|
|
الثّقافة في تونس منذ 1956 : تاريخ الهيمنة على المخيّلة .
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 00:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حين يذكر لفظ الثّقافة، يتجه الذهن غالبا إلى الكتب، والمسارح، والسينما، والشّعر، والفنون الجميلة، وإلى ذلك العالم الذي يبدو، للوهلة الأولى، منفصلا عن الاقتصاد والسياسة والإدارة . وكأن الثقافة تقع في منطقة مرتفعة من الحياة الاجتماعية، بعيدة عن صخب السّلطة وعن خشونة المصالح . غير أن هذا التصور، على شيوعه، يخفي حقيقة أكثر تعقيدا : فالثّقافة ليست ما ينتجه المجتمع بعد أن يفرغ من تنظيم شؤونه، بل هي إحدى الوسائل التي ينظّم بها المجتمع نفسه . فما نسميه ثقافة ليس مجرد تراكم للنصوص أو الأعمال الفنية، بل هو نظام كامل لإنتاج المعنى . إنه المجال الذي تتحدد فيه صورة الإنسان عن ذاته، وصورة الجماعة عن تاريخها، وصورة المستقبل عن إمكاناته . ولذلك فإن كل سلطة، مهما اختلفت طبيعتها، تدرك أن السيطرة على المجال الرمزي ليست أقل أهمية من السيطرة على المجال السياسي أو الاقتصادي . فمن يحكم الأرض، يحتاج أيضا إلى من يحكم الخيال . غير أن الهيمنة لا تبدأ من لحظة المنع، بل من لحظة التعريف. فمن الذي يقرر ما الذي يستحق أن يسمى ثقافة؟ ومن الذي يمنح بعض الأعمال صفة "الإبداع"، بينما يترك أعمالا أخرى خارج دائرة الاعتراف؟ ومن الذي يصنع الذائقة التي تبدو، بعد سنوات، وكأنها حقيقة طبيعية لا تقبل النقاش ؟ إن هذه الأسئلة لا تتعلق بالنقد الأدبي أو الفني وحده، بل تتعلق ببنية السلطة ذاتها، لأن السلطة لا تفرض إرادتها بالقوة فقط، وإنما تعيد تشكيل المعايير التي يقاس بها العالم . لهذا، فإن الثقافة ليست مرآة للمجتمع، كما جرى ترديد ذلك طويلًا، بل هي أحد المصانع التي يعاد فيها إنتاج المجتمع . إنها لا تكتفي بعكس الواقع، وإنما تسهم في ترتيب طبقاته، وتحديد مراكزه وهوامشه، وصناعة رموزه، وتوزيع الشرعية بين لغاته وصوره وسردياته . ومن هنا تصبح دراسة الثقافة، في جوهرها، دراسة لعلاقات القوة التي تتحرك داخل المجتمع، حتى عندما تبدو تلك العلاقات متخفية خلف الجمال أو المعرفة أو الذوق . وفي الحالة التونسية، تزداد هذه الأسئلة إلحاحا، لأن تاريخ الدولة الوطنية بعد سنة 1956 ارتبط بمشروع واسع لإعادة بناء المجتمع . كان المطلوب تأسيس دولة حديثة، وإدارة جديدة، ومدرسة جديدة، وقانون جديد، لكن ذلك استدعى أيضا بناء مواطن جديد، يحمل تصورا معينا عن الوطن، وعن التقدم، وعن الهوية، وعن موقعه داخل الجماعة الوطنية . وهنا لم تعد الثقافة شأنا يخص المثقفين وحدهم، بل أصبحت جزءا من مشروع الدولة نفسه . غير أن كل مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع يواجه معضلة لا مفر منها . فهو يحتاج إلى الثقافة لأنها تمنحه اللغة التي يبرر بها وجوده، لكنه يخشاها لأنها تمتلك القدرة على مساءلته . يحتاج إلى الفنان ليمنحه صورة التقدم، لكنه يقلق من الفنان نفسه عندما يقرر أن ينظر إلى الواقع بعين لا تشبه عين السلطة . يحتاج إلى الجامعة كي تنتج المعرفة، لكنه يتردد أمام المعرفة عندما تتحول إلى نقد للبنية التي أنتجته . ومن هذا التوتر المستمر، ولد تاريخ الثقافة في تونس الحديثة . ولذلك، فإن هذه المقالة لا تنطلق من افتراض وجود مؤامرة ثقافية، ولا من فكرة أن السلطة كانت قادرة على التحكم المطلق في المجال الرمزي . فالتاريخ أكثر تعقيدا من ذلك . لقد كان المجال الثقافي دائما فضاء للصراع، لا فضاء للطاعة الكاملة . كانت السلطة تحاول تنظيمه، وكانت داخله، في الوقت نفسه، قوى تقاوم، وتفاوض، وتناور، وتفتح منافذ جديدة للحرية . ولهذا فإن الثقافة ليست سجلا للانتصارات أو للهزائم، بل سجل للصراع على المعنى . ومن هنا، فإن الغاية من هذه المقالة ليست توزيع شهادات الإدانة أو البراءة، ولا البحث عن أبطال أو خونة داخل المشهد الثقافي . إن غايتها هي تفكيك الآليات التي جعلت الثقافة، منذ "الاستقلال" ، تتحرك داخل شبكة معقدة من السلطة، والإدارة، والاقتصاد، والتعليم، واللغة، والشرعية، بحيث لم يعد من الممكن فهم القصيدة دون المؤسسة، ولا المسرح دون المدينة، ولا الجامعة دون الدولة، ولا المثقف دون الحقل الاجتماعي الذي ينتج مكانته . إن السؤال الذي يحكم هذه الصفحات ليس : هل نجحت السياسة الثقافية في تونس أم فشلت ؟ فهذا سؤال إداري في جوهره . أما السؤال الذي يستحق أن يطرح فهو : أي إنسان أرادت هذه السياسات أن تنتجه ؟ وأي خيال سمحت له بالنمو ؟ وأي خيال آخر جرى تأجيله أو تهميشه أو احتواؤه ؟ فعندما نجيب عن هذا السؤال، لا نكون قد كتبنا تاريخ وزارة، ولا تاريخ مؤسسة، ولا حتى تاريخ نخبة ثقافية، بل نكون قد اقتربنا من كتابة تاريخ العلاقة بين السلطة والحرية داخل المجال الذي ينتج المعنى نفسه . وهناك، تحديدا، تبدأ الثقافة بوصفها القضية السياسية الأكثر عمقا، لأنها ليست صراعا على ما نقرأه فقط، بل على الطريقة التي نتعلم بها أن نرى العالم، وأن نفكر فيه، وأن نحلم بتغييره .
