه الناس في حياتهم". د. عبداللطيف، ص107.
التنمية في زمن اقتصاد المعرفة ليست خططاً وميزانيات وموارد كبيرة، واستثمارات ضخمة وناتجاً إجمالياً كبيراً للطبقات العليا وبعض الفئات المتوسطة، ووقوع غالبية قطاعات المجتمع في الدرك الأسفل من قاع الفقر والجوع والحرمان من جميع وسائل الحياة.
"فالعبرة، ليست بنمو الأرقام، بل بنمو الإنسان، الذي تخدمه تلك الأرقام". د. عبداللطيف، ص112.
ستلاحظون أن فكرة العدالة الاجتماعية والإنسانية هي الغاية والقيمة المنشودة في نظرية وتطبيقات اقتصاد المعرفة، كما يقدمها لنا الباحث كرؤية جديدة في التفكير في التنمية، وفي دور الإنسان (رأس المال البشري) أو (رأس المال المعرفي)، وفي مقدمة ذلك تنمية العقل الإنساني، والفعل المصاحب لذلك، باختصار دور الوعي والفكر والعقل في اقتصاد المعرفة منخفض التكلفة، الذي يكون أساسه وقاعدته منصات التعلم المفتوح والرخيص والبسيط (منخفض التكلفة)، وفي هذا السياق يقدم لنا الكتاب تجارب عديدة في هذا المجال: "منصة روملي" و"جامعة الشعب" و"مدرسة 42" كنماذج لاقتصاد المعرفة منخفض التكاليف.
وهي نماذج واقعية ملموسة، تحدث عنها الباحث في كتابه.
إن الهم المعرفي والفكري والاجتماعي السياسي، الذي يهيمن على عقل وفكر وسلوك الباحث، وهو يتحدث عن اقتصاد المعرفة، إنما ينحصر ويتحدد ببعدي العدالة الاجتماعية وفكرة الحرية (الصالح العام)، وإن كان لا يتحدث عن ذلك في صياغات أيديولوجية مباشرة.
الإنسان الفرد والجماعة موضوع في قائمة أولوياته واهتماماته، ولذلك هو ضمنياً ومباشرة ضد فكرة البقاء للأقوى، ولا يتوافق مع فكرة الغلبة والتغلب. وبهذا المعنى، فإن اقتصاد المعرفة منخفض التكلفة إنما ينطوي على فكرة أخلاقية نبيلة، وعلى عمق إنساني شامل، وهو ما وجدته وقرأته في إهدائه وفي تقديمه للكتاب وفي جميع صفحات الكتاب من أول حرف إلى آخر سطر.
فالمعرفة عنده – في فكره وتفكيره – قيمة إنسانية، و"ليست ترفاً فكرياً، بل هي قرار مصيري، إما أن تكون "أفقاً" يفتحه العقل ليعبر منه المتعبون نحو حياة أفضل، أو أن تكون "جداراً" يزيد من عزلة الفقراء وإقصائهم. إن المسؤولية الأخلاقية الكبرى – كما يرى الباحث- تفرض علينا أن تسبق "العدالة" دائماً فكرة "المنفعة"". د. عبداللطيف: ص123.
إن المعرفة عامة، واقتصاد المعرفة خاصة، إن لم تكن ترياقاً يداوي جراح الناس، وتساهم في حل مشاكلهم العملية والحياتية، فلا أمل منها، هذا ما تقوله سطور الكتاب بلغة أدبية راقية، وبفكر عميق ورصين، يجعل من المعرفة "اقتصاد المعرفة" قضية أخلاقية وسؤالاً إنسانياً مستداماً. لذلك يقول: "دعونا نؤمن باقتصاد معرفي أداته "البساطة" ومداه "الإنسانية" وغايته "العدل"؛ اقتصاد يبدأ بالأخلاق وينتهي حيث ينتهي ألم الإنسان". د. عبداللطيف: ص124.
أي أخلاق محسوبة بدقة ومدروسة بالمسطرة والتجربة وبالقلم وبالمشاعر.
