عصام بن الشيخ
كاتب وباحث سياسي. ناشط حقوقي حر
(Issam Bencheikh)
الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 09:45
المحور:
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
أصبحت الكثير من دراسات الجودة العلمية مصنفة ضمن خانة «ديماغوجيا بحوث الترقيات» نتيجة تهربها من مسؤولية مواجهة أصعب وأعقد الظواهر التي يعاني من الأفراد (المواطنون) داخل المجتمعات، فلا يمكن شرح أو تفسير التوترات الناجمة عن الهيكليات الإدارية الجائرة، الناجمة عن خطر زيادة التفرد بصناعة القرار وإقصاء الشركاء المهنيين والاجتماعيين كالنقابات العمالية أو الاتحادات الطلابية. وهو ما يقتضي الاعتراف بأن «النزاهة الأكاديمية The Academic Integrity» على المحك، وسيكافح مناصروها بشراسة لرد الصاع صاعين Bites Back لكل من يبرر ضعف موقف الموظفين والمهنيين من فئة معارضي التحرش المعنوي والاستعباد المهني والقهر الوظيفي والفساد الإداري.
لم أتدخل طوال عقدين من البحث الأكاديمي في تخصص الزملاء المتخصصين في دراسة وتحليل أداء الموظفين والمستخدمين في المؤسسات التربوية أو البحثية أو الصحية، لكن نوعية الشكاوى التصاعدية في هذه المجالات المهنية دفعتني للبحث بعمق عن عذابات الضحايا، انطلاقا من الاطلاع على مضامين مقالات اكثر الصحفيين الألمعيين كشفا واستقصاء لهذه الظواهر غي المرئية، وإنتهاء بأنجح الأطر النظرية لتفسير أسباب التنمر الوظيفي والشللية المهنية والعنصرية الإدارية المسببة للمرض، والتي تؤدي إلى سحق الفرد بدل تفعيله والاستفادة من جهوده، نتيجة تعرضه المستمر لموجات الضغط العالي من الأعلى.
سأحاول حصر المشكلة المبحوثة هنا محافظا على استقلاليتي من زاوية علم الاجتماع التحليلي La Sociologie Analytique وتفعيل التفكير النقدي خارج الاطر التقليدية للبحث العلمي، لكن مع الحفاظ على النزاهة في الطرح بالطبع. فلقد واجهت حالة تهدد فيها مسؤولة تقود برنامجا تربويا أجنبيا لموظفة تطالب بالالتزام بالبرنامج التربوي الوطني، مع تحذير هذه المشرفة على أن أية محاولة لإنزالها عن عرش التسلط، ستنتهي بعقوبات ردعية شديدة العنف!. وفي أثناء دراستي لهذه الحالة تذكرت عشرات القصص المماثلة لأداء مسؤولين نرجسيين قابلتهم في مجال البحث الأكاديمي لأكثر من ربع قرن.
أولا: تقتضي دراسة البعد القانوني لظاهرة معاناة الموظفين في قطاعات الصحة والتربية والجامعات، بحث أسباب تدهور الصحة النفسية والعقلية لعشرات الكوادر الكفؤة بسبب السلوك الاحتيالي الشللي الذي يقوم به زملاء (مسؤولون انتهازيون) لا يفعلون قيم التشارك بسبب تراجع معاني الزمالة Collegiabilité. ويتعلق الأمر الجنائي لهذه المعضلة-بكل صراحة- بمسألة «حماية المبلغين عن المخالفات الإدارية في المدارس والجامعات والمستشفيات Protection du lanceure d alerte / Whistleblower protection». وبالبحث التاريخي عن التجارب الإنسانية الأقدم اكتشفنا سبق الغرب كالعادة، إذ تحوز الولايات المتحدة الأمريكية على أقدم تجربة قانونية لأكثر من قرنين (منذ عام 1863م) في حماية المبلغين والشهود المبلغين عن الجريمة ومنها الجرائم المهنية. ولدينا أيضا التجربة الفرنسية منذ عام 1999 وخاصة بعد صدور قانون (21 مارس 2022) للتبليغ عن ظاهرة اللوبيتومي Lobbytomie والتي تعني قيام الشلل الإدارية في أعلى هرم سلطة المؤسسات التربوية والتعليمية والصحية باستخدام نفوذها السحري، لتصميم وضعيات خاصة تخدم مصالح أفرادها على حساب المصلحة العامة، وقد وضع التشريع الفرنسي أرضية لعلماء الاجتماع لكشف مجموعات تتمتع بقدرات خارقة على الإفساد وتغيير الأوضاع لصالحها خلف الأبواب المغلقة à huis clos / à l abri ويسيؤون استخدام سلطتهم ضد الجديرين والأكفاء.
