أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - داليا سعدالدين - 1-4: يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجتمع؟















المزيد.....

1-4: يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجتمع؟


داليا سعدالدين
باحثة فى التاريخ

(Dahlia M. Saad El-din)


الحوار المتمدن-العدد: 8768 - 2026 / 7 / 16 - 07:26
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة
لا يمكن اختزال ما جرى فى يوليو 1952 فى مجرد انتقال السلطة من نخبة إلى أخرى، ولا فى كونه تغييرًا للنظام السياسى فحسب، بل نرى أنه مثّل تحولًا عميقًا فى بنية الدولة المصرية نفسها. فقد انتقلت القدرة على إعادة تنظيم العلاقات بين مستويات الدولة المختلفة إلى بنية جديدة، احتلت فيها المؤسسة العسكرية موقعًا محوريًا، لا باعتبارها المؤسسة الوحيدة الفاعلة، وإنما بوصفها المستوى الذى أعاد ترتيب وظائف بقية المستويات داخل مشروع سياسى جديد.
وقد يبدو أننا بدأنا قراءة هذه المرحلة من منتصفها، غير أن ذلك مقصود. فالصورة الكاملة ستتضح تدريجيًا عبر المقالات التالية، مع استكمال بناء النموذج التفسيرى الذى ننطلق منه. وما نطرحه هنا ليس مجرد قراءة جديدة، بقدر ما هو محاولة لإعادة قراءة هذه المرحلة من زاوية مختلفة.
ولنعد الآن إلى الاستنتاج الذى انتهينا إليه، لأنه يفتح السؤال الذى تقوم عليه هذه الدراسة كلها: إذا كانت الدولة قد أعادت تنظيم نفسها، فكيف انعكس هذا التحول على المجتمع؟
ولا ينبغى فهم هذا السؤال على أنه انتقال من السياسة إلى الاجتماع، أو من الدولة إلى المجتمع باعتبارهما مجالين منفصلين. فنحن ننطلق من فرضية أساسية مؤداها أن الدولة والمجتمع لا يشكلان كيانين مستقلين يتواجهان من الخارج، وإنما يدخل كل منهما فى عملية مستمرة من إعادة تشكيل الآخر. فالدولة لا تعمل فقط عبر مؤسساتها القانونية والإدارية، بل أيضًا عبر إعادة تنظيم المجال الاجتماعى الذى يمنح هذه المؤسسات معناها وفاعليتها. وفى المقابل، لا يستجيب المجتمع للدولة بوصفه كتلة ساكنة، بل يعيد إنتاج أنماط القبول، والمقاومة، والتكيف، بما يؤثر بدوره فى مسار الدولة نفسها.
ومن هذا المنظور، فإن التحول الذى بدأ فى يوليو لم يقتصر على إعادة توزيع السلطة داخل مؤسسات الحكم، بل امتد إلى إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، وإعادة تعريف المكانة، وإنتاج نخب جديدة، وإعادة بناء قنوات الحراك الاجتماعى، وتغيير طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة. ولم تكن هذه التحولات مجرد نتائج جانبية للسياسات العامة، بل كانت جزءًا من المنطق الذى أعادت الدولة من خلاله إنتاج ذاتها.
ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من تحليل الدولة إلى تحليل المجتمع ودور الدولة فى إعادة إنتاجه. فالمجتمع ليس ساحة محايدة تُطبَّق عليها السياسات، وإنما يمثل أحد المستويات التى تتحدد داخلها قدرة الدولة على الاستمرار. فكل دولة لا تكتفى بإدارة المجتمع، بل تنتج، بدرجات متفاوتة، أشكالًا من التنظيم الاجتماعى، وأنماطًا من الشرعية، وصورًا جديدة للعلاقات بين الأفراد والمؤسسات.