نجد أنفسنا مع ذلك القول وكأننا ننتقل من الأيديولوجيا إلى الطوبى الإنسانية في زمن صعب، ولكنه معبأ بالأحلام الجميلة والكبيرة التي بدأت بالخيال، بالحلم بالطوبى، لتستحيل عبر الممارسة إلى واقع. هي محاولة لأنسنة العالم من حولنا، وهو حق أخلاقي وإنساني مشروع في واقع محاولات عبثية لاستعادة عصر الاستعمار والإمبراطوريات العسكرية/ الاقتصادية، في مقابل صعود عصر الإنسان، العقل والمبادرة والابتكار الذاتي (رأس المال المعرفي) في أشكال تجسيداته وتمظهراته المختلفة البسيطة الطالعة من قاع المجتمعات الفقيرة في الموارد، إلا من الخيال ومن الحلم الاستراتيجي بعالم جديد وحضارة عالمية إنسانية واحدة يصنعها البشر البسطاء في كل الأرض الإنسانية.
الكتاب لا ينكر حالة وواقع الفقر والندرة، بل يسعى ليجعل منهما فرصاً جديدة للغنى وللوفرة وللحياة المريحة، ولذلك يكتب د. عبداللطيف:
"في مدرسة الندرة، نتعلم درساً جوهرياً: إن الأفكار العظيمة ليست هي التي تستهلك موارد ضخمة بل هي التي تصنع أعظم المعاني بأقل الإمكانات. إنها رحلة الإبداع التي تبدأ من واقعنا المحدود، وتكبر بذكائنا؛ لتصبح قوة تحررنا وتعيد للمعرفة كرامتها بوصفها وسيلة للحياة والتمكين". د. عبداللطيف: ص128.
في تقديري، أن الكتاب يقدم للقارئ معرفة نظرية وفكرية واجتماعية واقتصادية وتجسيدات تطبيقية تؤكد أو تدحض – كما هي في بعض الحالات- قوة النظرية أو الفكرة التي يذهب إلى الدعوة لنشرها وتعميمها وفق خصوصية كل حالة على حدة. (انظر تجربة ومثال رقم (25) في البيرو والتكنولوجيا، والدرس المستفاد منها، ص129.
وهكذا في نماذج تطبيقية مختلفة).
باختصار مكثف، "ليست التنمية سباقاً عالمياً نركض فيه خلف الآخرين، بل رحلة محلية واعية تبدأ من مشكلاتنا، وتبتكر حلولاً تنسجم مع قدراتنا، وأعظم ما تحققه المعرفة ليس إبهار العالم ببريقها، بل إنقاذ حياة، أو تخفيف وجع، أو فتح نافذة أمل في زاوية منسية لم يلتفت إليها أحد من قبل. هنا يستعيد التقدم معناه الحقيقي، ويعود الاقتصاد إلى حجمه الإنساني الطبيعي، ويغدو المستقبل شيئاً يمكن تخيله ثم بناؤه خطوة خطوة". د. عبداللطيف: ص133.
لا أنكر أن هناك خيالاً جميلاً ونبيلاً في الرؤى التي يقدمها د. عبداللطيف، ولكن متى كانت الأحلام الكبيرة تبدأ من مكتمل البنيان والأركان؟ وإلا ما عادت أحلاماً إنسانية عظيمة. التاريخ المعرفي والاجتماعي والسياسي الإنساني يعلمنا ويقول لنا إن الأحلام الكبيرة بدأت بالطوبى لتتحول إلى فكرة وإلى واقع بعد ذلك، وهكذا دواليك. المهم أن نتمسك بأحلامنا ونسعى لتوطينها في بنية التربة المحلية عبر التجربة والخطأ، فليس هناك خط سير اجتماعي إنساني يتحرك في خط مستقيم متصاعد على طول الخط، وصحيح بالمطلق.
المهم أن تكون الحركة واعية ومدروسة ومنظمة وواقعية.
يحق لي أن أسميه تجربة واعية بمخاطر أقل، إن لم يكن بدون مخاطر وهو المطلوب. والتفسير الوحيد والواقعي هنا، أنه خطأ في الفكرة في مقاربة الواقع، مع أن الحق في الخطأ من المهم أن يكون مقبولاً ومفهوماً في حياة الناس لأنهم بشر غير معصومين من الخطأ في سياق تجربة الحياة المعقدة.
هناك في الكتاب بعض المفاهيم أو الأيقونات المعرفية التي افتتح بها الباحث بعض العناوين أو الموضوعات تحتاج إلى فحص وتدقيق حول معناها ومفهومها في السياق اللغوي والمعرفي والنظري/ الواقعي.
