|
|
الاِسلام المعاصر وتحدي الحداثة: التعثر وتصحيح المسار
حامد فضل الله
كاتب
(Hamid Fadlalla)
الحوار المتمدن-العدد: 8767 - 2026 / 7 / 15 - 02:55
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
قراءة في المنهج والمضامين عرض كتاب د. أمين حامد زين العابدين* الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة: التعثر وتصحيح المسار**
تقديم ومراجعة حامد فضل الله / البرليني صدر عن دار المصورات في عام 2025 ــ كتاب الدكتور أمين حامد زين العابدين الإسلام المعاصر وتحدي الحداثة: التعثر وتصحيح المسار. والكتاب من الحجم المتوسط ويضم 405 صفحة ــ ويحتوي بجانب المقدمة والخاتمة والهوامش والمراجع على خمسة فصول، بالإضافة لملحق يضم نصوصا مختارة. جاء في المقدمة: "تناولنا في كتاب سابق أسباب تأخر الحضارة العربية الاِسلامية ومقارنته بوضع الحضارة الأوروبية المسيحية في العصور الوسطى، والعوامل التي ساهمت في الرقي الحضاري الذي شهدته أوروبا بعد عصر النهضة والثورة العلمية في القرن السادس عشر؛ لتصبح الحضارة الكونية الوحيدة التي تسعى باقي المجتمعات إلى الاقتداء بتجربتها. [ويناقش الكتاب] إشكالية النهضة والحداثة التي واجهت بلدان العالم الاسِلامي، والآراء التي طرحها المفكرون المسلمون والعرب؛ للتعرف على سر تفوق الغرب والسبيل إلى التخلص من وهدة التخلف لتحقيق النهضة الحضارية". الفصل الأول: محاولات الاِصلاح والنهضة في الاِمبراطورية العثمانية يبدأ زين العابدين ببسط السياق الكبير ويقول: " ترتبط المجتمعات الاِنسانية بعلاقة مع السماء وعالم ما وراء الغيب وفق رؤيتها الشاملة للكون والحياة الدنيوية، لذلك اجتهد المسلمون لتعزيز علاقتهم بالسماء بتأسيس دولة الله في الأرض لتنفيذ أحكامه الواردة في القرآن، وتجسدت في مفهوم الأمة والدولة الاِسلامية التي يحكمها الخليفة نيابة عن الله بعد وفاة الرسول وليكون ظله في الأرض. ونجم عن ذلك تفسير محدد للإسلام تميز بالخصائص التالية: 1ــ "نظام الحكم ديني وتم تحديده قبلياً بواسطة الوحي. 2 ــ السيادة أو الحاكمية وسلطة التشريع لله وحده. 3 ــ الأمة الاِسلامية التي يقودها الخليفة ملزمة بنشر الاِسلام، وتتمتع بالسيادة العليا على الشعوب الأخرى. 4 ــ الأمة التي يقودها الخليفة الاِمام هي التجسيد الأرضي لأحكام وقوانين الوحي الأزلية، حيث لا إمكانية لتطور وتقدم واجتهاد عقلاني. 5 ــ نجم عن ذلك تشكل رؤية إسلامية للكون وعالم الحياة الدنيوية ذات أصل ديني مرتبط بالوحي الاِلهي الأزلي المطلق". ويواصل "أدى الضعف الذي عانت منه الدولة الاِسلامية في أواخر العصر العباسي إلى نشوء دويلات مستقلة في أطراف الأمة الاِسلامية، وتوسع نفوذ الأتراك في شؤون الدولة"، وإنشا دويلات في آسيا الصغرى والأناضول والتوسع تدريجياً. وتوسع نفوذها في الأقاليم الأوروبية. ويشير إلى الحروب والهزائم التي تعرضت لها الامبراطورية العثمانية من قبل الدول الأوروبية المجاورة. ويكتب عن بدايات الاِصلاح، ثم الاِصلاحات في فترة التنظيمات، وعن شبان تركيا والحركة الدستورية، وعن تحدي حكام الاِمبراطورية العثمانية للدول الغربية عن طريق هذه التنظيمات وإصلاح النظم العسكرية والاِدارية والقانونية، واقتباس قيم وقوانين المجتمعات الأوروبية على حساب التقاليد وأحكام الشريعة. ويختتم الفصل بالإشارة لفشل جهود الحركة الدستورية لإصلاح نظام الحكم وعودة الحكم الاستبدادي.
الفصل الثاني: الاِصلاحات والنهضة في العالم العربي الاِسلامي. يبدأ الفصل بتقديم نبذة عن الاِصلاحات التي تمت في عهد محمد علي باشا واتسع مداها في عهد الخديوي إسماعيل والسعي الحثيث لتحديث مصر وظهور تيار الحداثة الاِسلامية الذي قاده جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده، بهدف الاِصلاح الديني والفكري ضد توغل النفوذ العلماني في المجتمع المصري. انغمس الأفغاني في النشاط السياسي أثناء إقامته في مصر ودعوته إلى ضرورة تبني نظام الحكم والعلوم والتكنولوجيا الغربية. ودعا إلى الحرية بالمعنى السياسي الحديث. ولم يعترف بإجماع الفقهاء في الماضي على إغلاق باب الاجتهاد، وسعى إلى التوفيق بين الاِسلام ومستجدات الحضارة الغربية. وآمن الأفغاني أن إهمال المسلمين لتعاليم دينهم هو العامل الأساسي لعدم نجاح محاولاتهم لتبني النظم الأوروبية الحديثة، دون أن يفطن إلى أن أهم عامل للتطور الحضاري الذي شهدته أوروبا منذ عصر النهضة والثورة العلمية والصناعية هو علمنة المجتمع ..." "يعتبر الشيخ محمد عبده أهم رائد للتجديد والاِصلاح الديني في العالم العربي في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ومن أهم تعاليمه تحرير الفقه الديني والفكر الاِسلامي من التقليد والجمود، وجهوده الاِصلاحية في الأحوال الشخصية، مما يعني تفضيله للعقل على النقل وتبنى رأي المعتزلة حول حرية الاِرادة الاِنسانية وقدرة الاِنسان على خلق أفعاله. وكان للمعتزلة الذين جعلوا العقل سابقاً على الشرع أثر