|
|
المؤسسات الإسلامية في أوروبا بين الاندماج والتأثير الخارجي: من يشكّل الخطاب الديني؟
رزكار عقراوي
سياسي واعلامي يساري
(Rezgar Akrawi)
الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 22:36
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
المؤسسات الإسلامية في أوروبا بين الاندماج والتأثير الخارجي: من يشكّل الخطاب الديني؟ بين موكب عاشوراء في كوبنهاجن وشبكات التمويل الخارج
يوم الجمعة السادس والعشرين من يونيو 2025، شهدت شوارع ضاحية نوربرو في كوبنهاجن موكبا عاشورائيا ضخما⁽¹⁾ إحياء لذكرى استشهاد الامام الحسين⁽²⁾، اشترك فيه ما يقارب ثمانية عشر الف شخص. اللافت في هذا الموكب ان المنظمين اشترطوا فصلا كاملا بين النساء والرجال⁽³⁾، إذ يسير الرجال والاطفال وذوو الاحتياجات الخاصة في المقدمة، تليهم النساء في صف منفصل. تمثل هذه الممارسة، من منظور قيم المساواة السائدة في اوروبا الغربية، شكلا من اشكال الفصل بين الجنسين في الفضاء العام. وهي ممارسة تذكر بانماط مماثلة معروفة في انظمة تتعامل مع المراة بصورة دونية وتضع قيودا صارمة على حضورها في الفضاء العام وحقوقها المدنية، كـالنظام الايراني⁽⁴⁾ الذي يفرض على المراة قواعد لباس إلزامية ويحد من حقها في التنقل والعمل والمشاركة العامة، والنظام السعودي⁽⁵⁾ الذي لا يزال يكرّس نظام الولاية الذكورية بصور متعددة رغم الاصلاحات الجزئية المعلنة، فضلا عن مناطق تحت سيطرة حركات دينية متشددة تعامل المراة باعتبارها قاصرا دائما، كـحركة طالبان في افغانستان⁽⁶⁾ التي حرمتها من التعليم والعمل والخروج دون محرم، وجماعة الحوثيين في اليمن⁽⁷⁾ التي تفرض عليها قيودا مختلفة.
والأهم أن مثل هذه الممارسات في الفضاء الأوروبي تطرح تساؤلات جدية حول مسار بناء مجتمعات موازية تعمل خارج المرجعية القانونية والقيمية المشتركة للدول المستضيفة. وقد أثارت هذه الواقعة ردود فعل واسعة في الدنمارك. أحزاب اليمين ربطتها بما تسميه "القيم الوطنية"، وهو نقاش يتكرر في عواصم أوروبية عديدة كلما ظهرت قضية مماثلة، في بلجيكا وفرنسا وألمانيا والسويد على حدٍّ سواء. غير أن هذا اليمين لا يكتفي بنقد ممارسة بعينها. كثيراً ما يستغل هذه المناسبات للدعوة إلى تشريعات تتجاوز حدود المساواة المطلوبة وتصطدم بمواثيق حقوق الإنسان الدولية، كتقييد حرية العبادة بمجملها، أو فرض قيود تمييزية على الهجرة واللجوء استناداً إلى الدين أو الأصل. هذه المطالب تنتهك حرية المعتقد وحق اللجوء كما تكفلهما الاتفاقيات الدولية، ولا تفرّق بين معالجة ممارسة تمييزية محددة ومعاقبة جماعة دينية بأكملها. غير أن القضية هنا ليست اتفاقاً مع اليمين ولا استعارةً لخطابه، إنما هي مسألة مبدأ مستقلة تماماً. فالفصل بين الجنسين في فضاء عام بدولة أوروبية ديمقراطية حققت فيها النساء درجة متقدمة من المساواة، يتناقض مع قيم اليسار والحركات النسوية ومواثيق حقوق الإنسان ومع مبدأ المساواة الكاملة بين المرأة والرجل، وهي مساواة انتزعتها الحركات اليسارية والتقدمية والنسوية في أوروبا على مدى أجيال من النضال. ولتوضيح المعادلة: لو أن تياراً يمينياً نظّم مظاهرة وفصل فيها البيض عن السود والملوّنين، أليس ذلك تمييزاً عنصرياً صريحاً يستوجب الإدانة؟ المنطق نفسه ينطبق على الفصل القائم على النوع الاجتماعي في الفضاء العام. حرية التعبير وممارسة الشعائر الدينية مصونة، لكنها تصطدم بحدودها حين تتحول إلى تمييز علني منظم في الشوارع. والمفارقة ان مثل هذه الممارسات تخدم في النهاية المشروع السياسي لليمين العنصري في اوروبا، الذي يستثمرها لتحويل الصراع الاجتماعي من صراع طبقي حول التوزيع العادل للثروة والمساواة والعدالة الاجتماعية الى صراع هوياتي وقيمي بين "الحضارة الاوروبية" و"الاسلام". وهو تاطير يخدم مصالح اليمين اكثر مما يخدم سكان تلك البلدان من كافة الاديان والمعتقدات او شغيلات وشغيلة اليد والفكر عموما، اذ يصرف الانتباه عن القضايا التي يطرحها اليسار والقوى التقدمية ويحوله الى صراع ثقافي يسهل على اليمين توظيفه انتخابيا.
