أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - الحرب التكنولوجية الجزء 2/2















المزيد.....



الحرب التكنولوجية الجزء 2/2


الطاهر المعز

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 13:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الذكاء الإصطناعي: خطورة بعض الإستخدامات المدنية والعسكرية
يُمثل الذكاء الإصطناعي ما يمكن تسميته سوقًا مَدَنية ( بذريعة تسهيل الحياة اليومية للمواطنين) وكما معظم الإبتكارات، تم تطوير الذكاء الإصطناعي ليكتسح السّوق العسكرية، بفعل التّحول الهام الذي خلقتة شركات وادي السيليكون لتعميم استخدام هذا الإبتكار في الميادين الإقتصادية والعسكرية وفي الحياة اليومية، وعلى سبيل المثال اعتمد الجيش الصهيوني والجيش الأمريكي على البيانات التي جمعتها الإستخبارات التقليدية فضلا عن الذكاء الإصطناعي و " مشروع مافن " ( Project Maven ) المَدَني في الأساس، لتحليل البيانات والصُّوَر التي ترسلها الأقمار الإصطناعية ولتحديد الأهداف التي قصفتها الصواريخ الأمريكية والصهيونية في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن منذ سنة 2023، ثم إيران منذ سنة 2025، وتُشكل القواعد الأمريكية الإحدى عشر المنتشرة في الخليج وقوات القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) مراكز للتجسس وللإتصالات والمُراقبة ولتحليل البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي، لتسهيل عملية اتخاذ القرار الحربي وتحديد الأهداف ومفاجأة الخُصُوم، ولهذه الأسباب تستثمر الحكومة الأمريكية ( بواسطة وزارة الحرب او الوكالات الأمْنية) مبالغ كبيرة في شركات التكنولوجيا بوادي السيليكون، مثل «غوغل» و«مايكروسوفت» و«أمازون» و«بالانتير»، التي مكنتها الإستثمارات الحكومية من إنتاج وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والبيانات الضخمة، وارتفعت الاستثمارات الضخمة في قطاع التكنولوجيا الحربية بحوالي 18 ضعفاً خلال العقد الأخير، وخصوصًا منذ سنة 2017، بفضل علاقات الشراكة بين وزارة الحرب الأمريكية وغوغل التي كانت قبل ذلك تعمل على تطوير تقنيات تم تسويقها للإستخدام المدني قبل تحويل وجهتها نحو الإستخدام العسكري، مثل مشروع مافن ( Maven ) أو مشروع نيمبوس ( Nimbus ) وكان الشعب الفلسطيني - ولا يزال - من أكبر ضحايا الإستخدام العسكري للذكاء الإصطناعي لمراقبة حركة السكان واتصالاتهم، بمساهمات مباشرة من شركات التكنولوجيا الأمريكية: غوغل وأمازون ومايكروسوفت وبالانتير.