ثانيا: ضرورة إجراء تقييم سيكولوجي مستمر لمخاطر تهديد بعض المسؤولين (المشكو منهم) في المؤسسات العمومية مثل المدارس والمستشفيات والجامعات للمستخدمين، حيث تتعرض فئات محددة من المهنيين المستقيمين لمخاطر السلامة الصحية والنفسية عند رفضهم لقرارات تخفي السلوك الاحتيالي les conduites frauduleuses / fraudulent conduct المؤدية لقلة التقدير الوظيفي وتكريس الخلل المهني. وهي ممارسات تشترك مع نفس أعراض التنمر الوظيفي Bullying / Harcélement مثل (استخدام التعنيف/ قصدية الألم/ تعمد إلحاق الأذى). غالبا ما تكون هذه الممارسات قادمة من جماعات مصلحة او جماعات ضغط أو مرآة عاكسة لتوازنات قبلية للمجتمع داخل المدارس والجامعات والمستشفيات، أو نتيجة استحواذ شلة عنصرية فاسدة على القرار، والتي تسخر هياكل المؤسسات لخدمة المصالح الفئوية الضيقة على حساب المصلحة العامة، عبر وكلاء لها داخل مراكز صنع القرار. تقتضي هذه الشكاوى الانصات أولا للضحايا وممارسة التفكير النقدي لاستقصاء الحقيقة، وخفض حدة الحروب الثقافية أو المعرفية أو الاجتماعية الناجمة عنها دفاعها عن المصلحة العامة ضد الاضطرابات المهنية.
ثالثا: غياب دور النقابات المهنية وعدم فعالية الأطر النظرية والقانونية المبررة لتدخل المصلحين The Reformers، اذ لا يمكن تأسيس جمعية للآباء في الجامعات على غرار جمعيات أولياء التلاميذ في المدارس، على اعتبار أن فئة المراهقين الحاصلين على شهادة الباكالوريا بدون حاجة إلى اشراف ومراقبة الأهل، كما لا يمكن للأطباء الامتناع عن فحص المرضى ضد فساد مسؤولي إداراتهم في ((شكل إضرابي)) لأنه تهديد للصحة العمومية. لكن في المقابل، وفي ظل تفضيل حسم العمال مشاكلهم خارج النقابات أو محاكم العمل وتفضيل العنف والتقابض بالأذرع أو تسديد اللكمات الجسدية، أصبح تحليل ظاهرة العنف المفرط Hyperviolence وتتبع سلوك طلاب الجامعات من المقاربة السيكولوجية، على درجة كبيرة من الأهمية، فإذا كان هؤلاء العقلاء يفضلون العنف فما الذي تبقى للأميين والجهلة أو السوقية والدهماء الذين يتظاهرون في الشوارع من دون رصيد تعليمي أو مهني؟. في الحقيقة حين تكبر عدسة البحث من نطاق الأحياء إلى دراسة المناطق des Quartiers aus territoires / from neighborhood to territories، نكتشف أن العوامل عديدة ومتشابكة ومتداخلة وشديدة التعقيد، وعلى علاقة بمفهوم (المدينة التفاعلية) وظاهرة الإدمان الرقمي Scrollitude التي تكشف عن عمال أو طلاب ومهنيين وحتى بطالين يعانون من الوحدة والعزلة العميقة، بسبب تفكيك تفاعلات الأنترنت لروابط الوحدة الأسرية والمجتمعية والمهنية المفككة أساسا.