وعلى هذا الأساس، لا ننشغل هنا بتقييم نجاح السياسات العامة أو إخفاقها، ولا نسعى إلى إصدار أحكام معيارية على التجربة الناصرية أو غيرها من المراحل التاريخية، وإنما ينصب اهتمامنا على سؤال أكثر تركيبًا: كيف أعادت الدولة الجديدة إنتاج المجتمع بوصفه أحد الشروط اللازمة لإعادة إنتاج أنماط السلطة؟
وللإجابة عن هذا السؤال، سنناقش خمسة مستويات مترابطة تمتد عبر هذا المقال والمقالات التالية. نبدأ بتحليل الكيفية التى أُعيد بها تنظيم المجال الاجتماعى من خلال الإصلاح الزراعى، والتوسع فى التعليم، وإعادة بناء البيروقراطية، وصعود شرائح اجتماعية جديدة. ثم ننتقل إلى دراسة إعادة تنظيم المجال الثقافى بوصفه فضاءً لإنتاج المعانى والشرعية، لا مجرد مجال للإبداع الفنى. وبعد ذلك نناقش التحول الذى طرأ على موقع المثقف، من فاعل مستقل يسعى إلى مساءلة السلطة إلى فاعل قد يشارك، بدرجات متفاوتة، فى إنتاج شرعيتها أو إعادة تعريفها. ثم ننتقل إلى تحليل الكيفية التى تغير بها إدراك المجتمع لنفسه، وهو ما يمهد لدراسة الرواية المصرية باعتبارها وسيطًا يكشف تحولات الوعى الاجتماعى أكثر مما يسجل الوقائع التاريخية. وأخيرًا، نحدد الأساس المنهجى الذى سنعتمد عليه فى استخدام النص الروائى مجالًا لاختبار النموذج التفسيرى الذى نطوره.
ولا نزعم هنا أن المجتمع المصرى قد أُعيد تشكيله بالكامل بفعل الدولة وحدها، كما لا نفترض أن التحولات الاجتماعية كانت نتاج إرادة سياسية خالصة. بل ننطلق من فرضية أكثر تواضعًا، وأكثر قابلية للاختبار، مؤداها أن الدولة، حين تغيّر منطق إعادة إنتاجها، تعيد فى الوقت نفسه ترتيب الشروط التى يُعاد فى إطارها إنتاج المجتمع. ومن ثم، فإن فهم التحولات الاجتماعية بعد يوليو لا يكتمل بالرجوع إلى السياسات أو القرارات وحدها، وإنما يتطلب تحليل العلاقة البنيوية بين إعادة تنظيم الدولة وإعادة تشكيل المجتمع.
وهنا تبدأ الحلقة التالية فى مسار تحليلنا. فإذا كان يوليو 1952 قد أحدث تحولًا فى بنية الدولة، فإن ما يعنينا الآن هو تتبع الكيفية التى انتقل بها أثر ذلك التحول إلى المجتمع، تمهيدًا لاختبار هذه الفرضية من خلال الرواية المصرية، لا باعتبارها بديلًا عن الوثائق والمصادر الأكاديمية، وإنما باعتبارها وسيطًا يكشف التحولات العميقة فى الوعى الاجتماعى. وذلك بوصف الرواية نصًا يكشف كيف أُعيد إدراك الدولة والمجتمع فى لحظة تاريخية بعينها، لا باعتبارها وثيقة تاريخية، وإنما بوصفها بناءً رمزيًا يحمل آثار التحول البنيوى الذى نسعى إلى تفسيره. ومن ثم، يصبح السؤال الذى سيقود قراءتنا هو: كيف أدرك المجتمع تاريخه، وكيف جسدت الرواية هذا الإدراك؟
المستوى الأول: كيف أعادت الدولة إنتاج المجال الاجتماعى؟
من إدارة المجتمع إلى المشاركة فى إنتاجه
"لا تُمارس الدولة سلطتها فقط حين تفرض القانون، وإنما أيضًا حين تعيد تشكيل البنية الاجتماعية التى تجعل هذا القانون ممكنًا وفاعلًا."
أولًا: المجتمع... معطى ثابت أم بناء تاريخى؟
تميل كثير من الأدبيات التقليدية إلى التعامل مع المجتمع باعتباره كيانًا سابقًا على الدولة، تمتلك حياله أدوات الإدارة أو الضبط أو التنمية. ووفق هذا التصور، تبدو السياسات العامة مجرد استجابة لمشكلات قائمة فى المجتمع، بينما يظل المجتمع نفسه ثابتًا فى بنيته الأساسية.
غير أن هذا التصور يفترض، ضمنًا، وجود مجتمع مكتمل التكوين، لا تفعل الدولة فيه سوى التدخل من الخارج. وهو افتراض لا يصمد أمام التحليل التاريخى للدول الحديثة، التى لا تكتفى بإدارة البنى الاجتماعية القائمة، بل تسهم بصورة مباشرة فى إعادة تشكيلها.
ومن هنا، ننظر إلى المجتمع لا بوصفه معطًى ثابتًا، وإنما باعتباره نتاجًا تاريخيًا يتشكل باستمرار عبر التفاعل بين الدولة، والاقتصاد، والثقافة، والمؤسسات، وأنماط السلطة. فكل تحول جوهرى فى منطق عمل الدولة يترك أثره فى الكيفية التى يُعاد بها إنتاج العلاقات الاجتماعية، وتوزيع المكانة، وفرص الحراك المجتمعى، وحدود الفعل الجماعى.
