|
|
من حزب الشهداء إلى حزب المعصومين: لماذا يضر خطاب الطهارة بالحزب الشيوعي العراقي؟
علي طبله
مهندس معماري، بروفيسور، كاتب وأديب
(Ali Tabla)
الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 11:07
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
النزاهة ليست هوية حزبية في نقد أسطورة عصمة الشيوعيين الشيوعيون ليسوا معصومين: نقد خطاب النزاهة المطلقة في حزب علني من حزب الشهداء إلى حزب المعصومين: لماذا يضر خطاب الطهارة بالحزب الشيوعي العراقي؟
كتب الرفيق العزيز صبحي الجميلي، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي سابقا وعضو هيئة تحرير طريق الشعب صحيفة الحزب المركزية، في عموده المنشور في جريدة «طريق الشعب» بتاريخ 11 تموز/يوليو 2026، تحت عنوان «نزاهة الشيوعيين.. حقيقة تؤرق الفاسدين»، مقالًا يقدم فيه نزاهة الشيوعيين بوصفها حقيقة عامة راسخة، وصفة تكاد تلتصق بالشيوعي بمجرد انتمائه الفكري والتنظيمي. يؤكد المقال أن الشيوعي «يفعل ما يقول ويقول ما يفعل»، وينأى بنفسه عن شهوات المال والمغريات، ولا يستغل المناصب لتحقيق الثراء الشخصي. ويذهب إلى أن النزاهة «صفة لصيقة بالشيوعيين»، وأن الناس تعرفهم بوصفهم نظيفي اليد، صادقي الكلمة، وأوفياء للوطن والشعب. أما المشككون في هذه الصورة، فيظهرون في المقال بوصفهم فاسدين أو مأزومين أو عاجزين عن منافسة الشيوعيين في مواقفهم وسلوكهم. قد يبدو هذا الخطاب، للوهلة الأولى، دفاعًا مشروعًا عن حزب تعرض طوال تاريخه للقمع والتشويه، وقدم آلاف الشهداء، والسجناء، والمعتقلين، والمنفيين. ولا شك في أن كثيرًا من الشيوعيين عاشوا حياة نزيهة، ورفضوا استغلال مواقعهم، ودفعوا أثمانًا باهظة دفاعًا عن أفكارهم وعن مصالح الناس. لكن الدفاع عن هذه الوقائع لا يبرر الانتقال منها إلى إعلان فضيلة جماعية مطلقة. فهناك فرق جوهري بين توثيق نزاهة مناضلين محددين وبين القول إن النزاهة صفة ثابتة في الشيوعيين جميعًا. وهناك فرق بين إنصاف تاريخ تعرض للتشويه وبين بناء صورة مثالية لجماعة سياسية كاملة. المشكلة لا تبدأ عند الإشادة بشيوعي نزيه، أو بوزير امتنع عن استغلال منصبه، أو بنائب رفض تقاضي مخصصات لا يحتاج إليها. هذه مواقف محترمة ويحق للحزب أن يعتز بها. المشكلة تبدأ عندما تتحول الوقائع الفردية إلى قانون أخلاقي عام، يصبح فيه الشيوعي نزيهًا بحكم هويته الحزبية، ويصبح الاعتراض على ذلك دليلًا على فساد المعترض أو عدائه. عندها لا نكون أمام دفاع عن النزاهة، بل أمام صناعة أسطورة سياسية. النزاهة ليست صفة تكتسب ببطاقة العضوية لا توجد صفة أخلاقية تنتقل تلقائيًا إلى الإنسان بمجرد انضمامه إلى حزب أو تبنيه نظرية سياسية. فالانتماء إلى الحزب الشيوعي لا يلغي المصالح الشخصية، ولا يوقف الطموح إلى السلطة، ولا يعصم من الخوف، أو الانتهازية، أو الكذب، أو التكبر، أو المحاباة، أو سوء استخدام الموقع التنظيمي. الشيوعي، مثل غيره، إنسان يعيش داخل المجتمع