مثل القول: "المعرفة هي المادة الخام الوحيدة التي تولد من العدم، وتنمو بالمجان، وتباع بغير ثمن"، ص139. والملاحظة النقدية السريعة – وقد تكون الوحيدة- هي أن المعرفة على أي مستوى كان لا تولد من العدم كمعرفة واعية اجتماعية وتاريخية، بل هي نتاج فعل إنساني تراكمي، كمي وكيفي طويل، كما أن المعرفة لا تنمو بالمجان بل في سياق معرفي، نظري فكري اجتماعي ثقافي حضاري وصراعي، يأتي حصيلة جدل واسع وعميق، كما أنها – المعرفة – في المحصلة النهائية لا تباع بغير ثمن، والعديد من مفاهيم وفقرات الكتاب تقول هذا المعنى. حتى في ضوء المثال الذي أورده الباحث في الكتاب لتفسير معنى المعرفة ولمن ننتجها، لا أتصور أن الإجابة شافية ومقنعة لتفسير وشرح الأيقونة المعرفية التي صَدَّر بها الباحث بداية الفقرة/ الموضوع.
يقدم الكتاب مقاربات نقدية مفاهيمية تحليلية واقعية حول الاقتصاد الرقمي، وحول التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، في فقرات بحثية توضيحية مستقلة، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي: "لا يحل محل العقل البشري – الذي يظل المصدر الوحيد للوعي- بل يحررنا من المهام المتكررة والمملة. إنه يمنحنا "رفاهية التفرغ" للابتكار والإنتاج الحقيقي، منتصراً للمعنى على حساب الجهد البدني المحض". د. عبداللطيف : ص147.
المهم أن يتم توظيف كل منتجات العلم والتكنولوجيا لخدمة الإنسان، وليس العكس، وهي الفكرة المحورية التي يسعى الكتاب لتأكيدها: الإنسان أولاً والآلة والذكاء الاصطناعي ثانياً.
هناك جملة من الأفكار والمفاهيم، وتحديداً التجارب التطبيقية في المجالات المختلفة: المصرف الرقمي، خدمة البصر ( العين), في الهند (أي عمليات عيون المياه البيضاء)، الحديث عن تجربة "المهارة قبل الشهادة" وغيرها، هي قيد الدرس ولم تصبح نماذج جاهزة للنقل المعرفي بصورة ميكانيكية، على أنها تجارب محلية واقعية أثبتت جدواها هنا أو هناك. المهم أن تتحول المعلومات والبيانات والابتكار إلى فوائد مجتمعية عامة، "شمس مشتركة" تساهم في حل معضلات المجتمعات بتكلفة منخفضة كـ"كينيا" وتجربة المياه في زمن الجفاف، بعيداً عن الحلول الاقتصادية الضخمة المكلفة مالياً، دخولاً في دائرة "الابتكار منخفض التكلفة" وهكذا نحن إذاً أمام إعادة كتابة رؤية جديدة للتنمية الإنسانية. شركة "tilegreem" حولت الخطر إلى فرصة اقتصادية (يد عاملة) وأبعدت خطراً داهماً على المجتمع كله. (انظر المثال التطبيقي رقم (36)، ص174). بعد أن صارت اليوم تجربة تدوير النفايات ظاهرة عامة بل وعالمية منتشرة في بعض دول قارات العالم كله.
علينا أن نفكر في ثنائية الندرة والصحراء بصورة إبداعية عملية، كيف نحول الندرة إلى فرصة، والصحراء والجفاف إلى فكرة وخبرة عملية نتجاوز فيها الصحراء والجفاف بالاقتداء بحالة وظاهرة "الصَّبار"، نبدأ "بفعل صغير قابل للحياة. هنا يُعاد تعريف الريادة لا بوصفها مهارة التخطيط للمستقبل والتجربة إلى تعلم، والتعلم إلى مسار". د. عبداللطيف : ص176.
أي طريق للعمل الإبداعي الإنتاجي في واقع الندرة والصحراء، مستلهمين تجربة شجر الصَّبار، الذي استحال إلى "معلم صامت".
"لا يعود معه السؤال: كيف نخرج رواد أعمال؟ بل: كيف نخرج صناع حياة أو مهندسي حلول". د. عبداللطيف : ص176.