واضح في منهج محمد عبده العقلاني لتحقيق الاِصلاح كما ينعكس في كتابه "رسالة التوحيد". واتسم موقفه تجاه ثنائية النقل والعقل بالمشاعر المتناقضة، وحسم أمره بأن جعل المرجعية الدينية وسلطة النص والنقل الاِطار المرجعي الذي تستند عليه أفكاره. الفصل الثالث: التيار الليبرالي العلماني. يقدم المؤلف في هذا الفصل، قاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين كممثلين لهذا التيار. ونقدمهم هنا بإيجاز شديد: ــ قاسم أمين: حاول قاسم أمين معالجة إشكالية تخلف المجتمعات الاِسلامية عبر بعدها الاجتماعي، وذلك بتركيزه على قضية المرأة، مشيرا إلى وضعها المزري وإمكانية التدرج في تحقيق الاِصلاح. وعبّر عن امتعاضه من تقليد تعدد الزوجات والطلاق وأكد على أهمية تحرير المرأة وضمان حقوقها الشخصية وتعليمها. ولقد تميزت أعماله حول تحرير المرأة بتجاوز منهج الأفغاني ومحمد عبده التوفيقي. ــ أحمد لطفي السيد: آمن لطفي السيد أن السبيل الوحيد لتحقيق النهضة واللحاق بركب الحضارة الحديثة هو الانقطاع والتخلي عن المرجعية الدينية التقليدية في تناول مسائل الحكم والسياسة. كما تبنى مفهوم القومية الليبرالي الحديث والتأكيد على أهمية مفاهيم الدستور والحرية. واعتبر الحرية من أهم مقومات الاِنسان. ــ علي عبد الرازق: أصدر علي عبد الرازق كتابه الاِسلام وأصول الحكم في عام 1925 متوسعا في آراء محمد عبده حول مدنية الحكم في الاِسلام وإنكار أنه حكم ثيوقراطي ديني وأفكار لطفي السيد الليبرالية. وجادل بعدم وجود أي إشارة في القرآن والسنة على إقامة منصب الخلافة وتأسيس دولة إسلامية. وميز بين الرسالة النبوية والمُلك وأن لكل منهما مقاماُ يختلف عن الآخر وبأن الزعامة الدينية للنبي قد انتهت بموته "وتختلف عن الزعامة المدنية السياسية التي نجح الصحابة في إقامتها في إطار دولة عربية على أساس وحدتهم الدينية وعرفت فيما بعد بمؤسسة الخلافة أو الاِمامة". وثمّن بعض النقاد كتابه واعتبروه مساهمة قيمة لتعزيز توجه الخطاب الليبرالي المعاصر للاستفادة من مساهمات الحداثة الثقافية الغربية في مجالات السياسة والاجتماع. ويضيف زين العابدين " أن علي عبد الرازق قد دفع بآراء محمد عبده ولطفي السيد حول الطبيعة المدنية للحكم في الاِسلام إلي نتائجها المنطقية بالدعوة إلى تبني المجتمعات الاِسلامية للدولة العلمانية التي تميز بين الدين والدولة ..." لذلك تعرض الكتاب ومؤلفه لهجوم ونقد عنيف من القصر الملكي لطموح الملك، فؤاد الأول، لتولي منصب الخلافة، ومن السلطة الدينية ممثلة في الأزهر. ــ طه حسين: بعد عودة طه حسين إلى وطنه بعد أن أكمل دراسته من جامعة باريس، انخرط في الحياة الأكاديمية، بالتدريس في الجامعة المصرية وتأليف العديد من الكتب الهامه ووظف مناهج البحث العلمي الحديثة في التاريخ والاجتماع والفلسفة واللغة التي تعلمها في فرنسا في أعماله الأكاديمية، وانعكست بوضوح في كتابه في الشعر الجاهلي الذي صدر في عام 1926 كما طبق منهج سبينوزا في النقد التاريخي لكتب التوراة والاِنجيل المقدسة، ونزع هالتها الأسطورية بالتعامل معها كنصوص بشرية لكونها مكتوبة بلغة طبيعية إنسانية؛ مما يجعلها خاضعة لتفسير وتأويل البشر. وكان مدخل طه حسين لتطبيق هذا المنهج على القرآن دراسة تاريخ الشعر الجاهلي ويشير بأن الشعر الجاهلي منحول تم وضعه بعد ظهور الاِسلام. أثار كتابه ردود فعل غاضبة من الأزهر والبرلمان والصحافة، مما أدى إلى تقديم بلاغ بتهمة الطعن في القرآن الكريم. ويسرد زين العابدين بإسهاب مسار القضية ويشير إلى المقالات العديدة التي كتبها طه حسين أثناء القضية المرفوعة بعنوان" بين العلم والدين" مشيراً للخلاف الجوهري بين الدين والعلم ... كما أخضع طه حسين وفقاً للمنهج التاريخي الحديث، كتابيه عن الفتنة الكبرى المسلمات التاريخية ــ التي تنظر إلى تاريخ الخلفاء الراشدين والصحابة بعين القداسة والتبجيل ــ للنقاش والتمحيص النقدي. وناقش طه حسين في كتابه الهام " مستقبل الثقافة في مصر „إشكالية النهضة ورقي مصر وتطورها الحضاري. كما أبدى اهتماماً فائقاً بالتعليم الذي أعتبره صمام الأمان لحماية الاستقلال وترسيخ الديمقراطية وحب الوطن في نفوس التلاميذ. الفصل الرابع: فشل مشروع النهضة ومحاولات إحيائه وتجديد خطابه يعيد المؤلف في هذا الفصل آراء بعض العلماء والمفكرين، الذين جاء ذكرهم من قبل، مع إضافة آخرين، ويقدمهم شارحاً وناقداً. يقول المؤلف: "تبنت النظم العربية التي تولت مقاليد الحكم في خمسينيات القرن العشرين في مصر وسوريا والعراق، أيديولوجية تتكون من عناصر الحداثة الاِسلامية والقومية العربية التي تربط العروبة بالإسلام والاشتراكية العربية العلمانية لتحقيق النهضة ...