أحمد زكرد
باحث في مجال الفلسفة و العلوم الانسانية
(Ahmed Zakrad)
الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 00:11
المحور:
التربية والتعليم والبحث العلمي
لم تعد الرقمنة اليوم مجرد وسيلة تقنية تساعد على تسريع إنجاز المهام أو تسهيل الوصول إلى المعلومات، بل أصبحت تمثل تحولًا حضاريًا عميقًا أعاد تشكيل بنية المعرفة، وأنماط التواصل، وآليات التعلم، بل وحتى صورة الإنسان عن ذاته وعن العالم. وإذا كانت الثورات الصناعية السابقة قد غيرت أدوات الإنتاج، فإن الثورة الرقمية غيرت أدوات التفكير نفسها، لأن المعرفة لم تعد حبيسة الكتب أو المؤسسات التعليمية، بل أصبحت متاحة في كل لحظة عبر الهواتف الذكية، والمنصات الرقمية، ومحركات البحث، وأنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على إنتاج النصوص، وتحليل البيانات، والإجابة عن الأسئلة في زمن قياسي.
هذا التحول يفرض على المدرسة، وعلى تدريس الفلسفة بوجه خاص، إعادة النظر في وظائفها التقليدية. فحين كان الوصول إلى المعرفة صعبًا، كان دور الأستاذ يتمثل أساسًا في نقلها وتنظيمها، أما اليوم، فقد أصبح المتعلم قادرًا على الوصول إلى آلاف النصوص الفلسفية، والشروحات، والمحاضرات، في دقائق معدودة. ولم يعد السؤال هو: كيف نوصل المعرفة إلى المتعلم؟ بل أصبح: كيف نجعل المتعلم يفكر في المعرفة التي أصبحت بين يديه؟ ومن هنا تتجلى أهمية الفلسفة، لأنها لا تنافس الوسائط الرقمية في كمية المعلومات، وإنما تتميز عنها بقدرتها على تعليم الإنسان كيف يسائل تلك المعلومات، وكيف يميز بين الرأي والمعرفة، وبين البرهان والدعاية، وبين الحقيقة والاعتقاد.
لقد أدركت ديداكتيك الفلسفة الحديثة، خاصة مع أعمال ميشيل توزي (Michel Tozzi)، أن التفلسف ليس تراكمًا للمواقف الفلسفية، بل هو ممارسة عقلية تقوم على ثلاث عمليات مترابطة: الإشكلة (Problématisation)، والمفهمة (Conceptualisation)، والحجاج (Argumentation). وهذه العمليات لا تكتسب قيمتها لأنها تنتهي إلى جواب نهائي، وإنما لأنها تجعل العقل قادرًا على مساءلة ذاته، وإعادة بناء تصوراته، واختبارها في ضوء البرهان. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية للرقمنة في درس الفلسفة لا ينبغي أن تقاس بكمية الموارد الرقمية التي توفرها، بل بمدى قدرتها على خدمة هذه العمليات الفكرية.
لقد أحدث الذكاء الاصطناعي تحولًا غير مسبوق في طبيعة التعلم. فالمتعلم لم يعد يكتفي بالبحث عن معلومة داخل كتاب أو موقع إلكتروني، بل أصبح يتحاور مع أنظمة قادرة على تلخيص النصوص، وشرح المفاهيم، ومقارنة النظريات، واقتراح الحجج والاعتراضات. ويبدو لأول وهلة أن هذه الإمكانات تمثل تهديدًا لدرس الفلسفة، لأن المتعلم قد يحصل على مقال فلسفي كامل دون أن يبذل جهدًا فكريًا. غير أن هذا التصور يغفل حقيقة أساسية، وهي أن الفلسفة لا تُقاس بجودة الجواب، وإنما بجودة السؤال الذي يقود إليه. فالآلة تستطيع أن تنتج نصًا فلسفيًا، لكنها لا تستطيع أن تعيش الدهشة التي كانت، منذ أفلاطون وأرسطو، منبعًا للتفلسف.