دَوْر البنتاغون في تطوير السوق المدنية/العسكرية
تسارعت خطوات خصخصة الحرب منذ احتلال العراق سنة 2003، وأصبحت العديد من الشركات الناشئة بوادي السيليكون تبذل جهودًا للحصول على عقود تزويد الجيوش والحكومات بتقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وتوجيه الطائرات المسيّرة، لتصبح الحروب ضمانة أساسية لتأمين النمو السريع وارتفاع الأرباح، وبالفعل ارتفعت قيمة العقود العسكرية بين وزارة الحرب وشركات التكنولوجيا الأمريكية بين سَنَتَيْ 2018 و 2022 إلى أكثر من 28 مليار دولار، بهدف تطوير تقنيات عسكرية متقدمة، وتحولت شركات التكنولوجيا إلى مقاولات حربية في خدمة الجيش الأميركي وقوات حلف شمال الأطلسي والكيان الصهيوني، وبذلك حصل الإندماج بين شركات التكنولوجيا والمؤسسة العسكرية والإستخباراتية، وتبعا لذلك ارتفعت الاستثمارات في قطاع تكنولوجيا الدفاع بنحو 18 ضعفاً خلال عقد واحد ( 2014 - 2023)، بحسب تقرير بعنوان ( Rethinking defense - The role of private capital ) نشَرَهُ موقع شركة ( Bain & Compagny )، وأدّى الإستثمار العسكري إلى ارتفاع قيمة وأهمية شركات التكنولوجيا التي خلقت منظومة رقمية عالمية جديدة، مكّنتها من التّحَكُّم في البنية التحتية الرقمية العالمية، لتراقب مجمل المعلومات والإتصالات المتبادلة بين الناس، لتحجب بعضها وتبيع البعض الآخر ومكنتها من تعطيل شبكة الإنترنت والحوسبة السحابية والمنصات الاجتماعية والذكاء الاصطناعي في المناطق والبُلدان التي لا ترضى عنها الإمبريالية الأمريكية، لتصبح هذه الشركات ( مثل مثل «مايكروسوفت» و«أمازون» و«أبل» و«غوغل» و«ميتا» و«بالانتير» ) طرفًا مُباشرًا في الحروب العدوانية الأمريكية والأطلسية والصهيونية، وفق موقع (فورين بوليسي - منتصف حزيران/يونيو 2023) وهو ما أثبتتْه تقارير الأمم المتحدة التي كتبتها فرانشيسكا ألبانيزي، فكانت هذه التقارير المُوَثّقَة والتي لا يستطيع أحدٌ إنكار صحّة ما وَرَدَ بها، سببا في إطلاق الولايات المتحدة والكيان الصهيوني حملة شرسة ضدها وضد قُضاة محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدّولية…
أثارت بعض المنظمات وبعض الباحثين والعاملين بشركات وادي السيليكون، منذ سنوات، مخاوف بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي لأغراض عسكرية، مما يؤدّي إلى زيادة في الخسائر في صفوف المدنيين، وكانت شركة أوبناي ( OpenAI ) قد شرعت آنذاك، بدون إثارة أي ضجيج، في تنفيذ خطة استراتيجية تمثلت في اختراق جهاز الأمن القومي الأمريكي، عبر توظيف الضُّبَّاط السابقين في وزارة الحرب وفي الإستخبارات والوكالات العسكرية لتوسيع حظوظها في الحصول على العقود التي توفرها فُرص الحرب الخوارزمية، وأسفرت هذه الاستراتيجية عن تجنيد عشرات الشخصيات من دوائر السلطة، وخصوصًا من ذوي الخبرة في مؤسسات الأمن القومي، سواء من الحزب الجمهوري أو الديمقراطي،وعقدت صفقات شراكة مع مُقاولين عسكريين مُقرّبين من دونالد ترامب، وأثمرت هذه الإستراتيجية إبرام عقود أمْنية وعسكرية ضخمة زادت من إيرادات وأرباح شركة أوبنآي، وخصوصًا منذ بداية العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران.
استثمرت شركة الذكاء الاصطناعي العملاقة أوبناي ( OpenAI ) بشكل منهجي عَمَلَ جهاز الأمن الأمريكي، خصوصًا منذ بداية العام 2024، حيث جندت مسؤولي الأسلحة السابقين من وزارة الحرب ومجلس الأمن القومي والكونغرس، واتجهت في غضون أَشْهُر ( مع تصاعد حدّة العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران) لخوض معركة غير مَرْئيّة لكنها مُدَمّرَة، وهي معركة استراتيجية مُربحة للشركة، واستغلت شركة أوبن آي رفض بعض الشركات الإستخدامات العسكرية معينة لنماذجها ، سارعت OpenAI في انتهاز الفُرْصة لتفوز بالعقود الاستراتيجية، واستجابت لخطة إعادة تشكيل المجمع العسكري التكنولوجي، حيث يصبح الخط الفاصل بين الابتكار المدني وآلة الحرب غير واضح، ويمكن اختراقه بسهولة.
استفادت شركات التكنولوجيا بوادي السيليكون من ارتفاع الإنفاق العسكري الأمريكي، وساهمت في تشكيل الخطط الحربية الإستراتيجية الأمريكية، غير مُبالية بالمعضلات والإعتراضات الأخلاقية التي أثارها بعض موظفيها وبعض الباحثين والمناهضين للحرب، ولم تلتفت هذه الشركات سوى إلى جعل استثماراتها الهائلة مربحة، وسمحت عملية تجنيد شركة أوبنآي لموظفي وضباط وزارة الحرب والوكالات الأمنية بالفوز بعقد عسكري بقيمة 200 مليون دولار، خلال شهر شباط/فبراير 2026، لاستخدام أسلحتها الآلية وتقنياتها للمراقبة وفضّل الرئيس دونالد ترامب شركة أوبن آي على شركة أنثروبيك ( Anthropic ) المُنافسة.
تلخصت استراتيجية اندماج بعض شركات التكنولوجيا في المجمع الصناعي العسكري عبر إطلاق حملة توظيف تهدف إلى تعزيز الروابط مع وزارة الحرب، وتطوير الاستخدام العسكري للتقنيات ذات الإستخدام المُشْتَرَك ( المدني والعسكري) وتطوير الذكاء الاصطناعي رغم المخاوف المتزايدة من استخدام الجيوش هذه التقنيات لتحديد أهداف القصف واغتيال الأفراد عن بُعْد بعد مراقبة تنقلاتهم من خلال هواتفهم وأجهزتهم الإلكترونية، وعمومًا تُؤَمّن التطبيقات العسكرية تمويلات ضخمة من خلال عقود وزارة الحرب والوكالات الأمنية الأمريكية، وبَنت شركة أوبن آي علاقات شراكة مع شركة أندوريل ( Anduril ) وهي شركة تكنولوجيا عسكرية يدعمها بيتر ثيل، ولها علاقات وطيدة بالمُقرّبين من دونالد ترامب، "لتعزيز أنظمة الدفاع التي تحمي القوات الأمريكية والقوات المتحالفة من هجمات الطائرات بدون طيار"، وحصلت OpenAI خلال شهر حزيران/يونيو 2025 على عقد مع وزارة الحرب الأمريكية بقيمة 200 مليون دولار لتوفير قدرات الذكاء الاصطناعي "لكل من العمليات القتالية والوظائف الداخلية"
تمثل شركة أوبن آي نموذجا لممارسات شركات التكنولوجيا ( والشركات الأمريكية في قطاعات أخرى) مثل شركة غوغل وشركة ديناميكس وشركات بالانثيلر ومايكروسوفت وإنفيديا وغيرها، ووظفت هذه الشركات ضباط ونواب سابقين في الكونغرس وموظفين حكوميين ومُقربين للرؤساء الأمريكيين من الحزْبَيْن الجمهوري والدّيمقراطي على السّواء، وساهمت جميعها في إبادة الشعب الفلسطيني وفي أي عدوان تشنه الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والكيان الصهيوني…