والاخطر ان هذه الممارسات تلقي بظلالها السلبية على كافة الجاليات القادمة من بلدان ذات اغلبية مسلمة، سواء اكانوا متدينين يمارسون شعائرهم بانتظام، ام غير متدينين، ام علمانيين رافضين لهذا التوجه الديني اصلا. اذ يجد ملايين المهاجرين والمهاجرات الذين اندمجوا في مجتمعاتهم الاوروبية وساهموا في بنائها انفسهم مشمولين في حملات التشكيك والاستهداف التي تطال الجميع دون تمييز. وهنا يتجلى ما يمكن وصفه بتحالف موضوعي قائم على امر واقع بين اليمين الديني داخل مجتمعات اللاجئين والمهاجرين من جهة، واليمين العنصري الاوروبي من جهة اخرى، اذ يجد الطرفان في اعاقة الاندماج مصلحة مشتركة: الاول يريد الحفاظ على الهوية الدينية المغلقة والتبعية للمرجعيات الخارجية، والثاني يريد ابقاء المهاجرين خارج المنظومة المدنية لتوظيف حضورهم ورقة انتخابية. والضحية في الحالتين هي تلك الاغلبية الصامتة من المهاجرين الذين يريدون الاندماج والمشاركة والحياة المدنية الكاملة. لكن لا يكفي الوقوف عند هذا الحد. لا بد من الدخول إلى عمق الظاهرة وطرح السؤال الجوهري: من الذي يبني الخطاب والتوجه الديني الإسلامي في أوروبا، والدنمارك هنا نموذج لظاهرة أوسع؟ ومن هذا المنطلق، فإن المطلوب ليس مجرد النقد، إنما تبني سياسات عملية تشمل حظر الفصل بين الجنسين في الفضاء العام، وضمان شفافية التمويل الديني، وتأهيل الأئمة محلياً، وربط أي دعم أو اعتراف رسمي باحترام المساواة والقانون، وهي سياسات يمكن تطبيقها في أي دولة أوروبية وليس في الدنمارك وحدها.