كما انتشر في نفس الفترة نفود حزب الاِخوان المسلمين وتوسع نطاق نفوذه من مصر إلى بعض الأقطار العربية وطرحوا برنامجهم البديل، مثل تأسيس الدولة الاِسلامية وتطبيق الشريعة، واستحالة فصل الدين عن الدولة، والقرآن هو الدستور الذي تُبنى على أساسه الدولة الاِسلامية... كان من أهم العوامل التي أدت إلى تعثر وفشل مشروع الاِصلاح الديني والنهضة الذي قاد قاده رواد الحداثة الاِسلامية، عدم إلمامهم بالنقلة النوعية الهائلة لنظرة الاِنسان للعالم المحيط به، ما شهده العالم بعد الثورة العلمية والفلسفية والاقتصادية والسياسية منذ القرن السادس عشر، الذي انعكس في أعمال محمد أركون وحسن حنفي ونصر حامد أبوزيد وعلي مبروك. كما كان أيضاً من عوامل تعثر الحداثة الاِسلامية وتحقيق تقدم وإصلاح ديني فعال استبعاد رواد النهضة لاجتهادات مستنيرة من التراث الفكري الاِسلامي، مثل مبدأ المعتزلة حول خلق القرآن، وهو المفتاح لتحقيق الوعي بتاريخية النص وتفاعله مع حياة المجتمع الاِسلامي الدنيوية لتحقيق مصالحه. ولم تصمد محاولات علي عبد الرازق وطه حسين لإعادة التفكير في التراث الاِسلامي برؤية نقدية تاريخية، كما انعكست في كتابيهما الاِسلام وأصول الحكم وفي الشعر الجاهلي أمام هجوم القوى التقليدية وعلماء الأزهر، وتراجع العديد من المفكرين والليبراليين مثل محمد حسين هيكل وعباس محمود العقاد وأحمد أمين وطه حسين عن آرائهم الليبرالية التقدمية وعكوفهم على الكتابة في الاِسلاميات. تزامن مع الصحوة الإسلامية وانتشار نفوذ القوى السلفية التقليدية في العالم العربي بعد هزيمة 1967 ظهور تيارات فكرية لإحياء الخطاب التنويري و تحقيق النهضة قاد أحداها الأستاذ محمود محمد طه وتلميذه عبدُ الله النعيم ومحمد شحرور. ــ محمود محمد طه يتلخص جوهر مشروع محمود طه الفكري للإصلاح الديني في تقسيمه القرآن من ثم الاِسلام إلى رسالتين وهما الرسالة الثانية الأصلية التي تشمل سور وآيات القرآن التي نزلت في مكة والرسالة الأولى الفرعية وهي السور التي نزلت في فترة تأسيس الرسول للدولة في المدينة ويتسم مشروعه بمنحه الأولية للأزمة التي تعاني منها الحضارة الاِنسانية المعاصرة ومحاولة معالجتها عن طريق الرسالة الثانية. ولم يشرح في أعماله تخلف السودان والمجتمعات العربية الاِسلامية وأسباب الاِقلاع الحضاري لأوروبا بعد القرن السادس عشر، وكيفية تحقيقه في العالم الاِسلامي. وطغت النزعة التوفيقية والتلفيقة على مشروعه الفكري الذي استوعب مفاهيم وقيم الحداثة الثقافية الغربية، واعتبار أن هذه المفاهيم موجودة في تعاليم الاِسلام. وأدت تعددية الرؤى في منظومته الفكرية التي جمعت بين عقلانية الأشاعرة والتأويل الصوفي للغزالي وابن عربي ومفاهيم الحداثة الثقافية للحضارة الغربية إلى افتقارها للتماسك المنطقي والتناقض مع حقائق الأشياء، مثل اعترافه بضخامة وإنجازات الحضارة الحديثة واستعار أفكارها في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية كانت نتيجة لنهاية المنظومة المعرفية للقرون الوسطى ويقينياتها اللاهوتية وتجاوزها بواسط الثورة وظهور رؤية جديدة للعالم، ولكن طه احتفظ بأهم عناصر الرؤية اللاهوتية للعالم، كما تجسدت في تعاليم المذهب الأشعري التي تبنت الجبرية ضد حرية الإرادة الاِنسانية، وأن القرآن قدم الحل النهائي لمسألة الجبر والاختيار. ورغم إنكاره قانون العلة الذي تمت بموجه كل اكتشافات العلم الحديث، يزعم طه تطابق الاِسلام مع العلوم الطبيعية. وتبنى الرأي الأشعري بأن القرآن هو كلام الله، قديم غير مخلوق. كما استبعد المنهج اللغوي لتحليل ودراسة القرآن، الذي يكشف بفضله الآليات الداخلية للنص التي تتيح التعرف على المغزى الكامن فيه لإنتاج الدلالة والمعنى الصحيح لآيات الأحكام وإثبات مواءمتها مع الحداثة الثقافية وروح العصر. ومما يدحض فرضية طه بأن آيات الرسالة الثانية المكية قد نسخت الآيات المدنية التي نزلت بعدها بفترة حقيقة أن علم الله شامل للماضي والحاضر والمستقبل والجزئيات والكليات "فهل يستقيم عقلاً الزعم أن الله لا يدري أن السور المكية فوق مستوى فهم سكان مكة وستواجه بمعارضة عنيفة توشك أن تقضي على الدين الجديد والرسالة الخاتمة ورغم ذلك يتم إنزالها بواسطة الوحي الاِلهي"؟ ــ عبدُ الله أحمد النعيم ويقول المؤلف عن النعيم: "سعى عبدُ الله النعيم في كتابه نحو إصلاح إسلامي طرح آراء مستنيرة بهدف إصلاح القانون العام الاِسلامي الذي يرتكز على الشريعة على ضوء تعاليم أستاذه محمود محمد طه ومكتسبات الحداثة الثقافية في مجال نظام الحكم الدستوري الديمقراطي وحقوق الاِنسان. ويقر النعيم بعدم وجود أي إشارة للدستور في القرآن، ويعتقد ضرورة توظيفه في الدول القومية التي يقطنها المسلمون بجانب المواثيق الدولية التي تضمن حقوق الاِنسان من أجل إدخال إصلاحات في الشريعة تنسجم مع روح الدستور وحقوق الاِنسان". واستعرض عدة نماذج لكيفية تمييز الشريعة ضد المرأة وغير المسلمين المستوطنين في البلدان الاِسلامية واعتبرها غير مقبولة ولا تطاق من منظور الحياة الحديثة. واعتبر التمييز ضد المرأة والأديان الأخرى الذي تنص عليه أحكام الشريعة بمثابة خرق وانتهاك لحقوق الاِنسان الدولية. عليه فإن السبيل الوحيد لتجنب خرق