"حرب النجوم" الجديدة
نشر مركز "الأمن الأمريكي الجديد" دراسةٍ خلال شهر حزيران/يونيو 2019، تُحذر من تنامي القدرات العسكرية الصينية التي تقترب من حالة "التكافؤ التكنولوجي" مع الأنظمة التشغيلية الأمريكية، وقد تبلغ مرحلة "التفوق التكنولوجي" بحلول سنة 2030 مع زيادة القوة الإقتصادية الصينية وتوقُّعات تَفَوُّق ناتجها المحلي الإجمالي على الولايات المتحدة خلال نفس السنة 2030، وتتوقع نفس الدّراسة امتلاك الجيش الصيني قدرات غير مرصودة تمكّنه من مفاجأة العدو بهجمات غير متوقعة، وتدمير الوسائل التكنولوجية للعدو، واعتمدت الدراسة الأمريكية على "الاستراتيجية الوطنية للدولة" التي تهدف تسخير كل موارد الدولة، السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية وغيرها، لتحقيق المصالح الحيوية للدولة، وبموازاة هذه الدّراسة، نشرت مجلة "Foreign Affairs" تقريراً ( أيار/مايو 2019 ) يوصي بضرورة اعتماد سلاسل قتل جديدة بهدف استخدام القوة بأسرع وقت ممكن، وتحاول الولايات المتحدة التأقلم عبر الإبتكار في مجالات عسكرية جديدة، مثل الطائرات المُصَغَّرَة أو الفضاء الخارجي، وأعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب ( آب/أغسطس 2019)، تأسيسَ "القيادة الفضائية الأمريكية" كفرع مستقل عن القيادة الجوية، لتصبح هذه القيادة المستحدثة سادس فروع القوات المسلحة الأمريكية، بهدف للحفاظ على "هيمنة الولايات المتحدة في الفضاء، وللتفوق على منافسي أمريكا"، فيما حذرت الصين وروسيا من "عسكرة الفضاء الخارجي" ومن اضطرارها للرد بالمثل بإجراءات وتدابير متطابقة، وأعلن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال جوزيف دونفورد، "إنّ الوصول المؤكد إلى الفضاء، من خلال مجموعة كاملة من العمليات العسكرية هو أمر حيوي، لأن هذه الخطوة تضع الولايات المتحدة على مسار الحفاظ على ميزة تنافسية في هذه الحرب الحاسمة لمختلف نطاقات القتال"، وتمثل السيطرة على الفضاء مسألة استراتيجية تُيسّر عملية التشويش الإلكتروني أو تحييد الأقمار الصناعية العسكرية للخصوم فتفقد القدرة على إرسال المعلومات… أما مخاطر الفضاء السيبراني فتتمثل في الجوانب العسكرية بشكل أساسي، وتتجاوزه إلى الجوانب الإقتصادية ( الجرائم الإقتصادية) وانتهاك خصوصية الأفراد، وفق تقرير نشرته شركة أمن الإنترنت "McAfee"0 خلال شهر شباط/فبراير 2018، يُحذر من استخدام القوة العسكرية المسلحة، ردا على هجوم إلكتروني ( سيبيراني)، باسم "حق الدفاع عن النفس"، وهو ما فعلته الولايات المتحدة بعد إسقاط المضادات الإيرانية للطائرة الأمريكية المسيرة "RQ-4A Global Hawk" ( حزيران/يونيو 2019 ) حيث نفذت القيادة السيبرانية الأمريكية "USCYBERCOM" هجمات إلكترونية واسعة ضد شبكات اتصال عسكرية تستخدم لإطلاق الصواريخ، بالإضافة إلى تنفيذ هجوم إلكتروني ضد شبكات الإستطلاع الإيرانية التي تُراقب الملاحة في مضيق هرمز، ولم تطرح وسائل الإعلام الأمريكية السؤال التالي: ماذا كانت تفعل الطائرة الأمريكية المُسيرة في سماء إيران، في حين تفصل واشنطن عن طهران مسافة 10260 كيلومترا؟
مَثّلت ابتكارات الشبكة الإلكترونية وموجات الراديو والمايكرويف تطبيقات عسكرية في البداية، تم استخدامها لاحقا في المجال المدني، لكن الحرب السيبرانية تمثل استخدامًا عسكريا لابتكارات الشركات التجارية التكنولوجية التي ابتكرت كذلك الطائرات المسيرة التي أصبحت أداة لتنفيذ عمليات عسكرية منخفضة التكلفة وبدون ترك أثَر على هوية الجهة المُنفذة للعمليات، وسبق أن حذر ثلاثون ألف من العُلماء، منذ سنة 2015 من خطر الإعتماد على الآلة دون إشراف بشري، ومن مخاطر الإستخدام العسكري للذكاء الإصطناعي الذي يتضمن مخاطر التقدير الخاطىء في الحسـابات ( Miss Calculation ) بسبب خلل تقني أو خرق سيبراني، وفق موقع ( STRATEGEICS ) تشرين الثاني/نوفمبر 2019

منافع ومضار استخدام التكنولوجيا المتطورة
عقد انتونيو غوتيريش، الامين العام للامم المتحدة في مقر الامم المتحدة مؤتمرا صحفيا يوم الإربعاء الأول من تموز/يوليو 2026 أستعرض فية ، نتائج التقرير الاولي للفريق العلمي، الذي وصفه بالصدق بشأن الإمكانات الهائلة التي تنطوي عليها التكنولوجيا، عند استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل سليم، كمحرك للتنمية، وتطور التقدم العلمي في شتى المجالات مثل الصحة ومكافحة الجوع والتعليم ومعالجة التغييرات المناخية، مؤكدا في الوقت ذاته، على الاضرار والتحديات والمخاطر التي يسببها الذكاء الاصطناعي، وأعاد غوتيريش تأكيدات حوالي أربعين من الباحثين والعلماء من جميع أنحاء العالم بخصوص ضرورة إرساء ضوابط وقواعد واتفاقات وسياسات مشتركة للتحكم في تطبيقات الذكاء الإصطناعي ولضمان مستقبل الإنسانية، وسَبَق أن أشار العديد من العُلماء، منذ نحو عشر سنوات إلى ضرورة التّقليل من مخاطر الذكاء الإصطناعي وإلى جني الفوائد التي يمكن تستفيد منها الإنسانية، بفضل التعاون والتنسيق والإتفاق على قواعد وضوابط تضمن الاستفادة للجميع، والعمل على سدّ الفجوة التكنولوجية بين الدّول الغنية والفقيرة، واستغلال العاملين في مراكز إنتاج وتخزين الذكاء الإصطناعي، وتتحكم الولايات المتحدة في حوالي 75% من الأنظمة الحاسوبية المُخصّصة للذكاء الإصطناعي، مما يُوسّع الفجوة التكنولوجية بين الدّول الغنية والفقيرة، فضلا عن الإستغلال الفاحش للعاملين في مجال الذكاء الإصطناعي في البلدان الفقيرة، لصالح الدّول الغنية، وتتضمن مخاطر الذكاء الاصطناعي الجرائم الإلكترونية والإحتيال والتضليل ونشر الإيديولوجيات العُنصرية، ولا ترتبط هذه المَخاطر بطبيعة الذكاء الإصطناعي بل باستخدام الإنسان له، ولذلك يحتاج الذكاء الإصطناعي الى تنظيم وضوابط واتفاقات مشتركة عالميا، بشأن استخاماته وتطويره، وسبق أن أثار الفيلسوف السويدي مديرمعهد مستقبل البشرية نك بوستروم هذه القضايا في كتابه (Superintelligence: Paths, Dangers, Strategies) الصادر سنة 2014، وهو واحد من في مؤلفاته عن التطور التكنولوجي و والمخاطر الوجودية ومستقبل البشرية.