من يشكّل الخطاب الديني الإسلامي في أوروبا؟
في البداية انطلاقاً من موقف يساري، أرى أن الفصل الكامل بين الدين والقومية من جهة، والدولة من جهة أخرى، يمثل شرطاً أساسياً لبناء مجتمع اشتراكي ديمقراطي معاصر، يستند إلى مبدأ المواطنة المتساوية، حيث يكون جميع المواطنين متساوين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الدين أو القومية أو الجنس أو الخلفية الاجتماعية. وهذا المبدأ قد يشكل أساس العقد الاجتماعي في أغلب الديمقراطيات الأوروبية، وإن بتجليات مختلفة. تتبنى عدة دول أوروبية، وفي مقدمتها الدنمارك، نموذجاً يقوم على تحييد الأديان عن الدولة إلى حد كبير، أي جعل الدين شأناً فردياً ومجتمعياً منظماً ضمن إطار مدني وقانوني، دون أن يكون له دور مباشر في صياغة السياسات العامة أو مؤسسات الحكم. ولا تعني هذه العلاقة فصلاً كاملاً بين الدين والدولة، إذ لم تبلغ أي دولة أوروبية هذا الحد حتى اليوم، إنما تعني تنظيم هذه العلاقة وفق أطر مدنية وقانونية واضحة. في هذا السياق، تخضع الكنائس المسيحية التاريخية، سواء اللوثرية في الدول الإسكندنافية أو الكاثوليكية والبروتستانتية في باقي أوروبا، لأطر قانونية رسمية وتنظيم وإشراف مؤسساتي داخل الدولة، بما يضمن انسجامها نسبيا مع القوانين العامة ومنظومة الحقوق المدنية، ويحولها إلى مؤسسات دينية تعمل ضمن المجال العام المدني وليس فوقه. والدنمارك، بكنيستها الوطنية، تمثل في هذا الإطار نموذجاً واضحاً لهذه العلاقة المنظمة بين الدين والدولة. في المقابل، بقي جزء مهم من المؤسسات الدينية الإسلامية في عدة دول أوروبية أقل اندماجاً في هذا الإطار، مع استمرار اعتماد واسع على التمويل والتأثير القادمين من الخارج، وخاصة من دول مثل تركيا[5] وقطر[6] والسعودية[7] وإيران[8]، عبر مؤسسات وهيئات دينية مختلفة حكومية أو شبه حكومية. ولعل أبرز مثال في الدنمارك مسجد الإمام علي في كوبنهاجن[9]، الذي كشفت صحيفة برلينسكه الدنماركية عن وثائق سرية تُثبت تحويل ملايين الكرونات إليه من جهات إيرانية عبر السفارة الإيرانية، فيما أكد باحثون من جامعة كوبنهاجن أن النظام الإيراني يقف وراء بنائه وإدارته، وأن رئيس جمعيته يُعيَّن رسمياً من قِبَل المرشد الأعلى الإيراني. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النمط لا يقتصر على الدنمارك؛ فقد أغلقت ألمانيا مسجد الإمام علي في هامبورغ عام 2024 لارتباطه بالحرس الثوري الإيراني، وتحقق السلطات السويدية في مساجد مرتبطة بشبكات تركية، فيما رصدت فرنسا وبلجيكا تمويلاً سعودياً وقطرياً لعدد من مؤسساتها الدينية. وهذا يجعل درجة "التحييد" غير متساوية بين مختلف الأديان والمؤسسات الدينية من حيث علاقتها بالدول المستضيفة، مما ينتج تفاوتاً في مستوى الاستقلالية والاندماج داخل المجال الديني العام عبر القارة. ولا يعني ذلك أن جميع المؤسسات الإسلامية تتلقى تمويلاً خارجياً. المقصود أن هذه الظاهرة موجودة في عدد من المؤسسات وأثارت نقاشاً سياسياً واسعاً في أكثر من بلد أوروبي، والدنمارك من أبرز الأمثلة عليها. كما تجدر الإشارة إلى أن السياسات الأوروبية نفسها، كقوانين الاندماج وأنظمة التمييز والاستثمار في التعليم المدني والتيارات العنصرية، تؤدي هي الأخرى دوراً في تشكيل الخطاب الديني داخل القارة، وإن بطرق أقل مباشرة. وخلال السنوات الأخيرة، تصاعد النقاش في عدة عواصم أوروبية حول تأثير التمويل الخارجي في تشكيل الخطاب الديني. وفي الدنمارك تحديداً، أقر البرلمان عام 2021 تشريعات تهدف إلى الحد من بعض أشكال التمويل الأجنبي على المؤسسات الدينية[10]، ضمن نقاش أوسع يتعلق بالاندماج والشفافية والتأثير السياسي الخارجي. وسارت فرنسا والنمسا في اتجاهات تشريعية مشابهة. ومع ذلك، فإن التطبيق العملي لهذه التشريعات لا يزال محدوداً في معظم الدول المستقبلة، مما يجعل تأثير شبكات التمويل العابرة للحدود مستمراً بدرجات مختلفة.