إن ميزة وقيمة الكتاب المعرفية والعملية، إلى جانب القول المعرفي / النظري، هي النماذج التطبيقية المختلفة في مجالات الحياة المتنوعة من البلدان المختلفة، نماذج بسيطة صغيرة قد لا تثير انتباه الكثيرين، على أنها تعطي وتقدم ثمارها الاجتماعية الإنتاجية لقطاع واسع من الناس، مثل النموذج التطبيقي رقم (37) في جاكرتا، لحل مشكلة الزحام من خلال التكامل المجتمعي التقني. د. عبداللطيف: ص178.
جميعها لها صلة وعلاقة حية بنظرية "اقتصاد المعرفة" منخفض التكلفة، أو الابتكار منخفض التكلفة.
"لا يتوقف اقتصاد المعرفة منخفض التكلفة عند حدود خفض الفاتورة الإنتاجية، بل يمتد ليكون ثورة على الوعي الاستهلاكي.
إنه يسعى إلى إحلال "منطق الكفاف" محل "هوس الوفرة"، متسائلاً بجرأة: "ما الحد الكافي من الطاقة والماء والمساحة لنحيا بكرامة؟ وكيف نصيغ هذا الكفاف في قالب من الجمال والإتقان؟"". د. عبداللطيف : ص180.
أي كيف نحل مشاكل حياة الناس البسطاء بتكاليف منخفضة من خلال حلول عملية بسيطة ينتجها أبناء هذا المجتمع عديم الوفرة، ولكن الغني بالخيال الإبداعي الواقعي.
كانت التنمية التقليدية ترى في الاستهلاك والبذخ فيه دليلاً على التقدم الاقتصادي والاجتماعي. تنمية اقتصاد المعرفة اليوم تؤكد أن نموذج الاستهلاك القديم قد يكون بالفعل هو أحد عناوين فشل تجارب التنمية القديمة، لأن المهم هو جودة الحياة لا كم نستهلك ونستنزف من موارد ومن قدرات المجتمع فيما لا يفيد في صورة "بطر اجتماعي"، استنزاف لرأس المال الاجتماعي فيما لا يؤسس لتنمية مستدامة.
"ففي بيئات مثل الهند وأجزاء من أفريقيا، لم يعد الابتكار حكراً على مراكز الأبحاث الكبرى، بل انتقل إلى ورش عمل مجتمعية تستخدم تقنيات "مفتوحة المصدر" لتحويل المخلفات التقنية إلى حلول تنموية". (انظر مثال الهند التطبيقي رقم (39). د. عبداللطيف : ص183).
نموذج اقتصاد منخفض التكلفة فتح المجال أمام الطلاب والحرفيين لإعادة بناء أنفسهم من خلال فرص العمل المتاحة أمامهم.
الذكاء الاصطناعي في صورته القائمة اليوم ليس هو نظام "البرمجيات التقليدي" بل نقلة معرفية كيفية تجاوزية له، كما أنه ليس نفياً وتجاوزاً للعقل الإنساني بل أحد منتجاته، مرتبط بتقدم العقل والفعل الإنساني في الحياة؛ في المعرفة وفي العلم. باختصار مكثف وعميق الذكاء الاصطناعي هو "المحاولة الأكثر جرأة في تاريخنا لاستنساخ "القبس الإلهي" – الوعي والقدرة على التحليل – وإيداعه في جوف الجماد". د. عبداللطيف : ص186.
صار الذكاء الاصطناعي اليوم صديقاً ورفيقاً وشريكاً مسانداً في مواجهة تحديات الحياة، وهو ما يشير إليه الكتاب بصياغات أكثر دقة وعمقاً.
الذكاء الاصطناعي اليوم يدخل كشريك داعم بل ومساند لنا في الحياة "لا يكتفي بإضافة ميزات جديدة لحياتنا، بل يقوم بـ"إعادة هندسة" شاملة للمشهد "تحول بنيوي" إنه انتقال من عصر "الآلة" التي تنفذ إلى عصر "الآلة" التي تفكر وتتنبأ. وهذا ليس مجرد تعديل في قواعد اللعبة، بل هو كتابة لقانون جديد تماماً للعمل والإنتاج والمعرفة". د. عبداللطيف : ص188.
وكأننا أمام عقد عمل جديد بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، الذي هو أحد المنتجات الابتكارية للإنسان.