و الثقافة ليسن زينة تعلّق على واجهة الدولة، ولا قطاعا يضاف إلى بقية القطاعات في الميزانية العمومية . إنها الحقل الذي تصنع فيه التصورات الكبرى للعالم، وتعاد فيه كتابة العلاقة بين الإنسان والسلطة، وبين الذاكرة والمستقبل . لذلك لا توجد سلطة بريئة تجاه الثقافة؛ فكل سلطة تسعى، بدرجات متفاوتة، إلى تنظيم المجال الرمزي الذي تتحرك داخله الجماعة . منذ "الاستقلال" ، أدركت الدولة التونسية أن بناء المؤسسات لا يكتمل من دون بناء الرواية التي تمنح تلك المؤسسات شرعيتها . لذلك استثمرت في التعليم، وفي النشر، وفي المسرح، وفي دور الثقافة، وفي المهرجانات، وهي خيارات أسهمت بلا شك في توسيع دائرة الوصول إلى المعرفة والفنون . غير أن هذا الاستثمار لم يكن منفصلا عن مشروع سياسي أراد أن يجعل الدولة المرجع الأعلى لإنتاج المعنى، تماما كما أراد أن يجعلها المرجع الأعلى لإدارة الاقتصاد والمجتمع . وهكذا تشكّل، على امتداد عقود، نمط خاص من العلاقة بين المثقف والسلطة . لم يكن المطلوب دائما إسكات المثقف، بل احتواؤه . فالسلطة لا تكتفي بقمع الأصوات المعارضة؛ إنها تفضّل، عندما تستطيع، أن تستوعبها داخل مؤسساتها، وأن تحولها تدريجيا إلى جزء من آلية إعادة إنتاج خطابها . هكذا تصبح الجوائز، واللجان، والمهرجانات، والمؤسسات الرسمية، أدوات لا لتشجيع الإبداع فحسب، بل أيضا لترتيب الحقل الثقافي وفق توازنات السلطة . ولذلك، فإن الرقابة في التجربة التونسية لم تكن دائما قرارا بوليسيا مباشرا . لقد اتخذت، في كثير من الأحيان، صورة أكثر نعومة وأشد فاعلية : توزيع غير متكافئ للموارد، احتكار للمنابر، صناعة للأسماء، وتهميش بطيء لكل من يرفض الانخراط في منطق الولاء . إنها رقابة لا تمنع النص من الوجود، بل تحدّ من قدرته على الوصول والتأثير . بعد سنة 2011، تغيرت موازين كثيرة . تراجعت الرقابة المباشرة، وخرجت أصوات ظلت لسنوات طويلة خارج المجال العمومي . لكن سقوط بعض القيود لم يؤدّ تلقائيا إلى تحرير الثقافة . فقد بقيت البنية العميقة للعلاقة بين السلطة والثقافة على حالها إلى حد بعيد . إذ لا يكفي أن تتراجع الرقابة حتى يصبح المجال الثقافي حرًا، ما دامت شروط إنتاج الثقافة وتوزيعها وتمويلها خاضعة لمنطق الهيمنة نفسه، وإن تغيرت وجوه القائمين عليه . من منظور يساري، لا يمكن فهم الثقافة بمعزل عن الاقتصاد السياسي . فالمجال الثقافي ليس عالما مستقلا عن علاقات القوة، بل هو أحد ميادينها الأساسية . ومن يملك وسائل إنتاج الثروة، يسعى غالبا إلى التأثير في وسائل إنتاج الوعي أيضا . ولهذا فإن الصراع على الثقافة ليس صراعا بين أذواق فنية مختلفة، بل هو صراع على تعريف الواقع نفسه، وعلى تحديد ما يعتبر طبيعيا، وما يعتبر ممكنا، وما يعتبر خارج حدود التفكير . إن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تفرض الصمت، بل تلك التي تجعل الناس يعتقدون أن الصمت اختيارهم الحر، وأن الحدود المفروضة على الخيال هي حدود الطبيعة ذاتها . هنا تتحول الثقافة من قوة نقدية إلى جهاز لإعادة إنتاج النظام القائم، حتى وهي تتحدث بلغة الحداثة أو الوطنية أو التنمية . لهذا، فإن تحرير الثقافة لا يبدأ بإعلان النوايا، ولا بزيادة عدد التظاهرات، ولا بإطلاق الشعارات . إنه يبدأ عندما تتحرر المؤسسات الثقافية من الوصاية السياسية، ويصبح التمويل العمومي حقا شفافا لا أداة للمكافأة والعقاب، ويعترف بالمثقف بوصفه منتجا للنقد لا موظفا في جهاز الشرعية . فالثقافة لا تقاس بعدد المهرجانات ولا بحجم القاعات، بل بقدرتها على إزعاج اليقين، وكشف علاقات الهيمنة، وفتح منافذ جديدة للتفكير . وكل مجتمع يعجز عن حماية هذا الدور، يحكم على نفسه بأن يعيش داخل رواية واحدة، يكتبها الأقوى، بينما تدفن بقية الأصوات في هوامش التاريخ .
غير أن السؤال الذي نادرا ما يطرح هو : من أين تستمد الدولة حقها في تعريف ما هو "ثقافي" أصلا ؟ فقبل أن تختار ما تدعمه أو ما تهمله، تكون قد أنجزت عملية أكثر عمقا، تتمثل في رسم الحدود الفاصلة بين ما يعدّ ثقافة وما ينظر إليه بوصفه مجرد تعبير هامشي أو شعبوي أو غير مكتمل . هذه السلطة على التصنيف ليست إجراء إداريا بسيطا، بل هي فعل سياسي بامتياز، لأنها تمنح الشرعية لبعض أشكال التعبير وتحرم منها أشكالا أخرى . بهذا المعنى، لم تكن الثقافة الرسمية مجرد إنتاج للمضامين، بل إنتاج لمعايير القيمة نفسها . فمن خلال المدرسة، والجامعة، والمؤسسة الإعلامية، والسياسات اللغوية، وآليات النشر، تكوّنت تدريجيا خريطة للذوق العام، لا تعكس بالضرورة ثراء المجتمع، بل تعكس ما اعتبر صالحا للتمثيل . وهنا يصبح الإقصاء أكثر تعقيدا، لأنه لا يستهدف الأفراد فحسب، بل يستهدف أنماطا كاملة من الحساسية الجمالية والخبرة الاجتماعية . لقد بقيت مساحات واسعة من الثقافة التي تنتجها الفئات الشعبية خارج دائرة الاعتراف . ليس لأنها تفتقر إلى القيمة، بل لأنها لم تصغ وفق المعايير التي اعتمدتها النخب الثقافية المهيمنة . وكأن المجتمع لا يحق له أن يتكلم إلا باللغة التي سبق أن اعترفت بها المؤسسة . وهكذا يتحول التفاوت الاجتماعي إلى تفاوت في الحق في تمثيل الذات، وفي الحق في رواية التجربة الإنسانية . ومن هنا أيضا يمكن فهم العلاقة الملتبسة بين المركز والأطراف . فالثقافة في الجهات لم تعامل غالبا باعتبارها مصدرا لإنتاج المعنى، بل باعتبارها مادة خاما تستدعى في المناسبات الاحتفالية لتأكيد صورة التنوع الوطني . أما القرار الثقافي، والميزانيات، ومراكز النشر، وشبكات التأثير، فقد ظلت تتمركز في فضاءات محددة، بما جعل التفاوت الجغرافي يمتد