ويتأثر بعلاقاته، وشروطه، وضغوطه، ومغرياته. وقد يكون نزيهًا أو غير نزيه، متواضعًا أو متكبرًا، شجاعًا أو جبانًا، صادقًا أو كاذبًا، وفيًا أو خائنًا. والماركسية، قبل غيرها، لا تفسر الإنسان انطلاقًا من جوهر أخلاقي ثابت، بل تدرسه داخل الشروط الاجتماعية والتاريخية والمؤسسية التي تحيط به. وهي تنظر إلى السلوك بوصفه نتيجة لعلاقة معقدة بين الوعي والمصلحة والموقع والسلطة والعلاقات المادية. لذلك فإن القول إن «النزاهة صفة لصيقة بالشيوعيين» لا ينسجم مع التفكير الماركسي، لأنه يفترض وجود ماهية أخلاقية خاصة تميز الشيوعيين عن بقية البشر. وهو يشبه، من حيث بنيته، المقولات التي تنسب الطهارة أو العصمة إلى جماعة دينية أو قومية أو مكوناتية بأكملها. يرفض الشيوعيون، بحق، فكرة العصمة عندما تنسب إلى رجال الدين أو الزعماء أو السلالات، لكنهم لا يستطيعون رفضها هناك ثم إعادة إنتاجها داخل خطابهم الحزبي بصيغة أخرى. لا عصمة لرجل دين، ولا لقائد ثوري، ولا لعضو مكتب سياسي، ولا لحزب، ولا لجماعة مناضلة. النزاهة ممارسة يجب إثباتها وتجديدها ومراقبتها، وليست هوية حزبية أو لقبًا دائمًا. حزب علني يتحدث بعقلية التنظيم المحاصر يثير المقال سؤالًا إضافيًا: كيف يمكن تفسير خطاب الطهارة الجماعية في مرحلة لم يعد فيها الحزب الشيوعي العراقي تنظيمًا سريًا مطاردًا، ولم تعد العضوية فيه فعلًا مخفيًا يعرض صاحبه تلقائيًا للسجن أو التعذيب أو الإعدام؟ الحزب اليوم يمارس نشاطه علنًا، وله مقرات وصحافة وقيادات معلنة، ويشارك في الانتخابات والتحالفات والاحتجاجات والمؤسسات العامة. والانتماء إليه متاح ومعلن، ولا يخضع للاختبارات القاسية نفسها التي كانت تفرضها مراحل العمل السري والقمع الدموي. في تلك المراحل، كان الانتماء إلى الحزب قد يكلف الإنسان حريته أو حياته، وهو ما كان يبعد كثيرًا من الباحثين عن المنافع السريعة، من دون أن يمنع ظهور الخوف أو الانتهازية أو الخيانة داخل التنظيم. أما الحزب العلني، شأنه شأن جميع الأحزاب، فقد ينضم إليه أشخاص ذوو دوافع متعددة: مناضلون صادقون، وباحثون عن دور سياسي، وطامحون إلى المواقع، وأشخاص يسعون إلى المكانة الاجتماعية أو إلى بناء علاقات مع القيادات والمؤسسات. العلنية لا تنتقص من قيمة المناضلين، لكنها تسقط الافتراض القائل إن كل عضو في الحزب قد اجتاز تلقائيًا امتحانًا أخلاقيًا يرفعه فوق غيره من المواطنين. ومع ذلك، ما زال المقال يستخدم لغة التنظيم المحاصر الذي يرى نفسه مطوقًا بالأعداء والمشوهين والمتآمرين. فالنقد لا يعامل باعتباره حقًا طبيعيًا في الحياة السياسية، بل يفسر بوصفه تعبيرًا عن امتعاض الفاسدين أو حقد العاجزين عن منافسة الشيوعيين. قد تكون هذه العقلية أثرًا من آثار تاريخ طويل من العمل السري والقمع، لكنها تصبح خطرة عندما تستمر داخل حزب علني يطلب ثقة المواطنين وأصواتهم. الحزب العلني ليس جماعة مغلقة لا يعرف حقيقتها إلا أعضاؤها. إنه مؤسسة سياسية عامة يحق