التكنولوجيا والقتل عن بُعْد
أشارت صحيفة فاينانشال تايمز بتاريخ 22 أيار/مايو 2026 إلى أن الإعتقاد السائد سنة 2022، عند بداية حرب أوكرانيا كان أن التقنيات الحديثة ستجعل الحرب أكثر دقة وأقل كلفة بشرية، ولكن ما حدث كان العكس تماما، ولَئن فقدت الدّبّابات والحرب البَرّية دورها هذه الحرب جمعت بين الأساليب التقليدية والتقنيات الحديثة، حيث تعاظم دَوْر المسيّرات والروبوتات العسكرية التي تُرَدّي مهام ضرورية مثل الإستطلاع والتّوْجيه ونقل الإمدادات والطعام والذخيرة، مرورا بالاستطلاع والتوجيه، وتنفيذ القصف المباشر لخزانات المحروقات ومولّدات الطّافة، وقتل الجنود… لكن لم تُصبح الحرب "نظيفة" أو أقل فتكا بفعل استخدام التكنولوجيا المتطورة التي تميزت برصد الإتصلات وحركة الجنود والمُعدّات بدقة عالية، لتستهدف أي جسم متحرك، وتسبب استخدام التكنولوجيا المتطورة أثناء العدوان الصهيوني على الشعوب العربية والعدوان الأمريكي الصهيوني على الشعوب الإيرانية في عشرات الآلاف من الشهداء والمُصابين، فضلا عن التّدمير المَنْهَجي لجميع مُقوّمات الحياة، وفق شهادات لأطباء والعاملين بالمنظمات الإنسانية والصحافيين الفلسطينيين الذين كانوا مُستهدَفين بالإغتيال، وأكّدت وثائق حلف شمال الأطلسي ( ناتو ) أن الروبوتات والطائرات المسيّرة رفعت بشكل كبير حجم الفتك والدّمار، مع ارتفاع معدلات الضحايا إلى مُستوى الحرب العالمية الأولى ( 1914 - 1918 ) لأن استخدام التكنولوجيا جعل الحروب أشدَّ قسوة وفتكا، وأكْثَرَ رُعْبًا وقذارة…

«بالانتير»: تعزيز «الدولة الأمنية الرقمية»
بعد عقود من التورّط في مشاريع مثل «مِافن»، تستمر «بالانتير» في توسيع نفوذها داخل الولايات المتحدة، لتصبح جزءاً لا يتجزأ من بنية الدولة الأمنية، ومن أبرز المشاريع ImmigrationOS، وهي منصة متطورة تعمل مع وكالة الهجرة والجمارك (ICE) لتجميع قواعد بيانات المهاجرين وربطها ببيانات ديموغرافية وبيومترية، لتسريع عمليات الترحيل وبذريعة مكافحة ما يسمى «التهديدات الداخلية»، ونظمت مؤسسات حقوقية ومنتقدون للسياسات الحكومية احتجاجات ضد شركة بالانتير التي تدعم القمع الذي تُمارسُهُ وكالة الهجرة والجمارك، واستهدفت الإحتجاجات مراكز الشركة في نيويورك وسانتياغو، كما أثار المشروع قلق برلمانيين وأجهزة رقابية بشأن إمكانية إنشاء قاعدة بيانات ضخمة تتجاوز إطار القانون عن صفة المراقبة التي يُفترض حصرها بالمجرمين، ورغم نفي الشركة، تشير هذه الخطوات إلى بناء دولة أمنية آلية تعتمد على خوارزميات تتنبأ بالهجرة وتحدّد مصير الأفراد من دون رقابة شعبية أو برلمانية أو شفافية حقيقية.
تَقفُ خلف هذا التمدد التقني الهائل، شبكة من رأس المال التكنولوجي والسياسي يقودها أحد أشهر المستثمرين في وادي السيليكون، بيتر ثيل، مالك «بالانتير» والمعروف بتوجهاته اليمينية المتطرفة ( وهو من عُتاة الصهاينة) وسَعْيه لتوسيع نفوذ القطاع الخاص على حساب القطاع العام، ولا تنحصر علاقة بيتر ثيل بنائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس عند حدود الدعم المالي، فقد بدأت هذه العلاقة منذ سنوات حين عمل فانس في صندوق استثمار مملوك لثيل Mithril Capital Management، ثم أصبح لاحقاً من أكثر المقربين له فكرياً وسياسياً… منذ ذلك الوقت، شكل الرجلان محوراً لتحالف رأس المال الرقمي والسياسة الشعبوية في الولايات المتحدة، وضخ ثيل أكثر من 15 مليون دولار خلال انتخابات 2022 لدعم صعود فانس إلى مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو، ثم أعاد تفعيل شبكة الدّعم هذه خلال حملة الانتخابات الرئاسية 2024، وصعد فانس إلى مركز نائب الرئيس، ليصبح اليوم شريكاً محورياً في صناعة القرار في البيت الأبيض، بفضل هذا الدعم والعلاقات الواسعة مع شبكات المال والنفوذ التكنولوجي، إذ لم يكتفِ النظام الرقمي المُعَوْلَم بتقويض الحوكمة التقليدية، بل انتقل إلى مرحلة إنتاج منظومة سيطرة جديدة عابرة للدول، تحتكر المعرفة والتقنية وتفرض شروطها على بقية العالم من دون حسيب أو رقيب، فلم يقتصر هذا التحالف على الداخل الأميركي، بل يرتبط ثيل وفانس أيضاً بعلاقات وثيقة مع إيلون ماسك، ويجمع الثلاثة قواسم مُشتركة، منها التوجه الفكري المشترك اليميني المتطرف وتطابق آرائهم بخصوص تعزيز «السيادة التقنية» والاستثمار في مشاريع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية خارج الرقابة الحكومية التقليدية والدّعم المُطْلَق للكيان الصّهيوني، وقد اشتهر بيتر ثيل بعدائه للمؤسسات الإتحادية واعتبرها بيروقراطية حكومية، وبإيمانه بمنطق «الانضباط الرأسمالي»، ووجد في فانس الواجهة السياسية القادرة على ترجمة هذه الرؤية إلى مشاريع تشريعية وإجراءات تنفيذية. أما إيلون ماسك، فكان المزود اللوجستي والبنية التحتية الرقمية (عبر ستارلينك) التي استخدمتها الحكومة الأميركية في الأزمات والصراعات، كما في أوكرانيا والشرق الأوسط.
يحوّل توسع هذه الشبكة التكنولوجية السياسية شركات مثل «بالانتير» من أدوات دعم عسكرية أو استخباراتية إلى فاعل مركزي في صياغة سياسات الأمن الداخلي والخارجي، ليُعمّق هذا النموذج مخاوف الحركات المدنية من أن تتحول الدولة إلى جهاز مراقبة تديره شركات القطاع الخاص تحت غطاء من الشرعية الانتخابية والإعلامية…