الذكاء الاصطناعي اليوم يعيد ترتيب وهندسة أشياء كثيرة أو عديدة في حياتنا، انظر المثال التطبيقي رقم (40) مشروع Plantix في الهند- حيث ترى وتقرأ كيف يعيد الذكاء الاصطناعي هندسة الزراعة الريفية "وهي واحدة من أضخم المبادرات الزراعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الدول النامية، (...) تطبيقاً يعتمد على الرؤية الحاسوبية من خلال هواتف أندرويد رخيصة، ليصل إلى أكثر من عشرين (20) مليون مزارع صغير في المناطق الريفية الهندية". د. عبداللطيف : ص190.
تجربة نجح فيها العلم من خلال الذكاء الاصطناعي والرؤية الحاسوبية وكسب الإنسان ثمارها في واقع الممارسة الحياتية.
إنها جدليةُ الإبداعِ الإنساني وتطورِ الآلةِ القائمةِ على العلمِ في صيرورتِهِ التاريخيةِ؛ تلك الجدليةُ التي لن يَبقى الذكاءُ الاصطناعيُّ معها—ولا بعدها—كياناً جامداً أو حالةً ساكنةً، بل سينبثقُ كظاهرةٍ إبداعيةٍ متطورةٍ تُعيدُ تشكيلَ مفهومِهِ وتَمْنحُهُ أبعاداً متجددةً في كلِّ حينٍ."
إلى الحلقة الرابعة والأخيرة.
#قادري_أحمد_حيدر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة وعرض لكتاب الدكتور عبد اللطيف حيدر-الخيال والتنمية- 2-
...
-
قراءة وعرض لكتاب د. عبد اللطيف حيدر
-
العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران 2-2
-
العدوان الأمريكي الصهيوني على ايران 1-2
-
الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي وبناء الدولة الوط
...
-
الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي 2-3
-
الصليحيون والجبهة القومية والحزب الاشتراكي وبناء الدولة 1-3
-
الإمام الشافعي شاعرا. 3-3
-
الإمام الشافعي شاعرا 23
-
الإمام الشافعي شاعرا 1-3
-
الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 3-3
-
الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 2-3
-
الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي 1-3
-
أحمد عبده ناشر العريقي المثقف والتاجر المنسي في الكتابة التا
...
-
أحمد عبده ناشر العريقي المثقف والثائر المنسي في الكتابة التا
...
-
أحمد عبده ناشر العريقي الرأسمالي الوطني
-
الحوثيون وقضية الراتب
-
ثورة 14 أكتوبر والاستقلال الوطني
-
تحية للمقالح في مهرجانه الشعري السنوي
-
قرار ترامب للوصاية على غزة
المزيد.....
-
فيديو ما فعله شاب خلف ترامب بخطاب جورجيا يلقى رواجا
-
شاهد.. قط يُضبط متلبساً بمحاولة تهريب مخدرات إلى سجن روسي
-
الجيش الكويتي يعلن التصدي لهجمات إيرانية جديدة بالطائرات الم
...
-
وحدة من -المارينز- ساهمت بفرض الحصار على إيران تعود لليابان.
...
-
أبيي السودانية: -ليست الانتخابات ولا الاستفتاء أمراً مهماً..
...
-
لماذا تخاطر إيران بالكثير من أجل مضيق هرمز؟
-
مأزق الأردن.. بين الاستهداف الإيراني وعبء التحالف مع واشنطن
...
-
-كش ملك-! هل تفقد روسيا نفوذها في عرش لعبة الشطرنج لصالح ألم
...
-
نمر يقتحم متجرا في الهند ويهاجم صاحبه (فيديو)
-
علماء روس يطورون سلالات قمح أرجوانية غنية بالبروتين ومضادات
...
المزيد.....
-
قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير
...
/ رياض الشرايطي
-
نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و
...
/ زهير الخويلدي
-
-فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2
/ نايف سلوم
-
فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا
...
/ زهير الخويلدي
-
الكونية والعدالة وسياسة الهوية
/ زهير الخويلدي
-
فصل من كتاب حرية التعبير...
/ عبدالرزاق دحنون
-
الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية
...
/ محمود الصباغ
-
تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد
/ غازي الصوراني
-
قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل
/ كاظم حبيب
-
قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن
/ محمد الأزرقي
المزيد.....
|