أولاً: التمويل الخارجي ليس مسألة محايدة
أي مؤسسة دينية تؤثر في وعي الناس، وتدير موارد مالية، وتشارك في تشكيل الحياة الاجتماعية، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مساحة معزولة عن السياسة والمجتمع. لهذا السبب، فإن مسألة التمويل الخارجي ليست قضية تقنية أو إدارية فقط، إنما قضية ترتبط بطبيعة الخطاب الذي يُنتج داخل المجتمعات الأوروبية، وبالقوى التي تساهم في تشكيله. ساهمت خلال العقود الماضية جهات ومؤسسات مرتبطة بدول خارجية ذات انظمة سلطوية في تمويل عدد من المساجد والمؤسسات الإسلامية داخل القارة الأوروبية، من الدنمارك وألمانيا إلى فرنسا وبلجيكا والمملكة المتحدة وغيرها. بعض هذه الدول يمتلك مشاريع سياسية ودينية واضحة، ويسعى إلى توسيع نفوذه الثقافي والاجتماعي عبر المؤسسات الدينية والجمعيات المرتبطة بها. وفي حالات عديدة، لا يكون التمويل منفصلاً عن التوجيه الفكري والسياسي. هذا الواقع يخلق توتراً داخل الدول الاوربية المستضيفة. فمن جهة، تقوم هذه الدول على أسس مدنية وديمقراطية ومبادئ مساواة واضحة نسبياً. ومن جهة أخرى، يستمر جزء من المؤسسات الدينية الإسلامية في العمل ضمن تأثيرات فكرية وتنظيمية قادمة من دول وبيئات سياسية شمولية ومحافظة مختلفة جذرياً عن هذه القيم. ولا يقتصر هذا التأثير على التمويل المالي، إذ يمتد إلى المرجعيات الدينية وشبكات تأهيل الأئمة والعلاقات التنظيمية العابرة للحدود التي تربط مساجد في الدنمارك بأخرى في ألمانيا أو فرنسا ضمن الشبكة التنظيمية نفسها. المشكلة هنا ليست في التدين، وليست في حق المسلمين في التنظيم الديني، إنما في غياب إطار محلي مستقل يضمن شفافية التمويل واستقلالية المؤسسات الدينية عن التأثيرات السياسية الخارجية. كما أن استمرار هذا الوضع يضع المسلمين أنفسهم في موقع التبعية لمرجعيات خارجية، عوضاً عن تطوير مؤسسات دينية تنطلق من واقعهم داخل مجتمعاتهم الأوروبية. والجدير بالذكر أن داخل هذه المجتمعات مبادرات وشخصيات ومؤسسات تعمل على تطوير خطاب ديني مستقل أكثر انسجاماً مع قيم الديمقراطية والمساواة وتحييد الدين عن الدولة، غير أن حضورها لا يزال محدوداً أمام ثقل المؤسسات التقليدية الممولة خارجياً، مما يجعل دعمها ضرورة وليس خياراً. لهذا السبب، يصبح من الضروري التعامل مع المؤسسات الدينية وفق معايير مدنية موحدة، تقوم على الشفافية والمساءلة واحترام القانون وحقوق الإنسان.