إلى المجال الرمزي أيضا . ولم يعد التهميش اقتصاديا فقط، بل أصبح تهميشا للذاكرة المحلية، وللهجات، وللتجارب التي لا تجد طريقها إلى السردية الوطنية السائدة . وفي هذا السياق، اكتسبت اللغة نفسها وظيفة سياسية دقيقة . فاللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، وإنما هي نظام لترتيب العالم . وكل اختيار لغوي يحمل ضمنا تصورا للإنسان الذي يخاطبه وللمجتمع الذي يريد إنتاجه . لذلك لم يكن الجدل حول العربية، أو الفرنسية، أو العامية، مجرد نقاش لساني، بل كان تعبيرا عن صراع أعمق يتعلق بموقع تونس داخل تاريخها، وبطبيعة النخب التي تتولى إنتاج المعرفة، وبمن يمتلك حق الكلام باسم المجتمع . كما أن العلاقة بين الثقافة والتعليم تستحق مراجعة تتجاوز الشعارات المعتادة . فالمدرسة لا تكتفي بنقل المعارف، بل تنشئ أيضا علاقة معينة مع المعرفة ذاتها . فإذا تحولت المعرفة إلى مادة للحفظ والامتحان، فإن الثقافة تفقد بعدها النقدي، وتصبح الذاكرة أهم من الفهم، والإجابة أهم من السؤال . وعندئذ لا يعود الهدف تكوين مواطن قادر على التفكير، بل تكوين فرد قادر على التكيف مع ما هو قائم . ولعل هذا ما يفسر المفارقة التي عاشتها تونس لعقود : ارتفاع مستويات التعليم من جهة، مقابل محدودية المجال العمومي للنقاش الحر من جهة أخرى . فليس كل متعلم قادرا بالضرورة على إنتاج معرفة نقدية، إذا كانت المؤسسات التي مرّ بها قد دربته على الامتثال أكثر مما دربته على الشك المنهجي . إن الثقافة النقدية لا تنشأ من تراكم الشهادات، وإنما من قدرة المجتمع على تقبل الاختلاف، وعلى حماية السؤال حتى عندما يزعج المسلمات الأكثر رسوخا . و الامر لا يتعلق بإدانة الدولة بوصفها كيانا مجردا، بل بتحليل الكيفية التي تدار بها السلطة الرمزية داخلها . فالدولة ليست كتلة واحدة، كما أن الثقافة ليست ضحية دائمة . إنهما مجالان يتنازعان باستمرار : الأول يسعى إلى تثبيت الاستقرار، والثانية تدفع نحو إعادة تعريف الممكن . وكلما ضاقت المسافة بينهما، تراجعت الوظيفة النقدية للثقافة، وكلما اتسعت، ظهرت إمكانات جديدة لإعادة تخيل المجتمع خارج الحدود التي فرضتها السياسة اليومية . إن الرهان الحقيقي، في النهاية، ليس استبدال ثقافة رسمية بثقافة حزبية، ولا نقل الوصاية من مؤسسة إلى أخرى، بل بناء فضاء عمومي تكون فيه الثقافة قادرة على مساءلة الجميع، بما في ذلك القوى التي تزعم الحديث باسم الحرية أو الثورة أو الشعب . فالثقافة التي تتخلى عن استقلالها، مهما كانت الشعارات التي تحملها، تتحول تدريجيا إلى صدى لسلطة جديدة، بينما تظل الثقافة الحية هي تلك التي تحتفظ دائما بحقها في الاختلاف، وفي زعزعة كل يقين يدّعي امتلاك الكلمة الأخيرة .
و إذا كانت السلطة السياسية تحتكر أدوات الإكراه المشروع، فإنها لا تستطيع الاستمرار طويلا بالاعتماد على الإكراه وحده . فالمجتمع الذي يحكم بالخوف وحده يبقى دائما على حافة الانفجار . لذلك تحتاج السلطة إلى مستوى آخر من السيطرة، أقل صخبا وأكثر رسوخا : أن يصبح النظام القائم مقبولا بوصفه النظام الطبيعي للأشياء، لا نتيجة لتاريخ من الصراعات والاختيارات . وهنا تبدأ الوظيفة الأكثر تعقيدا للثقافة . فهي لا تنتج الطاعة عبر الأوامر، وإنما عبر تشكيل الحس المشترك؛ ذلك المخزون غير المرئي من المسلمات التي يتعامل معها الناس كما لو أنها بديهيات لا تحتاج إلى برهان . إن أخطر انتصار تحققه أي سلطة ليس أن تمنع مواطنيها من الكلام، بل أن تجعلهم يعيدون إنتاج لغتها وهم يعتقدون أنهم يتحدثون بأصواتهم الخاصة . من هذا المنظور، لا يعود السؤال : ماذا تقول الثقافة ؟ بل يصبح : ما الذي تمنعنا من تخيله ؟ فلكل منظومة سياسية حدود لا تسمح للخيال بتجاوزها . وقد لا ترسم هذه الحدود بالقوانين، بل بالعادات المؤسسية، وبالمناهج التعليمية، وبأشكال الاعتراف الاجتماعي، وبالذوق الذي يقدّم باعتباره الذوق السليم . عندئذ تتحول الرقابة إلى بنية ذهنية، ويصبح الإنسان حارسا على نفسه قبل أن يكون خاضعا لحارس خارجي . ولعل هذا ما يفسر ظاهرة تبدو متناقضة ظاهريا : فقد يختفي الرقيب، بينما يبقى الخوف حاضرا في الكتابة . ليس لأن الكاتب يخشى العقوبة دائما، بل لأنه استبطن عبر سنوات طويلة حدود الممكن والمسموح، فأصبحت الرقابة عادة داخلية . إن أخطر أنواع الهيمنة هي تلك التي تجعل السلطة قادرة على الانسحاب من المشهد، بعد أن تترك صورتها مستقرة في وعي الأفراد . ولا يقتصر هذا الأثر على المبدعين، بل يمتد إلى الجمهور نفسه . فالمتلقي يتعلم بدوره كيف يقرأ، وكيف يصفق، وكيف يصمت، وكيف يميز بين ما يعتبره "فنا راقيا" وما يراه "غير جدير بالاهتمام" . وبذلك لا تعود الهيمنة علاقة عمودية بين الدولة والمجتمع فقط، بل تصبح شبكة من الممارسات اليومية التي يشارك الجميع، بدرجات مختلفة، في إعادة إنتاجها . إن إحدى المفارقات الكبرى في التجربة التونسية هي أن الدولة نجحت، في مراحل عديدة، في توسيع قاعدة التعليم، لكنها لم تنجز بالقدر نفسه ثورة في طرق التفكير . فقد توسعت المعرفة بوصفها رصيدا من المعلومات، بينما ظل السؤال النقدي محاصرا داخل حدود ضيقة . وشتان بين مجتمع يعرف كثيرا، ومجتمع يملك الجرأة على مساءلة ما يعرفه . من هنا تبدو الثقافة فعلا تحرريا لا لأنها تقدم أجوبة جديدة، بل لأنها تعيد الاعتبار للأسئلة التي جرى إسكاتها أو تأجيلها . فالإبداع لا يغير العالم مباشرة، لكنه يغير الطريقة التي ينظر بها إلى العالم، وحين تتغير الرؤية، تبدأ البنية الاجتماعية نفسها في الاهتزاز . ولهذا تخشى السلطات، مهما اختلفت مرجعياتها، الأعمال