للمواطنين والصحفيين والباحثين وأعضائه السابقين والحاليين أن يفحصوا سياساته وقياداته، وتحالفاته، وموارده، وممارساته. وحين يختار الحزب المشاركة في المجال العام، فإنه يقبل بالضرورة الخضوع للنقد العام. ولا يستطيع أن يطلب أصوات الناس وثقتهم، ثم يعد مساءلتهم له تشكيكًا مغرضًا أو مؤامرة يقودها الفاسدون. النقد في الحزب العلني ليس اعتداءً على التنظيم، بل شرط من شروط وجوده الديمقراطي. تاريخ الحزب ينقض أسطورة الطهارة لا يحتاج نقد مقولة «نزاهة الشيوعيين» إلى البحث خارج تاريخ الحزب نفسه. فتاريخ الحزب الشيوعي العراقي، بما يحمله من بطولات وتضحيات استثنائية، يتضمن أيضًا خيانات وانشقاقات وانتهازية وصراعات شخصية وأخطاء سياسية وتنظيمية وممارسات لا يمكن الدفاع عنها. كان بين الشيوعيين شهداء وأبطال ومناضلون نزيهون، وكان بينهم أيضًا من خان رفاقه، أو تعاون مع أجهزة السلطة، أو قدم اعترافات ألحقت الأذى بالآخرين، أو انقلب على الحزب، أو استغل موقعه، أو مارس التكبر والاستعلاء والإقصاء والتشهير، أو سعى إلى المناصب والنفوذ، أو قدم مصلحته الشخصية على مصلحة الحزب والناس. وعرف تاريخ الحزب أشخاصًا سيئين في سلوكهم الأخلاقي، كما عرف أشخاصًا متواضعين ونبلاء. وكان فيه الشجاع والجبان، والصادق والكاذب، والوفي والخائن، كما هي الحال في كل جماعة بشرية. هذه الحقيقة لا تهين الحزب، بل تؤكد طبيعته البشرية والتاريخية. أما إنكارها فهو الذي يشوه تاريخه، لأنه يحوله إلى حكاية وعظية يقف فيها الشيوعيون جميعًا في جانب الفضيلة، ويقف خصومهم جميعًا في جانب الفساد. وليس المقصود هنا إطلاق اتهامات غير موثقة على أشخاص محددين، بل تأكيد حقيقة مبدئية: الانتماء الشيوعي لا يغير الطبيعة البشرية تغييرًا سحريًا، ولا يحول صاحبه إلى كائن أخلاقي أعلى. ولا يصح التخلص من هذه الحقيقة بالقول إن من خان أو كذب أو أساء لم يكن شيوعيًا «حقيقيًا». فهذه حجة دائرية تجعل كل نزيه شيوعيًا أصيلًا، وتطرد كل من أخطأ بأثر رجعي من تعريف الشيوعي. وبهذه الطريقة تصبح مقولة النزاهة المطلقة غير قابلة للاختبار: كل فضيلة تنسب إلى الشيوعية، وكل رذيلة تنسب إلى غياب الشيوعية الحقيقية. لكن الإنسان لا يقاس بالتسمية التي يضعها على نفسه، بل بممارسته الفعلية. والحزب لا يقاس بصورة العضو المثالي التي يرسمها في صحافته، بل بقدرته على كشف الأخطاء والانحرافات داخل صفوفه والتعامل معها بشفافية. والسؤال الماركسي ليس: كيف تسلل شخص سيئ إلى جماعة طاهرة؟ السؤال هو: ما الشروط والعلاقات والآليات التي سمحت بصعوده، أو حمت ممارساته، أو أخرت محاسبته، أو دفعت الآخرين إلى الصمت عنه؟ هنا ينتقل النقاش من الوعظ الأخلاقي إلى التحليل المادي للتنظيم. من حزب الشهداء إلى حزب المعصومين يرتبط خطاب النزاهة المطلقة بخطاب آخر يتكرر كثيرًا: «الحزب حزب الشهداء». ولا شك في أن الحزب الشيوعي العراقي قدم عددًا هائلًا من الشهداء، وتعرض أعضاؤه ومؤيدوه للتعذيب، والسجون، والإعدامات، والملاحقات. ولا يجوز إنكار ذلك أو التقليل منه أو السماح بتزويره. لكن السؤال الضروري هو: ما الوظيفة السياسية التي يؤديها استدعاء الشهداء في الخطاب الحزبي الراهن؟ هل يستخدم تاريخهم لفهم أسباب الهزائم وتصحيح السياسات ومواصلة مشروع التحرر الاجتماعي، أم يتحول إلى رأسمال رمزي تستمد منه القيادة الحالية شرعية مستمرة بصرف النظر عن صحة مواقفها؟ الشيوعيون لم ينضموا إلى الحزب لكي يستشهدوا. لم يكن الموت هدفهم، ولم يكن السجن برنامجهم، ولم تكن التضحية غاية مستقلة. لقد انخرطوا في النضال لكي يغيروا حياة الناس، ويحرروا العمال والفلاحين والفقراء، ويبنون مجتمعًا أكثر عدلًا وحرية ومساواة. الوفاء للشهداء لا يكون بتكرار أسمائهم في المناسبات، ولا بتحويل تضحياتهم إلى مظلة تمنع نقد الحزب. الوفاء الحقيقي يكون بفحص ما تحقق من أهدافهم، وبالسؤال عن قدرة الحزب الحالية على تنظيم العمال والكادحين، والدفاع عن السيادة، وتغيير شروط حياة الناس، والحفاظ على استقلاله السياسي والطبقي. دم الشهيد لا يمنح الأحياء براءة سياسية دائمة، ولا تنتقل نزاهة الشهداء تلقائيًا إلى أعضاء الحزب وقياداته في كل مرحلة. عندما تستخدم تضحيات الماضي لتوفير حصانة أخلاقية وسياسية للحاضر، ينتقل الخطاب، من حيث يدري أو لا يدري، من «حزب الشهداء» إلى «حزب المعصومين». وفي ذلك إساءة إلى الشهداء أنفسهم، لأن تضحياتهم تتحول من قوة لتحرير المستقبل إلى أداة لإغلاق النقاش في الحاضر. المثال الأخلاقي لا يعوض السياسة يتكرر في الأدبيات الحزبية الحديث عن الوزير الشيوعي الذي لم يستخدم سيارة الوزارة، والنائب الذي امتنع عن تقاضي مخصصات الحمايات، والمسؤول الذي عاش متواضعًا، والمناضل الذي مات فقيرًا. هذه مواقف تستحق الاحترام، لكنها لا تكفي وحدها لتقييم العمل السياسي. قد يستخدم الوزير سيارة أجرة ويطبق سياسة اقتصادية ضارة. وقد يتنازل النائب عن بعض مخصصاته، لكنه يصوت لموازنة تعيد إنتاج الفقر أو يشارك في تحالف يعزز نظام المحاصصة. وقد يكون المسؤول نزيهًا ماليًا، لكنه يحمي المحاسيب، أو يسكت عن انتهاك تنظيمي، أو يقصي المختلفين، أو يرفض تداول المسؤولية. السياسة لا تقاس بطريقة انتقال الوزير إلى مكتبه، ولا بمظهر المسؤول الشخصي، بل بما يتخذه من قرارات، وما يدافع عنه من سياسات، وما يتركه من أثر في حياة الناس. النزاهة المالية ضرورية، لكنها ليست بديلًا عن النزاهة السياسية والفكرية والتنظيمية. النزاهة السياسية تعني وضوح الموقف من الاحتلال والتبعية والمحاصصة والفساد البنيوي، وعدم إخضاع المبادئ لمقتضيات المواقع والتحالفات. والنزاهة الفكرية تعني الاعتراف بالأخطاء، وعدم تزوير التاريخ، أو تبرير التحولات الانتهازية، أو تقديم كل قرار قيادي بوصفه التعبير الوحيد عن الماركسية. أما النزاهة التنظيمية فتعني ضمان الديمقراطية الداخلية، وحرية الاختلاف، وشفافية القرارات والموارد، ومنع تحكم مجموعات محدودة بالمؤسسات الحزبية. لا