شركات التكنولوجيا العابرة للقارات تُصمّم القانون الدّولي
هل يمكن الحديث عن السيادة الوطنية وعن صياغة قواعد مُلْزمة لشركات الذكاء الإصطناعي ووضع ضوابط وشروط للإستخدامات المدنية والعسكرية للذكاء الإصطناعي؟
يتحكم منطق القوة - وفق موازين القوى - في ما يُسمّى القانون الدّولي أو تطبيق مبادئ الحوكمة العالمية، لأن رأس المال الرّقمي والمُجَمَّع الصناعي العسكري العالمي يتحكمان في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفق تقرير معهد «ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي» (SIPRI) الذي يكشف فشل محاولات بناء مؤسسات رقابية دولية، بسبب اعتراض الفئات التي تحتكر السلطة السياسية والثروة والمعرفة والتكنولوجيا مما يؤدي إلى تحويل الحرب إلى سلعة عابرة للقارات، وإلى انهيار أي مشروع لتنظيم أدوات الرقابة والشفافية على استخدامات التقنية المدنية ( الرقابة وتتبّع حركة الأفراد وتخزين البيانات الشخصية…) والعسكرية ( الأسلحة الآلية والإغتيال عن بُعْد…) وبذلك تم إفشال أي مُحاولة قد تُقيّد المصالح الإمبريالية، إذ يعتقد قادة الولايات المتحدة إن السيطرة التقنية أساس الهيمنة السياسية والعسكرية على العالم، كما يجب توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لمراقبة حركة المواطنين في الدّاخل، وترفض الولايات المتحدة والقوى الإمبريالية أي التزام دولي يفرض مُراعاة حاجيات البلدان الفقيرة، لأن القوى الإمبريالية لا تُراعي سوى حساباتها الجيوستراتيجية ومصالحها الاستراتيجية ومصالح شركات التقنية والأسلحة، واستنتج تقرير SIPRI استحالة صياغة قواعد مُلزمة تتناسب مع الواقع المتغيّر، لأن التقنيات والإبتكارات تتطور بسرعة وبوتيرة تعجز المؤسسات الدولية عن مواكبتها، فتكتفي بإصدار توصيات عامة وخجولة، في غياب أي رقابة وأي آليات تنفيذ فعّالة، لأن الشركات الإحتكارية العابرة للحدود تُشرف على تطوير الأدوات التكنولوجية ذات الإستخدام المدني والعسكري، وتمتلك سُلْطة القرار وتُعارض فكرة السيادة الوطنية، وتتحكم في البنى التحتية للمعلومات والأمن، وتمتلك من الموارد البشرية والتقنية والمالية ما يفوق قدرات أغلب الدول، ولذلك فهي تُملي سياساتها على الحكومات من خلال الضغط الاقتصادي واللوبيات، ومن خلال صياغة القوانين التي تُلائم مصالحها المتمثلة في الإستثمار في الحروب والذكاء الاصطناعي العسكري والحُرُوب المُسْتمرّة لضمان تدفق الأرباح وتعزيز نفوذ رأس المال التقني للحفاظ على التفوق التكنولوجي الذي يُؤَدّي إلى التفوق النَّوْعي، الإقتصادي والعسكري، بفعل سيطرة رأس المال العابر للقارات على كل مفاصل الحرب والسلام، فأصبح قادرًا على تقويض الحوكمة التقليدية، وقادرًا على إنتاج منظومة سيطرة جديدة عابرة للحدود، تحتكر المعرفة والتقنية وتفرض شروطها على بقية العالم من دون حسيب أو رقيب.