الفنية التي تعيد تعريف الواقع أكثر مما تخشى الأعمال التي تكتفي بوصفه . وليس المقصود هنا تحميل الثقافة ما لا تحتمل . فهي ليست بديلا عن التنظيم السياسي، ولا عن النضال الاجتماعي، ولا عن الصراع من أجل العدالة الاقتصادية . لكنها تمثل الشرط الذي يجعل هذه الصراعات واعية بذاتها. فمن دون ثقافة نقدية، قد تنتصر الثورات عسكريا أو انتخابيا، لكنها تعجز عن تحرير الوعي من الأشكال القديمة للهيمنة، فتستبدل نخبة بأخرى، ورموزا بأخرى، بينما تبقى البنية العميقة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم على حالها . إن التحرر الحقيقي يبدأ عندما تكف الدولة عن اعتبار الثقافة مجالا يحتاج إلى التوجيه، ويتوقف المثقف عن انتظار الاعتراف من السلطة، ويتحرر المجتمع من الاعتقاد بأن الحقيقة تمنح من أعلى . ففي تلك اللحظة فقط، تستعيد الثقافة معناها الأصلي : أن تكون قوة تنتج مواطنا لا يكتفي بفهم العالم، بل يمتلك الشجاعة الأخلاقية والفكرية لتغييره، دون أن يسمح لأي سلطة، أيّا كان اسمها أو مشروعها، بأن تحتكر الخيال أو تحتكر المستقبل .
لكن الهيمنة الثقافية لا تدار من المكاتب الحكومية وحدها . فلكي تستقر، تحتاج دائما إلى وسطاء يمنحونها شرعية داخل المجال الثقافي نفسه . ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على علاقة الدولة بالمثقفين، بل يجب أن يمتد إلى علاقة المثقفين أنفسهم بالسلطة، وبالمكانة، وبالاعتراف الاجتماعي . إن السلطة، أي سلطة، لا تستطيع أن تنتج الثقافة مباشرة . فهي تتقن الإدارة أكثر مما تتقن الخلق، وتعرف كيف تنظّم المؤسسات أكثر مما تعرف كيف تبتكر الجمال . ولذلك فإنها تحتاج إلى من يقوم بهذه المهمة نيابة عنها، لا بالمعنى الدعائي المباشر، وإنما عبر بناء تصور معين لما ينبغي أن يكون عليه المثقف، وما هي الحدود المقبولة لدوره داخل المجتمع . وهكذا أخذ يتشكل، عبر عقود، نموذج يمكن وصفه بالمثقف المؤسسي؛ وهو مثقف لا يقاس حضوره بما يفتحه من آفاق معرفية، بقدر ما يقاس بقدرته على الحركة داخل أجهزة الاعتراف الرسمية . يصبح حضوره في اللجان، والهيئات، والمهرجانات، والمناسبات، جزءا من رأسماله الرمزي، إلى الحد الذي قد تتراجع فيه قيمة النص نفسه أمام قيمة الموقع الذي يشغله صاحبه . ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة الأشخاص، لأن الأشخاص يتغيرون، بينما تبقى البنية قائمة. فما إن يغادر جيل حتى يحل محله جيل آخر يتعلم القواعد نفسها، ويكتشف سريعا أن التقدم داخل الحقل الثقافي لا يعتمد دائما على جودة العمل، بل على فهم خرائط النفوذ، وشبكات العلاقات، وآليات التزكية المتبادلة . وبهذا تتحول الثقافة، من حيث لا تشعر، إلى فضاء يعيد إنتاج التراتبية الاجتماعية بدل أن يفككها . ولعل أخطر نتائج هذه البنية أنها تنتج نوعا من الانتقاء الصامت . فالأعمال التي لا تنسجم مع المزاج السائد لا تمنع بالضرورة، لكنها تجد نفسها خارج دوائر التداول . وقد يظل صاحبها يكتب سنوات طويلة دون أن يصل صوته إلى المجال العمومي، بينما تتكرر الأسماء ذاتها في المنابر والملتقيات واللجان . عندئذ لا يعود الاحتكار سياسيا فقط، بل يصبح احتكارا للرؤية، ولحق الظهور، ولإمكانية التأثير . ومن المفارقات أن هذه الآلية قد تستمر حتى عندما تتغير الأنظمة السياسية . فالسلطة قد تتبدل، لكن شبكات الشرعية الثقافية تبقى قادرة على التكيف مع كل مرحلة . إنها لا تدافع دائما عن برنامج سياسي بعينه، بقدر ما تدافع عن استمرار موقعها داخل الحقل الثقافي . ولهذا فإن بعض النخب لا تعيش على ثبات الأفكار بقدر ما تعيش على ثبات المواقع . كما أن المركزية الثقافية لم تنتج فقط تفاوتا بين العاصمة والجهات، بل أسهمت أيضا في تركيز سلطة التأويل في أيد قليلة . فعدد محدود من المؤسسات، والجامعات، ودور النشر، والمنابر الإعلامية، أصبح يمتلك قدرة استثنائية على تحديد من يستحق صفة "المبدع"، ومن يترك خارج دائرة الاعتراف . وهكذا يصبح الاعتراف نفسه موردا نادرا، يخضع للتوزيع أكثر مما يخضع للاستحقاق . ومن هنا تتولد ظاهرة أخرى قلما يلتفت إليها : انتقال بعض المثقفين من وظيفة إنتاج الأفكار إلى وظيفة حراسة المجال الثقافي . فهم لا يناقشون النصوص بقدر ما يراقبون حدود الانتماء إليها، ولا يفتحون المجال أمام التجارب الجديدة بقدر ما يحددون شروط دخولها . وفي هذه اللحظة، يتحول النقد من ممارسة معرفية إلى أداة فرز، ويتحول الذوق إلى سلطة، وتغدو المؤسسة الثقافية أقرب إلى جهاز يمنح صكوك الشرعية . إن النقد اليساري، في جوهره، لا يهدف إلى استبدال نخبة بأخرى، بل إلى مساءلة الشروط التي تسمح لأي نخبة بأن تحتكر تعريف الثقافة . فالمشكلة ليست في وجود المؤسسات، بل في انغلاقها على نفسها، وفي تحولها إلى فضاءات لإعادة إنتاج الامتيازات الرمزية . الثقافة لا تفقد حيويتها لأنها تختلف، وإنما لأنها تتوقف عن استقبال الاختلاف . ولهذا، فإن الديمقراطية الثقافية لا تختزل في حرية التعبير وحدها، بل تشمل أيضا عدالة الوصول إلى النشر، وإلى المنابر، وإلى التمويل، وإلى التعليم الفني، وإلى وسائل التأثير . فالحق في الكلام لا يكتمل إذا ظل بعض الأصوات يملك مكبرات الصوت، بينما لا يملك آخرون سوى همسهم . وعندما تفتح الثقافة أمام المجتمع كله، لا تعود الدولة هي المنتج الوحيد للشرعية، ولا النخب هي الحارس الوحيد للذائقة، ولا السوق هو الحكم الأخير على القيمة . عندها فقط يمكن أن تستعيد الثقافة وظيفتها التاريخية : أن تكون فضاء يتواجه فيه المختلفون على قدم المساواة، لا سلّما جديدا لإعادة توزيع الامتيازات القديمة.