يكفي أن تكون يد المسؤول نظيفة من المال العام إذا كان يمارس الإقصاء أو يحتكر القرار أو يحجب المعلومات أو يستخدم التنظيم لمعاقبة منتقديه. الحياة الداخلية جزء من النزاهة يختزل الخطاب الشائع النزاهة في الامتناع عن سرقة المال العام. لكن الفساد لا يقتصر على المال. هناك فساد في استعمال السلطة، واحتكار المعلومات، وتوزيع المواقع وفق الولاء، وإسكات الآراء المخالفة، وحماية المسؤول من المساءلة، وإعادة كتابة التاريخ بما يخدم القيادة القائمة. وتوجد ممارسات مرفوضة أخلاقيًا وتنظيميًا لا تتعلق بالمال مباشرة، منها التكبر على الأعضاء، وازدراء المخالفين، والتشهير، والوشاية، والكذب، والمحاباة، واستخدام النفوذ، ومحاربة الكفاءات، وتقديم العلاقات الشخصية على القواعد المعلنة. لذلك لا يصح الحديث عن نزاهة الشيوعيين من دون فحص الحياة الداخلية للحزب. من يطالب الدولة بالديمقراطية عليه أن يمارسها داخل تنظيمه. ومن يطالب المجتمع بالشفافية عليه أن يكشف آليات قراره. ومن يرفض المحاصصة في الدولة عليه أن يرفض الشللية والمحسوبية داخل الحزب. ولا يجوز استبدال هذا الفحص بعبارات عامة عن «المسيرة الحافلة بالمآثر والعطاء». فكل مؤسسة سياسية، مهما كان تاريخها، يمكن أن تتعرض للجمود والبيروقراطية وتضخم الأجهزة القيادية والانفصال عن قواعدها الاجتماعية. والحزب الشيوعي لا يقع خارج قوانين التحول والتناقض التي يستخدمها لتحليل بقية المجتمع. حين يتحول النقد إلى دليل إدانة أخطر ما في مقال «نزاهة الشيوعيين» ليس إشادته بالشيوعيين، بل الطريقة التي يصنف بها المشككين في نزاهتهم. فالمعترضون، وفق منطق المقال، إما فاسدون، أو مستفيدون من الفساد، أو مأزومون، أو عاجزون عن منافسة الشيوعيين في الرأي والموقف والسلوك. بهذا البناء تصبح الدعوى محصنة ضد الاختبار: إن وافق المرء عليها كان منصفًا، وإن ناقشها صار فاسدًا أو مأزومًا. تعلن الجماعة طهارتها، ثم تجعل الاعتراض على هذا الإعلان دليلًا إضافيًا على فساد المعترضين. وهذه آلية فكرية مغلقة لا تسمح بأي نقد حقيقي. قد يكون بعض مهاجمي الحزب فاسدين فعلًا، وقد تشن قوى رجعية أو سلطوية حملات كاذبة لتشويه الشيوعيين. لكن وجود الأكاذيب لا يعني أن كل نقد للحزب كاذب، ولا أن كل من يطرح أسئلة عن ممارساته عدو أو متآمر. كان الأجدر بقيادي شيوعي أن يميز بين التشويه المتعمد والنقد المشروع، وأن يطالب بالوقائع والأدلة، بدل وضع جميع المشككين في خانة الفاسدين والمأزومين. فالقيادة التي تصنف منتقديها أخلاقيًا قبل أن تناقش أقوالهم تتحول إلى خصم وحكم في الوقت نفسه. النزاهة تثبت بالمؤسسات لا بالمديح النزاهة في العمل السياسي لا تثبت بالشعارات ولا بالمديح الذاتي ولا بالقول إن «الناس تعرفنا». إنها تثبت بمؤسسات وإجراءات قابلة للفحص. هل تنشر الذمم المالية للقيادات والمرشحين؟ هل تكشف مصادر تمويل الحزب وأوجه إنفاقها؟ هل توجد هيئة رقابة تتمتع باستقلال حقيقي عن المكتب السياسي؟ هل يستطيع العضو الاعتراض على مسؤول قيادي من دون خوف من العزل أو التشهير أو التهميش؟ هل تنشر نتائج التحقيقات التنظيمية؟ هل توجد مدد محددة للمسؤوليات القيادية؟ هل تخضع التحالفات والقرارات الكبرى لنقاش وتصويت حقيقيين؟ هل تسمح صحافة الحزب بنشر الآراء المخالفة؟ هل يعترف الحزب بأخطائه السياسية أمام أعضائه وجمهوره؟ هذه الأسئلة أهم من تكرار وصف الشيوعيين بأنهم «أصحاب الأيادي البيضاء». فالنزيه لا يخشى الرقابة، والمؤسسة النزيهة لا تكتفي بسمعتها التاريخية. أما الحزب الذي يطلب من الناس تصديق نزاهته من دون تقديم وسائل مستقلة للتحقق، فإنه يطلب ثقة إيمانية لا ثقة سياسية عقلانية. النزاهة ليست شهادة يصدرها الحزب بحق نفسه، بل نظام رقابة ومساءلة يطبق على أعضائه وقياداته. لا أحد يحتكر الفضيلة كما لم يكن كل الشيوعيين نزيهين، لم يكن كل خصومهم فاسدين. ففي المجتمع العراقي، وداخل القوى السياسية والاجتماعية الأخرى، أشخاص نزيهون وشجعان ومخلصون، حتى عندما يختلفون جذريًا مع الماركسية أو مع الحزب الشيوعي. احتكار النزاهة باسم الحزب لا يظلم الآخرين فقط، بل يضر الشيوعيين أنفسهم. فهو يعزلهم عن المجتمع، ويصورهم كجماعة ترى في نفسها تفوقًا أخلاقيًا، ويحول الخلاف السياسي معهم إلى اتهام ضمني في الضمير والسلوك. لا توجد طبقة أو جماعة أو عقيدة تحتكر الأخلاق. وقد يكون العامل غير الشيوعي أكثر نزاهة من مسؤول حزبي شيوعي، وقد يكون المواطن الذي لا ينتمي إلى أي حزب أكثر إخلاصًا للمصلحة العامة من قيادي يتحدث باسم الاشتراكية. ميزة الشيوعية، إن كانت لها ميزة، لا ينبغي أن تكون ادعاء إنتاج بشر معصومين، بل تقديم أدوات لفهم الشروط التي تنتج الفساد والاستغلال والهيمنة، وبناء مؤسسات تجعل الانحراف أصعب والمحاسبة أقوى. من حزب الأخيار إلى حزب تغيير شروط الحياة خطاب الفضائل الجماعية قد يرفع معنويات بعض الأعضاء، لكنه لا يبني حزبًا ثوريًا. بل قد يضر بالحزب لأنه يستبدل السؤال السياسي بسؤال السمعة، ويجعل الانتماء الأخلاقي بديلًا عن الإنجاز الاجتماعي. المطلوب ليس إقناع الناس بأن الشيوعيين أفضل أخلاقًا من الآخرين، بل إثبات قدرة المشروع الشيوعي على فهم المجتمع وتغييره. الناس لا تحتاج قديسين سياسيين، بل تحتاج قوة منظمة تقف إلى جانبها في العمل والسكن والصحة والتعليم، والأجور، والحريات، والسيادة. الشيوعيون بناة الحياة عندما يعملون على تغيير شروط الحياة، لا عندما يكتفون بتقديم أنفسهم بوصفهم أنظف من منافسيهم. واشتراكية شروط الحياة تعني أن يقاس الحزب بمقدار ما يفعله من أجل حق الإنسان في العمل والسكن والعلاج والتعليم والأمان والكرامة، وبقدرته على تنظيم المتضررين وتحويل معاناتهم إلى قوة تغيير واعية. أما حين يصبح الإنجاز الأساسي هو المحافظة على «السمعة الطيبة»، فإن الحزب ينتقل من مشروع لتغيير الواقع إلى جماعة تدافع عن صورتها. وما يحتاج إليه الحزب ليس مزيدًا من المقالات التي تمدحه، بل دراسات تفحص تجربته، وتكشف