ولعل المثال الآتي يوضح الفرق بين توظيف الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة للتعلم، وبين الاعتماد عليه بوصفه بديلًا عن التفكير. فإذا طلب الأستاذ من المتعلمين الإجابة عن سؤال مثل: "هل الحرية تعني غياب كل القيود؟"، فإن كثيرًا منهم قد يلجؤون إلى الذكاء الاصطناعي للحصول على جواب جاهز. غير أن القيمة التربوية لا تتحقق هنا. أما إذا طلب منهم مقارنة ثلاثة أجوبة مختلفة أنتجها الذكاء الاصطناعي، والكشف عن الافتراضات التي يقوم عليها كل جواب، وتحديد مواطن القوة والضعف فيه، ثم بناء موقف فلسفي خاص مدعوم بالحجج، فإن الذكاء الاصطناعي يتحول من منتج للأجوبة إلى أداة لإنتاج التفكير النقدي.
وينطبق الأمر نفسه على المنصات التفاعلية مثل Moodle أو Google Classroom أو Microsoft Teams، إذ لا تكمن أهميتها في كونها فضاءات رقمية لتبادل الملفات والواجبات، وإنما في قدرتها على خلق فضاء للحوار الفلسفي يمتد خارج الزمن المدرسي. فالأستاذ يستطيع، مثلًا، أن ينشر نصًا لكانط حول الحرية، ثم يطلب من المتعلمين مناقشته في منتدى إلكتروني، أو أن يعرض مقطعًا مصورًا يطرح إشكالًا أخلاقيًا، ويكلفهم بتحليل المواقف المختلفة قبل الحصة الدراسية. وهكذا ينتقل القسم من فضاء مغلق ينتهي بانتهاء الحصة إلى مجتمع فكري يستمر فيه الحوار والتفكير بصورة متواصلة.
غير أن هذا التحول لا ينبغي أن يقود إلى الاعتقاد بأن التكنولوجيا قادرة، بذاتها، على تجديد التعليم. فالأدوات الرقمية، مهما بلغت درجة تطورها، تظل محايدة من الناحية البيداغوجية. إن قيمتها لا تنبع من وجودها، وإنما من الكيفية التي توظف بها داخل وضعيات التعلم. فقد تتحول المنصة الرقمية إلى مجرد مستودع للوثائق، وقد يتحول الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة للغش أو النسخ، إذا غاب المشروع الديداكتيكي الذي يوجه استعمالهما. ولهذا فإن نجاح الرقمنة في درس الفلسفة لا يرتبط بالتكنولوجيا ذاتها، بل يرتبط بقدرة الأستاذ على إعادة تصميم المواقف التعليمية بحيث تجعل المتعلم في مواجهة الإشكال، لا في مواجهة الجواب.
ومن هنا يتغير دور الأستاذ بصورة جوهرية. فلم يعد المالك الوحيد للمعرفة، ولا المصدر الأوحد للمعلومة، بل أصبح مصممًا للوضعيات التعليمية، وموجهًا للحوار، ومنظمًا للمناقشة الفلسفية، ومرافقًا للمتعلمين في بناء معارفهم. أما المتعلم، فلم يعد متلقيًا سلبيًا، بل أصبح فاعلًا يختبر المعارف، ويقارن بينها، ويعيد تنظيمها، وينتج مواقفه الخاصة في ضوء الحوار والنقد. وهكذا لا تلغي الرقمنة دور الأستاذ، بل تعيد تعريفه على نحو يجعل وظيفته أكثر فلسفية، لأنها تنتقل به من نقل المعرفة إلى بناء شروط إنتاجها.
غير أن الانبهار بما تتيحه الرقمنة من إمكانات تعليمية لا ينبغي أن يحجب الأسئلة الفلسفية العميقة التي تثيرها. فكل ثورة تقنية لا تفتح آفاقًا جديدة فحسب، بل تعيد أيضًا صياغة الإشكالات التي تواجه الإنسان. ومن هنا فإن السؤال الحقيقي لا يتمثل في مدى قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج النصوص أو تحليل المعلومات، وإنما في أثره في طبيعة التفكير الفلسفي ذاته. فإذا كان التفلسف، منذ سقراط، يقوم على الدهشة والسؤال والحوار والنقد، فهل تستطيع الآلة أن تمارس هذه الأفعال؟ أم أنها تظل، مهما بلغت درجة تطورها، مجرد أداة لإعادة تنظيم المعرفة الإنسانية؟
إن المتأمل في طبيعة أنظمة الذكاء الاصطناعي يدرك أنها تمتلك قدرة هائلة على معالجة البيانات، واستخلاص الأنماط، وإنتاج نصوص تبدو في كثير من الأحيان متماسكة ومنطقية، لكنها لا تمتلك وعيًا ذاتيًا ولا تجربة وجودية ولا مسؤولية أخلاقية. فهي لا تعرف القلق الذي انطلق منه كيركغارد، ولا الشك الذي أسس به ديكارت مشروعه الفلسفي، ولا الدهشة التي جعلها أرسطو بداية التفلسف. إنها تحاكي اللغة الفلسفية، لكنها لا تعيش التجربة التي تمنح هذه اللغة معناها. ولهذا فإنها تستطيع أن تساعد في تحليل نص لكانط أو مقارنة موقفي أفلاطون ونيتشه، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الذات المفكرة التي تمنح السؤال الفلسفي قيمته.