حين يصور نفس الأشخاص الاستحواذيين نشاطاتهم في 26 أو 38 صورة على فيسبوك أو منصة اكس، تحت عنوان «تكريم الشجرة» أو «عيد العلم» أو «يوم العمال»، يوثق هؤلاء النشطون فعالياتهم باجتهاد رسمي، لكن المستبعدين يوثقون سرا لحظات إقصائهم وإنكسارهم ونبذهم المبهم!. ويستمر جلدهم لذواتهم بشكل سريع إلى نقطة الانفصال الأخيرة لاعتبار مكان العمل (البيت الثاني)، مصدرا لتهديدم الوجودي!. فلا يمكن بناء الابتهاج على أنقاض الآلام الناجمة عن غياب العدل أو إنعدام الإنصاف. والمشكلة تتركز على «غياب التداول على القيادة» وتدوير المناصب العليا بين نفس الوجوه داخل مؤسسات العمل، بناء على توازنات نقابية أو تفاهمات قبلية عصبية عنصرية أو تعاقدات مصلحية ضيقة.
وفي الأخير، وجدت أن الحديث عن الصراعات الناجمة عن تكريس حكم كبار السن جيرونتوكراسي Gerontocracy بسبب صراع الأجيال، أو حكم الفساد كليبتوكراسي Kleptocracy الناجم عن المحسوبية Nepotism أو حكم الفوضى Chaocracy والحكم الاستبدادي العنفي سبوكوكراسي Spookcracy المنتج لديمقراطية الاحتجاج بروتستوكراسي Protestocracy، هي مفاهيم شارحة مساعدة، لكنها لا تفسر تماما كيفيات القضاء على صناع قرار الذين يسيؤون استخدام السلطة بهدف قهر أفضل المستخدمين لديهم. ووجدت أن حرية القضاء وقوة العدالة (دار الشرع) للمحاكم الإدارية، تظل الوسيلة الأكثر فعالية حين تفشل أطر وهياكل العمل في إنصاف المظلومين وردع المخالفين.
على الرغم من الجهود التي بذلها المشرعون ضد الظواهر الإدارية الخارجة عن القانون، وهي ترسانات لا يستهان بها من اللوائح والقوانين ومنهجيات العمل وأطر التنظيم، إلا أن "سياسة الصمت" تجاه الظواهر غير المرئية، يقتضي إنصات المؤسسات الإدارية لتحذيرات الأكاديميين، وهي (أجراس البحث العلمي) التي تم انجازها وتصميمها بحرص منهاجي كبير لتجنب سوء التقدير.
ومن أجمل الدراسات التي قرأتها، انتقال الحكومات من (سياسات التعويض عن الكوارث الى سياسات استباقية تمنع وقوع المخاطر)، وتطبيقا على ما أبحث عنه في هذا السياق، فأنا أختبر فرص إنجاح حلم تأسيس (مستشفى ومدرسة وجامعة خالية من الإقصاء) تقدم خدمات ذات جودة بعيدا عن الشللية وتضارب المصالح.
لقد كتب السوسيولوجيون والسيكولوجيون أمثال إميل دوركايم و فرانز فانون و بيير بورديو و ميشال فوكو عن ظواهر خطيرة مثل (القهر والانتحار والعنف والاكتئاب والهيمنة الذكورية البطريركية والتعذيب والسجن) ولا يزال علينا بحث العديد من الظواهر الخطيرة مثل (البيدوفيليا، الشذوذ، التسرب المدرسي، النهب والاختلاس، الإدمان، السرقة، المضاربة، التهرب الضريبي،..)، والناجمة عن تكريس وضعيات اللاعدالة لعدة عقود، بطريقة تراكمية.