الشريعة لحقوق الاِنسان الدولية هو التخلي عن الآيات القرآنية المدنية التي تستند إليها الشريعة الحالية لتحقيق إصلاح الشريعة على المنهج القانوني واستبعاد العلمانية لحرصه على انطلاق الاِصلاح من مبادئ إسلامية بديلة للمبادئ الموروثة عوضاً عن العلمانية التي لا تلائم ظروف المجتمعات الاِسلامية. ويرى أن عدول النعيم عن تضمين العلمانية كمكون لإصلاح القانون العام الاِسلامي تمسكه مثل طه برؤية العالم القرووسطية التي تمنح الوحي والنقل الأولوية على العقل الذي دفعه إلى إسباغ الطابع الديني على الدستور بتضمين الحدود والقصاص فيه. يقول زين العابدين: "حاول النعيم في كتابه الاِسلام والدولة العلمانية الصادر في عام 2008 تجاوز التناقض في كتابه نحو إصلاح إسلامي الذي استبعد فيه العلمانية كمكون للإصلاح وتوظيفه في نفس الوقت للقانون الدولي العلماني لحقوق الاِنسان كمعيار لتطوير الشريعة في بعض المسائل، مثل التمييز ضد المرأة وغير المسلمين، وذلك بطرحه نموذجاً توفيقياً يتبنى الدولة العلمانية في المجتمعات الاِسلامية وفصل الدين عن الدولة. ورغم ذلك يفسح اقتراحه مجالاً للشريعة في مؤسسات الدولة التشريعية بعد تنظيمها وإخضاع مبادئها وأحكامها للنقاش والحوار العقلاني في سبيل تطويرها لتنسجم مع مبادىْ الحكم الدستوري وحقوف الاِنسان. واعتبر أن اقتراحه لتبني الدولة العلمانية لا يشمل مفهوم العلمنة، أي أنه يدعو لدولة علمانية وليس لعلمنة المجتمع. ويكشف زين العابدين تناقض النعيم بقوله: " ينعكس التناقض في نموذج الدولة العلمانية وفصل الدين عن الدولة الذي طرحه النعيم في تسريبه في نفس الوقت للشريعة لأداء مهام في الجهاز التشريعي للدولة لنقاش مبادئها بالحوار العقلاني من أجل إصلاحها وذلك بالرغم إقراره بفصل الدين عن الدولة. العلمنة لا تلغي الدين وتقصيه من المجتمع، وطبقاً للتمييز بين وظائف كل مؤسسة في المجتمع، تنحصر وظيفة الدين في مجال اختصاصه في الشؤون الروحية والأخلاقية ولا يتدخل في مهام المؤسسات الأخرى مثل الجهاز التشريعي للدولة المنوط إليه بوظيفة سن القوانين أو تعديلها وإصلاحها متى ما اقتضى الحال". ويتعرض زين العابدين في هذا الفصل للباحثين: محمد شحرور، محمد أركون، حسن حنفي، نصر حامد أبو زيد وعلي مبروك، نقدمهم هنا باختصار شديد مراعاة للمساحة المرغوبة والمتاحة لعرض الكتب. استند محمد شحرور في أطروحته أي تقسيم القرآن إلى الكتاب والقرآن على تمييز محيي الدين بن عربي بين النبوة التي يعتبرها منبع المعرفة الأزلية الثابتة والرسالة التي كان آخرها الاِسلام ومحمد خاتم الأنبياء. واستهدف شحرور من تقسيمه تبرير الاعتقاد الأشعري بأن القرآن قديم وموجود منذ الأزل في اللوح المحفوظ؛ الأمر الذي لا ينسجم مع الحقيقة التاريخية بنزول القرآن متفرقاً على مدى ثلاثة وعشرين عاماً ونسخ بعض الأحكام ونزول بعض الآيات في أوقات معينة ولأسباب محددة اقتضت نزولها. وانطلاقاً من الأطروحة الأساسية لكتابه، يقوم شحرور بطرح مشروع للإصلاح الديني يعتمد على سلطة النص والنقل، ويشتمل على قوانين جدل الكون ونظرية المعرفة القرآنية وتجديد السنة والفقه والاقتصاد الاِسلامي ومفاهيم الجمال في الاِسلام. وأدى تمسكه برؤية العالم اللاهوتية وتعاليم المذهب الأشعري إلى رفضه فصل الدين عن الدولة، وينتمي مشروعه الاِصلاحي على فكر رواد الحداثة الاِسلامية لاتفاقه معهم في الاعتماد على سلطة ومرجعية النص منح الألوية للنقل والاعتقاد أن منهج التأويل كفيل باكتشاف أن الاِنجازات العلمية للحضارة الحديثة ومنظومة قيمها مثل الحرية والديمقراطية وحقوق الاِنسان موجودة في الاِسلام. ولا شك أن إغفالهم للفرق الجوهري بين الدين الذي يعتمد على التأويل والعلوم الطبيعية، التي تستند إلى العقل وليس النقل، قد كان أحد أسباب تعويق خطابهم لعملية النهضة وإدامة التأخر الحضاري. وعن أركون وموقفه يكتب زين العابدين: "تبنى محمد أركون مبدأ المعتزلة حول خلق القرآن لاعتقاده أن التمعن في المسألة يؤكد وجود تميز بين كلام الله المتعالي الأزلي الذي تشير له آيات القرآن والوحي الذي تدرج نزوله في زمان محدد ومعلوم لمجتمع المسلمين بهدف تنظيم شؤون حياتهم الدنيوية والدينية. ومما يؤكد صحة رأي المعتزلة بأن الوحي كلام الله مخلوق وتجلى في مسار التاريخ وواقع الحياة معجزة ميلاد النبي عيسى عليه السلام الذي يعتبره القرآن كلمة الله فأن الشيء الذي يقابل يسوع المسيح في الاِسلام هو القرآن بصفته الكتاب المقدس الذي يحتوي على كلام الله الموحى به. وأما يسوع المسيح بصفته تجسيداً لكلمة الله، فإنه يشبه المصحف الذي تجسّد فيه كلام الله". وعن حسن حنفي يقول زين العابدين إنه بدأ مشروعه الفكري بمزج جانبه المعرفي مع الأيديولوجيا لإعادة بناء علم أصول الدين وتحويل العلوم النقلية في الفكر الاِسلامي إلى علوم عقلية بتوظيف منهج النقد التاريخي والمنهج الفينومونولجي أو الشعوري وتبنى منهج المعتزلة العقلاني ورأيهم أن القرآن مخلوق لتأكيده