ومن هنا يتعين التمييز بين إنتاج المعرفة وإنتاج التفكير. فقد يطلب المتعلم من تطبيق للذكاء الاصطناعي كتابة مقال حول الحرية أو العدالة، فيحصل خلال ثوانٍ على نص منظم، غير أن هذا النص، مهما بلغت جودته، لا يعكس بالضرورة نموًا في كفاياته الفلسفية. فالمقال الفلسفي ليس غاية في ذاته، بل هو أثر لعملية عقلية معقدة تبدأ بصياغة الإشكال، وتمر بتحليل المفاهيم، وتنتهي ببناء موقف حجاجي. وإذا اختُزلت هذه العملية في استهلاك نص جاهز، فقدنا جوهر التعلم الفلسفي، لأن المتعلم أصبح يمتلك جوابًا دون أن يمر بتجربة التفكير التي أنتجته.
ويتجلى هذا الخطر بوضوح في الممارسة الصفية. فإذا اكتفى الأستاذ بتكليف التلاميذ بإنجاز عروض أو مقالات يمكن للذكاء الاصطناعي إنجازها بسهولة، فإنه يفتح الباب أمام التعلم الشكلي. أما إذا صمم وضعيات تعليمية تجعل المتعلم مطالبًا بتحليل أجوبة متعددة، والكشف عن افتراضاتها الضمنية، ونقد حججها، ثم الدفاع عن موقفه الخاص، فإن الذكاء الاصطناعي يتحول إلى موضوع للتفكير بدل أن يكون بديلًا عنه. فالقيمة البيداغوجية لا تكمن في الجواب الذي تنتجه الآلة، وإنما في الحوار النقدي الذي يثيره ذلك الجواب داخل القسم.
ومن هنا تتجلى أهمية الإشكال الفلسفي باعتباره قلب العملية التعليمية في درس الفلسفة. فالإشكال لا ينشأ من نقص المعلومات، وإنما من توتر بين أفكار تبدو متعارضة، أو بين تجربة معيشة ومفهوم فلسفي، أو بين موقفين يبدوان صحيحين في الوقت نفسه. والرقمنة، إذا أحسن توظيفها، تستطيع أن تغني هذا التوتر بدل أن تقضي عليه. فقد يعرض الأستاذ على المتعلمين مقطعًا مصورًا، أو خبرًا متداولًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي يصعب التمييز بينها وبين الصورة الحقيقية، ثم يدعوهم إلى مناقشة سؤال: هل أصبحت الحقيقة رهينة بما نراه على الشاشة؟ هنا لا تقدم التكنولوجيا جوابًا، بل تصبح منبعًا لإنتاج الإشكال.
ويمكن استثمار هذا المنطق في مختلف مجزوءات البرنامج. ففي درس الشخص، يمكن تحليل علاقة الإنسان بالهوية الرقمية، ومدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في بناء صورة الذات. وفي درس الحقيقة، يمكن مساءلة موثوقية المحتوى الذي تنتجه الخوارزميات، والتمييز بين الحقيقة والاحتمال. وفي درس الأخلاق، يمكن مناقشة مسؤولية الذكاء الاصطناعي عن القرارات التي يتخذها، وحدود مساءلة الإنسان عن نتائجها. أما في درس الدولة، فيمكن تحليل أثر الخوارزميات في توجيه الرأي العام، وصناعة القرار السياسي، وإعادة تشكيل المجال العمومي. وهكذا تصبح الرقمنة نفسها موضوعًا فلسفيًا، لا مجرد وسيلة تعليمية.