وبذلك ينتقل سؤالنا من: كيف أثرت الدولة فى المجتمع؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف أصبحت الدولة طرفًا فى إنتاج المجتمع الذى تحكمه؟
ثانيًا: يوليو والتحول فى الوظيفة الاجتماعية للدولة
قبل يوليو 1952، كانت الدولة المصرية الحديثة قد قطعت شوطًا مهمًا فى بناء جهازها الإدارى والقانونى، لكنها ظلت، إلى حد كبير، تعمل من خلال مجتمع تهيمن عليه شبكات الملكية الكبيرة، والإقطاع، والوجاهة الاجتماعية، والأحزاب، والوساطة المحلية. كما ظلت قدرتها على الوصول المباشر إلى الأفراد، سواء فى العاصمة أو فى الأقاليم، متفاوتة، وتعتمد فى كثير من الأحيان على وسائط اجتماعية مستقلة عنها.
أما بعد يوليو، فقد اتجهت الدولة إلى توسيع حضورها داخل الحياة الاجتماعية نفسها. ولم يعد دورها مقتصرًا على تنظيم الإطار القانونى أو الأمنى، بل أصبحت فاعلًا مباشرًا فى إعادة توزيع الموارد، وإعادة تشكيل البنية الطبقية، وتوسيع التعليم المجانى، وتنظيم سوق العمل، وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والإدارة المؤسسية.
ولا يعنى ذلك أن المجتمع فقد استقلاله، أو أن الدولة أصبحت قادرة على تشكيله بإرادة منفردة، وإنما يعنى أن الدولة غدت طرفًا رئيسًا فى إنتاج البنية الاجتماعية، ولم تعد مجرد حكمٍ بين مكوناتها.
ثالثًا: الإصلاح الزراعى: إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية فى الريف
يمثل قانون الإصلاح الزراعى، الصادر فى سبتمبر 1952، أحد أبرز الأمثلة على انتقال الدولة من إدارة المجتمع إلى المشاركة فى إعادة إنتاجه.
وغالبًا ما يُناقش هذا القانون من زاوية اقتصادية، بوصفه سياسة لإعادة توزيع الملكية الزراعية، أو من زاوية سياسية باعتباره إجراءً استهدف تقليص نفوذ كبار الملاك. غير أن أهميته، فى ضوء النموذج التفسيرى الذى نطوره، تتجاوز هذين البعدين.
فالإصلاح الزراعى لم يقتصر على إعادة توزيع الأرض، بل امتد إلى إعادة صياغة العلاقات الاجتماعية المرتبطة بها. فقد تبدلت أنماط السلطة المحلية، وأُعيد تعريف المكانة الاجتماعية فى الريف، وتغيرت العلاقة بين الفلاح ومؤسسات الدولة، بعدما أصبحت الدولة وسيطًا مباشرًا فى منح الأرض، وتوفير الائتمان، وتقديم الخدمات الزراعية.
ومن ثم، لم يكن الإصلاح الزراعى مجرد سياسة اقتصادية، بل كان أحد أهم الأدوات التى أعادت من خلالها الدولة تشكيل المجال الاجتماعى فى الريف المصرى.
رابعًا: التعليم: إعادة إنتاج النخبة وقنوات الحراك الاجتماعى
إذا كان الإصلاح الزراعى قد أسهم فى إعادة تشكيل المجتمع الريفى، فإن التوسع الكبير فى التعليم مثّل الآلية الأهم لإعادة تشكيل المجال الاجتماعى فى المدن.
فمنذ خمسينيات القرن العشرين، اتجهت الدولة إلى توسيع فرص التعليم العام والجامعى، وربط التعليم بمشروع التنمية وبناء الدولة الوطنية. ولم يكن الهدف الاقتصادى مقتصرًا على إعداد الكوادر اللازمة للإدارة والتصنيع، بل أصبح التعليم أيضًا أداة لتكوين مواطن جديد يحمل تصورًا مختلفًا للدولة، والعمل، والمشاركة الاجتماعية.
وأدى هذا التوسع إلى صعود شرائح واسعة من أبناء الطبقات الوسطى والدنيا إلى مواقع مهنية وإدارية لم تكن متاحة لهم بالقدر نفسه فى العقود السابقة. وهكذا تغيرت قنوات الحراك الاجتماعى، وأصبحت الدولة، عبر التعليم، أحد أهم المنتجين للمكانة الاجتماعية.