تاريخية الوحي وربطه بالواقع وحرية الاِرادة الاِنسانية. وحاول الربط بين تراث المعتزلة العقلاني والفكر الغربي الحديث بحسبانه وسيله هامة لتحقيق الاِصلاح الديني الحقيقي والنهضة، ولتحقيق ذلك يقول: " قد تكون فلسفة التنوير من حيث هي قضاء على الخرافة هي أكثر ما نحتاجه في عصرنا هذا من إيمان بالإنسان ونداء الحرية والاتجاه نحو العالم الحسي والنقد التاريخي للكتب المقدسة .. ودراسة الحركات العلمانية والتيارات الاِنسانية التي اتُهمت بالإلحاد ظلماً وهي التيارات التي تدعو إلى العقل دون السر والحس دون الخرافة، والحرية لا الجبر والعلمانية دون الكهنوتية". رغم النقد الذي وُجّه إلى مشروعه الفكري والاتهام بالنزعة التوفيقية والمنهج التبريري، إلا أن نصر حامد أبو زيد يعترف بإيجابيات مشروعه الفكري وانه حقق إنجازات في دراسة التراث لا سبيل إلى تجاهلها وكما يعترف جورج طرابيشي أيضاً، بإيجابيات أفكاره لتجديد التراث وتحقيق الاِصلاح الديني. قام نصر حامد أبوزيد بتطوير مشروع حسن حنفي لإعادة بناء التراث الفكري الاِسلاِمي وفق رؤية جديدة للعالم تستهدف تحويل الاِلهيات إلى إنسانيات بحكم تاريخية الوحي وارتباطه بواقع المجتمع العربي الاِسلامي، بإصدار العديد من الكتب والابحاث العلمية. وتأثر بآراء أمين الخولي حول ضرورة الدرس الأدبي للقرآن لتحقيق الفهم الصحيح لجوانبه الاعتقادية والشريعة والأخلاقية وإعادة النظر في تفسير وتأويل القدماء للقرآن وفق منظور يستند إلى أحدث ما توصلت إليه العلوم المعاصرة وأدوات البحث العلمي خاصة منهج التحليل اللغوي باعتبار أن القرآن نص لغوي في المقام الأول. واكد في مشروعه الفكري أهمية قضية التحرر من سلطة النص لتحقيق الاِصلاح واستئناف مسيرة التنوير والنهضة، وذلك بمنح العقل حريته في تنظيم شؤون المجتمع العربي الاِسلامي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتشريعية، والاجتهاد وإبداء الرأي في أحكام المعاملات والواردة في النص والنقل وتأويلها لتتوافق مع روح العصر. وعندما نأتي لعلي مبروك فإننا نجد أنه سار على درب أستاذه حسن حنفي لتجديد التراث ومشروع أستاذه نصر حامد أبو زيد لإعادة تعريف القرآن بفهم مستنير يساهم في انتشال الأمة العربية الاِسلامية من وهدة التخلف لتحقيق النهضة والبعث الحضاري. وتبنى مبروك مثلهم الرأي المعتزلي بأن القرآن مخلوق، وتبنّى تحرير النص من الجمود الذي فرضه المذهب الأشعري السائد وربطه بالواقع الاِنساني ووفقاً لتطور ومتغيرات الزمن لكي ينسجم مع روح العصر. ويشير زين العابدين إلى أن علي مبروك: "جادل بأن للوحي الاِلهي صوراً متعددة تنزلت على الرسل عبر التاريخ في أوقات معينة وتلائم ظروف وواقع ومستوى فهم المجتمعات التي تلقت مضمون الوحي من الأنبياء المرسلين لهم." واعتبر على مبروك الوحي متميزا عن المعرفة الإلهية التي تعتبر من صفات الذات بينما الوحي خطاب وهدى للعالمين ومن صفات الأفعال". الفصل الخامس: نحو الاِقلاع الحضاري يمثل هذا الفصل جوهرة الكتاب، حيث يعود الكاتب من جديد لبعض المفكرين الذين جاء ذكرهم سابقاً ومضيفاً علماء ومفكرين أخرين، وتناولهم هنا بالشرح والتحليل والنقد مثمناً أو معارضاً. يكتب زين العابدين " ما زالت المجتمعات العربية والاِسلامية تعاني من الفوات التاريخي الحضاري ... وسبب ذلك حسب اعتقادنا رضوخ العقل العربي الاِسلامي لهيمنة الفقه الاِسلامي الكلاسيكي... لا بد من تجديد أو إزاحة الفقه الذي كان صالحاً لأهل زمانه، وتبني قيم عصر التنوير الأوروبي والحداثة الثقافية". ويستشهد زين العابدين بآراء بعض الفلاسفة الألمان، مثل ايمانويل كانط حيث يجيب عن سؤال ما هو التنوير، ومثل هيجل وإشارته بأن أهم سمة يتميز بها العصر الحديث هي الحرية الذاتية والاعتراف بقيمة الحرية كمكون أساسي للعقل. كما يشير لهبرماس والاِصلاح الديني والثورة الفرنسية ومقولة ديكارت أنا أفكر إذن أنا موجود. ويعود بنا زين العابدين إلى قضية تراثنا والقيم الإيجابية الجديرة بالإبقاء عليها مثل: أفكار المعتزلة، وإسهاب أبو بكر الرازي في تقريظ العقل، والإشارة إلى أعمال إخوان الصفا التي تزخر بالعديد من القيم والمبادئ الاِيجابية التي أصبحت فيما بعد من أساسيات مفاهيم عصر التنوير الأوروبي والحداثة الثقافية، وابتداع الاِمام مالك لمفهومي الاستحسان والاستصلاح لإصدار أحكام دون الاستناد إلى النص كما هو الحال في القياس، وتوسّع نجم الدين الطوفي في منح مفهوم المصلحة طابعاً عقلانياً، وضرورة الاعتماد على العقل في التشريع لتحقيق مصالح الناس. إن حرص النخب الحاكمة لمؤسسات الحكم وحرص رواد الاِصلاح من نامق كمال والأفغاني ومحمد عبده بأن مؤسسة الخلافة تمثّل أحد أهم المكونات العقدية وأصل من أصول الدين ونظام الحكم الوحيد الصالح للمجتمعات الاِسلامية الأمر الذي يستدعي الاستغناء عن أهم عناصر الدولة العلمانية. ويستطرد مشيرا لظهور مؤسسة الخلافة بعد وفاة الرسول والاشارة إلى الخلافات بين الأمويين والشيعة