كما يمكن أن تنفع عشرات البحوث الجادة في تأسيس قوانين فعالة استباقية Proactive تقلل احتمالات المخاطر بدل السياسات التفاعلية Reactive التي تحاول احتواء الكوارث بعد وقوعها. حيث تقتضي سياسات حماية المهنيين تأسيس مجموعات عمل بؤرية فعالة لمحاصرة أساليب الفساد الإداري المعذبة للموظفين والمستبعدة للمهنيين الأكفاء والمستنزفة لموارد الدولة ومؤسساتها.
تقول الباحثة نيل بونيا Nel Bonilla أن دراسات صراع الطبقات التي يناقشها سلافوي جيجاك Slavoj Zizek اليوم بشجاعة، تعاني نقصا وتراجعا كبيرا في عصرنا بعد أن كانت شارحة لعشرات الظواهر كما كان يفعل سمير أمين أو إيمانويل والرشتاين. فعلى سبيل المثال، يقترح الفيلسوف السلوفيني جيجاك (زيزاك) بث مقاطع المجاعة في قطاع غزة كبديل عن خسارة الأموال على حملات التوعية ضد التبذير، لسد نفس كل مواطن يتناول 4 وجبات يوميا ودفعه إلى الصوم وتقليل التبذير انطلاقا من التفكير في مشكلة الفقراء. مع طرح السؤال (من يصغي الى الفقراء؟). وطرح سؤال أوسع (ما الذي فعله الفقر بالمدرسة والجامعة والمستشفى، وما الذي فعلته المدرسة والجامعة والمستشفى بالفقر؟). فلربما يكون استرجاع الأموال المنهوبة أحد أهم الحلول لخفض مستويات الفقر، ورفع ميزانيات المدارس والمستشفيات والجامعات، وخفض التوترات داخل الهياكل المجتمعية في المجتمع وهياكله العميقة، على الأقل حماية للعائلات من ظاهرة الاختلال الوظيفي للأسرة Dys-function-al Family وإنقاذ عشرات الموظفين الصالحين من التحول إلى ضحايا محالين على مستشفيات المجانين Madhouses.
كتب الباحث لوران دوبريل Laurent Dubreuil عن اللاسياسة a-politique حين تستنزف الحياة الفرد ويدخل المواطن الضحية في لعبة إعادة تدوير داخل آلة ضغط تسيطر عليها جماعة فاسدة. ويقترح دوبريل الهروب بالكامل تعبيرا على السخط والاستياء بدل المعارضة والتبليغ عن المخالفات، ويتحدث عن سياسة الاستياء Politics of Resentment بسبب التبلد الجماعي للأغلبية الصامتة Silent Majority التي أصابها الملل من انتشار الخطاب السام The Toxic Rhetoric الذي يكافح لصنع فئات مطيعة Compliant لا مكان لها للهروب، وتستبدل استراتيجات الاصلاح بالسياسة الارتجالية Ad-hoc Reactive.
لقد قدمت وجهة نظر عفوية بعد الاستماع لعشرات الشكاوى المهنية، وقراءة مئات الدراسات العلمية الهامة، لكن هذا المجال لا يزال بكرا وجديدا وبحاجة إلى نقاش مستفيض تمهيدا إلى ترجمته في شكل تشريعات صارمة واختباره ميدانيا في اجراءات إدارية وقضائية ردعية، انصافا لحكم الجدارة والاستحقاق Meritocracy بكل هدوء، لمنع اية مقاومة أناركية يعقوبية النهج، تهدف إلى زعزعة الاستقرار أو تهديد مكاسب الإصلاح التراكمي المتحقق.
#عصام_بن_الشيخ (هاشتاغ)
Issam_Bencheikh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