إن هذا التحول يفرض أيضًا مراجعة مفهوم التقويم. فالتقويم التقليدي الذي يقيس قدرة المتعلم على استرجاع المعلومات يفقد كثيرًا من قيمته في عصر يستطيع فيه أي تطبيق رقمي تقديم تلك المعلومات خلال ثوانٍ. ولذلك يصبح من الضروري الانتقال إلى تقويم يقيس جودة الإشكال، وقوة الحجاج، وعمق التحليل، وأصالة التركيب. فالمتعلم الذي يستطيع أن يناقش جوابًا أنتجه الذكاء الاصطناعي، ويكشف افتراضاته، ويعيد بناءه بصورة أكثر اتساقًا، يكون قد مارس فعل التفلسف بصورة أعمق من متعلم حفظ عشرات التعريفات والمواقف.
إن الرقمنة، بهذا المعنى، لا تعلن نهاية درس الفلسفة، بل تكشف الحاجة إليه أكثر من أي وقت مضى. فكلما ازدادت سرعة تداول المعلومات، ازدادت الحاجة إلى العقل الذي يميز بينها. وكلما أصبحت الأجوبة متاحة بضغطة زر، ازدادت قيمة السؤال الذي لا يمكن لأي آلة أن تطرحه بالمعنى الوجودي الذي يطرحه الإنسان. ولذلك فإن مستقبل الفلسفة في المدرسة لا يتحدد بمدى قدرتها على منافسة الذكاء الاصطناعي في إنتاج المعرفة، وإنما بقدرتها على تعليم الإنسان كيف يفكر في المعرفة، وكيف يحولها إلى وعي نقدي ومسؤولية أخلاقية.
ومن هذا المنطلق، يمكن اقتراح نموذج ديداكتيكي يقوم على خمس لحظات مترابطة: تبدأ بإثارة وضعية رقمية تخلق الدهشة، ثم تفكيك التمثلات الأولية التي يحملها المتعلم، فالانتقال إلى بناء المفاهيم من خلال النصوص الفلسفية والحوار، ثم إنتاج الحجج ومناقشتها في فضاء تفاعلي، وأخيرًا تقويم التفكير عبر كتابة موقف شخصي يبين كيف تطورت رؤيته للإشكال. إن هذا النموذج لا يجعل الذكاء الاصطناعي محور العملية التعليمية، بل يجعله موردًا يخضع لمنطق التفلسف، ويظل الأستاذ فيه هو المهندس البيداغوجي الذي يحول التكنولوجيا إلى فرصة لبناء الفكر.
إن الرهان الحقيقي الذي تفرضه الرقمنة لا يكمن في اقتناء التجهيزات أو إدماج التطبيقات الحديثة، وإنما في بناء ثقافة تربوية جديدة تجعل التكنولوجيا في خدمة الإنسان، لا الإنسان في خدمة التكنولوجيا. فالفلسفة، منذ نشأتها، لم تكن بحثًا عن أجوبة نهائية، بل كانت تدريبًا على مساءلة كل جواب، وعلى تحويل اليقين إلى موضوع للنقد، وعلى الدفاع عن الحرية بوصفها قدرة على التفكير المستقل. ومن ثم، فإن الذكاء الاصطناعي لا يمثل تهديدًا للفلسفة إلا عندما نتخلى نحن عن ممارسة التفلسف، أما إذا ظل السؤال الفلسفي حيًا، فإن كل تطور تقني سيغدو مناسبة جديدة لتوسيع أفق التفكير، وتجديد العلاقة بالعالم، وتعميق وعي الإنسان بذاته وبمسؤوليته تجاه المستقبل.
وهكذا فإن الرقمنة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها انتقالًا من السبورة إلى الشاشة، بل باعتبارها انتقالًا من بيداغوجيا نقل المعرفة إلى بيداغوجيا بناء الفكر. وكل مشروع لتجديد تدريس الفلسفة لا يجعل من الإشكال الفلسفي محورًا للعملية التعليمية سيظل مشروعًا ناقصًا، مهما بلغت درجة تطوره التقني. أما إذا استطاعت المدرسة أن توظف الذكاء الاصطناعي والمنصات التفاعلية من أجل تنمية الإشكلة، والمفهمة، والحجاج، فإنها لن تكون قد أدخلت التكنولوجيا إلى درس الفلسفة فحسب، بل ستكون قد أعادت للفلسفة رسالتها الأصلية: تكوين عقل حر، ناقد، ومسؤول، قادر على العيش في عالم رقمي دون أن يفقد إنسانيته.
#أحمد_زكرد (هاشتاغ)
Ahmed_Zakrad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