والخوارج. ثم نقرأ بعد ذلك فقرة مطولة لمفهوم العلمانية وتاريخها والسياق الذي ظهرت فيه وتشويه الخطاب الاِسلامي الأصولي السلفي لمعناها الحقيقي وطرحها وكأنها دين جديد يناقض الإسلام. وكان للخطاب الاِسلامي أثر واضح في آراء بعض المفكرين المستنيرين المعاصرين مثل محمد عابد الجابري وحسن حنفي حيث جادل الجابري بأنه لا ضرورة لتبني العلمانية في المجتمعات العربية الاِسلامية بدعوى عدم وجود كنيسة في الاِسلام. تم تأتي قضية الأحكام الدينية، فيقول زين العابدين، إن البداية الفعلية لتجديد هذا الأحكام أو استبدالها بقوانين وضعية علمانية كان في القرن التاسع عشر. ويكتب مطولاً في هذا الخصوص وموضحا ضرورة إعادة النظر في الأحكام الفقهية بهدف إصلاحها وتجديدها مثل: عدم المساواة مع غير المسلمين وكيفية معاملتهم، أحكام التكفير والردة لمن تخلى عن الإسلام، عدم مساواة المرأة مع الرجل ( الميراث، الشهادة، القوامة وتعدد الزوجات)، العقوبات الجنائية، الأحكام الخاصة بمواضيع اقتصادية مثل الربا. ويعرض زين العابدين هنا بكثير من التفصيل وجهات نظر العديد من العلماء والمفكرين من العالم العربي والاِسلامي مثل محمد عبده، رشيد رضا، الطاهر حداد، نصر حامد أبو زيد، علي مبروك، محمد النويهي، عبد المجيد الشرفي، ومحاولة عبد الجواد ياسين والنعيم وشحرور في معالجة مسألة الحدود والتشريعات الاِسلامية من منظور النص وفي إطار تعاليم الاِسلام، وتناول محمد محمود موضوع حد السرقة في دراسة مطولة شرحت آراء الفقهاء عن السرقة وأركان وشروط إقامة حدها وطرح حججه المناهضة للعقوبة، بينما سعى محمد شحرور بتفكير رغبوي ينأى عن الموضوعية إلى التغاضي عن قسوة عقوبة قطع يد السارق بإنكار أن الشارع قد نص عليها في آية السرقة بدعوى أن المعني الحقيقي لكلمة قطع في الآية هم المنع والكف عن السرقة وليس القطع الجسدي لليد كما اعتقد الفقهاء السابقون. ويختتم زين العابدين هذا الفصل بقوله" ألا يحق لنا القول إن التحرر من سطوة الفقه الاِسلامي التقليدي الذي فرض على العقل الاِسلامي العربي الاعتقاد أن أحكام قدامى الفقهاء مطلقة لا يمكن تغييرها لمطابقتها مع الوحي والاِرادة الاِلهية وإزاحته من الطريق لتبني الدستور الديمقراطي العلماني الذي يكفل للجهاز التشريعي حق التشريع وسن القوانين بمنأى عن سلطة الدين كما حدث في اليابان هو الضمانة الأساسية لتجاوز التخلف للحاق بركب الحضارة الكونية المعاصرة؟". ــ بعد قراءة متأنية وممتعة لهذا الكتاب، أود أن أشارك ببعض الملاحظات والانطباعات، وأن أثير عدداً من النقاط التي تندرج في إطار التعليق والنقد البنّاء لهذا العمل الرصين، الذي يجمع بين عمق المادة وسلاسة الأسلوب. ــ لم تعد علاقة الإسلام بالحداثة سؤالاً فكرياً مجرداً، بل غدت سؤالاً يتصل بمستقبل المجتمعات العربية والإسلامية. غير أن الحداثة نفسها لم تعد بمنأى عن النقد؛ إذ أخذت، في كثير من تجلياتها المعاصرة، ترتبط بالنزعة النفعية، والاستعلاء الثقافي والعرقي، والمركزية الغربية، وأصبحت تُوظَّف أحياناً أداةً للهيمنة السياسية والاقتصادية على الشعوب الأخرى. ــ وإذا كان المشروع النهضوي العربي قد مثّل، في جانب منه، محاولةً للإجابة عن تحديات الحداثة الغربية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا لا يُعاد تطوير هذا المشروع والبناء عليه للبحث عن حلول للمشكلات الراهنة؟ ولا يعني ذلك الانغلاق أو القطيعة مع الآخر، وإنما الانطلاق من أسئلة واقعنا التاريخي والثقافي، مع الاستفادة النقدية من التجارب الإنسانية الأخرى. ــ جاء عرض المؤلف لأفكار محمد أركون ومحمد عابد الجابري مقتضباً، كما غاب اسم عبد الله العروي، وهو أحد أبرز المفكرين العرب الذين تناولوا إشكالية الحداثة والتراث. ومن ملاحظاته " لا شيء، غير بيان العبارة ووضوح الأسلوب، يميز علم التوحيد عند محمد عبده وعلم الكلام التقليدي".(عبدالله العروي، مفهوم العقل). ــ كما يلاحظ غياب الإشارة إلى عدد من الباحثات العربيات والمسلمات اللاتي قدمن إسهامات مؤثرة في دراسة الفكر الإسلامي وتجديده، وفي مقدمتهن آمال قرامي، أستاذة الفكر الإسلامي ـ والدراسات الجندرية ــ الجامعة التونسية، وفاطمة المرنيسي، عالمة الاجتماع والمفكرة المغربية. ــ خصص المؤلف مساحة واسعة لتحليل أفكار محمود محمد طه وعبد الله أحمد النعيم، مقدماً قراءة نقدية متوازنة. وكان من المفيد، في تقديري، التوقف عند كتاب محمد محمود باللغة الإنجليزية: Quest for Divinity: A Critical Examination of the Thought of Mahmud Muhammad Taha ( دار جامعة سيراكيوز، 2007)، (السعي للألوهية: دراسة نقدية لفكر محمود محمد طه). (ترجمة المؤلف للعنوان). وهو من أهم الدراسات النقدية التي تناولت مشروع محمود محمد طه، ولا سيما أنه وارد في قائمة المراجع. ــ كما كان من المناسب الإشارة إلى الجهود البحثية الكبيرة التي بذلها ولا يزال عبد الله الفكي البشير في جمع تراث محمود محمد طه ونشره، وما أصدره من كتب ودراسات ومحاضرات حول فكر الأستاذ طه والفكر الجمهوري وتطوره. ويظل عدم إلقاء الضوء على هذين الجهدين البحثيين، وهما يعنيان المهتمين بموضوع الكتاب عامة والإخوان الجمهوريين و الأخوات الجمهوريات خاصة، سؤالا مطروحا.