ثانياً: الدنمارك نموذجاً، كيف تعرف الدولة تنظيم الدين؟
التجربة الدنماركية، رغم الطابع الطبقي للدولة وارتباط الكنيسة المسيحية الوطنية تاريخياً بمنظومة السلطة الرأسمالية، تظهر أن الدولة قادرة على تنظيم علاقتها مع المؤسسات الدينية دون المساس بحرية الدين أو استقلال المعتقد، وهي تجربة يمكن أن تشكل مرجعاً لدول أوروبية أخرى تواجه التحدي نفسه. فالكنيسة الدنماركية تخضع لقوانين واضحة، وتمويلها معلن، وعملها يجري ضمن اطار مدني منسجم مع الحقوق الاساسية. كما انها مرت بعملية تطور طويلة، نتيجة الضغط والنضال الجماهيري، جعلتها اكثر انسجاما مع قيم الديمقراطية وحقوق الانسان والمساواة. السؤال الذي يفرض نفسه على المستوى الأوروبي: لماذا لا يتم تطوير إطار مشابه للمؤسسات الإسلامية في دول القارة؟ المقصود ليس السيطرة على الدين، إنما بناء إطار مدني شفاف ينظم عمل المؤسسات الدينية باعتبارها جزءاً من المجال العام. أي مؤسسة تدير أموالاً وتؤثر في حياة الناس يجب أن تخضع للشفافية والمساءلة ومنع التحريض على الكراهية أو التمييز، بصرف النظر عن البلد الذي تعمل فيه. هذه المعايير يجب أن تطبَّق على الجميع دون استثناء، لأن القضية تتعلق بطبيعة المجال العام وليس بدين محدد. وفي هذا السياق تبرز قضية مبدئية لا يمكن تجاوزها: معظم المسلمين في الدول الأوروبية مواطنون كاملو الحقوق يدفعون الضرائب ويسهمون في بناء المجتمع. وبالتالي، فإن الدولة ملزمة بموجب مبدأ المواطنة والمساواة بألا تُقصي مؤسساتهم الدينية من الدعم العام في حال كانت تدعم مؤسسات الأديان الأخرى. فالمعيار ليس الدين، إنما الاستيفاء الكامل لمعايير الشفافية والمساواة والاستقلالية عن أي تمويل سياسي خارجي. مؤسسة إسلامية محلية تستوفي هذه الشروط تستحق الدعم ذاته الذي تحظى به الكنائس الوطنية، لا لأنها إسلامية، إنما لأن مواطنيها يستحقون مؤسسات دينية عصرية راسخة في مجتمعهم ومموّلة من ضرائبهم. ومن هنا، تتحمل الدول الأوروبية، مسؤولية دعم بناء وتمويل مؤسسات دينية إسلامية محلية مستقلة، وتقليص الاعتماد على التمويل الخارجي، وتشجيع مبادرات إصلاحية تنسجم مع قيم المواطنة الديمقراطية والمساواة. هذا ليس منّةً من الدولة، إنما التزام يفرضه مبدأ المساواة بين المواطنين والمواطنات.
ثالثاً: تأهيل الأئمة في أوروبا ضرورة اجتماعية
دور الإمام لا يقتصر على الصلاة أو الوعظ، إذ يمتد إلى قضايا الأسرة وتربية الأطفال وعلاقة الشباب بالمجتمع والنظرة إلى المرأة والتعامل مع المختلف. لذلك فإن تأهيل الأئمة في أي دولة أوروبية قضية اجتماعية وثقافية وسياسية مرتبطة بالاندماج. والواقع أن كثيراً من المؤسسات الإسلامية في القارة الأوروبية، ومنها الدنمارك، تعتمد أئمة قادمين من الخارج أو درسوا في سياقات دينية وسياسية مختلفة جذرياً عن البيئة الأوروبية، مما يجعل مسألة التأهيل المحلي أكثر إلحاحاً. هذا التأهيل يجب أن يقوم على فهم المجتمع المضيف واحترام القانون والدستور المحلي، وعلى أن المرجعية في المجال العام هي القانون، وأن الإيمان شأن فردي. كما يجب أن يرتبط بثقافة حقوق الإنسان والمساواة، حيث تمثل المساواة بين النساء والرجال مبدأً أساسياً غير قابل للتفاوض، وأي خطاب يبرر التمييز يتعارض مع هذه القيم. كذلك يجب تعزيز التعددية ورفض التمييز الديني أو القومي، لأن المجتمعات الأوروبية إلى حد كبير تقوم على التعايش بين خلفيات متعددة. وبهذا يصبح الفرق واضحاً بين إمام مُعدٍّ داخل أوروبا عبر مؤسسات تعليمية معتمدة تنسجم مع قيم المجتمع وقوانينه، وآخر مُعدٍّ في سياقات سياسية ودينية مختلفة. الأول مندمج في الواقع القانوني والثقافي المحلي، والثاني قد ينقل تصورات غير منسجمة مع المجتمع الذي يعيش فيه.