غير أن هذا التحول حمل فى داخله مفارقة لافتة؛ فكلما توسعت الدولة فى إنتاج النخبة الجديدة، ازدادت فى الوقت نفسه مسؤوليتها عن استيعابها داخل سوق العمل والجهاز الإدارى، وهو ما ظهرت آثاره بوضوح فى العقود اللاحقة.
خامسًا: البيروقراطية: الوسيط اليومى بين الدولة والمجتمع
لم يكن توسع الجهاز الإدارى مجرد استجابة لازدياد وظائف الدولة، بل كان جزءًا من عملية أوسع لإعادة إنتاج المجتمع.
فلم تعد الدولة تعتمد فقط على النخب التقليدية لإدارة المجال المحلى، وإنما أنشأت شبكة واسعة من الموظفين، والمدرسين، والمهندسين، والأطباء، والإداريين، الذين أصبحوا يمثلون حلقة الوصل اليومية بينها وبين المواطنين.
ومن خلال هذه الشبكة، لم تكن تنتقل القرارات الحكومية فحسب، بل كانت تنتقل أيضًا منظومة جديدة من القيم، تتعلق بالتعليم، والانضباط، والعمل العام، والانتماء إلى الدولة الوطنية.
وبذلك غدت البيروقراطية أكثر من مجرد جهاز لتنفيذ القوانين؛ إذ أصبحت إحدى المؤسسات التى أعادت الدولة من خلالها إنتاج النظام الاجتماعى.
سادسًا: قراءة فى ضوء فوكو وبورديو
يساعدنا ميشيل فوكو على فهم هذا التحول حين يبين أن السلطة الحديثة لا تعمل فقط عبر المنع والعقاب، وإنما أيضًا عبر تنظيم الحياة اليومية، وإنتاج الأفراد بوصفهم ذواتًا قابلة للإدارة. ومن هذا المنظور، لا تبدو مؤسسات مثل التعليم، والإحصاء، والإدارة، والصحة مؤسسات محايدة، بل أدوات لإعادة تنظيم المجال الاجتماعى.
وفى اتجاه موازٍ، يوضح بيير بورديو أن الدولة لا تنتج القوانين وحدها، بل تنتج أيضًا أشكالًا من رأس المال الرمزى، وتحدد ما يُعد معرفةً مشروعة، أو شهادةً معتبرة، أو مكانةً اجتماعية معترفًا بها.
ومع ذلك، لا نتبنى أيا من هذين التصورين على نحو كامل. فنحن لا نرى الدولة مجرد جهاز لإنتاج الطاعة، كما لا نعدها المنتج الوحيد للهيمنة الرمزية. وإنما ننطلق من تصور يضع الدولة والمجتمع داخل علاقة تفاعلية مستمرة؛ تعيد الدولة من خلالها تنظيم شروط الحراك الاجتماعى، وإعادة توزيع المكانة، بينما يحتفظ المجتمع بقدرته على إعادة تفسير هذه الشروط، أو مقاومتها، أو توظيفها بطرائق قد لا تكون الدولة نفسها قد توقعتها.
سابعًا: نحو تفسير جديد لإعادة إنتاج المجتمع
تقودنا القراءة السابقة إلى نتيجة تختلف عن كثير من التفسيرات التى تختزل تجربة ما بعد يوليو فى نجاح أو إخفاق سياسات بعينها.
فالقضية المركزية، من وجهة نظرنا، ليست تقييم كل سياسة على حدة، وإنما فهم التحول الذى طرأ على موقع الدولة داخل البنية الاجتماعية. فبعد انتقال مركز الثقل التفسيرى إليها، وفق النموذج الذى سنعمل على اختباره فى الفصول التالية، أصبحت الدولة تمتلك قدرة أكبر على التدخل فى إنتاج المجال الاجتماعى نفسه، لا الاكتفاء بإدارته.
ومن هذا المنطلق، لا نقرأ الإصلاح الزراعى، والتوسع فى التعليم، وبناء البيروقراطية باعتبارها سياسات متفرقة، بل باعتبارها حلقات مترابطة فى عملية واحدة، أعادت الدولة من خلالها تشكيل المجتمع على نحو يجعله أكثر اتساقًا مع منطقها الجديد.