التكنولوجيا وقوانين الإقتصاد السياسي
كانت الولايات المتحدة تنتج 60% من الإنتاج الصناعي العالمي سنة 1950 وكان الإنتاج الصناعي الصيني هامشيا، ودعمت الولايات المتحدة - بعد الحرب العالمية الثانية - إعادة الإعمار والتصنيع في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، ونجحت هذه الدول في التصنيع في ظل هيمنة الولايات المتحدة التي كانت تريد بناء سُدّ منيع في أوروبا ضدّ الشيوعية والإتحاد السوفييتي الذي هَزَمَ الجيش الألماني ودَحَرَهُ من ستالينغراد إلى برلين ( أكثر من 2700 كيلومتر) بسلاح سوفييتي وبجنود سوفييتيين، دون مساعدة من الدّول الرأسمالية، كما أنشأت الولايات المتحدة قواعد عسكرية ضخمة في اليابان وكوريا الجنوبية ودعمت اقتصادهما لمواجهة نفوذ الصين والإتحاد السوفييتي، والآن، بعد ثلاثة أرباع القرن ( من 1950 إلى 2025) لا تنتج الولايات المتحدة سوى 16% تقريبًا من الإنتاج الصناعي العالمي، فيما تبلغ حصة الصين نحو 30% من الإنتاج الصناعي العالمي سنة 2023، وتخلت الصين عن الكثير من الوظائف ذات الأجور المنخفضة، وانتقلت الصناعات ذات القيمة المُضافة المُنخفضة إلى فيتنام وبنغلادش وتايلند وغيرها، واهتمت الصين بتطوير التكنولوجيا والطاقات المتجددة وتمكنت من خفض تكلفة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح إلى أدنى مستوى، حتى أصبحت الآن أرخص مصادر الطاقة، وساعدت الصين العديد من الدول النامية - مثل نيجيريا وجنوب أفريقيا وباكستان - على تركيب أنظمة الطاقة المتجددة على نطاق واسع اعتمادًا على التقنيات الصينية ذات التكلفة الزهيدة.
في مجال الصناعة، تجاوزت مبيعات شركة السيارات الصينية بي واي دي، خلال شهر أيار/مايو 2026، مبيعات شركات سيتروين وفيات وتسلا وميني في سوق السيارات الأوروبية، حيث باعت شركة صناعة السيارات الصينية 32380 سيارة خلال الشهر ( مقابل 28610 سيارة لشركة تسلا الأمريكية)، بزيادة مستمرة على مدار العام، مما يُشير إلى إن هذه الزيادة ليست طَفرة عابرة، بل اتجاها مُستقرا وحقيقة واقعة في السوق الأوروبية منذ سنة 2024، لَمَّا تجاوزت مبيعات بي واي دي شركات فورد وهوندا ونيسان على المستوى العالمي، وللصين شركات أخرى لصناعة السيارات مثل مجموعة SAIC وفَرْعها MG …
يفرض الاتحاد الأوروبي، منذ شهر تشرين الأول/اكتوبر 2024 ضرائب على السيارات الكهربائية المستوردة من الصين، مما يدفع الشركات الصينية إلى إنتاج المزيد في أوروبا لكي يتم تصديرها كسيارات أوروبية الصُّنْع، ونجحت شركة بي واي دي الصينية في الإلتفاف على العقوبات التي فَرَضَها الإتحاد الأوروبي، فأنشأت مصانع تجميع في البلدان الأعضاء بالإتحاد الأوروبي لتصنيع سيارات مُخَصّصة للأسواق الأوروبية، مما يعفيها من العقوبات ومن الرسوم الجمركية المرتفعة، ويُمثل هذا التّكتيك جزءًا من استراتيجية صينية طويلة الأمد في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والإتصالات والطاقات المتجددة وغيرها من القطاعات ذات القيمة الزائدة المُرْتَفعة، وتندرج خطط شركة السيارات BYD ضمن هذه الإستراتيجية إلى الضغط على شركات السيارات الأوروبية التي حاول بعضها - مثل سيتروين ورينو - رفع حصتها من الأسواق الأوروبية بإنتاج سيارات صغيرة كهربائية، لكن يبدو أن هذه السيارات الكهربائية أقل تجهيزًا من الناحية التكنولوجية من الشركة المصنعة الصينية ( BYD ) التي اكتسبت خبرة أكبر وهي أكثر قُدرة على الإستثمار في البحث والإبتكار والتّصنيع، وتمكنت من اختراق الأسواق الأوروبية في زمن قصير لأنها تبيع سيارات كهربائية ذات جودة عالية بأسعار معقولة، تقل بكثير عن أسعار السيارات الأوروبية، وفقا لوكالة بلومبرغ…
تراجعت مكانة الولايات المتحدة في الصناعة والتجارة الخارجية وأصبحت الصين منافسًا جدّيًّا في كافة المجالات، وأهمها التكنولوجيات المتقدمة، فقد كانت الولايات المتحدة تحتكر - حتى سبعينيات القرن العشرين - العديد من المنتجات مثل أشباه الموصلات والحواسيب العملاقة وأجهزة التلفزيون الملونة، وأصبح اقتصاد الولايات المتحدة خلال نصف قرن مُتخصّصًا في إنتاج الأسلحة وبعض المنَصّات والخدمات المالية المدعومة بهيمنة الدّولار، رغم الإنحدار البطيء لمكانة الدّولار في التجارة بين دول الجنوب، وبسبب إنشاء بعض المؤسسات المالية البديلة والتي لا تزال في خطواتها الأولى، مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وبنك التنمية الجديد، وبنك تنمية أمريكا الجنوبية…
عقدت الأمم المتحدة سنة 1974 مؤتمرًا دعت له الدول النامية من أجل إطلاق نظام اقتصادي دولي جديد، وبعد أكثر من نصف قرن لا تزال المؤسسات المالية الدّولية تفرض شروطا مجحفة على الدول التي تطلب قروضًا، ومن ضمنها الشروط السياسية والتّدخّل في الشؤون الداخلية مما يُفْقد الدول استقلالها الإقتصادي والسياسي، واستغلت الصين ثغرات النظام العالمي الذي تهيمن عليه النيوليبراللية والولايات المتحدة لتوفير قُرُوض بمعدلات فائدة أعلى، لكنها لا تتدخل في الشؤون الدّاخلية لهذه البلدان، وتميزت الإمبريالية الأمريكية بإطلاق عشرات الحروب ( وجميع الحروب الأمريكية عُدْوانية وليست دفاعية) منذ الحرب العالمية الثانية وآخرها العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران الذي أدّى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والألومنيوم والأسمدة، وتستورد كوريا الجنوبية والصين الهيليوم من الخليج وهو من المكونات الأساسية لتصنيع أشباه الموصلات، وتسببت هذه الحرب العدوانية الأمريكية الصهيونية في اضطراب الإقتصاد العالمي، بعد أربع سنوات من الإضطراب الذي خلقته حرب أوكرانيا، وقد يُسهم هذا العدوان في انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي، وهو أكثر التقنيات استهلاكًا للطاقة ولذلك فإن هذا القطاع يتأثر كثيرًا بارتفاع أسعار الطاقة، وخصوصا ارتفاع أسعار الهيليوم الضروري لصناعة أشباه الموصلات، بالإضافة إلى انخفاض موارد دُوَيْلات الخليج التي كانت من بين أكبر المستثمرين في صناعة الذكاء الاصطناعي الأمريكية، وما إلى ذلك من العوامل التي قد تسهم في انفجار فقاعة الذكاء الاصطناعي الذي يؤدّي إلى فقدان آلاف الوظائف في الولايات المتحدة، في ظل رئاسة دونالد ترامب الذي زعزع النظام العالمي، فبعد الإنسحاب التدريجي للولايات المتحدة من منظمات الأمم المتحدة ومن النظام متعدد الأطراف الذي بَنَتْه بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ دونالد ترامب بتدمير هذا النظام العالمي، مُدّعيًا إعادة تصنيع الولايات المتحدة التي يُعدّ نصيبها حوالي 25% من الناتج الإجمالي العالمي، لكن حصتها في التجارة الدولية لا تتجاوز 11% أو 12% على أقصى تقدير، بسبب اتساع السوق الداخلية الأمريكية التي تسمح ببناء اقتصاد مغلق نسبيًا.