رابعاً: الإصلاح الديني مسار تاريخي أوروبي
الإصلاح الديني ليس استثناءً تاريخياً. التجربة الأوروبية شهدت تحولات عميقة أعادت تشكيل العلاقة بين الدين والدولة[11] في أكثر من بلد، ورسخت تدريجياً قيم المواطنة والمساواة وحقوق الإنسان عبر القارة. وفي السياق الإسلامي[12] أيضاً، ظهرت تيارات إصلاحية ونقدية حاولت إعادة قراءة النص الديني وربطه بواقع العصر[13]، بما في ذلك داخل أوروبا نفسها، لكنها بقيت محدودة بسبب ضعف الدعم في مواجهة قوة المؤسسات التقليدية الممولة خارجياً. المسألة هنا ليست صراعاً مع الدين، في المقابل هي رفض لاحتكار تفسيره. فتح المجال أمام قراءات متعددة ودعم مبادرات إصلاحية في أي بلد أوروبي يساهم في بناء خطاب ديني أكثر انسجاماً مع المجتمع الحديث. وفي المقابل، فإن ترك هذا الملف دون معالجة يعني استمرار تأثير قوى خارجية في تشكيل جزء من الحياة الاجتماعية داخل الدول المستضيفة، واستمرار ضعف استقلال المؤسسات الدينية الإسلامية من الدنمارك إلى فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة. وفي هذا السياق، يبقى فصل الدين عن الدولة مساراً تدريجياً مرتبطاً بتطور كل مجتمع أوروبي وخيارات سكانه. وإلى أن يتحقق ذلك الفصل الكامل، تبقى معايير الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان الإطارَ الضروري الذي ينبغي أن تعمل ضمنه جميع المؤسسات الدينية دون استثناء، مما يستدعي قواعد واضحة تنظم المجال الديني بما ينسجم مع القيم الديمقراطية والمساواة والحقوق المدنية الحديثة.
خامساً: اليسار الأوروبي والإسلام: ضرورة الموقف العلماني
يقف اليسار الأوروبي، ومنه اليسار الدنماركي، أمام إشكالية حقيقية حين يتعلق الأمر بالإسلام السياسي والمؤسسات الدينية ذات التمويل الخارجي. فمن جهة، ينحدر اليسار من تقليد فكري يرفض التمييز ويدافع عن حقوق الأقليات، ومن جهة أخرى تقتضي المبادئ ذاتها موقفاً صريحاً من كل خطاب يكرّس التراتبية بين الجنسين، أو يروّج لمناهج تربوية تتعارض مع قيم المواطنة، أو يتعامل بازدراء مع التنوع الجنسي، أو يدعو إلى عقوبات تتنافى مع حقوق الإنسان، أو يُبقي المجتمعات تحت وصاية مرجعيات خارجية بعيداً عن مبدأ تحييد الدين عن الدولة. هذا التوتر يدفع شريحة من اليسار في أكثر من بلد أوروبي إلى تأجيل الموقف أو الاكتفاء بمقاربة حذرة، خشية أن يُتهم بتبني خطاب اليمين العنصري. غير أن التحفظ المفرط هنا لا يخدم مبادئ المساواة والعلمانية التي قام عليها اليسار الأوروبي تاريخياً. فحين يُنظَّم فصل بين النساء والرجال في شوارع كوبنهاجن، أو في أي مدينة أوروبية أخرى، باسم طقوس دينية، لا يكفي اليسار أن يحيل الأمر إلى حرية الشعائر أو حق التعبير، إذ المسألة أعمق من ذلك: إنها تتعلق بمن يملك أدوات بناء الوعي الديني والاجتماعي داخل مجتمعات المهاجرين عبر القارة. الموقف اليساري المتسق لا يعني اعتناق خطاب اليمين العنصري، وإنما يعني تبني نقد علماني متجذر يرفض التمييز القائم على الجنس والدين والعرق في آنٍ واحد، ويدعم استقلالية المؤسسات الدينية عن تدخل الدول الخارجية، ويطالب بدعم الدول الأوروبية للمؤسسات الدينية الإسلامية وإعادة بنائها وفق قيم مدنية معاصرة، ويقف إلى جانب المسلمين الذين يطالبون داخل مجتمعاتهم بالإصلاح والمساواة. هؤلاء هم الحلفاء الطبيعيون لليسار الأوروبي، لا القوى التي تعيد إنتاج سلطة ذكورية دينية في قلب القارة، سواء في كوبنهاجن أو في أي عاصمة أوروبية أخرى.