ولا يعنى ذلك أن هذه العملية نجحت بصورة كاملة، أو أنها لم تفرز تناقضات جديدة، وإنما يعنى أن إعادة تنظيم الدولة لم تكن ممكنة دون أن يصاحبها تحول موازٍ فى الكيفية التى يُعاد بها تنظيم المجتمع وإنتاج علاقاته.
خاتمة
يكشف هذا المستوى الأول أن التحول الذى أعقب يوليو 1952 لم يقتصر على إعادة بناء مؤسسات الحكم، بل امتد إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية ذاتها. فقد تحولت الدولة من فاعل يضبط المجتمع عبر القانون والإدارة إلى فاعل يشارك فى إنتاج شروط الحراك الاجتماعى، وإعادة توزيع المكانة، وتوسيع قنوات الاندماج فى المجال العام. وبهذا المعنى، لم تعد السياسات الاجتماعية والاقتصادية مجرد أدوات لتحقيق أهداف تنموية، بل أصبحت جزءًا من الآليات التى أعادت الدولة من خلالها إنتاج نفسها.
غير أن إعادة إنتاج المجال الاجتماعى لا تستنفد وحدها تفسير هذا التحول. فإذا كانت الدولة قد أعادت تشكيل البنية الاجتماعية، فإن السؤال التالى يصبح أكثر إلحاحًا: كيف أعادت تشكيل البنية الرمزية التى تمنح تلك البنية معناها؟
وهذا هو السؤال الذى يقودنا إلى المستوى الثانى من التحليل، حيث ننتقل من دراسة إعادة إنتاج المجال الاجتماعى إلى دراسة إعادة إنتاج المجال الثقافى. وهناك سنحاول أن نبين أن الثقافة لم تكن هامشًا مكمّلًا لمشروع بناء الدولة، ولا مجرد انعكاس لسياساتها، وإنما كانت أحد الميادين التى تشكلت فيها شرعية الدولة، وأُعيد من خلالها إنتاج رؤيتها للمجتمع ولذاته.



#داليا_سعدالدين (هاشتاغ)       Dahlia_M._Saad_El-din#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحالف ثلاثي ناشئ في مواجهة إثيوبيا: بين التوتر الإقليمي وتدا ...
- **احتماليات الأحداث القادمة فى الشرق الأوسط فى ظل الأوضاع ال ...
- آبى أحمد من جائزة نوبل للسلام إلى الحرب الأهلية: كيف خدع زعي ...
- المصالح الاقتصادية للإمارات العربية المتحدة فى كل من القرن ا ...
- آبي أحمد من جائزة نوبل للسلام إلى الحرب الأهلية: كيف خدع زعي ...
- الصومال
- أفغانستان بين اللاهوت ودولة القانون – 2
- أفغانستان بين اللاهوت ودولة القانون - 01
- جانب من فلسفة الخلق وعلاقته بفيضان النيل فى الديانة المصرية ...
- جانب من تاريخ العلاقات الإسرائلية بدولتى إثيوبيا وإريتريا، و ...
- نبذة عن -الأورومو وأوجادين- فى إثيوبيا
- المسيحية الإثيوبية
- إياح حتب – الملكة المحاربة
- -ثيودور الثانى- مأساة إمبراطور أراد ردم النيل الأزرق
- الإرهاصات الأولى للحضارة المصرية القديمة
- إثيوبيا وعصر الفوضى
- مصر فى الميراث الإثيوبى


المزيد.....




- صحيفة أمريكية عريقة تتحرك قضائيا ضد إدارة ترامب دفاعا عن حري ...
- مصادر تكشف لـCNN كواليس تحقيق للبيت الأبيض بشأن -تسريب عن ثغ ...
- هل تتبُّع مشترياتك الغذائية مفيد لصحتك؟
- مجلس النواب الأمريكي يرفض تعديلا لوقف مساعدات إسرائيل رغم تأ ...
- واشنطن توسع ضرباتها على إيران وترامب يلوح بتصعيد أوسع إذا فش ...
- بين تصعيد ترمب ومفاوضات فانس.. أمريكا تهاجم إيران وطهران تست ...
- مباشر: لبنان وإسرائيل يتفقان على -مناطق تجريبية- في الجنوب ت ...
- مصر: توقيف 60 شخصا بسبب مجموعة معارضة على ديسكورد
- تصويت في الكونغرس يكشف تراجع الإجماع الأمريكي بشأن إسرائيل
- بعد يوم دام.. إصابات في قصف على حي الزيتون والاحتلال يدمر 3 ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - داليا سعدالدين - 1-4: يوليو 1952: من إعادة تنظيم الدولة إلى إعادة تشكيل المجتمع؟