أخطاءه، وتقيس حضوره الاجتماعي، وتراجع علاقته بالدولة والسلطة والطبقة العاملة والحركات الشعبية. الاعتراف بالخطأ قوة لا ضعف لا يضعف الحزب حين يعترف بأن بين أعضائه من يخطئ أو ينحرف أو يسيء استخدام موقعه. الحزب الذي يعترف بإمكان الخطأ ويضع آليات لاكتشافه وتصحيحه أقوى من حزب يدعي الطهارة ويترك أخطاءه تتراكم في الظل. الماركسية ليست علمًا لتبرئة الشيوعيين، بل ممارسة نقدية للعلاقات والأفكار والمؤسسات، بما فيها المؤسسات التي ترفع رايتها. ولا توجد قيادة مصيبة دائمًا بسبب تاريخها النضالي، ولا حزب يحتفظ تلقائيًا بطابعه الثوري والطبقي من دون مراجعة ومحاسبة وتجديد. فالسلطة تفسد عندما تغيب الرقابة، والتنظيم يشيخ عندما يمنع النقد، والتاريخ يتحول إلى عبء عندما يستخدم بدلًا من مواجهة الحاضر. النزاهة ليست هوية، بل نظام محاسبة كان يمكن لمقال «نزاهة الشيوعيين.. حقيقة تؤرق الفاسدين» أن يكون مدخلًا لطرح مفهوم شامل للنزاهة السياسية: من أين تأتي أموال الأحزاب؟ كيف يتصرف ممثلوها؟ كيف تحاسب قياداتها؟ وكيف تعالج الأخطاء والانتهاكات؟ لكنه اختار طريق التعميم والتمجيد، فحول النزاهة من قيمة قابلة للقياس إلى صفة جماعية، ومن ممارسة تحتاج إلى رقابة إلى حقيقة نهائية لا يجوز التشكيك فيها. ويكشف هذا الخطاب عن ثلاثة أنماط مترابطة: بقايا عقلية العمل السري التي ترى في النقد هجومًا خارجيًا، وتحويل التاريخ النضالي إلى رأسمال أخلاقي يخدم الحاضر، وبناء ثنائية مبسطة بين شيوعي نزيه وخصم فاسد. هذه الأنماط لا تحمي الحزب، بل تمنعه من فهم أزماته. فالحزب الذي يمارس نشاطه علنًا يحتاج إلى خطاب علني جديد: خطاب يقبل الاختلاف، ويقدم الأدلة بدل المديح، ويفتح ممارساته للنقد، ويميز بين الاعتزاز بالتاريخ وادعاء العصمة. الحزب الشيوعي العراقي ليس حزبًا من الملائكة، ولم يكن كذلك في أي يوم. إنه حزب بشري تكون من أشخاص حملوا أفضل الصفات وأسوأها، وخضعوا، مثل غيرهم، للخوف والطموح والسلطة والمصلحة والضغط الاجتماعي. قيمته لا تنبع من إنكار هذه الحقيقة، بل من القدرة على مواجهتها. فالحزب الذي يصر على أنه حزب النزيهين لن يستطيع اكتشاف الانحراف داخله. أما الحزب الذي يعترف بأن بين الشيوعيين خونة وانتهازيين وسيئين ومتكبرين، إلى جانب آلاف الشرفاء والمناضلين، فيستطيع أن يسأل السؤال الصحيح: كيف يبني تنظيمًا يمنع السيئين من التحكم به، ويحاسبهم عندما يخطئون، ويحمي أعضاءه والمجتمع من أضرارهم؟ تلك هي النزاهة السياسية الحقيقية: ليست ادعاء طهارة البشر، بل بناء مؤسسات تكشف أخطاءهم وتحاسبهم. الدفاع الحقيقي عن الشيوعيين لا يكون بإعلان عصمتهم، بل بحماية حق نقدهم. والحفاظ على تاريخهم لا يكون بتجميله، بل بكتابته كاملًا: بطولاته وهزائمه، تضحياته وأخطاؤه، نزاهة كثير من أفراده، وما وقع في تنظيماته من ممارسات ينبغي نقدها ومراجعتها. لا يحتاج الشيوعي إلى شهادة طهارة، ولا يحتاج الحزب إلى أسطورة أخلاقية. ما يحتاجان إليه هو الوضوح والديمقراطية والمحاسبة والقدرة على الاعتراف بالخطأ. ليس السؤال: هل الشيوعيون أنزه من غيرهم؟ السؤال هو: ما المؤسسات والممارسات التي تجعل الحزب أكثر نزاهة وديمقراطية وقدرة على خدمة الناس؟ وكيف تتحول النزاهة من سيرة أفراد محترمين إلى بنية سياسية تمنع الفساد والتسلط والانتهازية داخل الحزب وخارجه؟ الشيوعيون ليسوا معصومين، ولا ينبغي لهم أن يقدموا أنفسهم كذلك. فقيمتهم لا تأتي من ادعاء التفوق الأخلاقي، بل من قدرتهم على النقد والعمل والتغيير، ومن شجاعتهم في إخضاع أنفسهم للمبادئ نفسها التي يطالبون الآخرين بالخضوع لها. فالحزب الذي يريد تغيير العالم يجب أن يمتلك أولًا القدرة على نقد ذاته.
#علي_طبله (هاشتاغ)
Ali_Tabla#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة نقدية ماركسية في بيان اجتماع اللجنة المركزية للحزب الش
...
-
الإداروية والمقراتية وأزمة الممارسة اليومية حين ينشغل الحزب
...
-
ملاحظات نقدية حول خطاب الحزب الشيوعي العراقي
-
الاشتراكية في مواجهة الليبرالية والنيوليبرالية والدولة المدن
...
-
العشائرية والطائفية والقومية والذكورية والمناطقية: البنى ما
...
-
الدين الشعبي والطائفية السياسية: بين فهم المجتمع ونقد سلطة ا
...
-
رد على اطروحات الرفيق ساطع هاشم حول الحلقة الثانية: الحزب أم
...
-
الدولة الريعية الطائفية التابعة: العراق بعد الاحتلال وإعادة
...
-
الحزب أمام سؤال البقاء التاريخي: من بقاء الاسم إلى بقاء الوظ
...
-
النقد بوصفه وفاءً للحزب لا خروجًا عليه - نحو إعادة تأسيس شيو
...
-
مساهمة ماركسية ولينينية في نقد الأزمة وإعادة التأسيس
-
الدولة الطرفية ونزعة شبه الإمبريالية
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
-
قراءة نقدية في خطاب الحزب الشيوعي العراقي في ظل الدولة الريع
...
-
من مأزق اليسار الديمقراطي إلى أفق إعادة التأسيس الشيوعي
-
التنظيم والقيادة والديمقراطية الداخلية
-
الحزب، الوطن، والناس - الوثيقة السابعة
-
بين فنزويلا والعراق
-
من “الاشتباك الاجتماعي” إلى “العودة إلى الطبقة”
-
الوعي والديمقراطية بين القراءة الليبرالية والتحليل الماركسي
المزيد.....
-
هجم الثور المرعب في -يلوستون- بأمريكا.. مصور الحادثة يكشف لـ
...
-
ترامب يتراجع عن رسوم مضيق هرمز: البديل استثمارات خليجية
-
فيديو متداول لـ-ضربات حوثية على السعودية-.. ما حقيقته؟
-
القوات المسلحة الكويتية تتصدى لأهداف جوية معادية داخل المجال
...
-
إحباط عمل إرهابي أوكراني بمقاطعة موسكو
-
محاولة انقلاب غيرت تركيا: كيف أعاد أردوغان تشكيل البلاد خلال
...
-
-خمس سنوات من الحماية الأمنية-.. تقارير إسرائيلية تكشف طلبًا
...
-
صراع أميركي-إيراني يتجاوز الملاحة إلى النفوذ.. من يسيطر على
...
-
البحرين تحكم بالمؤبد على ثلاثة أشخاص بتهمة التخابر مع إيران
...
-
جانب إيجابي للصلع المبكر!
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|