سادساً: ماذا يعني هذا عملياً على المستوى الأوروبي؟
اليوم تقف أوروبا أمام خيار واضح، والدنمارك مثال على هذا الخيار: إما الاستمرار في السياسات الحالية وما تنتجه من تناقضات، أو بناء نموذج جديد يقوم على تحييد جميع الأديان عن الدولة وقطع التبعية عن الدول الدينية التي تستخدم المؤسسات الدينية أداةً لتمديد نفوذها السياسي في القارة. وهذا النموذج ليس شعاراً عاماً، إنما حزمة إجراءات محددة يمكن أن تتبناها أي دولة أوروبية. أولها حظر قانوني صريح للفصل بين الجنسين في أي فعالية عامة أو مرخصة، أسوة بمنع الفصل العرقي. فلا مبرر لاستثناء الفصل الجندري بحجة الشعائر الدينية، سواء في كوبنهاجن أو باريس أو برلين. ثانيها، تقييد الدعم الأجنبي وإلزام كل مؤسسة دينية تتلقى تمويلاً أجنبياً، حكومياً أو شبه حكومي، بالإفصاح العلني عن مصدره وحجمه، أسوة بآليات الإفصاح في تمويل الأحزاب. فالشفافية شرط أساسي لثقة المجتمع، لا تضييق على حرية الدين. ثالثها، ربط أي دعم أو ترخيص حكومي بمعايير مدنية واضحة، تشمل القبول الصريح بالمساواة بين الجنسين، ورفض خطاب التمييز، واستقلالية تعيين الأئمة عن أي مرجعية خارجية. رابعها، دعم وتمويل المؤسسات الدينية وفق قاعدة المساواة واستثمار كل دولة أوروبية في معاهد محلية لتأهيل الأئمة، بدل ترك هذا الفراغ لشبكات خارجية، كما فعلت الكثير من الدول ألاوروبية، تاريخياً مع تأهيل رجال الدين المسيحيين. أما اليسار الأوروبي، فلا يكفيه الموقف المبدئي. عليه أن يتبنى هذه المطالب بوضوح في كل بلد، ويفرّق بين الدفاع عن حق المسلمين في ممارسة دينهم والسكوت عن ممارسات تكرّس التمييز وتُبقي مجتمعات تحت وصاية مرجعيات خارجية. فالصمت لا يحمي أحداً، إنما يترك الساحة لليمين العنصري من جهة، وللمؤسسات المحافظة الممولة خارجياً من جهة أخرى، من الدنمارك إلى سائر أنحاء أوروبا.
************************************* المصادر تغطيات صحفية 1. موكب عاشوراء في كوبنهاجن - TV2 Kosmopol https://www.tv2kosmopol.dk/koebenhavn/nu-gar-tusindvis-sorgemarch-pa-norrebro-i-kobenhavn-4ea23 2. الإمام الحسين - ويكيبيديا https://en.wikipedia.org/wiki/Husayn_ibn_Ali 3. الفصل بين الجنسين في الموكب - TV2 Kosmopol https://www.tv2kosmopol.dk/koebenhavn/konsopdelt-optog-gennem-kobenhavn-er-forkasteligt-mener-politiker-b7ead 9. مسجد الإمام علي في كوبنهاجن وصلته بإيران - TV2 Kosmopol https://www.tv2kosmopol.dk/koebenhavn/forbindelse-mellem-koebenhavnsk-moske-og-iran-paavist تقارير حقوقية 4. منظمة العفو الدولية حول قمع النساء في إيران https://www.amnesty.org/en/latest/news/2025/03/iran-authorities-target-womens-rights-activists-with-arbitrary-arrest-flogging-and-death-penalty/ تمويل ديني وتغطيات إعلامية متخصصة 5. التمويل التركي للمساجد في الدنمارك - معهد جيتستون https://www.gatestoneinstitute.org/11400/turkey-denmark-mosques 6. التمويل القطري للمسجد الكبير في الدنمارك https://middle-east-online.com/en/danish-politicians-slam-qatar%E2%80%99s-control-grand-mosque 7. تقرير البرلمان الأوروبي حول التمويل السعودي https://www.europarl.europa.eu/doceo/document/B-9-2020-0087_EN.html 8. تغطية إيران إنترناشونال حول التمويل الإيراني https://www.iranintl.com/en/202508161375 تشريعات ووثائق رسمية 10. قانون حظر التبرعات الأجنبية للمؤسسات الدينية