الحرب الخَفيّة
حاولت الولايات المتحدة كَبْح جماح قطاع التكنولوجيا الصيني من خلال رفع التعريفات الجمركية وحَظْر استيراد تقنيات الطاقات البديلة ( الألواح الشمسية) والسيارات الكهربائية وهواتف شركة هواوي، وحَظْر تصدير أشباه المواصلات - ركيزة صناعة الرقائق الإلكترونية - إلى الصين، مما يُعرْقل صناعة الرقائق الإلكترونية في الصين لأن وحدات المعالجة لصناعة أشباه الموصلات تشمل أدوات التصميم الإلكتروني ومعدات التصنيع والمواد الكيميائية والغازات والتغليف المتقدم والاختبار والنقل والتركيب داخل الخوادم، وتوظف صناعة الرقائق الإلكترونية مباشرة نحو 338 ألف شخص في الولايات المتحدة، وتدعم أكثر من 1,9 مليون وظيفة إضافية في الاقتصاد الأميركي، وفق رابطة صناعة أشباه المواصلات، وتشمل المهندسين والفَنّيّين والعاملين من مختلف الدَّرَجات، فضلا عن الأيدي العاملة الرّخيصة في بلدان أخرى، وتُسيطر شركات قليلة عابرة للقارات ( أمريكية بالأساس) على الملكية الفكرية والأسواق، لأنها قادرة على تمويل البحث والإبتكار والبُنْيَة المادية ومركز البيانات وصيانة البَرْمَجيّات وما إلى ذلك…
أدّت الحرب التكنولوجية التي أطلقتها الولايات المتحدة إلى أزمة التكنولوجيا التي أدّت بدورها إلى إعلان شركة أبل رَفْعَ أسعار أجهزة ماك Mac للحواسيب و آي باد iPad للهواتف المحمولة ( من 120 إلى 750 دولارا )، وكانت Apple تخطط لتغيير أجهزة الكمبيوتر المحمولة أو الأجهزة اللوحية، بسبب مشاكل تخص الذّاكرة وسعة التّخزين، وعللت شركة آبل هذه الزيادة الكبيرة في الأسعار ب"التحديات غير المسبوقة، وزيادة الطلب على الطّاكرة والتّخزين، بسبب التوسع السريع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي…"، ، وطلبت شركة أبل من الحكومة الأمريكية إذنًا لتوريد رقائق ذاكرة من الشركة الصينية ( ChangXin Memory Technologies (CXMT المُدْرَجَة على القائمة السوداء لوزارة الحرب الأمريكية " لارتباطها بالجيش الصيني " وتصنيفها " مَشْرُوعًا عسْكَريًّا صينيًّا " خلال رائاسة جوزيف بايدن، بينما تمول وزارة الحرب الأمريكية شركات التكنولوجيا الأمريكية وتُشجعها على توظيف ضباط الجيش والإستخبارات السابقين، وأدّت هذه الأزمة إلى انخفاض قيمة آبل في البورصة بنحو 263 مليار دولار، وهو ثاني أكبر انخفاض في يوم واحد في تاريخ أبل التي تسعى للحصول على ضمان أن تكون قادرة على دمج رقائق CXMT في ملايين الأجهزة دون المخاطرة بحظر أمريكي بعد فترة بحجة "تهديد الأمن القومي ". أدّت الحرب الإلكترونية إلى ارتفاع الطلب على الرّقائق الإلكترونية منذ سنة 2025، وقد لا يتمكن العرض من تلبية الطّلب خلال السنوات الثلاثة القادمة، وتجاوزت أرباح بعض الشركات المُصَنّعة للرقائق 85%.
تذرعت العديد من الشركات العابرة للقارات بتحسين الإنتاجية والكفاءة لتثبيت وسائل المراقبة الحديثة للعاملين الذين يُنتجون السلع أو يُقدّمون الخدمات في ظروف سيئة للغاية، فضلا عن المخاطر البيئية التي تُشكلها مراكز البيانات، وقدرت وكالة الطاقة الدولية استهلاك هذه المراكز نحو 415 تيراواط/ساعة من الكهرباء سنة 2024، أو نحو نحو 1,5% من الإستهلاك العالمي للكهرباء، وقد يتضاعف هذا الاستهلاك ليبلغ نحو 945 تيراواط/ساعة سنة 2030، بسبب زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي في مجالات عديدة ومن ضمنها جَمْع البيانات ومراقبة المواطنين، وتعمّدت العديد من الشركات إساءة استخدام الوسائل التكنولوجية والأدوات الرقمية وتجهيز الفضاء العام والمصانع والمتاجر والمَخازن بالميكروفونات والكاميرات لتسجيل المحادثات بين الموظفين أومع الزبائن، وعلى نطاق عالمي، أرادت Meta ، مالكة Facebook و Instagram و WhatsApp ، في بداية العام 2026، قياس نقرات الماوس لموظفيها ، من أجل تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، واضطرت إلى التخلي عن هذا المشروع بسبب احتجاج العاملين، وسبق أن أرادت شركة مايكروسوفت تقديم "درجة إنتاجية" لكل موظف في خدماتها عبر الإنترنت، قبل التخلي عن المشروع بسبب احتجاج الموظفين، وعمومًا، نَمَت الحلول الرقمية بسرعة كبيرة مما يُغْري الشركات باستخدامها لزيادة إنتاجيتها، في غياب أي نقاش عام بشأن تسجيل وتصوير المواطنين دون إذن، وتحليل بياناتهم واستخدامها لأهداف أمنة ( قَمْعية) عسكرية…