غير أن الاكتفاء بتفسير أزمة الثقافة من خلال علاقتها بالدولة يظل تفسيرا ناقصا . فالدولة ليست الفاعل الوحيد داخل الحقل الثقافي، بل تتقاطع معها قوى أخرى لا تقل تأثيرا، وفي مقدمتها رأس المال . وإذا كانت السلطة السياسية تسعى إلى إدارة المجال الرمزي حفاظا على الاستقرار، فإن السوق يسعى إلى إعادة تشكيله وفق منطق الربح والطلب وقابلية الاستهلاك . وبين هذين القطبين، يجد العمل الثقافي نفسه أمام ضغط مزدوج : أن يكون مقبولا سياسيا، وأن يكون قابلا للتسويق اقتصاديا . بهذا المعنى، لم تعد الهيمنة تمارس فقط من خلال المنع أو الاحتواء، بل أيضا من خلال آليات الانتقاء الاقتصادي . فالمشروع الثقافي الذي لا يعِد بعائد سريع يصبح أكثر هشاشة، بينما تمنح الأولوية لما ينسجم مع إيقاع السوق، ويجذب الرعاة، ويضمن الحضور الإعلامي . شيئا فشيئا، تتغير معايير النجاح : لا يعود السؤال عن القيمة الفكرية أو الجمالية للعمل، بل عن قدرته على التحول إلى حدث، أو إلى مادة قابلة للتداول والاستهلاك . وهنا يبرز تحول عميق في موقع المثقف نفسه . ففي الماضي، كان خطره الأكبر أن يقصى من المؤسسة الرسمية، أما اليوم فقد يواجه خطرا مختلفا : أن يعاد تشكيل خطابه ليتلاءم مع شروط السوق الثقافية . في الحالتين، تصبح حرية الإبداع رهينة لمنطق خارجي؛ مرة باسم المصلحة العامة كما تعرفها السلطة، ومرة باسم الجدوى الاقتصادية كما يعرّفها المستثمر أو الممول أو المنصة الإعلامية . إن هذا التداخل بين السلطة ورأس المال لا يعني بالضرورة وجود اتفاق معلن بينهما، بل يكشف عن تقاطع في النتائج . فكلاهما يميل إلى تفضيل الثقافة التي لا تربك كثيرا، والتي يمكن إدارتها، أو تسويقها، أو احتواؤها داخل صيغ مألوفة . أما الأعمال التي تزعزع التصورات المستقرة، أو تطرح أسئلة تمس البنية الاجتماعية نفسها، فإنها تجد طريقها أكثر وعورة، لأنها لا تعد بعائد سياسي سريع، ولا بعائد اقتصادي مضمون . ومن هنا، فإن اختزال الثقافة في الصناعات الثقافية، على أهميتها الاقتصادية، يحمل خطرا آخر . فعندما يقاس الفن بمعايير الإنتاجية وحدها، ويتحدد مصير الكتاب بعدد النسخ المباعة، أو المسرحية بعدد التذاكر، أو الفيلم بحجم الإيرادات، تتراجع الوظيفة النقدية للإبداع أمام وظيفته التجارية . لا لأن السوق شر في ذاته، بل لأن منطقه يختلف عن منطق الثقافة . السوق يبحث عن التكرار القابل للبيع، بينما يبحث الإبداع عن المغامرة التي لا يمكن ضمان نتائجها مسبقا . ولذلك، فإن الدفاع عن استقلال الثقافة لا يقتضي فقط حمايتها من التدخل السياسي، بل أيضا من الخضوع الكامل لمنطق السلعة . فالكتاب ليس مجرد منتج، والقصيدة ليست خدمة، والمسرح ليس عرضا استهلاكيا فحسب . إنها جميعا أشكال لإنتاج الوعي، أي لإنتاج الإنسان نفسه . وعندما يتحول الوعي إلى سلعة، يصبح من السهل أن يعاد تشكيله وفق ما يخدم التوازنات السائدة . ومن منظور يساري، لا يكفي الحديث عن "حرية الثقافة" بصيغة مجردة، لأن الحرية التي لا تستند إلى شروط مادية تظل امتيازا أكثر منها حقا . فالفنان الذي لا يجد وقتا للإبداع بسبب هشاشة عيشه، والكاتب الذي يعجز عن النشر لغياب الإمكانات، والباحث الذي يكرس جهده للبقاء بدل البحث، يعيشون جميعا حدودا غير مرئية للحرية . إن العدالة الثقافية تبدأ من العدالة الاجتماعية، لأن القدرة على الإبداع ليست منفصلة عن شروط الحياة التي تسمح به . لهذا، فإن المشروع الثقافي التحرري لا يمكن أن يبنى على ثنائية الدولة أو السوق، بل على توسيع المجال العمومي ذاته . أي على بناء مؤسسات مستقلة، وشفافة، وخاضعة للمساءلة، تضمن الحق في الاختلاف، وتكسر احتكار الاعتراف، وتوزع الموارد على أساس الكفاءة والتنوع، لا على أساس الولاء أو النفوذ أو القدرة الشرائية . فالمجتمع الذي يحتكر فيه المال إمكانات التعبير، كما تحتكر فيه السلطة إمكانات القرار، يظل عاجزا عن إنتاج ثقافة حرة بالمعنى العميق للكلمة . إن الثقافة ليست قطاعا يزيّن الدولة، ولا نشاطا يجمّل السوق. إنها المجال الذي يختبر فيه المجتمع قدرته على نقد نفسه، وعلى مراجعة مسلّماته، وعلى تخيل ما لم يوجد بعد . وكلما ضاقت المسافة بين الثقافة والسلطة، أو بين الثقافة والسلعة، تقلصت قدرتها على أداء هذه الوظيفة . لهذا، فإن مستقبل الثقافة في تونس لا يتوقف فقط على تغيير القوانين أو زيادة الميزانيات، بل على إعادة تعريف موقع الثقافة داخل المشروع المجتمعي نفسه . فإما أن تعامل بوصفها حقا جماعيا في إنتاج المعنى، وفي مساءلة القوة، وفي توسيع أفق الحرية، وإما أن تظل تدور بين وصايتين : وصاية الإدارة، ووصاية السوق . وفي كلتا الحالتين، لا تكون الخسارة من نصيب المثقف وحده، بل من نصيب المجتمع بأسره، لأن المجتمع الذي يفقد استقلال مخيلته، يفقد تدريجيا قدرته على صناعة تاريخه، ويكتفي بالاستهلاك الصامت لتاريخ يصنعه الآخرون .