+ ــ تناول المؤلف جماعة الإخوان المسلمين في مصر بإيجاز، رغم أنها تمثل أهم تيارات الإسلام السياسي في التاريخ المصري الحديث، وكان لها حضور سياسي واجتماعي ممتد منذ تأسيسها عام 1928. وربما كان من المفيد توسيع النقاش حول تجربتها في الحكم بعد ثورة يناير، وما أعقبها من تدخل المؤسسة العسكرية عام 2013، بوصف ذلك إحدى أهم المحطات في العلاقة بين الإسلام السياسي والديمقراطية في العالم العربي، وما أثارته من جدل واسع حول التحول الديمقراطي. ــ كما يفتقد القارئ الإشارة إلى تجربة حركة النهضة التونسية، التي شكلت أحد أبرز نماذج التوفيق بين المرجعية الإسلامية والديمقراطية بعد الثورة التونسية. فقد أثارت تلك التجربة آمالاً بإمكان تأسيس دولة مدنية ديمقراطية، قبل أن تدخل تونس مرحلة سياسية جديدة ــ انقلاب قيس سعيد والعودة إلى حلقة الحكم الاستبدادي ــ أعادت النقاش حول مستقبل التجربة الديمقراطية في البلاد1. ــ وكذلك كان من المناسب التوقف عند تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي، باعتباره أحد أبرز الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية التي شاركت في الحكم ضمن إطار دستوري وتعددي2. - لم يتناول الكاتب تجربة الحركة الإسلامية السودانية التي استولت على السلطة بانقلاب عسكري عام 1989، منقلبةً على حكومة جاءت عبر انتخابات حرة. وخلال سنوات حكمها، مارست مختلف أشكال الاستبداد والقهر، بينما انتهى ما سمّته بـ"المشروع الحضاري" إلى إخفاقٍ ذريع، كاشفًا خواءً فكريًا وإفلاسًا أخلاقيًا عميقًا، وتاركًا وراءه إرثًا مثقلًا بالأزمات والانقسامات3. ــ خصص المؤلف مساحة واسعة لمناقشة قضايا الشريعة والأحكام والحدود، ولكنه لم يعالج أسئلة ربما تخطر ببال الكثيرين من المهتمين وهي: إذا كان تطبيق الشريعة واجباً دينياً، فما هو الأساس الفقهي الذي يمكن أن يبرر تعطيل بعض أحكامها أو إعادة تفسيرها في ضوء متغيرات العصر؟ ولماذا نقوم بالتصنيف، بالانتقاء أي أخذ جزء منها وترك جزء أخر، ولماذا لا نقوم بإلغائها بالكامل ما دمنا على قناعة بأنها لا تلائم هذا العصر. ________________________________________ ــ لا تنتقص هذه الملاحظات، بأي حال، من القيمة العلمية الكبيرة لهذا الكتاب، بل تنطلق من تقدير عالٍ لما يقدمه من جهد فكري ومعرفي في معالجة قضايا من أكثر قضايا الفكر الإسلامي المعاصر تعقيداً. فقد نجح الدكتور أمين حامد زين العابدين في عرض الأفكار والمذاهب بلغة رصينة وأسلوب سلس، مع قدرة واضحة على المناقشة النقدية والموازنة بين الآراء المختلفة واقتراح مسارات للتجديد والإصلاح. ــ ولعل أكثر ما يميز الكتاب أنه لا يكتفي بوصف الأزمة، وإنما يسعى إلى استشراف آفاق الخروج منها، وهو ما يتجلى في اقتراحه للمسلك الذي يراه كأنجع مدخل للتعامل مع واقع الانقسامات الفكرية والدينية: "ينبغي اللجوء إلى الحوار والنقاش بدلاً من النزاع وتبادل التنازلات لتحقيق التفاهم وتجاوز أخطاء الماضي بهدف تحقيق الإجماع ...". ( صفحة 338). ــ وأحسب أن نجاح أي مشروع للتجديد يظل رهناً بوجود أرضية مشتركة بين المختلفين، تُدار في إطارها الخلافات الفكرية والسياسية بالحوار والتوافق، بعيداً عن توظيف الدين في الصراع السياسي، بما يرسخ قيم المواطنة والديمقراطية والتعايش. لقد خرجت من قراءة هذا الكتاب أكثر معرفةً وإمتاعاً، ولا سيما في القضايا الفقهية والفكرية التي تناولها المؤلف بعمق واتزان. وهو كتاب مرشح لأن يكون مرجعاً مهماً لكل باحث مهتم بقضايا الإسلام المعاصر والحداثة، وأحد الإسهامات الفكرية الجادة في النقاش الدائر حول مستقبل الفكر الإسلامي في عالم يشهد تحولات غير مسبوقة. ومن هنا، فإن هذا العمل يستحق التقدير والاحتفاء، ويؤكد المكانة العلمية للدكتور أمين حامد زين العابدين بوصفه باحثاً يجمع بين سعة المعرفة، والصرامة المنهجية، وحسّ النقد المسؤول.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1ــ جسدت حركة النهضة أول تجربة إسلامية ديمقراطية للإسلام السياسي في البلاد العربية أُسست على الاِقرار بالآخر والتسليم بالديمقراطية والقبول بتحكيم الشعب واحترام حقوق الاِنسان في ظل الدولة المدنية، فجسرت الهوة بين الاِسلام والحداثة، وخرجت من بوتقة التنظير للاجتماع الديني إلى فضاء التأسيس للاجتماع المواطني. عزمي بشارة، المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربين ط. 2 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010). 