في الدنمارك https://www.lovguiden.dk/loven/lov-om-forbud-mod-modtagelse-af-donationer-fra-visse-fysiske-og-juridiske-personer/1 مصادر أكاديمية 11. دراسة أكاديمية حول العلاقة بين الدين والدولة في أوروبا - MDPI https://www.mdpi.com/2077-1444/9/5/144 12. التقليد الإصلاحي في الإسلام - معهد الدراسات الإسماعيلية https://www.iis.ac.uk/scholarly-contributions/islams-reformist-tradition 13. التيارات الإصلاحية الإسلامية - أكسفورد https://academic.oup.com/edited-volume/43158/chapter-abstract/362193978?re-dir-ectedFrom=fulltext
***************************
المقال نشر بالدنماركية لاول مرة في احدى اهم المنصات اليسارية: https://solidaritet.dk/hvem-former-den-islamiske-religioese-diskurs-i-danmark/
كما نشر بالانكليزية في موقع زنيت ورك اليساري العالمي، وهو متاح الان بعشرات اللغات التي يدعمها الموقع: https://znetwork.org/znetarticle/islamic-institutions-in-europe-between-integration-and-foreign-influence-who-shapes-the-religious-discourse
#رزكار_عقراوي (هاشتاغ)
Rezgar_Akrawi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
-
نقد يساري لقائد يساري، النقد الذاتي في الممارسة
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
-
الفاشية الرقمية، حين يلتقي رأس المال الاحتكاري باليمين المتط
...
-
إسرائيل، الأبارتهايد وعقوبة الإعدام، حين يصبح القانون سلاحا
...
-
الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج في الدول الأوروب
...
-
القضية الكردية والمسألة القومية، الدولة القومية أم دولة المو
...
-
الاشتراكية الرقمية أو الاندثار: درس فنزويلا وصراع الرأسمالية
...
-
بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي
...
-
مقالاتي وتحليلاتي حول اليسار الالكتروني والذكاء الاصطناعي وا
...
-
الرؤية الرأسمالية للذكاء الاصطناعي: الربح، السلطة، والسيطرة
-
اليسار العراقي عشية انتخابات 2025: بين الوحدة والتجدد
-
جيل Z 212 واحتجاجات الشباب في المغرب: من الفضاء الرقمي إلى ا
...
-
بثلاثين لغة عالمية، يصدر كتابي حول الذكاء الاصطناعي مجانا بد
...
-
رقابة وسيطرة ناعمة، عبر الذكاء الاصطناعي كأداة قمع سياسي متد
...
-
هل نعيش في عبودية رقمية؟ كيف يسيطر الذكاء الاصطناعي على عقول
...
-
البابا والفاتيكان، حق إلهي أم احتكار ذكوري؟ رجال كهول يقصون
...
-
كسر الفجوة الرقمية بين اليسار والرأسمالية، مهمة اليسار العاج
...
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
المزيد.....
-
كيف ربح ترامب مليار دولار من العملات المشفرة بينما خسر معظم
...
-
كيف تؤثر الأجهزة الإلكترونية على أجسادنا؟
-
موناكو تحدد مشتبها به في محاولة اغتيال رجل أعمال أوكراني وال
...
-
نيويورك تايمز: واشنطن تخشى خطط إسرائيل لاغتيال المفاوضين الإ
...
-
إسرائيل على قدم واحدة منذ 1000 يوم
-
جنبلاط للشيباني: أفضل العلاقة المتوازنة مع سوريا على اتفاق -
...
-
غالوزين: مطالبة سيبيغا لروسيا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات أم
...
-
ممثل المرشد الإيراني في الهند: مجتبى خامنئي لن يحضر جنازة وا
...
-
ترامب يهنئ ماسك بعد استعادته لقب التريليونير ويؤكد استمرار ا
...
-
المغرب.. حريق في -غابة المعمورة- ينتهي بسقوط طائرة خفيفة ومص
...
المزيد.....
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
المزيد.....
|