ثمة مفارقة تكاد تختصر المسار الثقافي لتونس الحديثة : فقد انتهى الاحتلال العسكري، لكن سؤال الاستقلال الثقافي بقي مفتوحا. فالسيادة ليست حدثا ينجز مرة واحدة، وإنما سيرورة طويلة تتعلق أيضا بمن يمتلك حق تعريف الجمال، ومن ينتج المعرفة، ومن يحدد المعايير التي يقاس بها الإبداع . لقد ورثت الدولة الوطنية جهازا إداريا، ومنظومة تعليمية، وتراتبا اجتماعيا، ومؤسسات ثقافية، لم تكن محايدة من الناحية التاريخية . فقد صيغت أجزاء واسعة منها داخل سياق استعماري كان هدفه، في نهاية المطاف، إدماج البلاد في منظومة إمبراطورية، لا تمكينها من إنتاج مرجعيتها الخاصة . وبعد "الاستقلال" ، جرى تغيير السيادة السياسية، لكن البنية العميقة لإنتاج الشرعية الثقافية لم تعرف القطيعة نفسها . ولذلك لم يكن الصراع الحقيقي بين "الأصالة" و"الحداثة" كما صوّر في كثير من الأحيان، بل كان بين القدرة على إنتاج حداثة تنبع من المجتمع نفسه، وبين الاكتفاء باستهلاك نماذج جاهزة، سواء جاءت من المركز الاستعماري القديم أو من مراكز الهيمنة الجديدة . إن الثقافة التي تكتفي بالاستيراد، مهما بلغ رقيها التقني، تظل عاجزة عن بناء أفقها التاريخي الخاص، لأنها تتحرك داخل أسئلة صاغها غيرها، وتبحث عن إجابات داخل خرائط لم ترسمها هي . وهنا تكمن إحدى أعقد أزمات النخبة الثقافية في تونس. فقد وجدت نفسها، في كثير من الأحيان، موزعة بين مرجعيات كبرى أنتجتها تجارب تاريخية مختلفة، بينما بقي الاحتكاك المباشر بالتحولات الاجتماعية المحلية أقل حضورًا مما ينبغي . لم يكن النقص في الاطلاع، بل في تحويل المعرفة المستوردة إلى أدوات لقراءة الواقع التونسي نفسه . فالفكرة لا تصبح قوة تاريخية لأنها لامعة، وإنما لأنها تنجح في تفسير الواقع الذي تتحرك داخله، وتغييره. إن الاستقلال الثقافي لا يعني الانغلاق، كما لا يعني إعلان القطيعة مع الفكر الإنساني . فالثقافات التي تنغلق تموت ببطء، والثقافات التي تذوب تفقد شخصيتها . التحدي الحقيقي هو بناء علاقة ندية مع العالم؛ علاقة تقوم على الأخذ والعطاء، وعلى الحوار لا التلقي، وعلى إنتاج المفاهيم لا استهلاكها فقط . ومن هنا، فإن السؤال الثقافي في تونس لا ينفصل عن سؤال الديمقراطية، ولا عن سؤال العدالة الاجتماعية، ولا عن سؤال السيادة الوطنية . فالمجتمع الذي يعتمد اقتصاديا على الخارج، ويستورد تقنياته، ويستهلك سرديات غيره، يجد صعوبة في امتلاك استقلاله الرمزي . ليست القضية أن يرفض العالم، بل أن يدخل إليه بوصفه منتجا للمعرفة، لا مجرد سوق لها . ولعل هذا ما يجعل الثقافة أكثر من شأن يخص الفنانين أو الكتاب أو الجامعات . إنها المجال الذي يقرر فيه المجتمع كيف يرى نفسه، وكيف يروي تاريخه، وكيف يتخيل مستقبله . فإذا ترك هذا المجال أسيرا للسلطة، تحولت الذاكرة إلى خطاب رسمي . وإذا ترك أسيرا للسوق، تحولت المخيلة إلى سلعة . وإذا بقي تابعا لمراكز إنتاج المعرفة خارج حدوده، تحول إلى مستهلك دائم للمعنى الذي ينتجه الآخرون . لهذا، فإن المهمة التاريخية للثقافة ليست تزيين الواقع ولا مواساة المجتمع، وإنما توسيع أفقه التاريخي . إنها ليست جهازا لتبرير الموجود، بل طاقة دائمة لزعزعة ما يبدو نهائيا . وكل لحظة تعلن فيها الثقافة أن التاريخ قد اكتمل، وأن الأسئلة الكبرى أُغلقت، وأن المستقبل أصبح نسخة مكررة من الحاضر، تكون قد تخلت عن رسالتها الأساسية . إن تونس لا تحتاج إلى ثقافة تمجّد الدولة، ولا إلى ثقافة تمجّد السوق، ولا إلى ثقافة تعيش على استحضار أمجاد الماضي أو استعارة يقينيات الآخرين . إنها تحتاج إلى ثقافة تمتلك شجاعة النقد، وأخلاق الشك، وقدرة الخيال . ثقافة تعيد وصل المعرفة بالحياة، والفكر بالناس، والجمال بالحرية، وتعيد للمثقف مكانته بوصفه ضميرا يقظا لا موظفا لدى السلطة، ولا خبيرا في خدمة السوق، ولا مترجما دائما لأفكار تنتج في أماكن أخرى . وعندما تبلغ الثقافة هذه الدرجة من الاستقلال، يصبح الاستقلال السياسي أكثر رسوخا، لأن السيادة الحقيقية لا تبدأ عند الحدود الجغرافية، بل تبدأ في اللحظة التي يملك فيها مجتمع ما حقّ التفكير بنفسه، وحقّ الاختلاف مع نفسه، وحقّ تخيل مستقبله بلغته، وبأسئلته، وبإرادته الحرة . و قد يبدو، للوهلة الأولى، أن الثقافة في تونس عرفت مسارا تصاعديا منذ "الاستقلال" . فقد تأسست وزارة للثقافة، وانتشرت دور الثقافة في المدن والقرى، وأُطلقت