2 ــ يقرر الحزب في حزيران / يونيو 2012 "ننظر إلى الدولة باعتبارها دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية. دولة يحكمها القانون، مصدره الأسمى الشريعة الاِسلامية في معناها الشامل؛ الذي يتضمن العقيدة والأخلاق والأحكام، أي باعتبارها مجالاً لعمل المجتمع بأسره، ولا يقتصر على سلطة الدولة أو سلطة القانون؛ والتي لا ينبغي فهمها فهماً مشوهاً يختزلها في نظام العقوبات، وإنما في أحكامها ومقاصدها القائمة على إقامة العدل والمساواة بين البشر، وبين النساء والرجال، وفي قيم الشورى والديمقراطية وضمان حق المواطنين جميعاً في الحياة الكريمة. وقانون مرجعتيه العليا المرجعية الاِسلامية والمعايير الكونية للحقوق والحريات المتعارف عليها عالمياً، والمقررة دستورياً؛ وصياغته صياغة بشرية وضعية، تتغير بتغير الظروف والأحوال وتتطور مع تطورات الحياة البشرية". 3ــ صحيح توجد كتابات كثيرة عن الحركة الاٍسلامية السودانية بداية بالكتابات الرائدة لحيدر إبراهيم على وابحاث عبد الوهاب الأفندي التي اتسمت بالموضوعية والنقد البناء، "وهو من أهل البيت" ومقاله الأخير اللافت: الحكم "الإسلامي" من دون إسلاميين، جدلية الدولة والحركة في التجربة السودانية. منشور في كتاب، "الاِسلاميون ونظام الحكم الديمقراطي، اتجاهات وتجارب"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، بيروت، أيلول / سبتمبر 2013 وكذلك الكتاب الضخم لـ فتح الرحمن التوم الحسن، "كولونيالية الاِسلام السياسي، أزمة الوطن والمواطنة في خطاب الاِخوان، السودان نموذجاً"، الخرطوم: دار المصورات، الطبعة الأولى 2021م +ــــ ونشير هنا إلى الندوة التي قام بها تنظيمنا "منتدى حوار الشرق والغرب" في برلين، في 2 فبراير 1995، بدار ثقافات العالم بمناسبة مرور عشر سنواتٍ على استشهاد الأستاذ محمود محمد طه، تحدّث فيها عبد الله النعيم قادماً من القاهرة، مقدماً عرضاً مفصلاً عن الفكر الجمهوري، وعن مفاهيم وتصورات الأستاذ محمود محمد طه، مما جذب انتباه الحضور وخاصة من الأكاديميين، ومن ذلك الحين بدأت الدراسات الأكاديمية في ألمانيا عن الفكر الجمهوري. ونذكر ايضاً المحاضرات التي يقدمها الآن عبدُ الله البشير عن فكر الأستاذ محمود محمد في عدة مدن ألمانية، وقام برصد أطروحات وكتابات تمت في ألمانيا عن المفكر محمود محمد طه. *ــ أمين حامد زين العابدين حاصل على البكالوريوس في التاريخ من جامعة الخرطوم ودرس في إنجلترا حيث حصل على الماجستير من جامعة ووريك في تاريخ اوروبا الحديث والدكتوراه من جامعة نيوكاسل في نظام الرهبنة البنيديكتي في انجلترا في العصور الوسطي. عمل بالتدريس محاضراً في جامعة الخرطوم في الفترة من 1983 ــ 1997 وحالياً استاذ مساعد في جامعة ميريلاند غلوبال كامبس. (adjunct Professor) من مؤلفاته: كتاب "اتفاقية السلام الشامل السودانية وخلفية الصراع الفكري"، وكتاب "أزمة أبيي بين القانون الدولي ومسألة التحكيم" وكتاب "الحضارة العربية الاِسلامية وعوامل تأخرها". **ــ أمين حامد زين العابدين، الاِسلام المعاصر وتحدي الحداثة، التعثر وتصحيح المسار، دار المصورات للنشر والطباعة والتوزيع - الخرطوم، الطبعة الأولى 2025
برلين، 14 يوليو 2026
#حامد_فضل_الله (هاشتاغ)
Hamid_Fadlalla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رسالة مفتوحة من جيفري ساكس إلى المستشار الألماني ميرتس*
-
سقوط نجم دبلوماسي
-
العجز الاستراتيجي
-
في رحيل يورغن هبرماس
-
بين قصر الدموع وسقوط الجدار: سيرةُ عبورٍ لا ينتهي Eka Neuman
...
-
السودان: نموذج أولي لحرب من نوع جديد
-
الشعوبة كفرصة
-
حين يصبح القلم مرايا الروح
-
مسألة السلطة
-
التعلم من أوكرانيا: دروس في سلوك المقاومة
-
الرؤية القرآنية، قراءة تحليلية نقدية
-
1Das Narrenschiff سفينة الحمقى Christoph Hein2 كريستوف هاين
-
حماية المدنيين في السودان هناك بدايةً نقاط، حتى بدون وقفٍ لإ
...
-
من الأرشيف الألماني -القتال في السودان – ينبغي أن يولي الأل
...
-
الفلسفة العربية - الإسلامية: ما بين إرث الماضي وتحديات الحاض
...
-
في تذكر الدكتور عبد الرحيم بلال
-
طبيب نساء سوداني برليني عند بحيرة ليتزينزي
-
رحلة في ذاكرة المسرح السوداني
-
الاِسلام السياسي وجدلية التأويل
-
في ذكرى اللاهوتي والمفكر والمناضل الحقوقي Friedrich Schorlem
...
المزيد.....
-
مجدداً.. ترامب يهدد بضرب محطات توليد الكهرباء والجسور في إير
...
-
-حقل ألغام-!.. حطام فضائي خفي يهدد الاتصالات والطقس على الأر
...
-
برلماني روسي: ماكرون حوّل يوم سقوط الباستيل إلى الترويج لنظا
...
-
بلجيكا.. انتشال 5 جثث عقب حريق اندلع في مبنى -أوكسي- ببروكسل
...
-
الصين تتهم الولايات المتحدة بتأجيج التوتر في الشرق الأوسط خل
...
-
بيدرو بورو يدخل تاريخ إسبانيا ويقودها نحو حلم اللقب
-
صواريخ روسيا تدك مواقع عسكرية بأوكرانيا
-
عائلة ستالين تحت ظلال السلطة.. انتحار وسجن ومنفى
-
واشنطن تقلص الرسوم على أكبر خمسة مشترين للنفط والغاز الروسي
...
-
واشنطن تدعم إعادة تأهيل خط أنابيب النفط كركوك ـ بانياس بين ا
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|