مكانة الذكاء الاصطناعي
تُضاعف الولايات المتحدة الإجراءات غير المسبوقة للحفاظ على السيطرة على أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي وحماية مصالحها الاستراتيجية، مع اشتداد التنافس التكنولوجي، وقارن مدير وكالة المخابرات المركزية ( سي آي إيه) جون راتكليف يوم الثلاثاء 30 حزيران/يونيو 2026، قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدمًا بالأسلحة النووية الرقمية، خلال خطاب عام نادر في واشنطن العاصمة، بعد مناقشاته مع مُستشاري الرئيس دونالد ترامب الذي استحوذت إدارته على التكنولوجيا من خلال التذرع بالأمن القومي، وأجبرت السلطات الأمريكية يوم 12 حزيران/يونيو 2026 شركة أنثروبيك الأمريكية للذكاء الإصطناعي أ( مقرها سان فرانسيسكو ) على قطع الوصول إلى أقوى نموذجين لها، Mythos 5 و Fable 5، من خلال فرض "الضوابط على التصدير"، وأطلقت أوبناي ( OpenAI ) المنافس الأمريكي لأنثروبيك، في نفس اليوم نموذجها GPT-5.6 مع وصول محدود للغاية بسبب التضييقات الأمريكية بتعلة الوقاية من سرقة التكنولوجيا الأمريكية، ضمن سباق التسلح التكنولوجي بين الولايات المتحدة والصّين، وفي هذا الإطار مدير وكالة الإستخبارات الأمريكية بعض تفاصيل إعادة تنظيم وكالة المخابرات المركزية حول الأمن السيبراني، وأعلن استقباله الرئيس التنفيذي لشركة سبيس إكس إيلون ماسك، بالإضافة إلى مسؤولين تنفيذيين من أمازون وغوغل وديل للحديث معهم بشأن الأمن السيبراني، وأعلنت شركة AWS، الشركة الرائدة عالمياً في مجال خدمات تكنولوجيا المعلومات عبر الإنترنت، عن برنامج ائتماني بقيمة مليار دولار لوكالات الاستخبارات الأمريكية وخدمة سحابية سرية لمقاولي الدفاع الأمريكيين…
تزامن هذا التّصْريح مع إعلان شركة التكنولوجيا الصينية ميتوان ( Meituan ) الصينية ( لتوصيل الوجبات) يوم الثلاثاء 30/06/2026 عن إطلاق نموذج جديد للذكاء الاصطناعي يستخدم على رقائق صينية الصنع لأداء مهام مثل طلب الوجبات من المطاعم وحجز غُرف الفنادق، وأعلنت الشركة على قدرة هذا النموذج على إنشاء موقع ويب لألعاب الفيديو، وفق وكالة رويترز ( 30 حزيران/يونيو 2026 ).
يُشير استخدام هذا النموذج المُسَمَّى ( LongCat-2.0 ) لرقائق الذكاء الاصطناعي الصينية إلى تزايد أهمية الاكتفاء الذاتي في السوق شركة الذكاء الاصطناعي الوطنية الصينية، وتعمل شركات DeepSeek وعلي بابا و ByteDance والشركات الرئيسية الأُخْرَى ، بما في ذلك Huawei و Enflame على تقليل اعتمادها على الرقائق الأمريكية وابتكار نماذجها الخاصة بها، بعد فرض ضوابط التصدير الأمريكية منذ العام 2022، وتحرض هذه الشركات على ملء الفجوة التي تركتها الشركات المصنعة الأمريكية، وعلى الحصول على حصة السوق من خلال الاتفاق مع مطوري الذكاء الاصطناعي، ويرمز نموذج الذكاء الاصطناعي الجديد "صنع في الصين" إلى مرحلة جديدة في حرب التكنولوجيا الشاملة بين الصين والولايات المتحدة، ويُعْتَبَرُ النموذج المُسَمَّى ( LongCat-2.0 ) نموذجًا جديدًا ونوعًا من التكنولوجيا التي تعمل على تشغيل الروبوتات التخاطبية والعديد من أدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى، وفق وكالة الصحافة الفرنسية ( أ. ف. ب. ) بتاريخ 30 حزيران/يونيو 2026

اضطرت الصين إلى خَوْض معركة الذكاء الإصطناعي مع الولايات المتحدة، التي تقيد تصدير الرقائق الأكثر تقدما التي صممتها شركات التكنولوجيا الأمريكية، مثل إنفيديا أو شركات الدَُوَل الحليفة ( تايوان وكوريا الجنوبية وهولندا…) إلى الشركات الصينية، ولذلك تعمل الصين على تسريع جهودها لتطوير رقائقها المتقدمة وتحرير نفسها من اعتمادها على التقنيات الأمريكية، ردا على القيود التي فرضتها واشنطن مُتذرعة بالأمن القومي، وبدأ الفريق البَحثي لشركة ميتوان في مجال الذكاء الاصطناعي استكشاف استخدام الرقائق المحلية منذ بداية سنة 2023، بهدف التغلب على التحديات التقنية لصناعة الذكاء الإصطناعي المزدهرة في الصين حيث يتطلب دفع النماذج التنافسية كميات هائلة من البيانات الرقمية ما يستوجب استخدام رقائق ذات قوة حوسبة كبيرة، كما شجعت الحكومة الصينية شركات الذكاء الاصطناعي الصينية الأخرى، مثل DeepSeek و Zhipu و "Qwen" من Alibaba و Xiaomi "Mimo" و هواوي، وكونلونكسين (فرع عملاق التكنولوجيا بايدو)، وكامبريكون ومور ثريدز، على تصميم وصناعة الرقائق وتطوير مجالات الذكاء الإصطناعي ومنافسة شركة إنفيديا الأمريكية من خلال ابتكار ذكاء اصطناعي أرخص وأكثر انفتاحًا، وفق مجلة العلوم والتكنولوجيا بتاريخ 29 حزيران/يونيو 2026



#الطاهر_المعز (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحرب التكنولوجية الجزء الأول من جُزْأَيْن
- ثراء فاحش يُقابله فقْر مدقع
- احتكار الثروة واللاّمُساواة 2 / 2
- احتكار الثروة واللامساواة 1 / 2
- دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 7/7
- دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 6 /7
- دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 5 /7
- دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 4 /7
- دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 3 /7
- دورة كأس العالم لكرة القدم 2026 – الجزء 2 /7
- من تَبعات العدوان على إيران
- الولايات المتحدة في الذكرى 250 لإعلان ميلادها
- الولايات المتحدة وترويج المخدرات
- أوروبا، ارتفاع الإنفاق العسكري وانخفاض الإنفاق الإجتماعي
- الدّواء بين الحاجة البشرية وأرباح الشركات
- تراجع اقتصاد أوروبا في ظل حرب أوكرانيا والخليج
- السنغال - جرْد جُزْئي لتجربة سُلْطَة تقدّمية
- صحة - أضرار الأطعمة المُصنّعة أو فائقة المُعالجة
- فجوة الأجور في الولايات المتحدة
- الخليج - هروب رؤوس الأموال نحو سويسرا


المزيد.....




- ترامب والناتو.. فرص حل نزاع أوكرانيا
- ماكرون يصل دمشق في أول زيارة لرئيس دولة غربية كبرى منذ سقوط ...
- ماكرون من سوريا: وصلت لتأكيد التزام فرنسا بدعم سوريا موحدة
- الدفاعات الجوية الروسية تدمر 116 مسيرة أوكرانية خلال 12 ساعة ...
- ?ريابكوف: روسيا ستواصل الحوار مع الولايات المتحدة بشأن أوكرا ...
- في زيارة تاريخية.. ماكرون يُعلن من دمشق فتح -صفحة جديدة من ا ...
- -إما الاتفاق أو سنكمل المهمة-.. ترامب: لا نسعى لإسقاط النظام ...
- فيينا: حكم بالسجن 8 سنوات على ضابطين سابقين في نظام الأسد
- مـاكـرون فـي دمـشـق: صـفـحـة بـعـنـاويـن جـديـدة؟
- الناتو يسوّق تسلحه في أنقرة لطمأنة ترمب


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطاهر المعز - الحرب التكنولوجية الجزء 2/2