المهرجانات، وظهرت مؤسسات للنشر، وتوسعت الحركة المسرحية والسينمائية، كما شهدت الجامعة نموا ملحوظا في تدريس العلوم الإنسانية والفنون . غير أن قراءة هذه الوقائع بوصفها مؤشرات تقدم، دون مساءلة طبيعة السلطة التي نظمتها، تظل قراءة ناقصة . فالسلطة لا تقاس بما تنشئه فقط، بل أيضا بالطريقة التي توزع بها إمكانات الفعل داخل ما تنشئه . لقد كانت دور الثقافة، في كثير من الأحيان، تعبيرا عن إرادة الدولة في الوصول إلى المجال المحلي، أكثر من كونها تعبيرا عن قدرة المجتمع المحلي على إنتاج ثقافته بنفسه . كانت المبادرة تنطلق من المركز إلى الأطراف، لا من الأطراف إلى المركز. وهكذا تأسس تصور ضمني يرى المجتمع متلقيا للثقافة أكثر منه منتجا لها . ومن هذه الزاوية، لم يكن انتشار المؤسسات الثقافية مرادفا بالضرورة لاتساع الديمقراطية الثقافية . فالمؤسسة قد تكون مفتوحة فيزيائيا، لكنها مغلقة رمزيا إذا بقيت أسيرة تصور واحد للثقافة، أو إذا حددت برامجها وفق أولويات الإدارة أكثر مما تحددها حاجات الناس . إن المبنى لا يصنع المجال العمومي؛ الذي يصنعه هو حق المجتمع في إدارة فضائه الثقافي، وفي مساءلة من يديره . وينطبق الأمر نفسه على المهرجانات التي أصبحت، منذ سبعينيات القرن الماضي، أحد أبرز وجوه السياسة الثقافية . فقد لعبت دورا مهما في تعريف الجمهور بأعمال مسرحية وموسيقية وسينمائية ذات قيمة، لكنها تحولت تدريجيا، في حالات عديدة، إلى مناسبات موسمية تنتهي بانتهاء البرنامج . لم تتشكل حولها حركة ثقافية دائمة، بل بقيت مرتبطة بالإيقاع الإداري والميزانيات السنوية . وهكذا أصبح الحدث أهم من التراكم، وأصبحت الصورة الإعلامية أكثر حضورا من بناء المؤسسات القادرة على إنتاج المعرفة باستمرار . أما الجامعة، فقد كانت تحمل وعدا مختلفا . إذ بدا أن توسعها سيفتح المجال أمام إنتاج معرفة نقدية مستقلة . غير أن الجامعة نفسها دخلت، مع الزمن، في شبكة من القيود البيروقراطية، ومنطق الترقيات، وضغط الإدارة، ثم لاحقا ضغط التمويلات والتصنيفات الدولية . وبذلك أخذ البحث العلمي، في كثير من الأحيان، يتجه نحو تلبية مؤشرات القياس أكثر من انشغاله بإنتاج معرفة تمس الأسئلة الكبرى للمجتمع التونسي . وفي المقابل، ظل الإعلام الثقافي يعاني من مفارقة لا تقل دلالة . فكلما اتسعت وسائل الاتصال، تقلص الحيز المخصص للنقاش الفكري العميق . حلّ الخبر محل النقد، والمقابلة السريعة محل الحوار، والتغطية محل القراءة . ولم يعد المثقف يستدعى بوصفه منتجا للأسئلة، بل بوصفه معلقا على الأحداث أو ضيفا في مناسبة . ومع الوقت، تغيرت صورة المثقف في الوعي العام؛ من شخصية تثير النقاش إلى شخصية تستدعى لإكمال المشهد الإعلامي . ولم يكن اتحاد الكتّاب، شأنه شأن كثير من الهياكل الثقافية، بمنأى عن هذا التوتر . فالمسألة لم تكن مرتبطة بالأشخاص الذين تداولوا على إدارته، بل بالسؤال الأعمق : هل يمكن لمؤسسة ثقافية أن تحافظ على استقلالها الكامل عندما تكون محاطة بمنظومة سياسية واقتصادية تحدد شروط اشتغالها ؟ إن هذا السؤال لا يخص اتحادا بعينه، بل يخص جميع الأجسام الوسيطة التي تتحرك بين المجتمع والدولة . وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من هذا التاريخ الطويل، فهو أن الثقافة لا تختزل في المؤسسات، كما لا تختزل في النوايا الحسنة . إنها تتحدد، قبل كل شيء، بطريقة توزيع السلطة داخل المجال الثقافي نفسه . فمن يقرر ؟ ومن يمول ؟ ومن يمنح الاعتراف ؟ ومن يملك حق تعريف ما يستحق أن يبقى في الذاكرة الجماعية ؟ تلك هي الأسئلة التي تكشف البنية العميقة لأي سياسة ثقافية، مهما اختلفت الشعارات التي ترفعها . لهذا، فإن تقييم التجربة الثقافية في تونس لا ينبغي أن ينتهي إلى الإدانة الشاملة، ولا إلى التمجيد الشامل . فقد حققت الدولة الوطنية مكاسب لا يمكن إنكارها في نشر التعليم، وتوسيع البنية الثقافية، وإتاحة الوصول إلى الفنون لشرائح أوسع . لكن هذه المكاسب نفسها بقيت محكومة بمنطق مركزي جعل المجتمع شريكا محدود التأثير في صياغة سياساته الثقافية . ومن هنا تنبع المفارقة التي لا تزال ترافق الثقافة التونسية إلى اليوم : وفرة في المؤسسات، يقابلها نقص في الاستقلال؛ وغنى في الطاقات الإبداعية، يقابله ضعف في الشروط التي تسمح لها بأن تتحول إلى قوة اجتماعية قادرة على إعادة تشكيل المجال العام .
و إذا كان ثمة استنتاج يمكن استخلاصه من هذا المقال، فهو أن الثقافة في تونس لم تكن، منذ الاستقلال، هامشا يدور خارج التاريخ السياسي، بل كانت أحد ميادينه الأكثر حساسية . لم تكن مجرد انعكاس لتحولات الدولة، وإنما كانت، في الوقت نفسه، إحدى الأدوات التي حاولت الدولة من خلالها إعادة صياغة المجتمع، كما كانت إحدى المساحات التي قاومت داخلها قوى اجتماعية وفكرية مختلفة كل محاولة لاختزال الإنسان في وظيفة، أو المواطن في طاعة، أو الإبداع في خطاب رسمي . غير أن اختزال المسألة في ثنائية السلطة والمثقف يظل تبسيطا لا يفي بتعقيد الواقع . فالهيمنة ليست شخصا يجلس في قمة الهرم، ولا مؤسسة بعينها، ولا حكومة تتغير بتغير الانتخابات أو الأنظمة . إنها شبكة من العلاقات، ومن العادات، ومن التصورات، ومن المصالح، ومن أشكال الاعتراف، تتسلل إلى المدرسة، والجامعة، والإعلام، والسوق، والأسرة، وحتى إلى اللغة التي نصف بها أنفسنا . ولهذا فإن تحرير الثقافة لا يبدأ عندما تتراجع قبضة السلطة السياسية فقط، بل عندما يصبح المجتمع قادرا على مساءلة كل سلطة تنتج المعنى باسمه، أكانت سلطة الدولة، أم السوق، أم النخبة، أم الذاكرة الجامدة . لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات لا تقاس بما تملكه من مبان ثقافية، ولا بعدد الكتب التي تنشرها، ولا بعدد المهرجانات التي تنظمها . فهذه كلها، على أهميتها، تظل أدوات. أما السؤال الحقيقي فهو : هل استطاعت تلك الأدوات أن توسع قدرة الناس على التفكير المستقل ؟ هل جعلت الثقافة أقل امتيازا وأكثر حقا ؟ هل منحت الفئات المهمشة القدرة على أن تروي العالم بلغتها، لا بلغة الآخرين ؟ وهل فتحت المجال أمام اختلاف حقيقي، أم اكتفت بإدارة اختلاف مضبوط لا يهدد البنية القائمة ؟ إن الثقافة التي لا تزعج الامتيازات الراسخة، ولا تكشف ما تخفيه اللغة الرسمية، ولا تمنح الهامش حقه في الكلام، تتحول، مهما بلغت درجة أناقتها، إلى جزء من آلية إعادة إنتاج الواقع . ليست المشكلة أنها تميل إلى السلطة، بل أنها تفقد قدرتها على تخيل ما يقع خارج أفقها . وعندما تفقد الثقافة هذه القدرة، لا تعود عاجزة عن تغيير العالم فحسب، بل تصبح عاجزة حتى عن وصفه كما هو . ولذلك، فإن الرهان الذي يواجه تونس اليوم لا يقتصر على حماية حرية التعبير، رغم مركزية هذا المطلب، ولا على إصلاح المؤسسات الثقافية، رغم ضرورته . الرهان الأعمق هو إعادة توزيع القدرة على إنتاج المعنى داخل المجتمع . أي أن يصبح الحق في الإبداع، والنقد، والبحث، والتأويل، حقا اجتماعيا لا امتيازا نخبويا، وأن تتحول الثقافة من فضاء تدار فيه الشرعية إلى فضاء يعاد فيه باستمرار اختبار كل شرعية . إن المشروع الثقافي التحرري لا يبدأ من السؤال : كيف نخدم الدولة ؟ ولا من السؤال : كيف نخدم السوق ؟ بل من سؤال أكثر جوهرية : كيف نجعل الإنسان أقل خضوعا لكل ما يدّعي أنه نهائي ؟ فالثقافة لا تكون حرة لأنها تعارض السلطة بالضرورة، بل لأنها تحتفظ دائما بمسافة نقدية من كل يقين، وبقدرة دائمة على إعادة تسمية العالم خارج القواميس الجاهزة . ومن هنا، فإن مستقبل الثقافة في تونس لن يتحدد فقط بما تقرره الوزارات، ولا بما تستثمره المؤسسات، ولا بما تتيحه التكنولوجيا، بل بما إذا كان المجتمع نفسه سيستعيد ثقته في أن إنتاج المعرفة والجمال ليس شأنا يخص النخب وحدها، وإنما هو ممارسة يومية للحرية . فحين يصبح التفكير فعلا جماعيا، ويتحول السؤال إلى قيمة عامة، ويتوقف الناس عن انتظار الحقيقة من فوق، تبدأ الثقافة في أداء وظيفتها التاريخية : لا بوصفها ذاكرة للماضي، بل بوصفها مختبرا دائما للمستقبل . ولعل هذا هو المعنى الأعمق للاستقلال الذي لم يكتمل بعد . فاستقلال الأوطان لا يترسخ فقط بتحرير الحدود، بل بتحرير المخيلة من كل وصاية؛ من الوصاية السياسية حين تجعل الفكر تابعا، ومن الوصاية الاقتصادية حين تجعل القيمة سلعة، ومن الوصاية الرمزية حين تجعل الإنسان يرى نفسه بعين غيره . وعندما تتحرر المخيلة، لا تصبح الثقافة قطاعا من قطاعات الدولة، بل تصبح الشرط الذي يجعل الدولة نفسها قابلة للنقد، والمجتمع قابلا للتجدد، والتاريخ قابلا لأن يكتب مرة أخرى، بأقلام الذين كانوا طويلا موضوعا للسرد، لا كتّابه .
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين تعجز الحضارة عن اختراع العقوبة: بيان يساريّ في نقد السجن
...
-
حين تتصافح المصالح
-
رسالة من غير منتمي “للوطد”: في أزمة اليسار التونسي بين التشر
...
-
اليسار أمام مرآة القرن الحادي والعشرين: أزمة النظرية أم أزمة
...
-
التسوّل في زمن الرأسمالية المعولمة: سوسيولوجيا البؤس وصناعة
...
-
من الديكولونيالية إلى اليسار العربي: في نقد النزعة الهوياتية
...
-
تونس بين خراب المعنى ونداء العقل: من المعتزلة إلى اليسار الت
...
-
حِينَ يَنْهَضُ الْهَامِشُ لِيَكْتُبَ مَرْكَزَهُ بِالْمَاءِ و
...
-
بار النّخيل / طبرنة - الجامعة العربية -
-
بوليفيا : حين يزحف الهامش لإسقاط جغرافيا النهب.
-
حين تغترب الأرض: تشريح التبعية الزراعية وصراع السيادة على ال
...
-
السلطة وإعادة الإنتاج.
-
هل يولد عدل من قلب هذا الاختلال؟
-
حين تعيد الحروب رسم العالم… من دم الهيمنة إلى أفق التحرر.
-
الديون والقرار: كيف تقيد المديونية السيادة الوطنية.
-
من الدولة إلى الجهاز: كيف تختطف المؤسسات وتخنق السياسة.
-
حين تتحول الكتب إلى حدود بين الناس.
-
أمن الملاحة أم أمن الإمبريالية؟
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
المزيد.....
-
ترامب والناتو.. فرص حل نزاع أوكرانيا
-
ماكرون يصل دمشق في أول زيارة لرئيس دولة غربية كبرى منذ سقوط
...
-
ماكرون من سوريا: وصلت لتأكيد التزام فرنسا بدعم سوريا موحدة
-
الدفاعات الجوية الروسية تدمر 116 مسيرة أوكرانية خلال 12 ساعة
...
-
?ريابكوف: روسيا ستواصل الحوار مع الولايات المتحدة بشأن أوكرا
...
-
في زيارة تاريخية.. ماكرون يُعلن من دمشق فتح -صفحة جديدة من ا
...
-
-إما الاتفاق أو سنكمل المهمة-.. ترامب: لا نسعى لإسقاط النظام
...
-
فيينا: حكم بالسجن 8 سنوات على ضابطين سابقين في نظام الأسد
-
مـاكـرون فـي دمـشـق: صـفـحـة بـعـنـاويـن جـديـدة؟
-
الناتو يسوّق تسلحه في أنقرة لطمأنة ترمب
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|